سورة
اية:

إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى ممتناً على رسوله صلى اللّه عليه وسلم بما أنزله عليه من القرآن الكريم، { فاصبر لحكم ربك} أي كما أكرمتك بما أنزلت عليك فاصبر على قضائه وقدره، واعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره، { ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً} أي لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صدك عما أنزل إليك، بل بلغ ما أنزل إليك من ربك وتوكل على اللّه فإن اللّه يعصمك من الناس، فالآثم هو الفاجر في أفعاله والكفور هو الكافر قلبه، { واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً} أي في أول النهار وآخره، { ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً} ، كقوله تعالى: { ومن الليل فتهجد به نافلة لك} الآية، وكقوله تعالى: { يا أيها المزمل . قم الليل إلا قليلاً} ، ثم قال تعالى منكراً على الكفّار ومن أشبههم حب الدنيا والإقبال عليها، وترك الدار الآخرة وراء ظهورهم، { إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً} يعني يوم القيامة، ثم قال تعالى: { نحن خلقناهم وشددنا أسرهم} ، قال ابن عباس ومجاهد: يعني خلقهم { وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلاً} أي وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة، وبدلناهم فأعدناهم خلقاً جديداً، وهذا استدلال بالبداءة على الرجعة، وقال ابن جرير: { وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلاً} أي وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم كقوله تعالى: { إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأتِ بآخرين وكان اللّه على ذلك قديراً} ، وكقوله تعالى: { إن يشأ يذهبكم ويأتِ بخلق جديد وما ذلك على اللّه بعزيز} ، ثم قال تعالى: { إن هذه تذكرة} يعني هذه السورة تذكرة، { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً} أي طريقاً ومسلكاً، أي من شاء اهتدى بالقرآن، { وما تشاءون إلا أن يشاء اللّه} أي لا يقدر أحد أن يهدي نفسه ولا يدخل في الإيمان ولا يجر لنفسه نفعاً { إلا أن يشاء اللّه إن اللّه كان عليماً حكيماً} أي عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له ويقيض له أسبابها، ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، ولهذا قال تعالى: { إن اللّه كان عليماً حكيماً} ، ثم قال: { يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعدَّ لهم عذاباً أليماً} أي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فمن يهده فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

تفسير الجلالين

{ إن هذه } السورة { تذكرة } عظة للخلق { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } طريقا بالطاعة.

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إن هذه} أي السورة { تذكرة} أي موعظة { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} أي طريقا موصلا إلى طاعته وطلب مرضاته. وقيل { سبيلا} أي وسيلة. وقيل وجهة وطريقا إلى الجنة. والمعنى واحد. { وما تشاؤون} أي الطاعة والاستقامة واتخاذ السبيل إلى الله { إلا أن يشاء الله} فأخبر أن الأمر إليه سبحانه ليس إليهم، وأنه لا تنفذ مشيئة أحد ولا تتقدم، إلا أن تتقدم مشيئته. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { وما يشاؤون} بالياء على معنى الخبر عنهم. والباقون بالتاء على معنى المخاطبة لله سبحانه. وقيل : إن الآية الأولى منسوخة بالثانية. والأشبه أنه ليس بنسخ، بل هو تبيين أن ذلك لا يكون إلا بمشيئته. قال الفراء { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} جواب لقوله { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} ثم أخبرهم أن الأمر ليس إليهم فقال { وما تشاؤون} ذلك السبيل { إلا أن يشاء الله} لكم. { إن الله كان عليما} بأعمالكم { حكيما} في أمره ونهيه لكم. وقد مضى في غير موضع. { يدخل من يشاء في رحمته} أي يدخله الجنة راحما له { والظالمين} أي ويعذب الظالمين فنصبه بإضمار يعذب. قال الزجاج : نصب الظالمين لأن قبله منصوب؛ أي يدخل من يشاء في رحمته ويعذب الظالمين أي المشركين ويكون { أعد لهم} تفسيرا لهذا المضمر؛ كما قال الشاعر : أصبحت لا أحمل السلاح ولا ** أملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن مررت به ** وحدي وأخشى الرياح والمطرا أي أخشى الذئب أخشاه. قال الزجاج : والاختيار النصب وإن جاز الرفع؛ تقول : أعطيت زيدا وعمرا أعددت له برا، فيختار النصب؛ أي وبررت عمرا أو أبر عمرا. وقوله في الشورى { يدخل من يشاء في رحمته والظالمون} [الشورى : 8] ارتفع لأنه لم يذكر بعده فعل يقع عليه فينصب في المعنى؛ فلم يجز العطف على المنصوب قبله فارتفع بالابتداء. وها هنا قوله { أعد لهم عذابا} يدل على ويعذب، فجاز النصب. وقرأ أبان بن عثمان { والظالمون} رفعا بالابتداء والخبر { أعد لهم} . { عذابا أليما} أي مؤلما موجعا. وقد تقدم هذا في سورة البقرة وغيرها والحمد لله.


www.alro7.net