سورة
اية:

وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انْظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة} يعني آدم عليه السلام، كما قال: { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء} ، وقوله: { فمستقر ومستودع} اختلفوا في معنى ذلك: فعن ابن مسعود { فمستقر} : أي في الأرحام { ومستودع} أي في الأصلاب وهو قول كثير من السلف منهم ابن عباس ومجاهد وعطاء والنخعي والضحّاك وقتاده والسدي وغيرهم ، وعن ابن مسعود وطائفة: فمستقر في الدنيا ومستودع حيث يموت، وقال سعيد بن جبير: فمستقر في الأرحام وعلى ظهر الأرض وحيث يموت، وقال الحسن البصري: المستقر الذي مات فاستقر به عمله، وعن ابن مسعود: ومستودع في الدار الآخرة، والقول الأول هو الأظهر، واللّه أعلم. وقوله تعالى: { قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} أي يفهمون ويعون كلام اللّه ومعناه، وقوله تعالى: { وهو الذي أنزل من السماء ماء} أي بقدر مباركاً ورزقاً للعباد وإحياء وغياثاً للخلائق، رحمة من اللّه بخلقه { فأخرجنا به نبات كل شيء} ، كقوله: { وجعلنا من الماء كل شيء حي} ، { فأخرجنا منه خضراً} أي زرعاً وشجراً أخضر، ثم بعد ذلك نخلق فيه الحب والثمر. ولهذا قال تعالى: { نخرج منه حباً متراكباً} أي يركب بعضه على بعض كالسنابل ونحوها { ومن النخل من طلعها قنوان} جمع قنو وهي عذوق الرطب، { دانية} أي قريبة من المتناول، كما قال ابن عباس { قنوان دانية} يعني بالقنوان الدانية قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض "رواه ابن جرير" وقوله تعالى: { وجنات من أعناب} أي ونخرج منه جنات من أعناب، وهذان النوعان هما أشرف الثمار عند أهل الحجاز، وربما كانا خيار الثمار في الدنيا، كما امتن اللّه بهما على عباده في قوله تعالى: { ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً} ، وكان ذلك قبل تحريم الخمر، وقال: { وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب} ، وقوله تعالى: { والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه} ، قال قتادة وغيره: متشابه في الورق والشكل قريب بعضه من بعض، ومتخالف في الثمار شكلاً وطعماً وطبعاً، { انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} أي نضجه، قال البراء وابن عباس والضحاك وغيرهم، أي فكروا في قدرة خالقه من العدم إلى الوجود بعد أن كان حطباً صار عنباً ورطباً، وغير ذلك مما خلق سبحانه وتعالى من الألوان والأشكال والطعوم والروائح كقوله تعالى: { يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} الآية، ولهذا قال ها هنا: { إن في ذلكم} أيها الناس { لآيات} أي دلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته { لقوم يؤمنون} أي يصدقون به ويتبعون رسله.

تفسير الجلالين

{ وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا } فيه التفات عن الغيبة { به } بالماء { نبات كل شيء } ينبت { فأخرجنا منه } أي النبات شيئا { خَضِرا } بمعنى أخضر { نخرج منه } من الخضر { حبا متراكبا } يركب بعضه بعضا كسنابل الحنطة ونحوها { ومن النخل } خبر ويبدل منه { من طلعها } أول ما يخرج منها والمبتدأ { قنوان } عراجين { دانية } قريب بعضها من بعض { و } أخرجنا به { جناتِ } بساتين { من أعناب والزيتون والرمان مشتبها } ورقهما حال { وغير متشابه } ثمرها { انظروا } يا مخاطبون نظر اعتبار { إلى ثمره } بفتح الثاء والميم وبضمهما وهو جمع ثمرة كشجرة وشجر وخشبة وخشب { إذا أثمر } أول ما يبدو كيف هو { و } إلى { ينعه } نضجه إذا أدرك كيف يعود { إن في ذلكم لآيات } دلالات على قدرته تعالى على البعث وغيره { لقوم يؤمنون } خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها في الإيمان بخلاف الكافرين .

تفسير القرطبي

فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى { وهو الذي أنزل من السماء ماء} أي المطر. { فأخرجنا به نبات كل شيء} أي كل صنف من النبات. وقيل : رزق كل حيوان. { فأخرجنا منه خضرا} قال الأخفش : أي أخضر؛ كما تقول العرب : أرينها نمرة أركها مطرة. والخضر رطب البقول. وقال ابن عباس : يريد القمح والشعير والسلت والذرة والأرز وسائر الحبوب. { نخرج منه حبا متراكبا} أي يركب بعضه على بعض كالسنبلة. الثانية: قوله تعالى { ومن النخل من طلعها قنوان دانية} ابتداء وخبر. وأجاز الفراء في غير القرآن { قنوانا دانية} على العطف على ما قبله. قال سيبويه : ومن العرب من يقول : قنوان. قال الفراء : هذه لغة قيس، وأهل الحجاز يقولون : قنوان، وتميم يقولون : قنيان؛ ثم يجتمعون في الواحد فيقولون : قنو وقنو. والطلع الكفري قبل أن ينشق عن الإغريض. والإغريض يسمى طلعا أيضا. والطلع؛ ما يرى من عذق النخلة. والقنوان : جمع قنو، وتثنيته قنوان كصنو وصنوان (بكسر النون). وجاء الجمع على لفظ الاثنين. قال الجوهري وغيره : الاثنان صنوان والجمع صنوان (برفع النون). والقنو : العذق والجمع القنوان والأقناء؛ قال : طويلة الأقناء والأثاكل غيره { أقناء} جمع القلة. قال المهدوي : قرأ ابن هرمز { قنوان} بفتح القاف، وروي عنه ضمها. فعلى الفتح هو اسم للجمع غير مكسر، بمنزلة ركب عند سيبويه، وبمنزلة الباقر والجامل؛ لأن فعلان ليس من أمثلة الجمع، وضم القاف على أنه جمع قنو وهو العذق (بكسر العين) وهي الكباسة، وهي عنقود النخلة. والعذق (بفتح العين) النخلة نفسها. وقيل : القنوان الجمار. { دانية} قريبة، ينالها القائم والقاعد. عن ابن عباس والبراء بن عازب وغيرهما. وقال الزجاج : منها دانية ومنها بعيدة؛ فحذف؛ ومثله { سرابيل تقيكم الحر} [النحل : 81]. وخص الدانية بالذكر، لأن من الغرض في الآية ذكر القدرة والامتنان بالنعمة، والامتنان فيما يقرب متناوله أكثر. الثالثة: قوله تعالى { وجنات من أعناب} أي وأخرجنا جنات. وقرأ محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى والأعمش، وهو الصحيح من قراءة عاصم { وجنات} بالرفع. وأنكر هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، حتى قال أبو حاتم : هي محال؛ لأن الجنات لا تكون من النخل. قال النحاس. والقراءة جائزة، وليس التأويل على هذا، ولكنه رفع بالابتداء والخبر محذوف؛ أي ولهم جنات. كما قرأ جماعة من القراء { وحور عين} [الواقعة : 22]. وأجاز مثل هذا سيبويه والكسائي والفراء؛ ومثله كثير. وعلى هذا أيضا { وحورا عينا} حكاه سيبويه، وأنشد : جئني بمثل بني بدر لقومهم ** أو مثل أسرة منظور بن سيار وقيل : التقدير { وجنات من أعناب} أخرجناها؛ كقولك : أكرمت عبدالله وأخوه، أي وأخوه أكرمت أيضا. فأما الزيتون والرمان فليس فيه إلا النصب للإجماع على ذلك. وقيل { وجنات} بالرفع عطف على { قنوان} لفظا، وإن لم تكن في المعنى من جنسها. { والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه} أي متشابها في الأوراق؛ أي ورق الزيتون يشبه ورق الرمان في اشتمال على جميع الغصن وفي حجم الورق، وغير متشابه في الذواق؛ عن قتادة وغيره. قال ابن جريج { متشابها} في النظر { وغير متشابه} في الطعم؛ مثل الرمانتين لونهما واحد وطعامهما مختلف. وخص الرمان والزيتون بالذكر لقربهما منهم ومكانهما عندهم. وهو كقوله { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} [الغاشية : 17]. ردهم إلى الإبل لأنها أغلب ما يعرفونه. الرابعة: قوله تعالى { انظروا إلى ثمره إذا أثمر} أي نظر الاعتبار لا نظر الإبصار المجرد عن التفكر. والثمر في اللغة جنى الشجر. وقرأ حمزة والكسائي { ثمره} بضم الثاء والميم. والباقون بالفتح فيهما جمع ثمرة، مثل بقرة وبقر وشجرة وشجر. قال مجاهد الثمر أصناف المال، والتمر ثمر النخل. وكأن المعنى على قول مجاهد : انظروا إلى الأموال التي يتحصل منه الثمر؛ فالثمر بضمتين جمع ثمار وهو المال المثمر. وروي عن الأعمش { ثمره} بضم الثاء وسكون الميم؛ حذفت الضمة لثقلها طلبا للخفة. ويجوز أن يكون ثمر جمع ثمرة مثل بدنة وبدن. ويجوز أن يكون ثمر جمع جمع، فتقول : ثمرة وثمار وثمر مثل حمار وحمر. ويجوز أن يكون جمع ثمرة كخشبة وخشب لا جمع الجمع. الخامسة: قوله تعالى { وينعه} قرأ محمد بن السميقع { ويانعه} . وابن محيصن وابن أبي إسحاق { وينعه} بضم الياء. قال الفراء : هي لغة بعض أهل نجد؛ يقال : ينع الثمر يينع، والثمر يانع. وأينع يونع والتمر مونع. والمعنى : ونضجه. ينع وأينع إذا نضج وأدرك. قال الحجاج في خطبته : أرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها. قال ابن الأنباري : الينع جمع يانع، كراكب وركب، وتاجر وتجر، وهو المدرك البالغ. وقال الفراء : أينع أكثر من ينع، ومعناه أحمر؛ ومنه ما روي في حديث الملاعنة (إن ولدته أحمر مثل الينعة) وهي خرزة حمراء، يقال : إنه العقيق أو نوع منه. فدلت الآية لمن تدبر ونظر ببصره وقلبه، نظر من تفكر، أن المتغيرات لا بد لها من مغير؛ وذلك أنه تعالى قال { انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} . فتراه أولا طلعا ثم إغريضا إذا انشق عنه الطلع. والإغريض يسمى ضحكا أيضا، ثم بلحا، ثم سيابا، ثم جدالا إذ اخضر واستدار قبل أن يشتد، ثم بسرا إذا عظم، ثم زهوا إذا أحمر؛ يقال : أزهى يزهي، ثم موكتا إذا بدت فيه نقط من الإرطاب. فإن كان ذلك من قبل الذنب فهي مذنبة، وهو التذنوب، فإذا لانت فهي ثعدة، فإذا بلغ الإرطاب نصفها فهي مجزعة، فإذا بلغ ثلثيها فهي حلقانة، فإذا عمها الإرطاب فهي منسبتة؛ يقال : رطب منسبت، ثم ييبس فيصير تمرا. فنبه الله تعالى بانتقالها من حال إلى حال وتغيرها ووجودها بعد أن لم تكن بعد على وحدانيته وكمال قدرته، وأن لها صانعا قادرا عالما. ودل على جواز البعث؛ لإيجاد النبات بعد الجفاف. قال الجوهري : ينع الثمر يينع ويينع ينعا وينوعا، أي نضج. السادسة: قال ابن العربي قال مالك : الإيناع الطيب بغير فساد ولا نقش. قال : مالك : والنقش أن ينقش أهل البصرة الثمر حتى يرطب؛ يريد يثقب فيه بحيث يسرع دخول الهواء إليه فيرطب معجلا. فليس ذلك الينع المراد في القرآن، ولا هو الذي ربط به رسول الله صلى الله عليه وسلم البيع، وإنما هو ما يكون من ذاته بغير محاولة. وفي بعض بلاد التين، وهي البلاد الباردة، لا ينضج حتى يدخل في فمه عود قد دهن زيتا، فإذا طاب حل بيعه؛ لأن ذلك ضرورة الهواء وعادة البلاد، ولولا ذلك ما طاب في وقت الطيب. قلت : وهذا الينع الذي يقف عليه جواز بيع التمر وبه يطيب أكلها ويأمن من العاهة، هو عند طلوع الثريا بما أجرى الله سبحانه من العادة وأحكمه من العلم والقدرة. ذكر المعلى بن أسد عن وهيب عن عسل بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا طلعت الثريا صباحا رفعت العاهة عن أهل البلد). والثريا النجم، لا خلاف في ذلك. وطلوعها صباحا لاثنتي عشرة ليلة تمضي من شهر أيار، وهو شهر مايو. وفي البخاري : وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر. السابعة: وقد استدل من أسقط الجوائح في الثمار بهذه الآثار، وما كان مثلها من نهيه عليه السلام عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن بيع الثمار حتى تذهب العاهة. قال عثمان بن سراقة : فسألت ابن عمر متى هذا؟ فقال : طلوع الثريا. قال الشافعي : لم يثبت عندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح، ولو ثبت عندي لم أعده، والأصل المجتمع عليه أن كل من ابتاع ما يجوز بيعه وقبضه كانت المصيبة منه، قال : ولو كنت قائلا بوضع الجوائح لو ضعتها في القليل والكثير. وهو قول الثوري والكوفيين. وذهب مالك وأكثر أهل المدينة إلى وضعها؛ لحديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح. أخرجه مسلم. وبه كان يقضي عمر بن عبدالعزيز، وهو قول أحمد بن حنبل وسائر أصحاب الحديث. وأهل الظاهر وضعوها عن المبتاع في القليل والكثير على عموم الحديث؛ إلا أن مالكا وأصحابه اعتبروا أن تبلغ الجائحة ثلث الثمرة فصاعدا، وما كان دون الثلث ألغوه وجعلوه تبعا، إذ لا تخلو ثمرة من أن يتعذر القليل من طيبها وأن يلحقها في اليسير منها فساد. وكان أصبغ وأشهب لا ينظران إلى الثمرة ولكن إلى القيمة، فإذا كانت القيمة الثلث فصاعدا وضع عنه. والجائحة ما لا يمكن دفعه عند ابن القاسم. وعليه فلا تكون السرقة جائحة، وكذا في كتاب محمد. وفي الكتاب أنه جائحة، وروي عن ابن القاسم، وخالفه أصحابه والناس. وقال مطرف وابن الماجشون : ما أصاب الثمرة من السماء من عفن أو برد، أو عطش أو حر أو كسر الشجر بما ليس بصنع آدمي فهو جائحة. واختلف في العطش؛ ففي رواية ابن القاسم هو جائحة. والصحيح في البقول أنها فيها جائحة كالثمرة. ومن باع ثمرا قبل بدو صلاحه بشرط التبقية فسخ بيعه ورد؛ للنهي عنه؛ ولأنه من أكل المال بالباطل؛ لقوله عليه السلام : (أرأيت إن منع الله الثمرة فبم أخذ أحدكم مال أخيه بغير حق)؟ هذا قول الجمهور، وصححه أبو حنيفة وأصحابه وحملوا النهي على الكراهة. وذهب الجمهور إلى جواز بيعها قبل بدو الصلاح بشرط القطع. ومنعه الثوري وابن أبي ليلى تمسكا بالنهي الوارد في ذلك. وخصصه الجمهور بالقياس الجلي؛ لأنه مبيع معلوم يصح قبضه حالة العقد فصح بيعه كسائر المبيعات.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 97 - 99

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

كان السياق يقتضي أن يقول سبحانه: أنزل من السماء ماء " فأخرج ".

لكنه هنا قال: " فأخرجنا "؛ لأن كل شيء لا يوجد لله فيه شبهة شريك؛ فهو من عمله فقط، ولا يقولن أحد إنه أنزل المطر وأخرج النبات لأن الأرض أرض الله المخلوقة له والبذور خلقها الله، والإنسان يفكر بعقل خلقه الله وبالطاقة المخلوقة له. وأنت حين تنسب الحاجات كلها إلى صانعها الأول، فهو إذن الذي فعل، لكنه احترم تعبك، وهو يوضح لك: حين قال: " فأخرجنا " أي أنا وأسبابي التي منحتها لك، أنا خلقت الأسباب، والأسباب عملت معك. فإذا نظرت إلى مسبب الأسباب فهو الفاعل لكل شيء. وإن نظرت إلى ظاهرية التجمع والحركة فالأسباب التي باشرها الإنسان موجودة؛ لذلك يقول: " فأخرجنا ".

وسبحانه جل وعلا قد يتكلم في بعض المواقف فيثبت للإنسان عملاً لأنه قام به بأسباب الله الممنوحة له، ولكنه ينفي عنه عملاً آخر ليس له فيه دخل بأي صورة من الصور؛ مثل قوله الحق:
{  أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ }
[الواقعة: 63-64].

سبحانه هنا ينسب لنا الحرث لأننا قمنا به ولكن بأسباب منه - سبحانه - فهو الذي أنزل لنا الحديد الذي صنعنا منه المحراث وهدانا إلى تشكيله بعد أن ألانه لنا بالنار التي خلقها لنا، وبالطاقة التي أعطانا إياها، أما الزراعة فليس لأحد منا فيها عمل ولذلك يقول سبحانه:
{  لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ }
[الواقعة: 65].

هنا - سبحانه - أتى باللام في قوله تعالى: (لجعلناه) للتأكيد؛ لأن الإنسان له في هذا الأمر عمل، إنه حرث وتعهد ما زرعه بالريّ والكد حتى نما وأثمر، لكن قد تصيبه آفة تقضي عليه، فالأسباب وإن كانت قد عملت إلا أنها لا تضمن الانتفاع بثمرة الزرع، ذلك لأن الأسباب لا تتمرد، ولا تتأبى على الله ولا تخرج عليه، إنها تؤدي ما يريده منها الله، وقد يعطلها سبحانه. أما في قوله تعالى: { أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً } ، إنه سبحانه لم يقل لجعلناه، لأنه ليس لأحد فيه عمل لذلك لم يؤكده باللام.

ويقول سبحانه:
{  أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ }
[الواقعة: 71-73].

إن كل شيء يذكره الحق يذكر معه أيضاً ما ينقضه، ذلك حتى لا يُفْتَن الإنسان بوجود الأشياء، وعليه أن يستقبل الأشياء مع إمكان إعدامها. وإذا ما كان الإنسان هو الذي يحرث فالحق بطلاقة قدرته قد يجعل النبات حطاماً، ومن قبل قال عن مقومات الحياة:
{  أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ }
[الواقعة: 58-59].

ثم جاء سبحانه بما ينقضه فقال: { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ }. أما عن النار فلم يقل - سبحانه - إنه يقضي عليها ويخمدها ويطفئها، إنه - جل شأنه - أبقاها ليعلمنا ويذكرنا بنار الآخرة { نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً } أي لا بد أن نتركها أمامكم حتى لا يغيب عنكم العذاب الآخروي { وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ } أي ونتركها - جون نقض لها وذلك لأمر آخر هو المنفعة في الدنيا للذين ينزلون أماكن خالية قفراء أو للذين خلت بطونهم وأوعيتهم ومزاودهم من الطعام لأن النار تنفعهم وتساعدهم على إعداد طعامهم استبقاء لحياتهم: { فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ } [الأنعام: 99].

والشيء هو ما يُخْبَر عنه؛ الهباءة شيء، والذرة شيء وكل حاجة اسمها شيء، ومعنى نبات كل شيء: أن كل حاجة مثل النبات تماماً. رأينا الحجارة التي يقول عنها العلماء هذه جرانيت، وتلك الرخام وتلك مرمر، ولو نظرت إلى أصلها وجدتها أعماراً للحجارة، طال عمر حجر ما فصارا فحماً، وطال عمر آخر فصار جرانيتاً، وهكذا. وكل حاجة لها حياة لتثبت لنا القضية الأولى، وهي:
{  كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }
[القصص: 88]

أو نبات كل شيء ترون فيه نمواً وحياة، والعقل الفطري يأخذها هكذا، لكن العقل المستوعب يأخذ منها قضايا كثيرة، ويتغلغل في الكون ويجد الآية سابحة معه وهو سابح معها.

ويتابع سبحانه: { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً } وإذا قلت كلمة " خَضِر " فقد تعني اللون المعروف لنا وهو الأخضر، لكن " خضر " فيها وصف زائد قليلاًً عن أخضر؛ لأن " أخضر " يخبر عن لون فقط، واللون متعلقة العين، لكن " خضر " يعطي اللون، ويعطي الغضاضة ونعرفها " بالحس ". وحين تلمسه تجد النعومة.

إذن " خضر " فيها أشياء كثيرة؛ " لون " متعلق العين، و " غضاضة " نعرفها بالحس وفيها نعومة نعرفها باللمس. وهذا اللون الأخضر يكون داكناً جداً أي أن خضرته شديدة حتى أنها تضرب إلى السواد؛ لذلك نسمع من يقول: " سواد العرق " أي الأرض الخصبة التي في العراق، ويسمونها سواد العرق لأنها خضراء خضرة شديدة ولذلك تكون مائلة إلى السواد، ويقول الحق سبحانه وتعالى:
{  وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَآمَّتَانِ }
[الرحمن: 62-64].

و " مدهامة " أي مثل دهمة الليل؛ كأنها من شدة خضرتها صارت كدهمة الليل. ويتابع الحق { خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً } والحب هو ما ليس له نواة مثل حبة الشعير وحبة القمح وحبة العدس وحبة اللوبيا. و " متراكبا " تعني أنه حب مرصوص متساند.

{ وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ } والنخل عند العرب له مكانة عالية لأنه يعطي لهم الغذاء الدائم فيذكرهم به { وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ }.و " الطلع " هو أول شيء يبدو من ثمر النخل، وهو ما نسميه في الريف " الكوز الأخضر " وهو في الذكر من النخل الذي يسمى " الفحل " ويوجد أيضاً في الأنثى، وأول ما يبدو من ثمر النخل يسمى الطلع، ثم ينشق الطلع ويخرج منه القنو أو العزق أو العرجون، وهو الجزء الذي توجد فيه الشماريخ التي يتعلق بها البلح.

والطلع إذن هو الثمرة الأولى للنخلة قبل أن تنشق ويطلع منها القنوان وهو " السباطة " كما نسميها في الريف.

" قنوان دانية " ويصفها الحق بأنها دانية لأنك حين تنظر طلع النخيل أول ما يطلع تجده ينشق ويحمي نفسه بشوك الجريد حتى لا تأكله الحشرات ثم يثقل وينحني ويكاد ينزل على الأرض فيكون دانياً قريبا، فإن كانت هناك " سباطة " شاذة تجد من يجنيها يُدخل يده بين الشوك ليصل إليها. وسبحانه يترك لنا فلتات لنعرف نعمة الله في أنه جعلها تتدلى لأنها لو كانت كلها دانية. قد لا يلتفت إليها، لذلك يترك واحدة بين الشوك ليتعب الإنسان حتى يحصل عليها لتعرف أنه سبحانه قد دنّى لك الباقي وهذه نعمة من الله.

ويُطلق الطلع مرة على الأكمام و " الكِم " هو ما توجد في قلبه الثمار، ومرة يطلق على الثمر نفسه:
{  وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ }
[ق: 10].

وأنت ترى البلح نازلاً من " الشماريخ " ، وكل شمروخ به عدد من البلح، ثم ترى " الشمروخ " متصلاً بالأم، وفي ذلك ترى عظمة الهندسة العجيبة في ترتيب الثمار. وكل شيء محسوب في هذا الأمر بهندسة عجيبة وعندما ننظر إلى ما تعلمناه في حياتنا حين نصمم شبكة توصيل المياه وشبكة الصرف الصحي، إن شبكة المياه التي تعطينا الذي نستخدمه، وشبكة الصرف الصحي التي تأخذ الزائد من المياه والفضلات. عندما تنظر إلى هذه الشبكة أو تلك تجد هندسة كل منها دقيقة؛ لأن أي غفلة في التصميم تسبب المتاعب. فحين تريد توصيل المياع إلى حارة؛ فأنت تستخدم ماسورة قطرها كذا بوصة، وفي الحارة هناك عطفات فتحضر لكل عطفة ماسورة أقل قطراً من الأولى، ثم ماسورة أقل للبيوت، وماسورة أقل بكثير لكل شقة، لقد قام المهندسون بحساب دقيق لهذه المسائل.

فإذا كانت هذه هي هندسة البشر، فما بالنا بهندسة الخالق؟ أنت تجد العزق: وهو حامل الرطب يأخذ من النخلة، وكل نخلة فيها كذا " سباطة " وفي كل " سباطة " هناك " الشماريخ " ، ثم هناك البلح وكل بلحة تأخذ شعرة لغذائها. وهكذا نجد كل شيء محسوباً بدقة بالغة. إنها هندسة كونية عجيبة مصنوعة بقول الحق: كن، وصدق الله القائل:
{  ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ }
[الأعلى: 2-3].

{ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } وكلمة { وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } لم نكن نعرف ما وراءها، كنا نعرف فقط أن السماء هي كل ما علاك فأظللك، والماء يأتي من السحاب، وكلنا نرى السماء تمطر. وكلنا نعرف التعبير الفطري الذي يقول: غامت السماء، ثم أمطرت، وهناك من قال: تضحك الأرض من بكاء السماء لأنها تستقبل الماء الذي يروي ما بها من بذور. لكن ما وراء عملية الإنزال هذه؟

إن هناك عملية أخرى تحدث في الكون دون شعور منا، عرفناها فقط حين تقدم العلم وحين قمنا بتقطير المياه، فأحضرنا موقداً ووضعنا فوقه قارورة ماء، وحين وصل إلى نقطة الغليان خرج البخار، وسار البخار في الأنابيب ومرت الأنابيب في أوساط باردة فتكثفت المياه ونزلت ماء مقطراً، ومثل ذلك يحدث في المطر، وانظر كم يكلفنا كوب واحد من الماء المقطر الذي نشتريه من الصيدلية؟ وقارن ذلك بالسماء التي تنزل بماء منهمر، ولا ندري كيق صُنع. ولذلك يقول الحق:
{  أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ }
[الواقعة: 69].

هكذا ينزل الماء من السماء، ولم نكن نعرف كيف يحدث ذلك وسبحانه يقول هنا: { وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِه } [الأنعام: 99].

وحين يقول سبحانه { مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِه } نصدق، مثال حبة الخوخ، هناك حبة من نوع نسميه " الخوخ السلطاني " ، حين تمسك بالثمرة الواحدة تنفلق لتخرج البذرة نظيفة، وحبة أخرى نفلقها نحن فتجد البذرة فيها بعض لحم الفاكهة ونجد فيها أيضا بعضاً من الألياف. وهذه لها لون والأخرى لها لون، هذه لها طعم وتلك لها طعم مختلف.
{  يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ }
[الرعد: 4].

هذا ليعرف الإنسان أن طلاقة القدرة تحقق ما يريده الخالق، وبعد ذلك تلتفت فتجد الفصائل، فهذا برتقال منه بسرّة، ومنه برتقال بلدي. وبرتقال بدمّه ثم اليوسفي. ولذلك سنجد في الجنة ما يحدثنا عنه سبحانه فيقول:
{  كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً }
[البقرة: 25].

وحين يأكل منه ساكن الجنة يكتشف أن لفاكهة الجنة طعما مختلفا. ومن طلاقة القدرة أنه بعد التحليلات التي قام بها العلماء المعمليون - جزاهم الله عنا خيراً - لـ " حبة العنب " وجدوا أن القشرة التي تغلفها لها طبيعة " البارد " و " اليابس " ، واللحم لحبة العنب طبيعته مختلفة " حار رطب " ثم البذرة " بارد يابس " ، وهذه ثلاث طبائع في الحبة الواحدة، وهذا شيء عجيب التكوين. وكذلك " الأترجة " وهي فاكة كالنارنج تجد القشرة " حارة يابسة " ، واللحم فيها " بارد رطب " ، والسائل الذي في اللحم " بارد يابس " والبذرة " حار يابس " ، طبائع أربعة في الشيء الواحد، كيف؟ وبأية قدرة؟

إن العلماء قد تعبوا حتى عرفوا تكوينها ليظهروا لنا المسألة، وتلتفت لتجد ثمرة تأكل ظاهرها، وباطنها بذرة، وثمرة ثانية تأكل ما في داخلها كالجوز أو اللوز، وتقشر القشرة وتلقيها، والخوخة تأكل لحمها وتترك بذرتها، وذلك لتعرف أن المسألة ليست آلية خلق بل إبداع خالق.وتجد الشيء له اللون، واللون بلا طعم، ثم الرائحة المميزة وكل ذلك دليل على طلاقة القدرة. وهذا هو السبب في أن الحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم عن ثمار الجنة يأتي بثمار مثلها في الدنيا؛ لأنه لو أحضر ثماراً ليس لها مثيل في الدنيا لقال الإنسان: هذه طبيعة الثمار، ولو وجدت في الدنيا لكان لها طعم مماثل. لكن هاهي ذي تتشابه، وطعومها مختلفة.. إنها طلاقة القدرة.

ويقول الحق: { ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } الحق سبحانه وتعالى لا يعطي الإنسان حتى يملأ بطنه فحسب لا، ولكنه يغذي كل الملكات في النفس الإنسانية حتى ملكات الترف، وملكات الجمال، وملكات الحسن، فيوضح لك قبل أن تأكل: انظر للثمر وشكله! لتغذي عينيك بالمنظر الجميل حين ترى الثمرة طالعة وتتبعها حتى تنضج، إنّها مراحل عجيبة تدل على أن الصانع قيّوم، وكل يوم لها شكل مختلف وحجم مختلف، وإن أكلتها اليوم فستجد طعمها يختلف عما إذا أكلتها بعد ذلك بيوم، وهذا دليل على أن خالقها قيّوم عليها. ما دامت كل لحظة من اللحظات فيها شكل، وفيها لون وفيها طعم وفيها رائحة جديدة.

{ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } ، و " ينعه " أي وصلت إلى النضج وذلك إشاعة للتمتع بنعم الكون لأن النظر إلى الثمر لا يعني أنني أملكه، فقد أراه في حقل جاري وأنظر له وأتمتع بشكله. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يشيع الانتفاع بنعم الله حتى عند غير واجدها، لأن أحداً لن يمنعني من أن أنظر، فأنبسط، فمن ناحية الكمال الإنساني هناك غذاء لملكات النفس؛ لأن النفس ليست ملكات جوع وعطش فقط بل هي ملكات متعددة، وكل ملكة لها غذاؤها. ولذلك فقبل أن يقول لي: إن الخيل والبغال تحمل الأثقال.. قال سبحانه:
{  وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }
[النحل: 6-7].

إذن فهو يعطيني فائدة حمل الأثقال؛ لأن حمل الأثقال لمن يملكها، إنما الذي لا يملكها فهو يرى الحصان يسير بجمال، فيسعد برؤيته فيتمتع بما لا يملك، هذه إشاعة لنعم الله على خلق الله.

ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: { إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }

أي يؤمنون بأن الإله الذي آمنوا به يستحق بصفات الجلال والجمال فيه أن يُؤْمَن به، وكلما رأى الإنسان خلقا جميلاً قال: الله، إذن أنا إيماني صحيح والآيات تؤكد صدق إيماني بالإله الذي خلق كل هذا، وكل يوم تبدو لي حاجة عجيبة تزيدني إيماناً، وعقلي الذي وهبه الله لي هداني إلى الإيمان بهذا الإله.ومن العجيب ان هناك من جعلوا لله شركاء!! إله له كل هذه الصفات من أول فالق الحب والنوى، وفالق الإصباح، وجعل الليل ساكناً، والشمس، والقمر، حسابناً وبحسبان، والنجوم نهتدي بها في ظلمات البر والبحر، وأنزل لنا من السماء ماء، وأخرج لنا النبات منه خضر، كل هذه المسائل كان يجب أن تكون صارفة للناس إلى أن الله وحده هو الخالق المستحق للعبادة، ولا تتجه أبداً بالعبادة أو بالإيمان بغيره، لكن هناك من جعلوا لله شركاء، وجاء بها سبحانه بعد كل ذلك حتى يحفظنا ويغضبنا عليهم لنحذرهم ونتقيهم.

وإذا أحفظنا عليهم استحمدنا أي استوجب علينا حمد إذْ أنه هدانا إلى الإيمان، فنقول: الحمد لله الذي هدانا إلى الإيمان.

وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ... }


www.alro7.net