سورة
اية:

أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المشركين المكذبين المعاندين: أنهم كلما أتتهم من آية أي دلالة ومعجزة وحجة من الدلالات على وحدانية اللّه وصدق رسله الكرام، فإنهم يعرضون عنها فلا ينظرون إليها ولا يبالون بها، قال اللّه تعالى: { فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوق يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} ، وهذا تهديد لهم ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق، بأنه لا بد أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب، وليجدن غبّه، وليذوقن وباله، ثم قال تعالى واعظاً لهم ومحذراً لهم أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم من القرون السالفة، الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعاً، وأكثر أموالاً وأولاداً واستعلاء في الأرض، وعمارة لها فقال: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لمن نمكن لكم} أي من الأموال والأولاد والأعمار والجاه العريض والسعة والجنود، ولهذا قال: { وأرسلنا السماء عليهم مدراراً} أي شيئاً بعد شيء، { وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} أي أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض أي استدراجاً وإملاء لهم، { فأهلكناهم بذنوبهم} أي بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترحوها، { وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} أي فذهب الأولون كأمس الذاهب وجعلناهم أحاديث { وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين} أي جيلاً آخر لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم فأهلكوا كإهلاكهم، فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فما أنتم بأعز على اللّه منهم والرسول الذي كذبتموه أكرم على اللّه من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم لولا لطفه وإحسانه.

تفسير الجلالين

{ ألم يروا } في أسفارهم إلى الشام وغيرها { كم } خبرية بمعنى كثيرا { أهلكنا من قبلهم من قرن } أمة من الأمم الماضية { مكَّناهم } أعطيناهم مكانا { في الأرض } بالقوة والسعة { ما لم نمكن } نعط { لكم } فيه التفات عن الغيبة { وأرسلنا السماء } المطر { عليهم مدرارا } متتابعا { وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم } تحت مساكنهم { فأهلكناهم بذنوبهم } بتكذيبهم الأنبياء { وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } .

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن} { كم} في موضع نصب بأهلكنا لا بقوله { ألم يروا} لأن لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإنما يعمل فيه ما بعده من أجل أن له صدر الكلام. والمعنى : ألا يعتبرون بمن أهلكنا من الأمم قبلهم لتكذيبهم أنبياءهم أي ألم يعرفوا ذلك والقرن الأمة من الناس. والجمع القرون؛ قال الشاعر : إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم ** وخلفت في قرن فأنت غريب فالقرن كله عالم في عصره مأخوذ من الاقتران أي عالم مقترن به بعضهم إلى بعض؛ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (خير الناس قرني يعني أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) هذا أصح ما قيل فيه. وقيل : المعنى من أهل قرن فحذف كقوله { واسأل القرية} [يوسف : 82]. فالقرن على هذا مدة من الزمان؛ قيل : ستون عاما وقيل سبعون، وقيل : ثمانون؛ وقيل : مائة؛ وعليه أكثر أصحاب الحديث أن القرن مائة سنة؛ واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدالله بن بسر (تعيش قرنا)فعاش مائة سنة؛ ذكره النحاس. وأصل القرن الشيء الطالع كقرن ما له قرن من الحيوان. { مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم} خروج من الغيبة إلى الخطاب؛ عكسه { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين؛ بهم بريح طيبة} [يونس : 22]. وقال أهل البصرة أخبر عنهم بقوله { ألم يروا} وفيهم محمد عليه السلام وأصحابه؛ ثم خاطبهم معهم؛ والعرب تقول : قلت لعبدالله ما أكرمه : وقلت لعبدالله ما أكرمك؛ ولو جاء على ما تقدم من الغيبة لقال : ما لم نمكن لهم. ويجوز مكنه ومكن له؛ فجاء باللغتين جميعا؛ أي أعطيناهم ما لم نعطكم من الدنيا. { وأرسلنا السماء عليهم مدرارا} يريد المطر الكثير؛ عبر عنه بالسماء لأنه من السماء ينزل؛ ومنه قوله الشاعر : إذا سقط السماء بأرض قوم و { مدرارا} بناء دال على التكثير؛ كمذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور؛ ومئناث للمرأة التي تلد الإناث؛ يقال : در اللبن يدر إذا أقبل على الحالب بكثرة. وانتصب { مدارا} على الحال. { وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} أي من تحت أشجارهم ومنازلهم؛ ومنه قول فرعون { وهذه الأنهار تجري من تحتي} [الزخرف : 51] والمعنى : وسعنا عليهم النعم فكفروها. { فأهلكناهم بذنوبهم} أي بكفرهم فالذنوب سبب الانتقام وزوال النعم. { وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} أي أوجدنا؛ فليحذر هؤلاء من الإهلاك أيضا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 1 - 6


سورة الانعام الايات 6 - 14

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا ما شاهدته قريش في رحلات الشتاء والصيف. رأوا آثار عاد قوم هود وبقايا ثمود قوم صالح. وكانت إمكانات عاد وثمود أكبر من إمكانات قريش. إن قريشاً لا سيادة لها إلا بسبب وجود الكعبة، ولو كان الحق ترك أبرهة يهدم الكعبة لما مكن لهم في الأرض. ها هي ذي حضارات قد سبقت وأبادها الحق سبحانه وتعالى: ويوضح القرآن ذلك:
{  أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ }
[الفجر: 6-13].

إنها حضارات كبيرة لهم صيت وخبر في آذان الدنيا مثل حضارة الفراعنة. وكل ذلك الصولجان لا يحميه أحد من أمر الله. وزالت الحضارات وأصبحت أثراً بعد عين، وصدق عليها قول الحق:
{  فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }
[العنكبوت: 40].

والحق يجازي كل كافر الجزاء الوافي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر قومه بما حدث لغيرهم من أقوام آخرين { أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ } والقرن عادة هو الجيل الذي يحكمه زمن محدود أو حال محدود، فإن نظرنا إلى الزمن فالقرن مائة سنة كأقصى ما يمكن، والجيل الذي يعيش هذا القدر يرى حفيده وقد صار رجلاً. ونعلم أن نوحاً عليه السلام عاش تسعمائة وخمسين سنة. يقول سبحانه:
{  وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً }
[العنكبوت: 14].

وحياة نوح على طولها تسمى قرناً. إذن فالقرن هو جيل يجمعه ضابط إما زمني وإما معنوي، والقرن الزمني مدته مائة سنة، أما القرن المعنوي فقد يكون عمر رسالة أو مُلْك.

ويخبر الحق أهل الكفر بأنه قد قدر على غيرهم وأبادهم بعد أن مكن لهم في الأرض وذلك بألوان مختلفة من أنواع التمكين: { وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ } ، وهذا الخبر يأتي من السماء بما حدث لقوم سابقين مثل قوم سبأ، فقد قال عنهم الحق في موضع آخر من القرآن الكريم:
{  لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ }
[سبأ: 15].

ومسكن سبأ باليمن آية دالة على قدرة الله؛ حديقتان وارفتان عن يمين وشمال؛ ليأكل أهل سبأ من رزق الله ويشكروا نعمة الله. وكان لهم سد مأرب، ووهبهم الله القدرة لبنائه، فقطعوا من الجبال التي ليس عمل فيها ليحجزوا ماء المطر الساقط من السماء، كل شيء إذن فعلوه وإنما فعلوه لأن الله قد أراده، وهم أعرضوا عن أمرين: عن الرزق الوفير الذي منحهم الله إياه وأرادوا أن يعتمدوا على أنفسهم كما فعل قارون حيث قال: { إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ }.ظنوا أنهم قادرون على رزق أنفسهم وكذلك لم يشكروا الله، ولذلك أرسل الله عليهم سيل العرم، أي أنه عقاب من جنس العمل، وهكذا تكون عاقبة الإعراض والكفر بنعم الله. فقد سلط الله عليهم حيوانا من أضعف الحيوانات وأحقرها وهو الفأر فنقب السد فأغرق أموالهم ودفن بيوتهم.

ويخبر الحق رسوله بكل هذه الأخبار ليلفت بها وينبه إليها قوماً رأوا آثار حضارة عاد وثمود، والرؤية سيدة الأدلة، وطالبهم الرسول بها حتى يعرفوا عاقبة الإعراض والتكذيب والاستهزاء، ولم يطلب الحق من رسوله إلا البلاغ فقط، أما إيمان القوم فليس مكلفاً به صلى الله عليه وسلم، إن هؤلاء قد خافوا من سيطرة " لا إله إلا الله " فهم الذين صنعوا من أنفسهم آلهة وتسلط بعضهم على بعض. فتخيل القوي أنه إله على الضعيف. وتخيل الغني أنه إله على الفقير، وتخيل العالم أنه إله على الجاهل، أما " لا إله إلا الله " فهي تساوي بين الناس جميعاً، وهم يرفضون ذلك لأنهم يريدون السيادة.. ومثال ذلك قولهم:
{  وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }
[الزخرف: 31].

فهم لم يجرؤوا على الطعن في القرآن، إنما طلبوا أن تكون السيادة لغني من أغنياء القريتين مكة أو الطائف وتناقض هذا القول مع عملهم وسلوكهم مع الرسول، فقد حفظوا كل نفيس حرصوا عليه عند محمد صلى الله عليه وسلم. ولو كان الواحد منهم يرى شيئاً أو مغمزاً في أمانة رسول الله لما فعلوا ذلك. ولكن الواحد منهم بالرغم من التكذيب بمحمد لم يكن يأتمن إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالإنسان حينما تقع مصلحته أمام تكذيبه فهو يغلب مصلحته على تكذيبه.

ويبين الحق سبحانه أن إعراض هؤلاء، وتكذيب هؤلاء واستهزاء هؤلاء، لا يمت إلى حقيقة أمرك يا رسول الله، ولا إلى حقيقة القرآن في شيء، وإنما هو العناد، مثلهم مثل آل فرعون الذين جحدوا آيات الله على الرغم من أن أعماقهم رأت هذه الآيات بيقين لا تكذيب فيه.
{  وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ }
[النمل: 14].

فقد أنكر قوم فرعون رسالة موسى عليه السلام مع أنهم تأكدوا من صدقها، ولكنهم أنكروها بالاستكبار والعلو والظلم، فكانت عاقبتهم من أسوأ العواقب، وهذا هو حال المنكرين دائماً لأيات الله.

وها هم أولاء منكرون جدد لرسالة رسول الله. يقول الحق سبحانه وتعالى فيهم: { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً... }


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net