سورة
اية:

إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ...} الآية. [56].
أخبرنا أبو سعيد عن ابن أبي عمرو النَّيْسَابُوري، قال: حدَّثنا الحسن بن أحمد المخلدي، قال: أخبرنا المؤمل بن الحسن بن عيسى قال: حدَّثنا محمد بن يحيى قال: حدَّثنا أبو حذيفة قال: حدَّثنا سفيان، عن الزبير بن عدي، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرةَ قال:
قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: قد عرفنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك؟ فنزلت: { إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} .
أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان العَدْل، قال: حدَّثنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشاء، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى الصُّولي، قال: حدَّثنا الرِّياشي عن الأصمعي، قال:
سمعت المهدي على منبر البصرة يقول: إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته، فقال: { إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} آثره صلى الله عليه وسلم بها من بين [سائر] الرسل، واختصكم بها من بين الأنام؛ فقابلوا نعمة الله بالشكر.
سمعت الأستاذ أبا عثمان الحافظ يقول: سمعت الإمام سهل بن محمد بن سليمان يقول:
هذا التشريف الذي شرف الله تعالى به نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ} أبلغ وأتم من تشريف آدم عليه السلام بأمر الملائكة بالسجود له؛ لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة في ذلك التشريف، وقد أخبر الله تعالى عن نفسه بالصلاة على النبي، ثم عن الملائكة بالصلاة عليه. فتشريفٌ صَدَرَ عنه أبلغ من تشريف تختص به الملائكة من غير جواز أن يكون الله معهم في ذلك.
و [هذا] الذي قاله سهل منتزع من قول المهدي، ولعله رآه ونظر إليه فأخذه منه وشرحه، وقابل ذلك بتشريف آدم، فكان أبلغ وأتم منه.
وقد ذكر في الصحيح.
ما أخبرنا ابو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي، قال: أخبرنا محمد بن عيسى بن عمرويه، قال: أخبرنا إبراهيم بن سفيان، قال: حدَّثنا مسلم، قال: حدَّثنا قتيبة وعلي بن حجر، قالا: حدَّثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء عن أبيه:
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: من صلى عليّ [مرة] واحدة صلى الله عليه عشراً.

تفسير بن كثير

قال البخاري: قال أبو العالية: صلاة اللّه تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، وقال ابن عباس: يصلون يبركون، وقال سفيان الثوري: صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار، والمقصود من هذه الآية، أن اللّه سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعاً، قال ابن عباس: إن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام: هل يصلي ربك؟ فناداه ربه عزَّ وجلَّ: يا موسى سألوك هل يصلي ربك فقل نعم، أنا أصلي وملائكتي على أنبيائي ورسلي، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ على نبيه صلى اللّه عليه وسلم: { إن اللّه وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً} ""أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس"". وقد أخبر سبحانه وتعالى بأنه يصلي على عباده المؤمنين في قوله تعالى: { هو الذي يصلي عليكم وملائكته} الآية، وقال تعالى: { أولئك عليهم صلوات من ربهم} الآية، وفي الحديث: (إن اللّه وملائكته يصلون على ميامن الصفوف)، وقد جاءت الأحاديث المتواترة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالأمر بالصلاة عليه، ونحن نذكر منها إن شاء اللّه ما تيسر، روى البخاري عند تفسير هذه الآية عن كعب بن عجرة قال: قيل يا رسول اللّه أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف الصلاة؟ قال: (قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد). وروى ابن أبي حاتم عن كعب بن عجرة قال: لما نزلت { إن اللّه وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً} قال: قلنا يا رسول اللّه قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك؟ قال: (قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، ومعنى قولهم: أما السلام عليك فقد عرفناه هو الذي في التشهد وفيه: السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته. حديث آخر: وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: قلنا: يا رسول اللّه هذا السلام عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: (قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم). حديث آخر: قال مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا اللّه أن نصلي عليك يا رسول اللّه فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم) ""أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي"". ومن ههنا ذهب الشافعي رحمه اللّه إلى أنه يجب على المصلي أن يصلي على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في التشهد الأخير، فإن تركه لم تصح صلاته، على أن الجمهور على خلافه وحكوا الإجماع على خلافه وللقول بوجوبه ظواهر الحديث، فلا إجماع في هذه المسألة لا قديماً ولا حديثاً، واللّه أعلم. فضائل الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم روى أبو عيسى الترمذي عن عبد اللّه بن مسعود أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة) ""تفرد بروايته الترمذي وقال: حديث حسن غريب"". حديث آخر: ""وروى الترمذي عن أبي بن كعب"" قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: (يا أيها الناس اذكروا اللّه اذكروا اللّه، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه) قال أبي: قلت يا رسول اللّه إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: (ما شئت) قلت الربع، قال: (ما شئت فإن زدت فهو خير لك) قلت: فالنصف قال: { ما شئت فإن زدت فهو خير لك قلت: فالثلثين، قال: (ما شئت فإن زدت فهو خير لك) قلت أجعل لك صلاتي كلها، قال: (إذن تكفى همك ويغفر لك ذنبك). طريق أخرى: روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن عوف قال: قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتوجه نحو صدقته فدخل فاستقبل القبلة فخر ساجداً فأطال السجود حتى ظننت أن اللّه قد قبض نفسه فيها فدنوت منه ثم جلست فرفع رأسه فقال: (من هذا) قلت: عبد الرحمن، قال: (ما شأنك؟) قلت: يا رسول اللّه سجدت سجدة خشيت أن يكون اللّه قبض روحك فيها، فقال: (إن جبريل أتاني فبشرني أن اللّه عزَّ وجلَّ يقول لك من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت للّه عزَّ وجلَّ شكراً). حديث آخر: قال الإمام أحمد عن عبد اللّه بن أبي طلحة عن أبيه: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جاء ذات يوم والسرور يرى في وجهه، فقالوا يا رسول اللّه إنا لنرى السرور في وجهك، فقال: (إنه أتاني الملك فقال: يا محمد أما يرضيك ربك عزَّ وجلَّ يقول: إنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشراً قلت: بلى) ""أخرجه أحمد ورواه النسائي بنحوه"". حديث آخر: روى مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (من صلى عليَّ واحدة صلى اللّه عليه بها عشراً). حديث آخر: قال الإمام أحمد عن قيس مولى عمرو بن العاص قال: سمعت عبد اللّه بن عمرو يقول: من صلى على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صلاة صلى اللّه عليه وملائكته لها سبعين صلاة، فليقلَّ عبد من ذلك أو ليكثر، وسمعت عبد اللّه بن عمرو يقول: خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوماً كالمودع، فقال: (أنا محمد النبي الأمي - قاله ثلاث مرات - ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش، وتجوز بي عوفيت وعوفيت أمتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإن ذهب بي فعليكم بكتاب اللّه أحلوا حلاله وحرموا حرامه). حديث آخر: قال الإمام أحمد عن أنس قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (من صلى علي صلاة واحدة صلى اللّه عليه عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات). حديث آخر: قال الإمام أحمد عن علي بن الحسين عن أبيه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (البخيل من ذكرت عنده ثم لم يصل عليّ). حديث آخر: قال إسماعيل القاضي عن أبي ذر رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل عليّ)، وروى عن الحسن البصري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (بحسب امرئ من البخل أن أذكر عنده فلا يصلي عليّ). حديث آخر: قال الترمذي عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليَّ، ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة) ""أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب ورواه البخاري بنحوه"". وهذا الحديث والذي قبله دليل على وجوب الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم كلما ذكر، وهو مذهب طائفة من العلماء منهم الطحاوي والحليمي؛ وذهب آخرون إلى أنه تجب الصلاة عليه في المجلس مرة واحدة، ثم لا تجب في بقية ذلك المجلس، بل تستحب، ويتأيد بالحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا اللّه فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم تِرَةَ ""ترة: مكروهاً وحسرة"" عليهم يوم القيامة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم)، وحكي عن بعضهم: أنه إنما تجب الصلاة عليه - عليه الصلاة والسلام - في العمر مرة واحدة امتثالاً لأمر الآية، ثم هي مستحبة في كل حال، وهذا هو الذي نصره القاضي عياض بعدما حكى الإجماع على وجوب الصلاة عليه صلى اللّه عليه وسلم في الجملة. فصل وأما الصلاة على غير الأنبياء، فإن كانت على سبيل التبعية كما تقدم في الحديث: اللهم صل على محمد وآله وأزواجه وذريته، فهذا جائز بالإجماع، وإنما وقع النزاع فيما إذا أفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم، فقال قائلون: يجوز ذلك، واحتجوا بقول اللّه تعالى: { هو الذي يصلي عليكم وملائكته} ، وبقوله: { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} ، وبقوله: { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم} الآية. وبحديث عبد اللّه بن أبي أوفى قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: (اللهم صلِّ عليهم) فأتاه أبي بصدقته فقال: (اللهم صل على آل أبي أوفى) ""أخرجاه في الصحيحين""، وقال الجمهور من العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة، لأن هذا قد صار شعاراً للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال: قال أبو بكر صلى اللّه عليه، أو قال علي صلى اللّه عليه، وإن كان المعنى صحيحاً، كما لا يقال: قال محمد عزَّ وجلَّ، وإن كان عزيزاً جليلاً، لأن هذا شعار ذكر اللّه عزَّ وجلَّ، وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب والسنّة على الدعاء لهم، ولهذا لم يثبت شعاراً لآل أبي أوفى ولا لجابر وامرأته، وهذا مسلك حسن. وأما السلام، فقال الجويني من أصحابنا: هو في معنى الصلاة فلا يستعمل في الغائب ولا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: علي عليه السلام، وسواء في هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به فيقال: سلام عليك وسلام عليكم أو السلام عليك أو عليكم، وهذا مجمع عليه، انتهى ما ذكره. قلت : وقد غلب هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب أن يفرد علي رضي اللّه عنه بأن يقال عليه السلام من دون سائر الصحابة أو كرم اللّه وجهه؛ وهذا وإن كان معناه صحيحاً لكن ينبغي أن يسوى بين الصحابة في ذلك فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه رضي اللّه عنهم أجمعين، قال عكرمة عن ابن عباس: لا تصح الصلاة على أحد إلا على النبي صلى اللّه عليه وسلم، ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالمغفرة، وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه: أما بعد فإن ناساً من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن ناساً من القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عَدْلَ الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم، فإذا جاءك كتابي هذا، فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين، ودعاؤهم للمسلمين عامة ويدعوا ما سوى ذلك ""قال ابن كثير: أثر حسن"". فرع: قال النووي: إذا صلى على النبي صلى اللّه عليه وسلم فليجمع بين الصلاة والتسليم، فلا يقتصر على أحدهما فلا يقول: صلى اللّه عليه فقط، ولا عليه السلام فقط. وهذا الذي قاله منتزع من هذه الآية الكريمة وهي قوله: { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً} فالأولى أن يقال صلى اللّه عليه وسلم تسليماً.

تفسير الجلالين

{ إن الله وملائكته يصلُّون على النبي} محمد صلى الله عليه وسلم { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً} أي قولوا: اللهم صل على سيدنا محمد وسلم.

تفسير القرطبي

هذه الآية شرف الله بها رسوله عليه السلام حياته وموته، وذكر منزلته منه، وطهر بها سوء فعل من استصحب في جهته فكرة سوء، أو في أمر زوجاته ونحو ذلك. والصلاة من الله رحمته ورضوانه، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار، ومن الأمة الدعاء والتعظيم لأمره مسألة : واختلف العلماء في الضمير في قوله: { يصلون} فقالت فرقة : الضمير فيه لله والملائكة، وهذا قول من الله تعالى شرف به ملائكته، فلا يصحبه الاعتراض الذي جاء في قول الخطيب : من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بئس الخطيب أنت، قل ومن يعصى الله ورسوله) أخرجه الصحيح. قالوا : لأنه ليس لأحد أن يجمع ذكر الله تعالى مع غيره في ضمير، ولله أن يقع في ذلك ما يشاء. وقالت فرقة : في الكلام حذف، تقديره إن الله يصلي وملائكته يصلون، وليس في الآية اجتماع في ضمير، وذلك جائز للبشر فعله. ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم (بئس الخطيب أنت) لهذا المعنى، وإنما قال لأن الخطيب وقف على ومن يعصهما، وسكت سكتة. واستدلوا بما رواه أبو داود عن عدي بن حاتم أن خطيبا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من يطع الله ورسول ومن يعصهما. فقال : (قم - أو اذهب - بئس الخطيب أنت). إلا أنه يحتمل أن يكون لما خطأه في وقفه وقال له : (بئس الخطيب) أصلح له بعد ذلك جميع كلامه، فقال : (قل ومن يعص الله ورسول) كما في كتاب مسلم. وهو يؤيد القول الأول بأنه لم يقف على { ومن يعصهما} . وقرأ ابن عباس: "وملائكه" بالرفع على موضع اسم الله قبل دخول "إن". والجمهور بالنصب عطفا على المكتوبة. قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} . فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه} أمر الله تعالى عباده بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم دون أنبيائه تشريفا له، ولا خلاف في أن الصلاة عليه فرض في العمر مرة، وفي كل حين من الواجبات وجوب السنن المؤكدة التي لا يسع تركها ولا يغفلها إلا من لا خير فيه. الزمخشري : فإن قلت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة أم مندوب إليها؟ قلت : بل واجبة. وقد اختلفوا في حال وجوبها، فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره. وفي الحديث : (من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله). وروى أنه قيل له : يا رسول الله، أرأيت قول الله عز وجل: { إن الله وملائكته يصلون على النبي} فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (هذا من العلم المكنون ولولا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكم به إن الله تعالى وكل بي ملكين فلا أذكر عند مسلم فيصلي. علي إلا قال ذلك الملكان غفر. الله لك وقال الله تعالى وملائكته جوابا لذينك الملكين أمين. ولا أذكر. عند عبد مسلم فلا يصلي علي إلا قال ذلك الملكان لا غفر الله لك وقال الله تعالى وملائكته لذينك الملكين أمين). ومنهم من قال : تجب في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره، كما قال في آية السجدة وتشميت العاطس. وكذلك في كل دعاء في أوله وأخره ومنهم من أوجبها في العمر. وكذلك قال في إظهار الشهادتين. والذي يقتضيه الاحتياط : الصلاة عند كل ذكر، لما ورد من الأخبار في ذلك. الثانية: واختلفت الآثار في صفة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فروى مالك عن أبي مسعود الأنصاري"" قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد : أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى، تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله صلى : (قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم). ورواه النسائي عن طلحة مثله، بإسقاط قوله : (في العالمين) وقوله : (والسلام كما قد علمتم). وفي الباب عن كعب بن عجرة وأبي حميد. الساعدي وأبي سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وبريدة الخزاعي وزيد بن خارجة، ويقال ابن حارثة أخرجها أئمة أهل الحديث في كتبهم. وصحح الترمذي حديث كعب بن عجرة. أخرجه مسلم في صحيحه مع حديث أبي حميد الساعدي. قال أبو عمر : روى شعبة والثوري عن الحكم ابن عبدالرحمن بن ابن ليلى عن كعب بن عجرة قال : لما نزل قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة؟ فقال : (قل الهم صل على محمد. وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) وهذا لفظ حديث الثوري لا حديث شعبة وهو يدخل في التفسير المسند إليه لقول الله تعالى: { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} فبين كيف الصلاة عليه وعلمهم في التحيات كيف السلام. عليه، وهو قوله : (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته). و""روى المسعودي عن عون بن عبد الله"" عن أبي فاختة عن الأسود عن عبد الله أنه قال : إذا صليتم على النبي صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه. قالوا فعلمنا، قال : (قولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام أبعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حمد مجيد). ورويناه بالإسناد المتصل في كتاب (الشفا) للقاضي عياض عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : عدهن في يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : (عدهن في يدي جبريل وقال هكذا أنزلت من عند رب العزة اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم وتحنن على محمد وعلى آل محمد كما تحننت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد). قال ابن العربي : من هذه الروايات صحيح ومنها سقيم، وأصحها ما رواه مالك فاعتمدوه. ورواية غير مالك من زيادة الرحمة مع الصلاة وغيرها لا يقوى، وإنما على الناس أن ينظروا في أديانهم نظرهم في أموالهم، وهم لا يأخذون في البيع دينارا معيبا، وإنما يختارون السالم الطيب، كذلك لا يؤخذ من الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم سنده، لئلا يدخل في حيز الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هو يطلب الفضل إذا به قد أصاب النقص، بل ربما أصاب الخسران المبين. الثالثة: في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا). وقال سهل بن عبد الله : الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم أفضل العبادات، لأن الله تعالى تولاها هو وملائكه، ثم أمر بها المؤمنين، وسائر العبادات ليس كذلك. قال أبو سليمان الداراني : من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل الله حاجته، ثم يختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يرد ما بينهما. وروى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي عنه أنه قال : الدعاء يحجب دون السماء حتى يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم رفع الدعاء. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (من صلى علي وسلم علي في كتاب لم تزل الملائكة يصلون عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب). الرابعة: واختلف العلماء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فالذي عليه الجم الغفير والجمهور الكثير : أن ذلك من سنن الصلاة ومستحباتها. قال ابن المنذر : يستحب ألا يصلي أحد صلاة إلا صلى الله عليه وسلم فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ترك ذلك تارك فصلاته مجزية في مذاهب مالك وأهل المدينة وسفيان الثوري وأهل الكوفة من أصحاب الرأي وغيرهم. وهو قول جل أهل العلم. وحكي عن مالك وسفيان أنها في التشهد الأخير مستحبة، وأن تاركها في التشهد مسيء وشذ الشافعي فأوجب على تاركها في الصلاة الإعادة وأوجب إسحاق الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان. وقال أبو عمر : قال الشافعي إذا لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير بعد التشهد وقبل التسليم أعاد الصلاة. قال : وإن صلى الله عليه وسلم عليه قبل ذلك لم تجزه. وهذا قول حكاه عنه حرملة بن يحيى، لا يكاد يوجد هكذا عن الشافعي إلا من وراية حرملة عنه، وهو من كبار أصحابه الذين كتبوا كتبه. وقد تقلده أصحاب الشافعي ومالوا إليه وناظروا عليه، وهو عندهم تحصيل مذهبه. وزعم الطحاوي أنه لم يقل به أحد من أهل العلم غيره. وقال الخطابي وهو من أصحاب الشافعي : وليست بواجبة في الصلاة، وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي، ولا أعلم له فيها قدوة. والدليل على أنها ليست من فروض الصلاة عمل السلف الصالح قبل الشافعي وإجماعهم عليه، وقد شنع عليه في هذه المسألة جدا. وهذا تشهد ابن مسعود الذي اختاره الشافعي وهو الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك كل من روي التشهد عنه صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عمر : فإن أبو بكر يعلمنا الشهد على المنبر كما تعلمون الصبيان في الكتاب. وعلمه أيضا على المنبر عمر، وليس فيه ذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. قلت : قد قال بوجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة محمد بن المواز من أصحابنا فيما ذكر ابن القصار وعبد الوهاب، واختاره ابن العربي للحديث الصحيح : إن الله أمرنا أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فعلم الصلاة ووقتها فتعينت كيفية ووقتا. وذكر الدارقطني عن أبي جعفر محمد ابن علي بن الحسين أنه قال : لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي صلى الله عليه وسلم ولا على أهل بيته لرأيت أنها لا تتم. وروي مرفوعا عنه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم. والصواب أنه قول أبي جعفر، قال الدارقطني. الخامسة: قوله تعالى: { وسلموا تسليما} قال القاضي أبو بكر بن بكير : نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم فأمر الله أصحابه أن يسلموا عليه. وكذلك من بعدهم امروا أن يسلموا عليه عند حضورهم قبره وعند ذكره. و""روى النسائي عن عبد الله بن أبي طلحة"" عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم والبشر يرى في وجهه، فقلت : إنا لنرى البشرى في وجهك! فقال : (إنه أتاني الملك فقال يا محمد إن ربك يقول أما يرضيك إنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشرا ولا يسلم عليك أحد إلا سلمت عليه عشرا). وعن محمد بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (ما منكم من أحد يسلم علي إذا مت إلا جاءني سلامه مع جبريل يقول يا محمد هذا فلان بن فلان يقرأ عليك السلام فأقول وعليه السلام ورحمة الله وبركاته) و""روى النسائي عن عبد الله"" قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام). قال القشيري والتسليم قولك : سلام عليك.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأحزاب الايات 52 - 57

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالخير لأمته مُبشِّراً للمؤمنين، نذيراً للكافرين، وكان صلى الله عليه وسلم حريصاً على هداية قومه، كما قال تعالى:
{  لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ }
[التوبة: 128].

كان صلى الله عليه وسلم يألم ويحزن إنْ تفلَّتَ أحدٌ من يده، وخرج عن ساحة الإيمان، وكان يُكلِّف نفسه في أمر الدعوة فوق ما يطيق، وفوق ما طلب منه، حتى خاطبه ربه بقوله:
{  فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً }
[الكهف: 6].

ومعلوم أن سيدنا رسول الله لم يُطلَب منه إلا البلاغ فحسَبْ، أما الهداية فمن الله عز وجل؛ لأنه تعالى قال:
{  إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ }
[الشعراء: 4].

فلشدة حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية قومه عاتبه ربه؛ لأنه شَقَّ على نفسه، فالعتاب هنا لصالحه صلى الله عليه وسلم، كما جاء في قوله تعالى:
{  يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ... }
[التحريم: 1].

وهذا العتاب أشبه بعتابك لولدك الذي أرهق نفسه في المذاكرة، حتى أنك أشفقتَ عليه، فأنت لا تلومه على تقصير، إنما على المبالغة في عمل لا تطيقه قوته.

وقد ظهرت قمة حرْصه صلى الله عليه وسلم على أمته حين أنزل الله عليه:
{  وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ }
[الضحى: 1-5].

فالتقطها رسول الله من ربه وجعلها لأمته، فقال: " إذن: لا أرضى وواحد من أمتي في النار ".

فإذا كان رسول الله حريصاً عليكم بهذا الشكل، فهو يستحق منكم أنْ تُصلُّوا عليه؛ لأن كل خير يناله يعُمُّ عليكم، ويعود إليكم؛ لذلك قال سبحانه: { إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } [الأحزاب: 56].

وتلحظ أن الخبر { يُصَلُّونَ... } [الأحزاب: 56] خبر عن الله والملائكة؛ فجمع الحق سبحانه بين صلاته وصلاة ملائكته، والنبي صلى الله عليه وسلم مرة خطيباً يخطب، يقول: مَنْ يتَّقِ الله ورسوله يُثبْه الله، ومَنْ يعصهما يعاقبه الله، فقال صلى الله عليه وسلم له: " بِئْسَ خطيب القوم أنت " لماذا؟

قالوا: لأنه جمع بين الله تعالى ورسوله في: (ومن يعصهما)، وكان عليه أنْ يقول: ومَنْ يَعْصِ الله ورسوله، فالله وحده هو الذي يجمع معه سبحانه مَنْ يشاء. قال سبحانه:
{  وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ... }
[التوبة: 74].

أما نحن، فليس لنا أبداً أنْ نأتي بصيغة تشريكية بين الله تعالى وأحد من خَلْقه.

وقوله تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ... } [الأحزاب: 56] هكذا قال الله، وجمع معه سبحانه مَنْ يشاء من خَلْقه، وأنت لا يجوز لك أنْ تجمعَ هذا الجمع إلا إذا كنتَ تقرأه على أنه قرأن، فإن أردتَ أنْ تنشيء كلاماً من عندك فلا بُدَّ أن تقول: الله يُصلِّي على النبي، والملائكة يُصلُّون على النبي.لذلك احتاط علماء التفسير لهذه المسألة فقالوا أن (يصلون) ليست خبراً للكل، إنما تقدير الخبر أن الله يصلي على النبي، والملائكة يُصلُّون على النبي.

وإذا كان الله يُصلِّي على النبي، والملائكة يُصلُّون على النبي، فماذا عنكم أنتم؟ يجب أنْ تُصلوا أنتم كذلك على النبي { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } [الأحزاب: 56].

سبق أنْ بينّا أن الصلاة من الله لها معنى، ومن الملائكة لها معنى، ومن المؤمنين المأمورين بها لها معنى، فكُلٌّ بحَسْبه، والصلاة في الأصل هي الدعاء، والدعاء يقتضي داعياً ومدعواً له ومدعواً، فمثلاً حين أدعو الله أنْ يغفر لفلان، فأنا الداعي، والله تعالى مدعو، وفلان مدعو له، فإذا كان المصلي والداعي هو الله عز وجل، فمَنْ يدعو؟ إذن: معنى الدعاء لا يأتي مع الله تعالى.

لذلك قلنا: إنك لو نظرتَ إلى الأحداث تجد أن صاحبك مثلاً إذا قال لك أَعِدُك أنْ أعطيك غداً كذا وكذا، فهذا وَعْد منه، لا يملك هو من أسباب الوفاء به شيئاً، أما إنْ قال لك: أدعو الله أنْ يعطيك كذا وكذا، ونسب العطاء لله تعالى، فهذا أَرْجَى للتحقيق؛ لأنه منسوب إلى الله، فإنْ قبل الدعاء تحقق المطلوب، فإنْ كان الله تعالى هو الذي يأمر لك بهذا العطاء فلا بُدَّ أنْ تناله لا محالة.

إذن: الصلاة من الله ليست بمعنى الدعاء، إنما هي تنفيذ مباشر ورحمة شاملة وعامة، ويكفي من رحمته تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أنْ جعله خاتم الرسل، فلا يستدرك عليه أحد، يكفيه من رحمته وإنعامه وثنائه عليه أنْ قرن اسمه باسمه؛ لذلك خاطبه بقوله:
{  وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ }
[الشرح: 4].

يكفيه من تكريم الله له أنه سيقبل شفاعته يوم القيامة، لا لأمته فحسب، إنما للخَلْق جميعاً، يكفيه أن الله تعالى خاطب كل رسله بأسمائهم المشخِّصة لهم، وخاطبه هو بالوصف المكرم في
{  يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ... }
[الممتحنة: 12] و
{  يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ... }
[المائدة: 41].

أما عن صلاة الملائكة، فهي دعاء، واقرأ:
{  ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ * وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }
[غافر: 7-9].

فإذا كان الخَلْق جميعاً محلَّ صلاة الملائكة واستغفارهم ودعائهم، حتى الذين أذنبوا منهم، ثم تابوا، فما بالك برسول الله، وهو هادي الناس جميعاً.أما الصلاة من المؤمنين، فهي الاستغفار، واستغفارهم ليس لرسول الله، إنما هو استغفارهم لأنفسهم؛ لأن رسول الله جاء رحمةً لهم، وما دام جاء رحمةً لهم كان من الواجب ألاَّ يغيب توقيره عن بالهم أبداً فَهُمْ إنِ استغفروا، فاستغفار عن الغفلة عنه صلى الله عليه وسلم، أو عن أنهم لم يتقدم اسمه، فيصلون عليه.

والمؤمن حين يُصلِّي على رسول الله، ماذا يملك من عطاء يُؤدِّيه لرسول الله؟ ماذا بأيدينا؟ لذلك تأمل لفظ صلاتك على رسول الله، إنك لا تقول أصلي، ولكن تقول: اللهم صَلِّ على محمد، أو صلَّى الله على محمد، فتطلب مِمَّنْ هو أعلى منك أنْ يُصلي على رسول الله؛ لأنه لا يوجد عطاء عندك تُؤدِّيه لرسول الله.

إذن: فالصلاة من الله الرحمة العامة المطلقة، والصلاة من الملائكة الدعاء، والصلاة من المؤمنين الاستغفار.

لذلك " سُئِلَ سيدنا رسول الله: يا رسول الله تلك صلاة الله، وتلك صلاة الملائكة، فما الصلاةُ عليك؟ يعني كيف؟ قال صلى الله عليه وسلم: " قولوا اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العاملين، إنك حميدٌ مجيدٌ " ".

ودخل عليه صحابي، فقال: يا رسول الله، ما رأيتك بهذه الطلاقة والبِشْر قبل اليوم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " إن جبريل جاءني فأخبرني أن مَنْ صلى عليَّ صلاة صلَّى الله بها عليه عشراً، وكُتِب له عشر حسنات ومُحي عنه عَشْر سيئات ".

وقال عمر رضي الله عنه: دخل رجل على رسول الله، فسأله: ما الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: " ذلك من العلم المكنون، ولولا أنكم سألتموني ما قلته: إن الله وكَّل بي ملكيْنِ، فإذا صلَّى واحد عليَّ قال الملكان: غفر الله لك. ويقول الله: آمين وتقول الملائكة: أمين ".

سبحان الله: الله عز وجل بذاته يُؤمِّن على دعاء الملكين.

وقالوا: الصلاة على رسول الله فَرْض على المؤمن، كالحج مرة واحدة من العمر، لكنها واجبة عليه عند كل ذِكْر لرسول الله، لذلك جاء في الحديث: " أبخل البخلاء من ذُكِرْتُ عنده فلم يُصَلِّ عليَّ ".

وقوله تعالى بعدها: { وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } [الأحزاب: 56] لك أنْ تلحظ في صدر الآية { إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ... } [الأحزاب: 56] ولم يَقُلْ سبحانه ويسلمون، فلما أمر المؤمنين قال { صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } [الأحزاب: 56] فزاد: وسلِّموا تسليماً.

قال العلماء: لأن الصلاة على رسول الله لا يزن إلا مع التسليم له بمعنى طاعته والإذعان لأمره، وأن تُسْلِم زمامك له في كل صغيرة وكبيرة، وإلاَّ فكيف تُصلِّي عليه وأنت تعصي أوامره، وقد قال تعالى:
{  فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }
[النساء: 65].

ومن معاني التسليم أن نقول: السلام عليك أيها النبي كما نقول في التشهُّد، والسلام اسم من أسماء الله، ومعنى: السلام عليك يا رسول الله أي: جعل الله لك وقاية، فلا ينالك أحد بسوء.

ثم يقول الحق سبحانه: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ... }.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net