سورة
اية:

إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ

تفسير بن كثير

سورة الشعراء، ووقع في تفسير مالك المروي عنه تسميتها سورة""الجامعة"". أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور فقد تكلمنا عليه في أول تفسير سورة البقرة، وقوله تعالى: { تلك آيات الكتاب المبين} أي هذه آيات القرآن المبين، أي البيِّن الواضح الجلي، الذي يفصل بين الحق والباطل والغي والرشاد، وقوله تعالى: { لعلك باخع} أي مهلك { نفسك} أي مما تحرص وتحزن عليهم { ألا يكونوا مؤمنين} ، وهذه تسلية من اللّه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار، كما قال تعالى: { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} ، كقوله: { فلعلك باخع نفسك على آثارهم} الآية. قال مجاهد وعكرمة { لعلك باخع نفسك} : أي قاتل نفسك، ثم قال تعالى: { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} أي لو نشاء لأنزلنا آية تضطرهم إلى الإيمان قهراً، ولكن لا نفعل ذلك لأنا لا نريد من أحد إلا الإيمان الاختياري، وقال تعالى: { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} ، وقال تعالى: { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} الآية، فنفذ قدره ومضت حكمته، وقامت حجته البالغة على خلقه بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم، ثم قال تعالى: { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين} أي كلما جاءهم كتاب من السماء أعرض عنه أكثر الناس كما قال تعالى: { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} ، وقال تعالى: { كلما جاء أمة رسولها كذبوه} الآية. ولهذا قال تعالى ههنا: { فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} أي فقد كذبوا بما جاءهم من الحق، فسيعلمون نبأ هذا التكذيب بعد حين، ثم نبَّه تعالى على عظمة سلطانه وجلالة قدره، وهو القاهر العظيم القادر الذي خلق الأرض وأنبت فيها من كل زوج كريم، من زروع وثمار وحيوان، قال الشعبي: الناس من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم، { إن في ذلك لآية} أي دلالة على قدرة الخالق للأشياء، الذي بسط الأرض، ورفع بناء السماء ومع هذا ما آمن أكثر الناس، بل كذبوا به وبرسله، وقوله: { وإن ربك لهو العزيز} أي الذي عز كل شيء وقهره وغلبه، { الرحيم} أي بخلقه فلا يعجل على من عصاه بل يؤجله وينظره ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر، قال أبو العالية: العزيز في نقمته وانتصاره ممن خالف أمره وعبد غيره الرحيم بمن تاب إليه وأناب.

تفسير الجلالين

{ إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلّت} بمعنى المضارع: أي تظل، أي تدوم { أعناقهم لها خاضعين} فيؤمنون، ولما وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو لأربابها جمعت الصفة جمع العقلاء .

تفسير القرطبي

قوله { طسم} قرأ الأعمش ويحيى وأبو بكر والمفضل وحمزة والكسائي وخلف : بإمالة الطاء مشبعا في هذه السورة وفي أختيها. وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة والزهري : بين اللفظين؛ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وقرأ الباقون بالفتح مشبعا. قال الثعلبي : وهي كلها لغات فصيحة. وقد مضى في "طه" قول النحاس في هذا. قال النحاس : وقرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم والكسائي { طسم} بإدغام النون في الميم، والفراء يقول بإخفاء النون. وقرأ الأعمش : وحمزة { طسين ميم} بإظهار النون. قال النحاس : للنون الساكنة والتنوين أربعة أقسام عند سيبويه : يبينان عند حروف الحلق، ويدغمان عند الراء واللام والميم والواو والياء، ويقلبان ميما عند الباء ويكونان من الخياشيم؛ أي لا يبينان؛ فعلى هذه الأربعة الأقسام التي نصها سيبويه لا تجوز هذه القراءة؛ لأنه ليس ها هنا حرف من حروف الحلق فتبين النون عنده، ولكن في ذلك وجيه : وهو أن حروف المعجم حكمها أن يوقف عليها، فإذا وقف عليها تبينت النون. قال الثعلبي : الإدغام اختيار أبي عبيد وأبي حاتم قياسا على كل القرآن، وإنما أظهرها أولئك للتبيين والتمكين، وأدغمها هؤلاء لمجاورتها حروف الفم. قال النحاس : وحكى أبو إسحاق في كتابه { فيما يجرى وفيما لا يجرى} أنه يجوز أن يقال { طسين ميم} بفتح النون وضم الميم، كما يقال هذا معدي كرب. وقال أبو حاتم : قرأ خالد { طسين ميم} . ابن عباس { طسم} قسم وهو اسم من أسماء الله تعالى، والمقسم عليه { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية} . وقال قتادة : اسم من أسماء القرآن أقسم الله به. مجاهد : هو اسم السورة؛ ويحسن افتتاح السورة. الربيع : حساب مدة قوم. وقيل : قارعة تحل بقوم. { طسم} و { طس} واحد. قال : وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمة ** بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه وقال القرظي : أقسم الله بطوله وسنائه وملكه. وقال عبدالله بن محمد بن عقيل : الطاء طور سيناء والسين إسكندرية والميم مكة. وقال جعفر بن محمد بن علي : الطاء شجرة طوبى، والسين سدرة المنتهى، والميم محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل : الطاء من الطاهر والسين من القدوس - وقيل : من السميع وقيل : من السلام - والميم من المجيد. وقيل : من الرحيم. وقيل : من الملك. وقد مضى هذا المعنى في أول سورة البقرة . والطواسيم والطواسين سور في القرآن جمعت على غير قياس. وأنشد أبو عبيدة : وبالطواسيم التي قد ثلثت ** وبالحواميم التي قد سبعت قال الجوهري : والصواب أن تجمع بذوات وتضاف إلى واحد، فيقال : ذوات طسم وذوات حم. قوله تعالى: { تلك آيات الكتاب المبين} رفع على إضمار مبتدأ أي هذه { تلك آيات الكتاب المبين} التي كنتم وعدتم بها؛ لأنهم قد وعدوا في التوراة والإنجيل بإنزال القرآن. وقيل { تلك} بمعنى هذه. { لعلك باخع نفسك} أي قاتل نفسك ومهلكها. وقد مضى في "الكهف" بيانه. { ألا يكونوا مؤمنين} أي لتركهم الإيمان. قال الفراء { أن} في موضع نصب؛ لأنها جزاء. قال النحاس : وإنما يقال : بإن مكسورة لأنها جزاء؛ كذا المتعارف. والقول في هذا ما قاله أبو إسحاق في كتابه في القرآن ؛قال { أن} في موضع نصب مفعول من أجله؛ والمعنى لعلك قاتل نفسك لتركهم الإيمان. { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية} أي معجزة ظاهرة وقدرة باهرة فتصير معارفهم ضرورية، ولكن سبق القضاء بأن تكون المعارف نظرية. وقال أبو حمزة الثمالي في هذه الآية : بلغني أن لهذه الآية صوتا يسمع من السماء في النصف من شهر رمضان؛ تخرج به العواتق من البيوت وتضج له الأرض. وهذا فيه بعد؛ لأن المراد قريش لا غيرهم. { فظلت أعناقهم لها خاضعين} أي فتظل أعناقهم { لها خاضعين} قال مجاهد : أعناقهم كبراؤهم؛ وقال النحاس : ومعروف في اللغة؛ يقال : جاءني عنق من الناس أي رؤساء منهم. أبو زيد والأخفش { أعناقهم} جماعاتهم؛ يقال : جاءني عنق من الناس أي جماعة. وقيل : إنما أراد أصحاب الأعناق، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. قتادة : المعنى لو شاء لأنزل آية يذلون بها فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية. ابن عباس : نزلت فينا وفي بني أمية ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد معاوية؛ ذكره الثعلبي والغزنوي فالله أعلم. وخاضعين وخاضعة هنا سواء؛ قاله عيسى بن عمر واختاره المبرد. والمعنى : إنهم إذا ذلت رقابهم ذلوا؛ فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها. ويسوغ في كلام العرب أن تترك الخبر عن الأول وتخبر عن الثاني؛ قال الراجز : طول الليالي أسرعت في نقضي ** طوين طولي وطوين عرضي فأخبر عن الليالي وترك الطول. وقال جرير : أرى مر السنين أخذن مني ** كما أخذ السرار من الهلال وإنما جاز ذلك لأنه لو أسقط مر وطول من الكلام لم يفسد معناه؛ فكذلك رد الفعل إلى، الكناية في قوله { فظلت أعناقهم} لأنه لو أسقط الأعناق لما فسد الكلام، ولأدى ما بقي من الكلام عنه حتى يقول : فظلوا لها خاضعين. وعلى هذا اعتمد الفراء وأبو عبيدة. والكسائي يذهب إلى، أن المعنى خاضعيها هم، وهذا خطأ عند البصريين والفراء. ومثل هذا الحذف لا يقع في شيء من الكلام؛ قاله النحاس. قوله { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين} تقدم. { فقد كذبوا} أي أعرضوا ومن أعرض عن شيء ولم يقبله فهو تكذيب له. { فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} وعيد لهم؛ أي فسوف يأتيهم عاقبة ما كذبوا والذي استهزؤوا به. قوله { أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم} نبه على عظمته وقدرته وأنهم لو رأوا بقلوبهم ونظروا ببصائرهم لعلموا أنه الذي يستحق أن يعبد؛ إذ هو القادر على كل شيء. والزوج هو اللون؛ قال الفراء. و { كريم} حسن شريف، وأصل الكرم في اللغة الشرف والفضل، فنخلة كريمة أي فاضلة كثيرة الثمر، ورجل كريم شريف، فاضل صفوح. ونبتت الأرض وأنبتت بمعنى. وقد تقدم في سورة البقرة والله سبحانه هو المخرج والمنبت له. وروي عن الشعبي أنه قال : الناس من نبات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم. { إن في ذلك لآية} أي فيما ذكر من الإنبات في الأرض لدلالته على أن الله قادر، لا يعجزه شيء. { وما كان أكثرهم مؤمنين} أي مصدقين لما سبق من علمي فيهم. و { كان} هنا صلة في قول سيبويه؛ تقديره : وما أكثرهم مؤمنين. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم} يريد المنيع المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الشعراء الايات 3 - 15

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والآية هنا ليست آيةَ إقناع للعقول، إنما آية تُرْغمهم وتُخضع رقابهم، وتُخضع البنية والقالب، وهذا ليس كلاماً نظرياً يُقال للمكذبين، إنما حقائق وقعتْ بالفعل في بني إسرائيل. واقرأ إنْ شئت قوله تعالى:
{  وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ }
[الأعراف: 171].

فأخذوا ما آتيناهم بقوة، لماذا؟ بالآية التي أرغمتهم وأخضعتْ قوالبهم، لكن الحق ـ تبارك وتعالى ـ كما قلنا ـ لا يريد بالإيمان أنْ يُخضع القوالب، إنما يريد أن يُخضع القلوب باليقين والاتباع.

فلو شاء ربك لآمن مَنْ في الأرض كلهم جميعاً، لا يتخلف منهم أحد، بدليل أنه سبحانه خلق الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وبدليل أنه سبحانه بعث رسلاً وعصمهم، ولم يجعل للشيطان سبيلاً عليهم، وبدليل أن الشيطان بعد أن تعهّد أن يُغوي بني آدم ليكونوا معه سواء في المعصية قال له:
{  إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ }
[الحجر: 42].

والشيطان نفسه يقول:
{  قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ }
[ص: 82ـ83].

إذن لو أراد سبحانه لجعلَ الناس جميعاً مؤمنين وما عَزَّ عليه ذلك، لكنه أراد سبحانه أن يكون الإيمان باختيار المؤمن، فيأتي ربه طواعية مختاراً.

حتى في أمور الدنيا وأهلها، قد ترى جباراً يضرب الناس، ويُخضعِهم لأمره ونهيه، فيطيعونه طاعةَ قوالب، إنما أيستطيع أنْ يُخضِع بجبروته قلوبهم؟!

وقال: { فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } [الشعراء: 4] خَصَّ الأعناق؛ لأنها مظهر الخضوع، فأول الخضوع أنْ تلوى الأعناق، أو الأعناق تُطلَق عند العرب على وجوه القوم وأعيانهم؛ لذلك يقولون في التهديد: هذه مسألة تضيع فيها رقاب.

والمراد: الرقاب الكبيرة ذات الشأن، لا رقاب لمامة القوم، والضعفاء، أو العاجزين. ومثلها كلمة صدور القوم يعني: أعيانهم والمقدَّمين منهم الذين يملأون العيون.

والمعنى: فأنت لا تُخضِع الناس؛ لأني لو أردتُ أنْ أُخضعهم لأخضعتُهم؛ لذلك يقول تعالى في آية آخرى:
{  وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }
[يونس: 99].

فإذا كان ربك لا يُكرِه الناسَ على الإيمان، أفتُكرههم أنت؟ ولماذا الإكراه في دين الله؟:إن الحق ـ تبارك وتعالى ـ يوالي تنزيل القرآن عليهم ـ آية بعد آية ـ فلعل نجماً من نجومه يصادف فراغاً، وقلباً صافياً من الموجدة على رسول الله فيؤمن.

لكن هيهات لمثل هؤلاء الذين طُبِعوا على اللدد والعناد والجحود أن يؤمنوا؛ لذلك يقول الله عنهم:
{  وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً }
[النمل: 14].

وقال عنهم: { وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ }


www.alro7.net