سورة
اية:

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا} يدعوهم إلى اللّه عزَّ وجلَّ، ولكنا خصصناك يا محمد بالبعثة إلى جميع أهل الأرض، وأمرناك أن تبلغهم هذا القرآن { لأنذركم به ومن بلغ} ، { قل يا أيها الناس إني رسول اللّه إليكم جميعا} ، وفي الصحيحين: (بعثت إلى الأحمر والأسود)، وفيهما (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)، ولهذا قال تعالى: { فلا تطع الكافرين وجاهدهم به} يعني بالقرآن، قاله ابن عباس { جهادا كبيرا} ، كما قال تعالى: { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين} الآية، وقوله تعالى: { وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج} أي خلق الماءين الحلو والملح، فالحلو كالأنهار والعيون والآبار. قاله ابن جريج واختاره ابن جرير، وهذا المعنى لا شك فيه، فإنه ليس في الوجود بحر ساكن وهو عذب فرات، واللّه سبحانه وتعالى إنما أخبر بالواقع لينبه العباد على نعمه عليهم ليشكروه، فالبحر العذب فرقه اللّه تعالى بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهاراً أو عيوناً في كل أرض، بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأراضيهم، وقوله تعالى: { وهذا ملح أجاج} أي مالح، مرٌّ، زُعاق لا يستساغ، وذلك كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب، البحر المحيط وبحر فارس وبحر الصين والهند وبحر الروم وبحر الخزر، وما شاكلها وما شابهها من البحار الساكنة التي لا تجري، ولكن تموج وتضطرب وتلتطم في زمن الشتاء وشدة الرياح، ومنها ما فيه مد وجزر، ففي أول كل شهر يحصل منها مد وفيض، فإذا شرع الشهر في النقصان جزرت حتى ترجع إلى غايتها الأولى، فأجرى اللّه سبحانه وتعالى - وهو ذو القدرة التامة - العادة بذلك؛ فكل هذه البحار الساكنة خلقها اللّه سبحانه وتعالى مالحة، لئلا يحصل بسببها نتن الهواء، فيفسد الوجود بذلك، ولئلا تجوى الأرض بما يموت فيها من الحيوان، ولما كان ماؤها ملحاً كان هواؤها صحيحاً وميتتها طيبة؛ ولهذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد سئل عن ماء البحر: أنتوضأ به؟ فقال: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) ((رواه الأئمة مالك والشافعي وأحمد وأهل السنن بإسناد جيد)). وقوله تعالى: { وجعل بينهما برزخا وحجرا} أي بين العذب والمالح { برزخا} أي حاجزاً وهو اليبس من الأرض { وحجرا محجورا} أي مانعاً من أن يصل أحدهما إلى الآخر، كقوله تعالى: { مرج البحرين يلتقان بينهما برزخ لا يبغيان} ، وقوله تعالى: { وجعل بين البحرين حاجزاً أءِله مع اللّه؟ بل أكثرهم لا يعلمون} ، وقوله تعالى: { وهو الذي خلق من الماء بشرا} الآية، أي خلق الإنسان من نطفة ضعيفة فسوَّاه وعدّله، وجعله كامل الخلقة ذكراً وأنثى كما يشاء، { فجعله نسبا وصهرا} فهو في ابتداء أمره ولد نسيب، ثم يتزوج فيصير صهراً، ثم يصير له أصهار وأختان وقرابات، وكل ذلك من ماء مهين، ولهذا قال تعالى: { وكان ربك قديرا} .

تفسير الجلالين

{ وهو الذي خلق من الماء بشرا } من المني إنسانا { فجعله نسبا } ذا نسب { وصهرا } ذا صهر بأن يتزوج ذكرا كان أو أنثي طلبا للتناسل { وكان ربُّك قديرا } قادرا على ما يشاء .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاللَّه الَّذِي خَلَقَ مِنْ النُّطَف بَشَرًا إِنْسَانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا , وَذَلِكَ سَبْعَة , وَصِهْرًا , وَهُوَ خَمْسَة . كَمَا : 20063 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا } النَّسَب : سَبْع , قَوْله : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتكُمْ } ... 4 23 إِلَى قَوْله { وَبَنَات الْأُخْت } 4 23 وَالصِّهْر خَمْس , قَوْله : { وَأُمَّهَاتكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ } ... 4 23 إِلَى قَوْله { وَحَلَائِل أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابكُمْ } . 4 23 الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاللَّه الَّذِي خَلَقَ مِنْ النُّطَف بَشَرًا إِنْسَانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا , وَذَلِكَ سَبْعَة , وَصِهْرًا , وَهُوَ خَمْسَة . كَمَا : 20063 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا } النَّسَب : سَبْع , قَوْله : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتكُمْ } ... 4 23 إِلَى قَوْله { وَبَنَات الْأُخْت } 4 23 وَالصِّهْر خَمْس , قَوْله : { وَأُمَّهَاتكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ } ... 4 23 إِلَى قَوْله { وَحَلَائِل أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابكُمْ } . 4 23 ' وَقَوْله : { وَكَانَ رَبّك قَدِيرًا } يَقُول : وَرَبّك يَا مُحَمَّد ذُو قُدْرَة عَلَى خَلْق مَا يَشَاء مِنْ الْخَلْق , وَتَصْرِيفهمْ فِيمَا شَاءَ وَأَرَادَ .وَقَوْله : { وَكَانَ رَبّك قَدِيرًا } يَقُول : وَرَبّك يَا مُحَمَّد ذُو قُدْرَة عَلَى خَلْق مَا يَشَاء مِنْ الْخَلْق , وَتَصْرِيفهمْ فِيمَا شَاءَ وَأَرَادَ .'

تفسير القرطبي

قوله { وهو الذي خلق من الماء بشرا} أي خلق من النطفة إنسانا. { فجعله} أي جعل الإنسان { نسبا وصهرا} . وقيل { من الماء} إشارة إلى أصل الخلقة في أن كل حي مخلوق من الماء. وفي هذه الآية تعديد النعمة على الناس في، إيجادهم بعد العدم، والتنبيه على العبرة في ذلك. قوله { فجعله نسبا وصهرا} النسب والصهر معنيان يعمان كل قربى تكون بين آدميين. قال ابن العربي : النسب عبارة عن خلط الماء بين الذكر والأنثى على وجه الشرع؛ فإن كان بمعصية كان خلقا مطلقا ولم يكن نسبا محققا، ولذلك لم يدخل تحت قوله { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} النساء 23 بنته من الزنى؛ لأنها ليست ببنت له في أصح القولين لعلمائنا وأصح القولين في الدين؛ وإذا لم يكن نسب شرعا فلا صهر شرعا فلا يحرم الزنى بنت أم ولا أم بنت، وما يحرم من الحلال لا يحرم من الحرام؛ لأن الله امتن بالنسب والصهر على عباده ورفع قدرهما، وعلق الأحكام في الحل والحرمة عليهما فلا يلحق الباطل بهما ولا يساويهما. قلت : اختلف الفقهاء في نكاح الرجل ابنته من زنى أو أخته أو بنت ابنه من زنى؛ فحرم ذلك قوم منهم ابن القاسم، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه، وأجاز ذلك آخرون منهم عبد الملك بن الماجشون، وهو قول الشافعي، وقد مضى هذا في النساء مجودا. قال الفراء : النسب الذي لا يحل نكاحه، والصهر الذي يحل نكاحه. وقاله الزجاج : وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه. واشتقاق الصهر من صهرت الشيء إذا خلطته؛ فكل واحد من الصهرين قد خالط صاحبه، فسميت المناكح صهرا لاختلاط الناس بها. وقيل : الصهر قرابة النكاح؛ فقرابة الزوجة هم الأختان، وقرابة الزوج هم الأحماء. والأصهار يقع عاما لذلك كله؛ قاله الأصمعي. وقال ابن الأعرابي : الأختان أبو المرأة وأخوهما وعمها - كما قال الأصمعي - والصهر زوج ابنة الرجل وأخوه وأبوه وعمه. وقال محمد بن الحسن في رواية أبي سليمان الجوزجاني : أختان الرجل أزواج بناته وأخواته وعماته وخالاته، وكل ذات محرم منه، وأصهاره كل ذي رحم محرم من زوجته. قال النحاس : الأولى في هذا أن يكون القول في الأصهار ما قال الأصمعي، وأن يكون من قبلهما جميعا. يقال : صهرت الشيء أي خلطته؛ فكل واحد منهما قد خلط صاحبه. والأولى في الأختان ما قال محمد بن الحسن لجهتين : إحداهما الحديث المرفوع، ""روى محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبدالله بن قسيط"" عن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أما أنت يا علي فختني وأبو ولدي وأنت مني وأنا منك). فهذا على أن زوج البنت ختن. والجهة الأخرى أن اشتقاق الختن من ختنه إذا قطعه؛ وكان الزوج قد انقطع عن أهله، وقطع زوجته عن أهلها. وقال الضحاك : الصهر قرابة الرضاع. قال ابن عطية : وذلك عندي وهم أوجبه أن ابن عباس قال : حرم من النسب سبع، ومن الصهر خمس. وفي رواية أخرى من الصهر سبع؛ يريد قوله عز وجل { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت} النساء 23 فهذا هو النسب. ثم يريد بالصهر قوله { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} إلى قوله { وأن تجمعوا بين الأختين} . ثم ذكر المحصنات. ومحمل هذا أن ابن عباس أراد حرم من الصهر ما ذكر معه، فقد أشار بما ذكر إلى عظمه وهو الصهر، لا أن الرضاع صهر، وإنما الرضاع عديل النسب يحرم منه ما يحرم من النسب بحكم الحديث المأثور فيه. ومن روى وحرم من الصهر خمس أسقط من الآيتين الجمع بين الأختين والمحصنات؛ وهن ذوات الأزواج. قلت : فابن عطية جعل الرضاع مع ما تقدم نسبا، وهو قول الزجاج. قال أبو إسحاق : النسب الذي ليس بصهر من قوله جل ثناؤه { حرمت عليكم أمهاتكم} 2@ 23 إلى قوله { وأن تجمعوا بين الأختين} النساء 23، والصهر من له التزويج. قال ابن عطية : وحكى الزهراوي قولا أن النسب من جهة البنين والصهر من جهة البنات. قلت : وذكر هذا القول النحاس، وقال : لأن المصاهرة من جهتين تكون. وقال ابن سيرين : نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه؛ لأنه جمعه معه نسب وصهر. قال ابن عطية : فاجتماعهما وكادة حرمة إلى يوم القيامة. { وكان ربك قديرا} على خلق ما يريده.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الفرقان الايات 53 - 58

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وفي آية عامة عن الماء، قال تعالى:
{  وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ }
[الأنبياء: 30] يعني: كل شيء فيه حياة فهو من الماء، لا أن الماء داخل في كل شيء، فالمعنى:
{  كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ }
[الأنبياء: 30] أي: كل شيء موصوف بأنه حي، فالماء ـ إذن ـ دليل الحياة؛ لذلك إذا أراد العلماء أن يقضوا على الميكروبات أو الفيروسات جعلوا لها دواءً يفصل عنها المائيةَ فتموت.

والإنسان الذي كرَّمه الله تعالى وجعله أعلى الأجناس، خلقه الله من الماء، { وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً } [الفرقان: 54] وفي موضع آخر قال سبحانه:
{  فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ }
[الطارق: 5ـ7] وهو ماء له خصوصية، وهو المنيُّ الذي قال الله فيه:
{  أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ }
[القيامة: 37ـ38].

والبشر أي: الإنس { فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً } [الفرقان: 54] فمن الماء خلق الله البشر، وهم قسمان: ذكور وإناث، فكلمة (نَسَباً) تعني: الذكورة (وَصِهْراً) تعني: الأنوثة؛ لأن النسب يعني انتقال الأدنى من الأعلى بذكورة، فيظل الإنسان فلان بن فلان بن فلان..الخ.

فالنسب يأتي من ناحية الذكورة، أما الأنوثة فلا يأتي نسب، إنما مصاهرة، حينما يتزوج رجل ابنتي، أو أتزوج ابنته، يُسمُّونه صِهْرا.

لذلك قال الشاعر:
وَإنَّما أُمَّهَاتُ القَوْمِ أَوْعِية   مُسْتحدثَات ولِلأَحْسَابِ آبَاءُ
فمن عظمة الخالق ـ عز وجل ـ أن خلق من الماء هذيْن الشيئين،ـ كما قال في موضع آخر:
{  فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ }
[القيامة: 39]، وقد توصَّل العلماء مُؤخّراً إلى أن بويضة الأنثى لا دَخْلَ لها في نوع الجنين، وما هي إلا حاضنة للميكروب الذَّكَري الآتي من منيّ الرجل.

وهذا معنى قوله تعالى:
{  أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ * فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ }
[القيامة: 37ـ39].

فالذكر والأنثى كلاهما من المنيّ، والذي يُطلق عليه العلماء الآن (الإكس، والإكس واي) فالحيوان المنويّ يخرج من الرجل، منه ما هو خاص بالذكورة، ومنه ماهو خاص بالأنوثة، ثم تتم عملية انتخاب للأقوى الذي يستطيع تلقيح البويضة.

وهذه الظاهرة واضحة في النحل، حيث تضع الملكة البيض، ولا يُخصِّبها إلا الأقوى من الذكور، لذلك تطير الملِكة على ارتفاعات عالية، لماذا؟ لتنتخب الأقوى من الذكور.

كذلك الميكروب ينزل من الرجل، والأقوى منه هو الذي يستطيع أن يسبق إلى بويضة المرأة، فإنْ سبق الخاص بالذكورة كان ذكراً، وإنْ سبق الخاص بالأنوثة كان أنثى، والحق سبحانه قال:
{  ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ }
[الأعلى: 2ـ3].

وبهذه الآية الكونية في خَلْق الإنسان نرد على الذين يحلو لهم أن يقولوا: إن الإنسان خُلِق صُدْفة، فإذا كان الإنسان ذكراً وأنثى بينهما مواصفات مشتركة وأجهزة ومُقوِّمات واحدة، إلا أن الذكَر يختلف في الجهاز التناسلي وكذلك الأنثى، فهل يُردّ هذا الى الصدفة؟

ومعلوم أن الصُّدْفة من أعدائها الاتفاق، فإذا جاء الذكّر صدفة، وجاءت الأنثى كذلك صدفة، فهل من الصدفة أن يلتقيا على طريقة خاصة، فيثمر هذا اللقاء أيضاً ذكورة وأنوثة؟! إذن: المسألة ليست مصادفةً، إنما هي غاية مقصودة للخالق عز وجل.ثم يقول سبحانه في ختام الآية { وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً } [الفرقان: 54] وذكر سبحانه القدرة هنا؛ لأن هذه مسألة دقيقة لا تحدث إلا بقدرة الله تعالى.

وقد فَطِن العرب حتى قبل نزول القرآن إلى هذه العملية بالفطرة، فهذه زوجة أبي حمزة تعاتبه؛ لأنه تركها وتزوج من أخرى، لأنها لم تَلِدْ له ذَكَراً، فتقول:
مَا لأَبي حَمْزةَ لاَ يَأْتِينَا   غَضْبان أَلاَّ نَلِدَ البَنِينَا
تَاللهِ ما ذَلكَ في أَيْدينا   فَنَحْنُ كَالأرْضِ لِغَارِسينَا
نُعطِي لَهُمْ مِثْلَ الذي أُعْطِينَا   
وهذه المسألة التي فَطِن إليها العربي القديم لم يعرفها العلم إلا في القرن العشرين.

وبعد هذه الآية الكونية يعود ـ سبحانه وتعالى ـ إلى خطابهم مرة أخرى لعل قلوبهم ترقّ، فالحق ـ تبارك وتعالى ـ يتعهدهم مرة بالنُّصح، ومرة بإظهار آياته تعالى في الكون.


www.alro7.net