سورة
اية:

وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن الكفار يوم القيامة: { أسمع بهم وأبصر} أي ما أسمعهم وأبصرهم { يوم يأتوننا} يعني يوم القيامة، { لكن الظالمون اليوم} أي في الدنيا { في ضلال مبين} أي: لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون، ويكونون مطيعين حيث لا ينفعهم ذلك، ثم قال تعالى: { وأنذرهم يوم الحسرة} أي أنذر الخلائق يوم الحسرة { إذ قضي الأمر} أي فصل بين أهل الجنة وأهل النار، وصار كل إلى ما صار إليه مخلداً فيه، { وهم} أي اليوم { في غفلة} عما أنذروا به يوم الحسرة والندامة { وهم لا يؤمنون} أي: لا يصدقون به. عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال، فيشرئبون وينظرون ويقولون، نعم هذا الموت، قال: فيقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال، فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال فيؤمر به فيذبح، قال، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت( ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون} ، وأشار بيده ثم قال: (أهل الدنيا في غفلة الدنيا) ""رواه أحمد عن أبي سعيد الخدري واللفظ له وأخرجه الشيخان عن ابن عمر ولفظهما قريب من ذلك"". وقال السُّدي، عن ابن مسعود في قوله: { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر} قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، أتي بالموت في صورة كبش أملح حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في أهل عليين، ولا في أسفل درجة في الجنة إلا نظر إليه، ثم ينادي مناد: يا أهل النار هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا فلا يبقى أحد في ضحضاح من نار ولا في أسفل درك من جهنم إلا نظر إليه، ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى: يا أهل الجنة هو الخلود أبد الآبدين، ويا أهل النار هو الخلود أبد الآبدين، فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحدا ميتاً من فرح ماتوا، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتاً من شهقة ماتوا، فذلك قوله تعالى: { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر} يقول إذا ذبح الموت ""رواه ابن أبي حاتم في تفسيره"". وقال ابن عباس: { يوم الحسرة} من أسماء يوم القيامة، عظَّمه اللّه وحذره عباده، وقال عبد الرحمن بن زيد، في قوله: { وأنذرهم يوم الحسرة} قال يوم القيامة، وقرأ: { أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} ، وقوله: { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون} يخبر تعالى أنه الخالق المالك المتصرف، وأن الخلق كلهم يهلكون ويبقى هو تعالى وتقدس، ولا أحد يدعى ملكاً ولا تصرفاً، بل هو الوارث لجميع خلقه الباقي بعدهم، الحاكم فيهم، فلا تظلم نفس شيئاً ولا جناح بعوضة ولا مثقال ذرة.

تفسير الجلالين

{ وأنذرهم } خوّف يا محمد كفار مكة { يوم الحسرة } هو يوم القيامة يتحسر فيه المسيء على ترك الإحسان في الدنيا { إذ قُضي الأمر } لهم فيه بالعذاب { وهم } في الدنيا { في غفلة } عنه { وهم لا يؤمنون } به .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنْذِرْ يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ يَوْم حَسْرَتهمْ وَنَدَمهمْ , عَلَى مَا فَرَّطُوا فِي جَنْب اللَّه , وَأَوْرَثْت مَسَاكِنهمْ مِنْ الْجَنَّة أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَالطَّاعَة لَهُ , وَأَدْخَلُوهُمْ مَسَاكِن أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ مِنْ النَّار , وَأَيْقَنَ الْفَرِيقَانِ بِالْخُلُودِ الدَّائِم , وَالْحَيَاة الَّتِي لَا مَوْت بَعْدهَا , فَيَا لَهَا حَسْرَة وَنَدَامَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17886 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ , قَالَ : ثنا أَبُو الزَّعْرَاء , عَنْ عَبْد اللَّه فِي قِصَّة ذَكَرَهَا , قَالَ : مَا مِنْ نَفْس إِلَّا وَهِيَ تَنْظُر إِلَى بَيْت فِي الْجَنَّة , وَبَيْت فِي النَّار , وَهُوَ يَوْم الْحَسْرَة , فَيَرَى أَهْل النَّار الْبَيْت الَّذِي كَانَ قَدْ أَعَدَّهُ اللَّه لَهُمْ لَوْ آمَنُوا , فَيُقَال لَهُمْ : لَوْ آمَنْتُمْ وَعَمِلْتُمْ صَالِحًا كَانَ لَكُمْ هَذَا الَّذِي تَرَوْنَهُ فِي الْجَنَّة , فَتَأْخُذهُمْ الْحَسْرَة , وَيَرَى أَهْل الْجَنَّة الْبَيْت الَّذِي فِي النَّار , فَيُقَال : لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ . 17887 - حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِي سَعِيد , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُجَاء بِالْمَوْتِ يَوْم الْقِيَامَة فَيُوقَف بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَح " قَالَ : " فَيُقَال : يَا أَهْل الْجَنَّة هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ , فَيَقُولُونَ : نَعَمْ , هَذَا الْمَوْت , فَيُقَال : يَا أَهْل النَّار هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ , فَيَقُولُونَ . نَعَمْ هَذَا الْمَوْت , ثُمَّ يُؤْمَر بِهِ فَيُذْبَح " قَالَ : " فَيَقُول : يَا أَهْل الْجَنَّة خُلُود فَلَا مَوْت , وَيَا أَهْل النَّار خُلُود فَلَا مَوْت " قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قُضِيَ الْأَمْر وَهُمْ فِي غَفْلَة وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } وَأَشَارَ بِيَدِهِ فِي الدُّنْيَا . 17888 - حَدَّثَنِي عُبَيْد بْن أَسْبَاط بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَة { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة } قَالَ : " يُنَادَى : يَا أَهْل الْجَنَّة , فَيَشْرَئِبُّونَ , فَيَنْظُرُونَ , ثُمَّ يُنَادَى : يَا أَهْل النَّار فَيَشْرَئِبُّونَ فَيَنْظُرُونَ , فَيُقَال : هَلْ تَعْرِفُونَ الْمَوْت ؟ قَالَ : فَيَقُولُونَ : لَا , قَالَ : فَيُجَاء بِالْمَوْتِ فِي صُورَة كَبْش أَمْلَح , فَيُقَال : هَذَا الْمَوْت , ثُمَّ يُؤْخَذ فَيُذْبَح , قَالَ : ثُمَّ يُنَادِي يَا أَهْل النَّار خُلُود فَلَا مَوْت , وَيَا أَهْل الْجَنَّة خُلُود فَلَا مَوْت " , قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قُضِيَ الْأَمْر } 17889 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة } قَالَ : يُصَوِّر اللَّه الْمَوْت فِي صُورَة كَبْش أَمْلَح , فَيُذْبَح , قَالَ : فَيَيْأَس أَهْل النَّار مِنْ الْمَوْت , فَلَا يَرْجُونَهُ , فَتَأْخُذهُمْ الْحَسْرَة مِنْ أَجْل الْخُلُود فِي النَّار , وَفِيهَا أَيْضًا الْفَزَع الْأَكْبَر , وَيَأْمَن أَهْل الْجَنَّة الْمَوْت , فَلَا يَخْشَوْنَهُ , وَأَمِنُوا الْمَوْت , وَهُوَ الْفَزَع الْأَكْبَر , لِأَنَّهُمْ يَخْلُدُونَ فِي الْجَنَّة , قَالَ اِبْن جُرَيْج : يُحْشَر أَهْل النَّار حِين يُذْبَح الْمَوْت وَالْفَرِيقَانِ يَنْظُرُونَ , فَذَلِكَ قَوْله : { إِذْ قُضِيَ الْأَمْر } قَالَ : ذُبِحَ الْمَوْت { وَهُمْ فِي غَفْلَة } 17890 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْد بْن عُمَيْر فِي قَصَصه يَقُول : يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ دَابَّة , فَيُذْبَح وَالنَّاس يَنْظُرُونَ . 17891 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة } قَالَ : يَوْم الْقِيَامَة , وَقَرَأَ { أَنْ تَقُول نَفْس يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْت فِي جَنْب اللَّه } 39 56 17892 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة } مِنْ أَسْمَاء يَوْم الْقِيَامَة , عَظَّمَهُ اللَّه , وَحَذَّرَهُ عِبَاده . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنْذِرْ يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ يَوْم حَسْرَتهمْ وَنَدَمهمْ , عَلَى مَا فَرَّطُوا فِي جَنْب اللَّه , وَأَوْرَثْت مَسَاكِنهمْ مِنْ الْجَنَّة أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَالطَّاعَة لَهُ , وَأَدْخَلُوهُمْ مَسَاكِن أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ مِنْ النَّار , وَأَيْقَنَ الْفَرِيقَانِ بِالْخُلُودِ الدَّائِم , وَالْحَيَاة الَّتِي لَا مَوْت بَعْدهَا , فَيَا لَهَا حَسْرَة وَنَدَامَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17886 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ , قَالَ : ثنا أَبُو الزَّعْرَاء , عَنْ عَبْد اللَّه فِي قِصَّة ذَكَرَهَا , قَالَ : مَا مِنْ نَفْس إِلَّا وَهِيَ تَنْظُر إِلَى بَيْت فِي الْجَنَّة , وَبَيْت فِي النَّار , وَهُوَ يَوْم الْحَسْرَة , فَيَرَى أَهْل النَّار الْبَيْت الَّذِي كَانَ قَدْ أَعَدَّهُ اللَّه لَهُمْ لَوْ آمَنُوا , فَيُقَال لَهُمْ : لَوْ آمَنْتُمْ وَعَمِلْتُمْ صَالِحًا كَانَ لَكُمْ هَذَا الَّذِي تَرَوْنَهُ فِي الْجَنَّة , فَتَأْخُذهُمْ الْحَسْرَة , وَيَرَى أَهْل الْجَنَّة الْبَيْت الَّذِي فِي النَّار , فَيُقَال : لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ . 17887 - حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِي سَعِيد , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُجَاء بِالْمَوْتِ يَوْم الْقِيَامَة فَيُوقَف بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَح " قَالَ : " فَيُقَال : يَا أَهْل الْجَنَّة هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ , فَيَقُولُونَ : نَعَمْ , هَذَا الْمَوْت , فَيُقَال : يَا أَهْل النَّار هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ , فَيَقُولُونَ . نَعَمْ هَذَا الْمَوْت , ثُمَّ يُؤْمَر بِهِ فَيُذْبَح " قَالَ : " فَيَقُول : يَا أَهْل الْجَنَّة خُلُود فَلَا مَوْت , وَيَا أَهْل النَّار خُلُود فَلَا مَوْت " قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قُضِيَ الْأَمْر وَهُمْ فِي غَفْلَة وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } وَأَشَارَ بِيَدِهِ فِي الدُّنْيَا . 17888 - حَدَّثَنِي عُبَيْد بْن أَسْبَاط بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَة { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة } قَالَ : " يُنَادَى : يَا أَهْل الْجَنَّة , فَيَشْرَئِبُّونَ , فَيَنْظُرُونَ , ثُمَّ يُنَادَى : يَا أَهْل النَّار فَيَشْرَئِبُّونَ فَيَنْظُرُونَ , فَيُقَال : هَلْ تَعْرِفُونَ الْمَوْت ؟ قَالَ : فَيَقُولُونَ : لَا , قَالَ : فَيُجَاء بِالْمَوْتِ فِي صُورَة كَبْش أَمْلَح , فَيُقَال : هَذَا الْمَوْت , ثُمَّ يُؤْخَذ فَيُذْبَح , قَالَ : ثُمَّ يُنَادِي يَا أَهْل النَّار خُلُود فَلَا مَوْت , وَيَا أَهْل الْجَنَّة خُلُود فَلَا مَوْت " , قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قُضِيَ الْأَمْر } 17889 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة } قَالَ : يُصَوِّر اللَّه الْمَوْت فِي صُورَة كَبْش أَمْلَح , فَيُذْبَح , قَالَ : فَيَيْأَس أَهْل النَّار مِنْ الْمَوْت , فَلَا يَرْجُونَهُ , فَتَأْخُذهُمْ الْحَسْرَة مِنْ أَجْل الْخُلُود فِي النَّار , وَفِيهَا أَيْضًا الْفَزَع الْأَكْبَر , وَيَأْمَن أَهْل الْجَنَّة الْمَوْت , فَلَا يَخْشَوْنَهُ , وَأَمِنُوا الْمَوْت , وَهُوَ الْفَزَع الْأَكْبَر , لِأَنَّهُمْ يَخْلُدُونَ فِي الْجَنَّة , قَالَ اِبْن جُرَيْج : يُحْشَر أَهْل النَّار حِين يُذْبَح الْمَوْت وَالْفَرِيقَانِ يَنْظُرُونَ , فَذَلِكَ قَوْله : { إِذْ قُضِيَ الْأَمْر } قَالَ : ذُبِحَ الْمَوْت { وَهُمْ فِي غَفْلَة } 17890 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْد بْن عُمَيْر فِي قَصَصه يَقُول : يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ دَابَّة , فَيُذْبَح وَالنَّاس يَنْظُرُونَ . 17891 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة } قَالَ : يَوْم الْقِيَامَة , وَقَرَأَ { أَنْ تَقُول نَفْس يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْت فِي جَنْب اللَّه } 39 56 17892 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة } مِنْ أَسْمَاء يَوْم الْقِيَامَة , عَظَّمَهُ اللَّه , وَحَذَّرَهُ عِبَاده . ' وَقَوْله : { إِذْ قُضِيَ الْأَمْر } يَقُول : إِذْ فُرِغَ مِنْ الْحُكْم لِأَهْلِ النَّار بِالْخُلُودِ فِيهَا , وَلِأَهْلِ الْجَنَّة بِمَقَامِ الْأَبَد فِيهَا , بِذَبْحِ الْمَوْت . وَقَوْله : { وَهُمْ فِي غَفْلَة } يَقُول : وَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي غَفْلَة عَمَّا اللَّه فَاعِل بِهِمْ يَوْم يَأْتُونَهُ خَارِجِينَ إِلَيْهِ مِنْ قُبُورهمْ , مِنْ تَخْلِيده إِيَّاهُمْ فِي جَهَنَّم , وَتَوْرِيثه مَسَاكِنهمْ مِنْ الْجَنَّة غَيْرهمْ { وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ بِالْقِيَامَةِ وَالْبَعْث , وَمُجَازَاة اللَّه إِيَّاهُمْ عَلَى سَيِّئ أَعْمَالهمْ , بِمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ مُجَازِيهمْ بِهِ .وَقَوْله : { إِذْ قُضِيَ الْأَمْر } يَقُول : إِذْ فُرِغَ مِنْ الْحُكْم لِأَهْلِ النَّار بِالْخُلُودِ فِيهَا , وَلِأَهْلِ الْجَنَّة بِمَقَامِ الْأَبَد فِيهَا , بِذَبْحِ الْمَوْت . وَقَوْله : { وَهُمْ فِي غَفْلَة } يَقُول : وَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي غَفْلَة عَمَّا اللَّه فَاعِل بِهِمْ يَوْم يَأْتُونَهُ خَارِجِينَ إِلَيْهِ مِنْ قُبُورهمْ , مِنْ تَخْلِيده إِيَّاهُمْ فِي جَهَنَّم , وَتَوْرِيثه مَسَاكِنهمْ مِنْ الْجَنَّة غَيْرهمْ { وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ بِالْقِيَامَةِ وَالْبَعْث , وَمُجَازَاة اللَّه إِيَّاهُمْ عَلَى سَيِّئ أَعْمَالهمْ , بِمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ مُجَازِيهمْ بِهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ذلك عيسى ابن مريم} أي ذلك الذي ذكرناه عيسى بن مريم فكذلك اعتقدوه، لا كما تقول اليهود إنه لغير رشدة وأنه ابن يوسف النجار، ولا كما قالت النصارى : إنه الإله أو ابن الإله. { قول الحق} قال الكسائي { قول الحق} نعت لعيسى أي ذلك عيسى ابن مريم { قول الحق} وسمي قول الحق كما سمي كلمة الله؛ والحق هو الله عز وجل. وقال أبو حاتم : المعنى هو قول الحق. وقيل : التقدير هذا الكلام قول الحق. قال ابن عباس : (يريد هذا كلام عيسى صلى الله عليه وسلم قول الحق ليس بباطل؛ وأضيف القول إلى الحق كما قال : (وعد الصدق الذي كانوا يوعدون) [الأحقاف : 16] أي الوعد والصدق. وقال { وللدار الآخرة خير} [الأنعام : 32] أي ولا الدار الآخرة. وقرأ عاصم وعبدالله بن عامر { قول الحق} بالنصب على الحال؛ أي أقول قولا حقا. والعامل معنى الإشارة في (ذلك). الزجاج : هو مصدر أي أقول قول الحق لأن ما قبله يدل عليه. وقيل : مدح. وقيل : إغراء. وقرأ عبدالله { قال الحق} وقرأ الحسن { قول الحق} بضم القاف، وكذلك في { الأنعام} { قول الحق} والقول والقال والقول بمعنى واحد، كالرهب والرهب والرهب. { الذي} من نعت عيسى. { فيه يمترون} أي يشكون؛ أي ذلك عيسى بن مريم الذي فيه يمترون القول الحق. وقيل { يمترون} يختلفون. ذكر عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى (ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون) قال : اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم فامتروا في عيسى حين رفع؛ فقال أحدهم : هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية. فقالت الثلاثة : كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث : قل فيه، قال : هو ابن الله وهم النسطورية، فقال الاثنان كذبت، ثم قال أحد الاثنين للآخر قل فيه، فقال : هو ثالث ثلاثة، الله إله وهو إله، وأمه إله، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى. قال الرابع : كذبت بل هو عبدالله ورسول وروحه وكلمته وهم المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباع - على ما قال - فاقتتلوا فظهر على المسلمين، فذلك قول الله تعالى : (ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس) [آل عمران : 21]. وقال قتادة : وهم الذين قال الله تعالى فيهم : (فاختلف الأحزاب من بينهم) اختلفوا فيه فصاروا أحزابا فهذا معنى قول (الذي فيه تمترون) بالتاء المعجمة من فوق وهي قراءة أبي عبدالرحمن السلمي وغيره قال ابن عباس فمر بمريم ابن عمها ومعها ابنها إلى مصر فكانوا فيها اثنتي عشرة سنة حتى مات الملك الذي كانوا يخافونه؛ ذكره الماوردي. قلت ووقع في تاريخ مصر فيما رأيت وجاء في الإنجيل الظاهر أن السيد المسيح لما ولد في بيت لحم كان هيرودس في ذلك الوقت ملكا وأن الله تعالى أوعى إلى يوسف النجار في الحلم وقال له قم فخذ الصبي وأمه واذهب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك، فإن هيرودس مزمع أن يطلب عيسى ليهلكه فقام من نومه وامتثل أمر ربه وأخذ السيد المسيح ومريم أمه وجاء إلى مصر، وفي حال مجيئه إلى مصر نزل ببئر البلسان التي بظاهر القاهرة وغسلت ثيابه على ذلك البئر فالبلسان لا يطلع ولا ينبت إلا في تلك الأرض ومنه يخرج الدهن الذي يخالط الزيت الذي تعمد به النصارى ولذلك كانت قارورة واحدة في أيام المصريين لها مقدار عظيم، وتقع في نفوس ملوك النصارى مثل ملك القسطنطينية وملك صقلية وملك الحبشة وملك النوبة وملك الفرنجة وغيرهم من الملوك عندما يهاديهم به ملوك مصر موقعا جليلا جدا وتكون أحب إليهم من كل هدية لها قدر وفي تلك السفرة وصل السيد المسيح إلى مدينة الأشمونين وقسقام المعروفة الآن بالمحرقة فلذلك يعظمها النصارى إلى الآن، ويحضروا إليها في عيد الفصح من كل مكان؛ لأنها نهاية ما وصل إليها من أرض مصر، ومنها عاد إلى الشام. والله أعلم. قوله تعالى { ما كان لله} أي ما ينبغي له ولا يجوز { أن يتخذ من ولد} { من} صلة للكلام؛ أي أن يتخذ ولدا. و { أن} في موضع رفع اسم { كان} أي ما كان لله أن يتخذ ولدا؛ أي ما كان من صفته اتخاذ الولد، ثم نزه نفسه تعالى عن مقالتهم فقال { سبحانه} أن يكون له { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} تقدم. { وإن الله ربي وربكم} قرأ أهل المدينة وابن كثير وأبو عمرو بفتح { أن} وأهل الكوفة { وإن} بكسر الهمزة على أنه مستأنف. تدل عليه قراءة أبي { كن فيكون. إن الله} بغير واو على العطف على { قال إني عبدالله} وفي الفتح أقوال : فمذهب الخليل وسيبويه أن المعنى؛ ولأن الله ربي وربكم، وكذا { وأن المساجد لله} فـ { أن} في موضع نصب عندهما. وأجاز الفراء أن يكون في موضع خفض على حذف اللام، وأجاز أن يكون أيضا في موضع خفض بمعنى وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبأن الله ربي وربكم؛ وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى؛ والأمر أن الله ربي وربكم. وفيها قول خامس حكى أبو عبيد أن أبا عمرو بن العلاء قاله، وهو أن يكون المعنى : وقضى إن الله ربي وربكم؛ فهي معطوفة على قوله { أمرا} من قوله { إذا قضى أمرا} والمعنى إذا قضى أمرا وقضى أن الله. ولا يبتدأ بـ { أن} على هذا التقدير، ولا على التقدير الثالث. ويجوز الابتداء بها على الأوجه الباقية. { هذا صراط مستقيم} أي دين قويم لا اعوجاج فيه. قوله تعالى { فاختلف الأحزاب من بينهم} { من} زائدة أي اختلف الأحزاب بينهم. وقال قتادة : أي ما بينهم فاختلفت الفرق أهل الكتاب في أمر عيسى عليه السلام فاليهود بالقدح والسحر. والنصارى قالت النسطورية منهم : هو ابن الله. والملكانية ثالث ثلاثة. وقالت اليعقوبية : هو الله؛ فأفرطت النصارى وغلت، وفرطت اليهود وقصرت. وقد تقدم هذا في [النساء] وقال ابن عباس : المراد من الأحزاب الذين تحزبوا على النبي صلى الله عليه وسلم وكذبوه من المشركين. { فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم} أي من شهود يوم القيامة، والمشهد بمعنى المصدر، والشهود الحضور ويجوز أن يكون الحضور لهم، ويضاف إلى الظرف لوقوعه فيه، كما يقال : ويل لفلان من قتال يوم كذا؛ أي من حضوره ذلك اليوم. وقيل : المشهد بمعنى الموضع الذي يشهده الخلائق، كالمحشر للموضع الذي يحشر إليه الخلق. وقيل : فويل للذين كفروا من حضورهم المشهد العظيم الذي اجتمعوا فيه للتشاور، فأجمعوا على الكفر بالله، وقولهم : إن الله ثالث ثلاثة. قوله تعالى { أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا} قال أبو العباس : العرب تقول هذا في موضع التعجب؛ فتقول أسمع بزيد وأبصر بزيد أي ما أسمعه وأبصره. قال : فمعناه أنه عجب نبيه منهم. قال الكلبي : لا أحد أسمع يوم القيامة ولا أبصر، حين يقول الله تبارك وتعالى لعيسى : (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) [المائدة : 116]. وقيل { أسمع} بمعنى الطاعة؛ أي ما أطوعهم لله في ذلك اليوم { لكن الظالمون اليوم} يعني في الدنيا { في ضلال مبين} وأي ضلال أبين من أن يعتقد المرء في شخص مثله حملته الأرحام، وأكل وشرب، وأحدث واحتاج أنه إله؟ ! ومن هذا وصفه أصم أعمى ولكنه سيبصر ويسمع في الآخرة إذا رأى العذاب، ولكنه لا ينفعه ذلك؛ قال معناه قتادة وغيره. قوله تعالى { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر} روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال : ما من أحد يدخل النار إلا وله بيت في الجنة فيتحسر عليه. وقيل : تقع الحسرة إذا أعطي كتابه بشماله. { إذ قضي الأمر} أي فرغ من الحساب، وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال يأهل الجنة هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت - قال - ثم يقال يأهل النار هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت - قال - فيؤمر به فيذبح ثم يقال يأهل الجنة خلود فلا موت ويأهل النار خلود فلا موت - ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم - { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون} أخرجه البخاري بمعناه عن ابن عمر، وابن ماجة من حديث أبي هريرة والترمذي عن أبي سعيد يرفعه وقال فيه حديث حسن صحيح. وقد ذكرنا ذلك في كتاب (التذكرة) وبينا هناك أن الكفار مخلدون بهذه الأحاديث والآي ردا على من قال : إن صفة الغضب تنقطع، وإن إبليس ومن تبعه من الكفرة كفرعون وهامان وقارون وأشباههم يدخلون الجنة. قوله تعالى { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها} أي نميت سكانها فنرثها. { وإلينا يرجعون} يوم القيامة فنجازي كلا بعمله، وقد تقدم هذا في { الحجر} وغيرها.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة مريم الايات 37 - 46

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ } [مريم: 39] الإنذار: هو التحذير من شر قادم.

والحسرة: هي الندم البالغ الذي يصيب النفس الإنسانية حينما يفوتها خير لا يمكن تداركه، وحينما تلقى شيئاً لا تستطيع دفعه أما الندم فيكون حزناً على خير فاتَكَ، لكن يمكن تداركه، كالتلميذ الذي يخفق في امتحان شهر من الشهور فيندم، لكنه يمكنه تدارك هذا الإخفاق في الشهر التالي، أما إذا أخفق في امتحان آخر العام فإنه يندم ندماً شديداً، ويتحسَّر على عام فات لا يمكن تداركُ الخسارة فيه.

لذلك سيقول الكفار يوم القيامة:
{  يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا }
[الأنعام: 31].

والمعنى: يا حسرتنا تعالَىْ فهذا أوانك، واحضري فقد فاتتْ الفرصة إلى غير رجعة. إذن: فيوم الحسرة هو يوم القيامة، حيث لن يعود أحدٌ ليتدارك ما فاته من الخير في الدنيا، وليتَ العقول تعي هذه الحقيقة، وتعمل لها وهي ما تزال في سَعَة الدنيا.

ومعنى: { إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ } [مريم: 39] أي: وقع وحدث، ولا يمكن تلافيه، ولم يَعُدْ هناك مجال لتدارُكِ ما فات؛ لأن الذي قضى هذا الأمر وحكم به هو الله تبارك وتعالى الذي لا يملك أحدٌ ردَّ أمرِه أو تأخيره عن موعده أو مناقشته فيه، فسبحانه، الأمر أمره، والقضاء قضاؤه، ولا إله إلا هو.

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن الله حينما يُدخل أهلَ الجنةِ الجنةَ، ويُدخِل أهلَ النارِ النار يأتي بالموت على هيئة كبش، فيقول للمؤمنين: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعم هو الموت جاءنا وعرفناه، ويقول للكفار: أتعرفون هذا؟ يقولون: عرفناه، فيميت الله الموت ويقول لأهل الجنة: خلود بلا موت. ولأهل النار: خلود بلا موت ".

وهكذا قضى اللهُ الأمرَ ليقطع الأمل على الكفار الذين قد يظنُّون أن الموت سيأتي ليُخرجهم مما هُمْ فيه من العذاب ويريحهم، فقطع الله عليهم هذا الأمل وآيسهم منه، حيث جاء بالموت مُشخّصاً وذبحه أمامهم، فلا موتَ بعد الآن فقد مات الموت.

لذلك يخبر عنهم الحق تبارك وتعالى:
{  وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ }
[الزخرف: 77].

ثم يقول تعالى: { وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [مريم: 39].

الغفلة: أن يصرف الإنسان ذِهْنه عن الفكر في شيء واضح الدليل على صحته؛ لأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ ما كان لِيُعذّب خَلْقه إلا وقد أظهر لهم الأدلة التي يستقبلها العقل الطبيعي فيؤمن بها.

فالذي لا يؤمن ـ إذن ـ:إما غافل عن هذه الأدلة أو متغافل عنها أو جاحد لها، كما قال سبحانه:
{  وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً }
[النمل: 14].

ومن الغفلة غفلتهم عن الموت، وقد قالوا: من مات قامت قيامته.

ومن حكمة الله أنْ أبهم الموت، أبهمه وقتاً، وأبهمه سبباً، وأبهمه مكاناً، فكان إبهام الموت هو عَيْن البيان للموت؛ لأن إبهامه يجعل الإنسان على استعداد للقائه في أيّ وقت، وبأيّ سبب، وفي أيّ مكان، فالموت يأتي غفلة؛ لأنه لا يتوقف على وقت أو سبب أو مكان.فالطفل يموت وهو في بطن أمه، ويموت بعد يوم، أو أيام من ولادته، ويموت بعد مائة عام، ويموت بسبب وبدون سبب، وقد نتعجَّب من موت أحدنا فجأة دون سبب ظاهر، فلم تصدمه سيارة، ولم يقع عليه جدار أو حجر، ولم يداهمه مرض، فما السبب؟ السبب هو الموت، إنه سيموت، أي أنه مات لأنه يموت، كما يقال: والموت من دون أسباب هو السبب.

ثم يقول الحق سبحانه: { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ }


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contactus@alro7.net