سورة
اية:

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

تفسير بن كثير

هذا خبر عن السعداء بخلاف ما أخبر به عن الأشقياء، فإن أولئك قيل لهم: { ماذا أنزل ربكم} قالوا: معرضين عن الجواب، لم ينزل شيئا إنما هذا أساطير الأولين، وهؤلاء قالوا: خيرا أي أنزل خيرا، أي رحمة وبركة لمن اتبعه وآمن به، ثم أخبر عما وعد اللّه عباده فيما أنزله على رسله، فقال: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} الآية، كقوله تعالى: { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} أي من أحسن عمله في الدنيا أحسن اللّه إليه عمله في الدنيا والآخرة، ثم أخبر بأن دار الآخرة خير، أي من الحياة الدنيا والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا، كقوله: { وما عند اللّه خير للأبرار} ، وقال تعالى: { والآخرة خير وأبقى} ، وقال لرسوله صلى اللّه عليه وسلم: { وللآخرة خير لك من الأولى} ، ثم وصف الدار الآخرة فقال: { ولنعم دار المتقين} ، وقوله: { جنات عدن} بدل من دار المتقين، أي لهم في الآخرة جنات عدن أي مقام يدخلونها، { تجري من تحتها الأنهار} أي بين أشجارها وقصورها، { لهم فيها ما يشاءون} ، كقوله تعالى: { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون} ، وفي الحديث: (إن السحابة لتمر بالملأ من أهل الجنة وهم جلوس على شرابهم، فلا يشتهي أحد منهم شيئا إلا أمطرته عليه، حتى إن منهم ليقول: أمطرينا كواعب أترابا فيكون ذلك)، { كذلك يجزي اللّه المتقين} ، أي كذلك يجزي اللّه كل من آمن به واتقاه وأحسن عمله. ثم أخبر تعالى عن حالهم عند الاحتضار أنهم طيبون، أي مخلصون من الشرك والدنس وكل سوء، وأن الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم بالجنة، كقوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا اللّه ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} . وقد قدمنا الأحاديث الواردة في قبض روح المؤمن وروح الكافر عند قوله تعالى: { يثبت اللّه الذين آمنوا بالقول الثابت} . الآية.

تفسير الجلالين

{ الذين } نعت { تتوفاهم الملائكة طيبين } طاهرين من الكفر { يقولون } عند الموت { سلام عليكم } ويقال لهم في الآخرة { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَة طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَام عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا الْجَنَّة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّه الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ تَقْبِض أَرْوَاحهمْ مَلَائِكَة اللَّه , وَهُمْ طَيِّبُونَ بِتَطْيِيبِ اللَّه إِيَّاهُمْ بِنَظَافَةِ الْإِيمَان , وَطُهْر الْإِسْلَام فِي حَال حَيَاتهمْ وَحَال مَمَاتهمْ . كَمَا : 16294 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثني عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَة طَيِّبِينَ } قَالَ : أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا , قَدَّرَ اللَّه ذَلِكَ لَهُمْ . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَوْله : { يَقُولُونَ سَلَام عَلَيْكُمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْمَلَائِكَة تَقْبِض أَرْوَاح هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ , وَهِيَ تَقُول لَهُمْ : سَلَام عَلَيْكُمْ صِيرُوا إِلَى الْجَنَّة بِشَارَة مِنْ اللَّه تُبَشِّرهُمْ بِهَا الْمَلَائِكَة . كَمَا : 16295 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْر , أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ يَقُول : إِذَا اِسْتَنْقَعَتْ نَفْس الْعَبْد الْمُؤْمِن جَاءَهُ مَلَك فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْك وَلِيّ اللَّه , اللَّه يَقْرَأ عَلَيْك السَّلَام . ثُمَّ نَزَعَ بِهَذِهِ الْآيَة : { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَة طَيِّبِينَ } إِلَى آخِر الْآيَة . 16296 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَسَلَام لَك مِنْ أَصْحَاب الْيَمِين } 56 91 قَالَ : الْمَلَائِكَة يَأْتُونَهُ بِالسَّلَامِ مِنْ قِبَل اللَّه , وَتُخْبِرهُ أَنَّهُ مِنْ أَصْحَاب الْيَمِين . 16297 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا الْأَشَبُّ أَبُو عَلِيّ , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنْ مُحَمَّد بْن مَالِك , عَنْ الْبَرَاء , قَالَ : قَوْله : { سَلَام قَوْلًا مِنْ رَبّ رَحِيم } 36 58 قَالَ : يُسَلِّم عَلَيْهِ عِنْد الْمَوْت . وَقَوْله : { بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } يَقُول : بِمَا كُنْتُمْ تُصِيبُونَ فِي الدُّنْيَا أَيَّام حَيَاتكُمْ فِيهَا طَاعَة اللَّه طَلَب مَرْضَاته . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَة طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَام عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا الْجَنَّة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّه الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ تَقْبِض أَرْوَاحهمْ مَلَائِكَة اللَّه , وَهُمْ طَيِّبُونَ بِتَطْيِيبِ اللَّه إِيَّاهُمْ بِنَظَافَةِ الْإِيمَان , وَطُهْر الْإِسْلَام فِي حَال حَيَاتهمْ وَحَال مَمَاتهمْ . كَمَا : 16294 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثني عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَة طَيِّبِينَ } قَالَ : أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا , قَدَّرَ اللَّه ذَلِكَ لَهُمْ . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَوْله : { يَقُولُونَ سَلَام عَلَيْكُمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْمَلَائِكَة تَقْبِض أَرْوَاح هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ , وَهِيَ تَقُول لَهُمْ : سَلَام عَلَيْكُمْ صِيرُوا إِلَى الْجَنَّة بِشَارَة مِنْ اللَّه تُبَشِّرهُمْ بِهَا الْمَلَائِكَة . كَمَا : 16295 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْر , أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ يَقُول : إِذَا اِسْتَنْقَعَتْ نَفْس الْعَبْد الْمُؤْمِن جَاءَهُ مَلَك فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْك وَلِيّ اللَّه , اللَّه يَقْرَأ عَلَيْك السَّلَام . ثُمَّ نَزَعَ بِهَذِهِ الْآيَة : { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَة طَيِّبِينَ } إِلَى آخِر الْآيَة . 16296 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَسَلَام لَك مِنْ أَصْحَاب الْيَمِين } 56 91 قَالَ : الْمَلَائِكَة يَأْتُونَهُ بِالسَّلَامِ مِنْ قِبَل اللَّه , وَتُخْبِرهُ أَنَّهُ مِنْ أَصْحَاب الْيَمِين . 16297 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا الْأَشَبُّ أَبُو عَلِيّ , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنْ مُحَمَّد بْن مَالِك , عَنْ الْبَرَاء , قَالَ : قَوْله : { سَلَام قَوْلًا مِنْ رَبّ رَحِيم } 36 58 قَالَ : يُسَلِّم عَلَيْهِ عِنْد الْمَوْت . وَقَوْله : { بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } يَقُول : بِمَا كُنْتُمْ تُصِيبُونَ فِي الدُّنْيَا أَيَّام حَيَاتكُمْ فِيهَا طَاعَة اللَّه طَلَب مَرْضَاته .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين} قرأ الأعمش وحمزة { يتوفاهم الملائكة} في الموضعين بالياء، واختاره أبو عبيد؛ لما روي عن ابن مسعود أنه قال : إن قريشا زعموا أن الملائكة إناث فذكروهم أنتم. الباقون بالتاء؛ لأن المراد به الجماعة من الملائكة. و { طيبين} فيه ستة أقوال : الأول { طيبين} طاهرين من الشرك. الثاني : صالحين. الثالث : زاكية أفعالهم وأقوالهم. الرابع : طيبين الأنفس ثقة بما يلقونه من ثواب الله تعالى. الخامس : طيبة نفوسهم بالرجوع إلى الله. السادس { طيبين} أن تكون وفاتهم طيبة سهلة لا صعوبة فيها ولا ألم؛ بخلاف ما تقبض به روح الكافر والمخلط. والله أعلم. } يقولون سلام عليكم} يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون السلام إنذارا لهم بالوفاة. الثاني : أن يكون تبشيرا لهم بالجنة؛ لأن السلام أمان. وذكر ابن المبارك قال : حدثني حيوة قال أخبرني أبو صخر عن محمد بن كعب القرظي قال : إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال : السلام عليك وليّ الله، الله يقرأ عليك السلام. ثم نزع بهذه الآية { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم} . وقال ابن مسعود : إذا جاء ملك الموت يقبض روح المؤمن قال : ربك مقرئك السلام. وقال مجاهد : إن المؤمن ليبشر بصلاح ولده من بعده لتقر عينه. وقد أتينا على هذا في كتاب التذكرة وذكرنا هناك الأخبار الواردة في هذا المعنى، والحمد لله. { ادخلوا الجنة} يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون معناه أبشروا بدخول الجنة. الثاني : أن يقولوا ذلك لهم في الآخرة { بما كنتم تعملون} يعني في الدنيا من الصالحات.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 31 - 36

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي: المتقون هم الذين تتوفاهم الملائكة طيبين.

ومعنى:

{ تَتَوَفَّاهُمُ } [النحل: 32].

أي: تأتي لقبْض أرواحهم، وهنا نَسَب التوفّي إلى جملة الملائكة، كأنهم جنود ملَك الموت الأصيل عزرائيل، وقد سبق أنْ قُلْنا: إن الحق تبارك وتعالى مرةً ينسب التوفّي إلى الملائكة، ومرة ينسبه إلى مَلك الموت:
{  قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ.. }
[السجدة: 11].

ومرّة ينسبه إلى نفسه سبحانه:
{  ٱللَّهُ يَتَوَفَّى }
[الزمر: 42].

ذلك لأن الله سبحانه هو الآمر الأعلى، وعزرائيل مَلكُ الموت الأصيل، والملائكة هم جنوده الذين يُنفّذون أوامره.

وقوله: { طَيِّبِينَ.. } [النحل: 32].

تقابل الآية السابقة:
{  ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ }
[النحل: 28]. والطيّب هو الشيء الذي يوجد له خيرٌ دائم لا ينقطع ولا ينقلب خَيْره هذا شراً، وهو الشيء الذي تستريح له النفس راحة تنسجم منها كل مَلكاتها، بشرط أن يكون مستمراً إلى خَيْرٍ منه، ولا يستمر إلى خَيْرٍ منه وأحسن إلا طَيِّب القيم وطَيِّب الدين، أما غير ذلك فهو طيب موقوتٌ سرعان ما يُهجر.

ولذلك حينما يدَّعي اثنان المحبة في الله نقول: هذه كلمة تُقال، ومِصْداقها أن ينمو الودُّ بينكما كل يوم عن اليوم الذي قبله؛ لأن الحب للدنيا تشوبه الأطماع والأهواء، فترى الحب ينقص يوماً بعد يوم، حَسْب ما يأخذ أحدهما من الآخر، أما المتحابان في الله فيأخذان من عطاء لا ينفد، هو عطاء الحق تبارك وتعالى، فإنْ رأيت اثنين يزداد وُدّهما فاعلم أنه وُدٌّ لله وفي الله، على خلاف الوُد لأغراض الدنيا فهو وُدٌّ سرعان ما ينقطع.

هل هناك أطيب من أنهم طهَّروا أنفسهم من دَنَس الشرك؟ وهل هناك أطيبُ من أنهم اخلصوا عملهم لله، وهل هناك أطيب من أنهم لم يُسْرفوا على أنفسهم في شيء؟

وحَسْب هؤلاء من الطيب أنهم ساعة يأتي مَلَكُ الموت يمرُّ عليهم شريط أعمالهم، ومُلخّص ما قدّموه في الدنيا، فيرْون خَيْراً، فتراهم مُستبشرين فرحين، يبدو ذلك على وجوههم ساعة الاحتضار، فتراه أبيضَ الوجه مُشْرقاً مبتسماً، عليه خاتمة الخير والطيب والسعادة؛ ذلك لما عاينه من طيب عمله، ولما يستبشر به من الجزاء عند الله تبارك وتعالى.

وعلى عكس هذه الحالة تماماً نرى أهل الشقاوة، وما هُمْ عليه ساعةَ الغرغرة من سواد الوجه، وسُوء الخاتمة، والعياذ بالله.

{ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ } [النحل: 32].

أي: حينما تتوفّاهم الملائكة يقولون لهم سلام؛ لأنكم خرجتم من الدنيا بسلام، وستُقبِلون على الآخرة بسلام، إذن: سلام الطيبين سلامٌ موصول من الدنيا إلى الآخرة، سلامٌ مُترتِّب على سلامة دينكم في الدنيا، وسلامة إقبالكم على الله، دون خوف في الآخرة.

وهنا سلام آخر جاء في قول الحق تبارك وتعالى:
{  وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ }
[الزمر: 73].

ثم يأتي السلام الأعلى عليهم من الله تبارك وتعالى؛ لأن كل هذه السلامات لهؤلاء الطيبين مأخوذة من السلام الأعلى:
{  سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ }
[يس: 58].

وهل هناك افضل وأطيب من هذا السلام الذي جاء من الحق تبارك وتعالى مباشرة.

وتعجب هنا من سلام أهل الأعراف على المؤمنين الطيبين وهم في الجنة، ونحن نعرف أن أهل الأعراف هم قوم تساوتْ حسناتهم وسيئاتهم فحُجِزا على الأعراف، وهو مكان بين الجنة والنار، والقسمة الطبيعية تقتضي أن للميزان كفتين ذكرهما الحق تبارك وتعالى في قوله:
{  فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ }
[القارعة: 6-9].

هاتان حالتان للميزان، فأين حالة التساوي بين الكفتين؟ جاءت في قوله تعالى:
{  وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ }
[الأعراف: 46].

أي: يعرفون أهل الجنة وأهل النار:
{  وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ }
[الأعراف: 46].

ووجه العجب هنا أن أهل الأعراف في مأزق وشدّة وانشغال بما هم فيه من شدة الموقف، ومع ذلك نراهم يفرحون بأهل الجنة الطيبين، ويُبادرونهم بالسلام.

إذن: لأهل الجنة سلامٌ من الملائكة عند الوفاة، وسلام عندما يدخلون الجنة، وسلام أعلى من الله تبارك وتعالى، وسلام حتى من أهل الأعراف المنشغلين بحالهم.

{ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [النحل: 32].

أي: لأنكم دفعتم الثمن؛ والثمن هو عملكم الصالح في الدنيا، واتباعكم لمنهج الحق تبارك وتعالى.

وقد يرى البعض تعارضاً بين هذه الآية وبين الحديث الشريف: " لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ".

والحقيقة أنه لا يوجد تعارضٌ بينهما، ولكن كيف نُوفِّق بين الآية والحديث؟

الله تعالى يُوحي لرسوله صلى الله عليه وسلم الحديث كما يُوحي له الآية، فكلاهما يصدر عن مِشْكاة واحدة ومصدر واحد.. على حَدِّ قوله تعالى:
{  وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ... }
[التوبة: 74].

فالحَدثُ هنا واحد، فلم يُغْنِهم الله بما يناسبه والرسول بما يناسبه، بل هو غناء واحد وحَدث واحد، وكذلك ليس ثمة تعارضٌ بين الآية والحديث.. كيف؟

الحق تبارك وتعالى كلَّف الإنسان بعد سِنِّ الرُّشْد والعقل، وأخذ يُوالي عليه النعم منذ صِغَره، وحينما كلَّفه كلَّفه بشيء يعود على الإنسان بالنفع والخير، ولا يعود على الله منه شيء، ثم بعد ذلك يُجازيه على هذا التكليف بالجنة.

إذن: التكليف كله لمصلحة العبد في الدنيا والآخرة. إذن: تشريع الجزاء من الله في الآخرة هو مَحْضُ الفضل من الله، ولو أطاع العبدُ رَبّه الطاعة المطلوبة منه في الأفعال الاختيارية التكليفية لما وَفّى نِعَم الله عليه، وبذلك يكون الجزاء في الجنة فَضْلاً من الله ومنَّة.أو: أنهم حينما قالوا:

{ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [النحل: 32].

يريدون أن عملهم سبب عاديّ لدخول الجنة، ثم يكتسبونها بفضل الله.. فتجمع الآية بين العمل والفضل معاً؛ لذلك فإن الحق تبارك وتعالى يُقوّي هذا بقوله تعالى:
{  قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }
[يونس: 58].

فهم لم يفرحوا بالعمل لأنه لا يَفِي بما هم فيه من نعمة، بل الفرحة الحقيقية تكون بفضل الله ورحمته، وفي الدعاء: " اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل ".

وأخيراً.. هل كانوا يعملون هكذا من عند أنفسهم؟ لا.. بل بمنهج وضعه لهم ربّهم تبارك وتعالى.. إذن: بالفضل لا بمجرد العمل.. ومثال ذلك: الوالد عندما يقول لولده: لو اجتهدت هذا العام وتفوقت سأعطيك كذا وكذا.. فإذا تفوَّق الولد كان كل شيء لصالحه: النجاح والهدية.

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ... }.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contactus@alro7.net