سورة
اية:

وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم الأمواج، ويمتن على عباده بتذليله لهم وتيسيرهم للركوب فيه، وما يخلقه فيه من اللالئ والجواهر النفيسة، وتسهيله للعباد استخراجهم من قراره حلية يلبسونها، وتسخيره البحر لحمل السفن التي تمخره أي تشقه، وقيل: تمخر الرياح وكلاهما صحيح، الذي أرشد العباد إلى صنعتها، وهداهم إلى ذلك إرثا عن نوح عليه السلام، فإنه أول من ركب السفن، وله كان تعليم صنعتها، ثم أخذها الناس عنه قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل، يسيرون من قطر إلى قطر، ومن بلد إلى بلد، لجلب ما هناك من الأرزاق، ولهذا قال تعالى: { ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} أي نعمه وإحسانه؛ ثم ذكر تعالى وما ألقى فيها من الرواسي الشامخات والجبال الراسيات لتقر الأرض ولا تميد، أي تضطرب بما عليها من الحيوانات، فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك، ولهذا قال: { والجبال أرساها} وقال الحسن: لما خلقت الأرض كانت تميد فقالوا: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا، فأصبحوا وقد خلقت الجبال، فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال؟ وقال سعيد، عن قيس بن عبادة: إن اللّه لما خلق الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا، فأصحبت صبحا وفيها رواسيها وفي رواية ابن جرير عن علي قال: لما خلق اللّه الأرض فمضت وقالت: أي ربّ تجعل عليَّ بني آدم يعملون الخطايا ويجعلون عليَّ الخبث؟ قال: فأرسى اللّه فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون . وقوله: { وأنهارا وسبلا} أي جعل فيها أنهارا تجري من مكان إلى آخر رزقا للعباد ينبع في موضع، وهو رزق لأهل موضع آخر، فيقطع البقاع والبراري والقفار، ويخترق الجبال والآكان، فيصل إلى البلد الذي سخر لأهله، وهي سائرة في الأرض يمنة ويسرة وجنوبا وشمالا وشرقا وغربا، ما بين صغار وكبار، وأودية تجري حينا وتنقطع في وقت، وما بين نبع وجمع، وقوي السير وبطيئه بحسب ما أراد وقدّر وسخّر ويسر، فلا إله إلا هو ولا رب سواه، وكذلك جعل فيها { سبلا} أي طرقا يسلك فيها من بلاد إلى بلاد حتى إنه تعالى ليقطع الجبل حتى يكون ما بينهما ممراً ومسلكاً، كما قال تعالى: { وجعلنا فيها فجاجا سبلا} الآية. وقوله: { وعلامات} أي دلائل من جبال كبار وآكام صغار ونحو ذلك يستدل بها المسافرون براً وبحراً إذا ضلوا الطرق. { وبالنجم هم يهتدون} أي في ظلام الليل، قاله ابن عباس، ثم نبّه تعالى على عظمته وأنه لا تنبغي العبادة إلا له دون ما سواه من الأوثان التي لا تخلق شيئاً بل هم يخلقون، ولهذا قال: { أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ أفلا تذكرون} ثم نبههم على كثرة نعمه عليهم وإحسانه إليهم فقال: { وإن تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها إن اللّه لغفور رحيم} أي يتجاوز عنكم ولو طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم يغفر الكثير ويجازي على اليسير. وقال ابن جرير: يقول: إن اللّه لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته، رحيم بكم لا يعذبكم بعد الإنابة والتوبة.

تفسير الجلالين

{ وهو الذي سخَّر البحر } ذلله لركوبه والغوص فيه { لتأكلوا منه لحماً طرياً } هو السمك { وتستخرجوا منه حليه تلبسونها } هي اللؤلؤ والمرجان { وترى } تبصر { الفلك } السفن { مواخر فيه } تمخر الماء، أي تشقه يجريها فيه مقبلة ومدبرة بريح واحدة { ولتبتغوا } عطف على لتأكلوا، تطلبوا { من فضله } تعالى بالتجارة { ولعلكم تشكرون } الله على ذلك .

تفسير القرطبي

فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى { وهو الذي سخر البحر} تسخير البحر هو تمكين البشر من التصرف فيه وتذليله بالركوب والإرفاء وغيره، وهذه نعمة من نعم الله علينا، فلو شاء سلطه علينا وأغرقنا. وقد مضى الكلام في البحر وفي صيده. وسماه هنا لحما واللحوم عند مالك ثلاثة أجناس : فلحم ذوات الأربع جنس، ولحم ذوات الريش جنس، ولحم ذوات الماء جنس. فلا يجوز بيع الجنس من جنسه متفاضلا، ويجوز بيع لحم البقر والوحش بلحم الطير والسمك متفاضلا، وكذلك لحم الطير بلحم البقر والوحش والسمك يجوز متفاضلا. وقال أبو حنيفة : اللحم كلها أصناف مختلفة كأصولها؛ فلحم البقر صنف، ولحم الغنم صنف، ولحم الإبل صنف، وكذلك الوحش مختلف، كذلك الطير، وكذلك السمك، وهو جحد قولي الشافعي. والقول الآخر أن الكل من النعم والصيد والطير والسمك جنس واحد لا يجوز التفاضل فيه. والقول الأول هو المشهور من مذهبه عند أصحابه. ودليلنا هو أن الله تعالى فرق بين أسماء الأنعام في حياتها فقال { ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} [الأنعام : 143] ثم قال { ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين} فلما أن أم بالجميع إلى اللحم قال { أحلت لكم بهيمة الأنعام} [المائدة : 1] فجمعها بلحم واحد لتقارب منافعها كتقارب لحم الضأن والمعز. وقال في موضع آخر { ولحم طير مما يشتهون} [الواقعة : 21] وهذا جمع طائر الذي هو الواحد، لقوله تعالى { ولا طائر يطير بجناحيه} [الأنعام : 38] فجمع لحم الطير كله باسم واحد. وقال هنا { لحما طريا} فجمع أصناف السمك بذكر واحد، فكان صغاره ككباره في الجمع بينهما. وقد روي عن ابن عمر أنه سئل عن لحم المعز بلحم الكباش أشيء واحد؟ فقال لا؛ ولا مخالف له فصار كالإجماع، والله أعلم. ولا حجة للمخالف في نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل؛ فإن الطعام في الإطلاق يتناول الحنطة وغيرها من المأكولات ولا يتناول اللحم؛ ألا ترى أن القائل إذا قال : أكلت اليوم طعاما لم يسبق الفهم منه إلى أكل اللحم، وأيضا فإنه معارض بقوله صلى الله عليه وسلم : (إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم) وهذان جنسان، وأيضا فقد اتفقنا على جواز بيع اللحم بلحم الطير متفاضلا لا لعلة أنه بيع طعام لا زكاة له بيع بلحم ليس فيه الزكاة، وكذلك بيع السمك بلحم الطير متفاضلا. الثانية: وأما الجراد فالمشهور عندنا جواز بيع بعضه ببعض متفاضلا. وذكر عن سحنون أنه يمنع من ذلك، وإليه مال بعض المتأخرين ورآه مما يدخر. الثالثة: اختلف العلماء فيمن حلف ألا يأكل لحما؛ فقال ابن القاسم : يحنث بكل نوع من هذه الأنواع الأربعة. وقال أشهب في المجموعة. لا يحنث إلا بكل لحوم الأنعام دون الوحش وغيره، مراعاة للعرف والعادة، وتقديما لها على إطلاق اللفظ اللغوي، وهو أحسن. الرابعة: قوله تعالى { وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} يعني به اللؤلؤ والمرجان؛ لقوله تعالى { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن : 22]. وإخراج الحلية إنما هي فيما عرف من الملح فقط. وقال : إن في الزمرد بحريا. وقد خطئ الهذلي في قوله في وصف الدرّة : فجاء بها من در ة لطمية ** على وجهها ماء الفرات يدوم فجعلها من الماء الحلو. فالحلية حق وهي نحلة الله تعالى لآدم وولده. خلق آدم وتوج وكلل بإكليل الجنة، وختم بالخاتم الذي ورثه عنه سليمان بن داود صلوات الله عليهم، وكان يقال له خاتم العز فيما روي. الخامسة: امتن الله سبحانه على الرجال والنساء امتنانا عاما بما يخرج من البحر، فلا يحرم عليهم شيء منه، وإنما حرم الله تعالى على الرجال الذهب والحرير. روى الصحيح عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة). وسيأتي في سورة [الحج] الكلام فيه إن شاء الله. وروى البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ذهب، وجعل فصه مما يلي باطن كفه، ونقش فيه محمد رسول الله؛ فاتخذ الناس مثله؛ فلما رآهم قد اتخذوها رمى به وقال : (لا ألبسه أبدا) ثم اتخذ خاتما من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة. قال ابن عمر : فلبس الخاتم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، حتى وقع من عثمان في بئر أريس. قال أبو داود : لم يختلف الناس على عثمان حتى سقط الخاتم من يده. وأجمع العلماء على جواز التختم بالورق على الجملة للرجال. قال الخطابي. وكره للنساء التختم بالفضة؛ لأنه من زي الرجال، فإن لم يجدن ذهبا فليصفرنه بزعفران أو بشبهه. وجمهور العلماء من السلف والخلف على تحريم اتخاذ الرجال خاتم الذهب، إلا ما روي عن أبي بكر بن عبدالرحمن وخباب، وهو خلاف شاذ، وكل منهما لم يبلغهما النهي والنسخ. والله أعلم. وأما ما رواه أنس بن مالك أنه رأى في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق يوما واحدا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتم، من ورق ولبسوها، فطرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه فطرح الناس خواتيمهم - أخرجه الصحيحان واللفظ للبخاري - فهو عند العلماء وهم من ابن شهاب؛ لأن الذي نبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو خاتم الذهب. رواه عبدالعزيز بن صهيب وقتادة عن أنس، وهو خلاف ما روى ابن شهاب عن أنس فوجب القضاء بالجملة على الواحد إذا خالفها، مع ما يشهد للجماعة من حديث ابن عمر. السادسة: إذا ثبت جواز التختم للرجال بخاتم الفضة والتحلي به، فقد كره ابن سيرين وغيره من العلماء نقشه وأن يكون فيه ذكر الله. وأجاز نقشه جماعة من العلماء. ثم إذا نقش عليه اسم الله أو كلمة حكمة أو كلمات من القرآن وجعله في شماله، فهل يدخل به الخلاء ويستنجي بشماله؟ خففه سعيد بن المسيب ومالك. قيل لمالك : إن كان في الخاتم ذكر الله ويلبسه في الشمال أيستنجى به؟ قال : أرجو أن يكون خفيفا. وروي عنه الكراهة وهو الأولى. وعلى المنع من ذلك أكثر أصحابه. وقد روى همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه. قال أبو داود : هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد ابن سعد عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه. قال أبو داود : لم يحدث بهذا إلا همام. السابعة: روى البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من فضة ونقش فيه (محمد رسول الله) وقال : (إني اتخذت خاتما من ورق ونقشت فيه محمد رسول الله فلا ينقشن أحد على نقشه). قال علماؤنا : فهذا دليل على جواز نقش اسم صاحب الخاتم على خاتمه. قال مالك : ومن شأن الخلفاء والقضاة نقش أسمائهم على خواتيمهم، ونهيه عليه السلام : لا ينقشن أحد على نقش خاتمه، من أجل أن ذلك اسمه وصفته برسالة الله له إلى خلقه. وروى أهل الشام أنه لا يجوز الخاتم لغير ذي سلطان. وروى في ذلك حديثا عن أبي ريحانة، وهو حديث لا حجة فيه لضعفه. وقوله عليه السلام : (لا ينقشن أحد على نقشه) يرده ويدل على جواز اتخاذ الخاتم لجميع الناس، إذا لم ينقش على نقش خاتمه. وكان نقش خاتم الزهري [محمد يسأل الله العافية]. وكان نقش خاتم مالك [حسبي الله ونعم الوكيل]. وذكر الترمذي الحكيم في [نوادر الأصول] أن نقش خاتم موسى عليه السلام { لكل أجل كتاب} [الرعد : 38]. وبلغ عمر بن عبدالعزيز أن ابنه اشترى خاتما بألف درهم فكتب إليه : إنه بلغني أنك اشتريت خاتما بألف درهم، فبعه وأطعم منه ألف جائع، واشتر خاتما من حديد بدرهم، واكتب عليه (رحم الله امرأ عرف قدر نفسه). الثامنة: من حلف ألا يلبس حليا فلبس لؤلؤا لم يحنث؛ وبه قال أبو حنيفة. قال ابن خويز منداد : لأن هذا وإن كان الاسم اللغوي يتناوله فلم يقصده باليمين، والأيمان تخص بالعرف؛ ألا ترى أنه لو حلف ألا ينام على فراش فنام على الأرض لم يحنث، وكذلك لا يستضيء بسراج فجلس في الشمس لا يحنث، وإن كان الله تعالى قد سمى الأرض فراشا والشمس سراجا. وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد : من حلف ألا يلبس حليا ولبس اللؤلؤ فإنه يحنث؛ لقوله تعالى { وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} والذي يخرج منه : اللؤلؤ والمرجان. التاسعة: قوله تعالى { وترى الفلك مواخر فيه} قد تقدم ذكر الفلك وركوب البحر في [البقرة] وغيرها. وقوله { مواخر} قال ابن عباس : جواري، من جرت تجري. سعيد بن جبير : معترضة. الحسن : مواقر. قتادة والضحاك : أي تذهب وتجيء، مقبلة ومدبرة بريح واحدة. وقيل { مواخر} ملججة في داخل البحر؛ وأصل المخر شق الماء عن يمين وشمال. مخرت السفينة تمخر وتمخر مخرا ومخورا إذا جرت تشق الماء مع صوت؛ ومنه قوله تعالى { وترى الفلك مواخر فيه} يعني جواري. وقال الجوهري : ومخر السابح إذا شق الماء بصدره، ومخر الأرض شقها للزراعة، ومخرها بالماء إذا حبس الماء فيها حتى تصير أريضة؛ أي خليقة بجودة نبات الزرع. وقال الطبري : المخر في اللغة صوت هبوب الريح؛ ولم يقيد كونه في ماء، وقال : إن من ذلك قول واصل مولى أبي عيينة : إذا أراد أحدكم البول فليتمخر الريح؛ أي لينظر في صوتها في الأجسام من أين تهب، فيتجنب استقبالها لئلا ترد عليه بوله. { ولتبتغوا من فضله} أي ولتركبوه للتجارة وطلب الربح. { ولعلكم تشكرون} تقدم جميع هذا في البقرة والحمد لله.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 12 - 15

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والتسخير كما علمنا من قَبْل هو إيجاد الكائن لمهمة لا يستطيع الكائن أنْ يتخلَّف عنها، ولا اختيارَ له في أنْ يؤدِّيها أو لا يُؤدِّيها. ونعلم أن الكون كله مُسخَّر للإنسان قبل أنْ يُوجدَ؛ ثم خلق الله الإنسان مُخْتاراً.

وقد يظن البعض أن الكائنات المُسخَّرة ليس لها اختيار، وهذا خطأ؛ لأن تلك الكائنات لها اختيار حَسمتْه في بداية وجودها، ولنقرأْ قوله الحق:
{  إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا... }
[الأحزاب: 72].

وهكذا نفهم أن الحق سبحانه خيَّر خلقه بين التسخير وبين الاختيار، إلا أن الكائنات التي هي ما دون الإنسان أخذتْ اختيارها مرَّة واحدة؛ لذلك لا يجب أنْ يُقال: إن الحق سبحانه هو الذي قهرها، بل هي التي اختارتْ من أول الأمر؛ لأنها قدرتْ وقت الأداء، ولم تقدر فقط وقت التحمل كما فعل الإنسان، وكأنها قالت لنفسها: فلأخرج من باب الجَمال؛ قبل أن ينفتحَ أمامي باب ظلم النفس.

ونجد الحق سبحانه يصف الإنسان:
{  إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }
[الأحزاب: 72].

فقد ظلم الإنسانُ نفسَه حين اختار أنْ يحملَ الأمانة؛ لأنه قدر وقت التحمُّل ولم يقدر وقت الأداء. وهو جَهُول لأنه لم يعرف كيف يُفرِّق بين الأداء والتحمُّل، بينما منعت الكائنات الأخرى نفسها من أن تتحمَّل مسئولية الأمانة، فلم تظلم نفسها بذلك.

وهكذا نصل إلى تأكيد معنى التسخير وتوضيحه بشكل دقيق، ونعرف أنه إيجاد الكائن لمهمة لا يملك أن يتخلَّف عنها؛ أما الاختيار فهو إيجاد الكائن لِمُهِمة له أنْ يُؤدِّيها أو يتخلَّف عنها.

وأوضحنا أن المُسخَّرات كان لها أنْ تختارَ من البداية، فاختارتْ أن تُسخِّر وألاَّ تتحملَ الأمانة، بينما أخذ الإنسان المهمةَ، واعتمد على عقله وفِكْره، وقَبِل أن يُرتِّب أمور حياته على ضوء ذلك.

ومع ذلك أعطاه الله بعضاً من التسخير كي يجعل الكون كله فيه بعض من التسخير وبعض من الاختيار؛ ولذلك نجد بعضاً من الأحداث تجري على الإنسان ولا اختيارَ له فيها؛ كان يمرضَ أو تقع له حادثة أو يُفلس.

ولذلك أقول: إن الكافر مُغفّل لاختياره؛ لأنه ينكر وجود الله ويتمرَّد على الإيمان، رغم أنه لا يقدر أن يصُدَّ عن نفسه المرض أو الموت.

وفي الآية التي نحن بصددها الآن يقول الحق سبحانه:

{ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ } [النحل: 14].

فهذا يعني أنه هو الذي خلق البحر، لأنه هو الذي خلق السماوات والأرض؛ وجعل اليابسة ربع مساحة الأرض؛ بينما البحار والمحيطات تحتل ثلاثة أرباع مساحة الأرض.

أي: أنه يُحدِّثنا هنا عن ثلاثة أرباع الأرض، وأوجد البحار والمحيطات على هيئة نستطيع أن نأخذَ منها بعضاً من الطعام فيقول:

{ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا... } [النحل: 14].

ومن بعض عطاءات الحق سبحانه أن يأتي المَدُّ أحياناً ثم يَعْقبه الجَزْر؛ فيبقى بعض من السمك على الشاطيء، أو قد تحمل موجة عفيّة بعضاً من السمك وتلقيه على الشاطئ.

وهكذا يكون العطاء بلا جَهْد من الإنسان، بل إن وجودَ بعض من الأسماك على الشاطيء هو الذي نبَّه الإنسان إلى أهمية أنْ يحتالَ ويصنع السِّنارة؛ ويغزل الشبكة؛ ثم ينتقل من تلك الوسائل البدائية إلى التقنيّات الحديثة في صيد الأسماك.

لكن الحلية التي يتم استخراجها من البحر فهي اللؤلؤ، وهي تقتضي أن يغوصَ الإنسان في القاع ليلتقطها. ويلفتنا الحق سبحانه إلى أسرار كنوزه فيقول:
{  لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ }
[طه: 6].

وكل كنوز الأمم توجد تحت الثَّرى. ونحن إنْ قسمنا الكرة الأرضية كما نقسم البطيخة إلى قِطَع كالتي نُسمِّيها " شقة البطيخ " سنجد أن كنوز كل قطعة تتساوى مع كنوز القطعة الأخرى في القيمة النفعية؛ ولكن كُلّ عطاء يوجد بجزء من الأرض له ميعاد ميلاد يحدده الحق سبحانه.

فهناك مكان في الأرض جعل الله العطاء فيه من الزراعة؛ وهناك مكان آخر صحراوي يخاله الناس بلا أيِّ نفع؛ ثم تتفجَّر فيه آبار البترول، وهكذا.

وتسخير الحق سبحانه للبحر ليس بإيجاده فقط على الهيئة التي هو عليها؛ بل قد تجد له أشياء ومهام أخرى مثل انشقاق البحر بعصا موسى عليه السلام؛ وصار كل فِرْق كالطَّوْد العظيم.

ومن قبل ذلك حين حمل اليَمَّ موسى عليه السلام بعد أن ألقتْه أمه فيه بإلهام من الله:
{  فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ... }
[طه: 39].

وهكذا نجد أن أمراً من الله قد صدر للبحر بأن يحملَ موسى إلى الشاطيء فَوْر أنْ تُلقيَه أمه فيه.

وهكذا يتضح لنا معنى التسخير للبحر في مهام أخرى، غير أنه يوجد به السمك ونستخرج منه الحُليّ. ونعلم أن ماءَ البحر مالح؛ عكس ماء النهر وماء المطر؛ فالمائيّة تنقسم إلى قِسْمين؛ مائية عَذْبة، ومائية مِلْحية.

وقوله الحق عن ذلك:
{  وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا... }
[فاطر: 12].

ويسمُّونهم الاثنين على التغليب في قوله الحق:
{  مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ }
[الرحمن: 19].

والمقصود هنا الماء العَذْب والماء المالح، وكيف يختلطان، ولكن الماء العَذْب يتسرَّب إلى بطن الأرض، وأنت لو حفرتَ في قاع البحر لوجدتَ ماء عَذْباً، فالحق سبحانه هو الذي شاء ذلك وبيَّنه في قوله:
{  أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ }
[الزمر: 21].

وهنا يقول سبحانه:

{ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً... } [النحل: 14].

واللحم إذا أُطلِق يكون المقصود به اللحم المأخوذ من الأنعام، أما إذا قُيّد بـ " لحم طري " فالمقصود هو السمك، وهذه مسألة من إعجازية التعبير القرآني؛ لأن السمك الصالح للأكل يكون طَرّياً دائماً.ونجد مَنْ يشتري السمك وهو يَثْني السمكة، فإنْ كانت طريَّة فتلك علامةٌ على أنها صالحةٌ للأكل، وإنْ كانت لا تنثني فهذا يعني أنها فاسدة، وأنت إنْ أخرجتَ سمكة من البحر تجد لحمها طَرِّياً؛ فإنْ ألقيتَها في الماء فهي تعود إلى السباحة والحركة تحت الماء؛ أما إن كانت ميتة فهي تنتفخ وتطفو.

لذلك " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل السمك الطَّافي لأنه المَيْتة " ، وتقييد اللحم هنا بأنه طريّ كي يخرجَ عن اللحم العادي وهو لَحْم الأنعام؛ ولذلك نجد العلماء يقولون: مَنْ حلفَ ألاَّ يأكل لَحْماً؛ ثم أكل سمكاً فهو لا يحنث؛ لأن العُرْف جرى على أن اللحم هو لَحْم الأنعام.

ويقول الحق سبحانه في نفس الآية عن تسخير البحر:

{ وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا... } [النحل: 14].

وهكذا نجد أن هذه المسألة تأخذ جهداً؛ لأنها رفاهية؛ أما السمك فقال عنه مباشرة:

{ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً... } [النحل: 14].

والأكْل أمر ضروري لذلك تكفّله الله وأعطى التسهيلات في صَيْده، أما الزينة فلكَ أنْ تتعبَ لتستخرجه، فهو تَرَفٌ. وضروريات الحياة مَجْزولة؛ أما تَرَف الحياة فيقتضي منك أنْ تغطسَ في الماء وتتعبَ من أجله.

وفي هذا إشارة إلى أن مَنْ يريد أنْ يرتقيَ في معيشته؛ فَلْيُكثِر من دخله ببذل عرقه؛ لا أنْ يُترِف معيشته من عرق غيره.

ويقول سبحانه:

{ تَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا... } [النحل: 14].

والحِلْية كما نعلم تلبسها المرأة. والمَلْحظ الأدنى هنا أن زينةَ المرأة هي من أجلْ الرجل؛ فكأن الرجلَ هو الذي يستمتع بتلك الزينة، وكأنه هو الذي يتزّين. أو: أن هذه المُسْتخرجات من البحر ليست مُحرَّمة على الرجال مِثْل الذهب والحرير؛ فالذهب والحرير نَقْد؛ أما اللؤلؤ فليس نَقْداً.

واللبس هو الغالب الشائع، وقد يصِحّ أنْ تُصنعَ من تلك الحلية عَصاً أو أي شيء مما تستخدمه.

ويتابع سبحانه في نفس الآية:

{ وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ } [النحل: 14].

ولم تكُن هناك بواخر كبيرة كالتي في عصرنا هذا بل فُلُك صغيرة. ونعلم أن نوحاً عليه السلام هو أول مَنْ صنع الفُلْك، وسَخِر منه قومه؛ ولو كان ما يصنعه أمراً عادياً لَمَا سَخِروا منه.

وبطبيعة الحال لم يَكُنْ هناك مسامير لذلك ربطها بالحبال؛ ولذلك قال الحق سبحانه عنه:
{  وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ }
[القمر: 13].

وكان جَرْي مركب نوح بإرادة الله، ولم يكُنْ العلْم قد تقدَّم ليصنع البشر المراكب الضخمة التي تنبّأ بها القرآن في قوله الحق:
{  وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ }
[الرحمن: 24].

ونحن حين نقرؤها الآن نتعجَّب من قدرة القرآن على التنبؤ بما اخترعه البشر؛ فالقرآن عالم بما يَجِدّ؛ لا بقهريات الاقتدار فقط؛ بل باختيارات البشر أيضاً.

وقوله الحق:

{ وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ... } [النحل: 14].

والمَاخِر هو الذي يشق حلزومه الماء، والحُلْزوم هو الصدر. ونجد مَنْ يصنعون المراكب يجعلون المقدمة حادةً لتكون رأس الحربة التي تشق المياه بخرير.

وفي هذه الآية امتنَّ الحق سبحانه على عباده بثلاثة أمور: صيد السمك، واستخراج الحُليّ، وسَيْر الفلْك في البحر؛ ثم يعطف عليهم ما يمكن أن يستجدّ؛ فيقول:

{ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ... } [النحل: 14].

وكأن البواخر وهي تشقّ الماء ويرى الإنسان الماءَ اللين، وهو يحمل الجسم الصَّلْب للباخرة فيجد فيه متعة، فضلاً عن أن هذه البواخر تحمل الإنسانَ من مكان إلى مكان.

ويُذيِّل الحق سبحانه الآية بقوله:

{ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [النحل: 14].

ولا يُقال ذلك إلا في سَرْد نعمة آثارُها واضحة ملحوظة تستحقّ الشكر من العقل العادي والفطرة العادية، وشاء سبحانه أنْ يتركَ الشُّكر للبشر على تلك النعم، ولم يُسخرهم شاكرين.

ويقول سبحانه من بعد ذلك: { وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ... }.


www.alro7.net