سورة
اية:

لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ

تفسير بن كثير

قال رجل من المنافقين: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء؛ فرفع ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فجاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد ارتحل ناقته، فقال: يا رسول اللّه إنما كنا نخوض ونلعب، فقال: { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون - إلى قوله - كانوا مجرمين} وإن رجليه لتسفعان الحجارة وما يلتفت إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو متعلق بسيف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذكره المديني عن محمد بن كعب القرظي وغيره . وقال ابن إسحاق: كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت ورجل من أشجع يقال له مخشى بن حمير يسيرون مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضاً، واللّه لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال، إرجافاً وترهيباً للمؤمنين، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعمار بن ياسر: (أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فاسألهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل بلى قلتم كذا وكذا) فانطلق إليهم عمار فقال لهم ذلك، فأتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت يا رسول اللّه: إنما كنا نخوض ونلعب، فقال مخشى بن حمير: يا رسول اللّه قعد بي اسمي واسم أبي، فكان الذي عُفي عنه في هذه الآية مخشى بن حمير فتسمى عبد الرحمن، وسأل اللّه أن يقتل شهيداً لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة""رواه ابن إسحاق"". وقال قتادة بينما النبي صلى اللّه عليه وسلم في غزوة تبوك وركبٌ من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: يظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها؟ هيهات هيهات، فأطلع اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم على ما قالوا، فقال: (عليَّ بهؤلاء النفر) فدعاهم فقال: (قلتم كذا وكذا)، فحلفوا ما كنا إلا نخوض ونلعب. وقوله: { لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} أي بهذا المقال الذي استهزأتم به، { إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} أي لا يعفي عن جميعكم ولا بد من عذاب بعضكم { بأنهم كانوا مجرمين} أي مجرمين بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة.

تفسير الجلالين

{ لا تعتذروا } عنه { قد كفرتم بعد إيمانكم } أي ظهر كفركم بعد إظهار الإيمان { إن يُعْفَ } بالياء مبنيا للمفعول والنون مبنيا للفاعل { عن طائفة منكم } بإخلاصها وتوبتها كجحش بن حمير { تُعَذَّبْ } بالتاء والنون { طائفةٌٌ بأنهم كانوا مجرمين } مصرّين على النفاق والاستهزاء .

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} على جهة التوبيخ، كأنه يقول : لا تفعلوا ما لا ينفع، ثم حكم عليهم بالكفر وعدم الاعتذار من الذنب. واعتذر بمعنى أعذر، أي صار ذا عذر. قال لبيد : ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر والاعتذار : محو أثر الموجدة، يقال : اعتذرت المنازل درست. والاعتذار الدروس. قال الشاعر : أم كنت تعرف آيات فقد جعلت ** أطلال إلفك بالودكاء تعتذر وقال ابن الأعرابي : أصله القطع. واعتذرت إليه قطعت ما في قلبه من الموجدة. ومنه عذرة الغلام وهو ما يقطع منه عند الختان. ومنه عذرة الجارية لأنه يقطع خاتم عذرتها. قوله تعالى: { إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} قيل : كانوا ثلاثة نفر، هزئ اثنان وضحك واحد، فالمعفو عنه هو الذي ضحك ولم يتكلم. والطائفة الجماعة، ومقال للواحد على معنى نفس طائفة. وقال ابن الأنباري : يطلق لفظ الجمع على الواحد، كقولك : خرج فلان على البغال. قال : ويجوز أن تكون الطائفة إذا أريد بها الواحد طائفا، والهاء للمبالغة. واختلف في اسم هذا الرجل الذي عفي عنه على أقوال. فقيل : مخشي بن حمير، قاله ابن إسحاق. وقال ابن هشام : ويقال فيه ابن مخشي. وقال خليفة بن خياط في تاريخه : اسمه مخاشن بن حمير. وذكر ابن عبدالبر مخاشن الحميري وذكر السهيلي مخشن بن خمير. وذكر جميعهم أنه استشهد باليمامة، وكان تاب وسمي عبدالرحمن، فدعا الله أن يقتل شهيدا ولا يعلم بقبره. واختلف هل كان منافقا أو مسلما. فقيل : كان منافقا ثم تاب توبة نصوحا. وقيل : كان مسلما، إلا أنه سمع المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة التوبه الايات 61 - 68

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهل سبق للمنافقين إيمان ثم جاء كفر؟ لا، ولكن قوله تعالى { قَدْ كَفَرْتُمْ } يعني: أنكم أيها المنافقون قد فضحتم أنفسكم؛ لأنكم كنتم تعلنون الإيمان فقط، ثم أظهر الحق أن إيمانكم إيمان لسان لا إيمان وجدان.

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } انظر إلى رحمة الله، وكيف أنه - جَلَّ وعلا - لم يوصد باب التوبة أمامهم، بعد أن كشف ما في نفوسهم، هنا يعلن له الحق أن الطائفة التي ستتوب توبة صادقة، والتي لم تشترك في هذا الخوض سيغفر لهم الله. أما الذين بَقَوْا على نفاقهم وإجرامهم - والإجرام هو القطع، وجرمت الثمرة أي قطعتها، وسمي إجراماً لأنه قطع حقاً عن باطل - أي الذي قطعوا واقعهم بقلوبهم وسلوكهم عن الإيمان، فسوف يعذبهم الحق سبحانه.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net