سورة
اية:

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة فقال تعالى: { كلاّ} أي حقاً { إذا دكت الأرض دكاً دكاً} أي وطئت ومهدت وسويت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربهم { وجاء ربك} يعني لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق، محمد صلوات اللّه وسلامه عليه، فيجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفاً صفوفاً، وقوله تعالى: { وجيء يومئذ بجهنم} روى الإمام مسلم في صحيحه: عن عبد اللّه بن مسعود قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) ""أخرجه مسلم في صحيحه""، وقوله تعالى: { يومئذ يتذكر الإنسان} أي عمله وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه، { وأنّى له الذكرى} أي وكيف تنفعه الذكرى، { يقول يا ليتني قدمت لحياتي} يعني يندم على ما كان سلف منه من المعاصي إن كان عاصياً، ويود لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعاً، كما قال الإمام أحمد بن حنبل عن جبير بن نفير عن محمد بن عمرة، وكان من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: لو أن عبداً خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت في طاعة اللّه لحقره يوم القيامة، ولود أنه رد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب، وقال اللّه تعالى: { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد} أي ليس أحد أشد عذاباً من تعذيب اللّه من عصاه، { ولا يوثق وثاقه أحد} أي وليس أشد قبضاً ووثقاً من الزبانية لمن كفر بربهم عزَّ وجلَّ، وهذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين، فأما النفس الزكية المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق، فيقال لها: { يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك} أي إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في جنته { راضية} أي في نفسها، { مرضية} أي قد رضيت عن اللّه، ورضي عنها وأرضاها، { فادخلي في عبادي} أي في جملتهم، { وادخلي جنتي} وهذا يقال لها عند الاحتضار، وفي يوم القيامة أيضاً، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره فكذلك ههنا، ثم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فروي أنها نزلت في عثمان بن عفّان، وقيل: إنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي اللّه عنه، وقال ابن عباس في قوله تعالى: { يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية} قال: نزلت وأبو بكر جالس فقال: يا رسول اللّه ما أحسن هذا؟ فقال: (أما إنه سيقال لك هذا) ""أخرجه ابن أبي حاتم"". وروى الحافظ ابن عساكر، عن أمامة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لرجل: (قل: اللهم إني أسألك نفساً مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك) ""أخرجه الحافظ ابن عساكر"".

تفسير الجلالين

{ يا أيتها النفس المطمئنة } الآمنة وهي المؤمنة.

تفسير القرطبي

قوله تعالى { يا أيتها النفس المطمئنة} لما ذكر حال من كانت همته الدنيا فاتهم اللّه في إغنائه، وإفقاره، ذكر حال من اطمأنت نفسه إلى اللّه تعالى. فسلم لأمره، واتكل عليه. وقيل : هو من قول الملائكة لأولياء اللّه عز وجل. و { النفس المطمئنة} الساكنة الموقنة؛ أيقنت أن اللّه ربها، فأخبتت لذلك؛ قال مجاهد وغيره. وقال ابن عباس : أي المطمئنة بثواب اللّه. وعنه المؤمنة. وقال الحسن : المؤمنة الموقنة. وعن مجاهد أيضا : الراضية بقضاء اللّه، التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها. وقال مقاتل : الآمنة من عذاب اللّه. وفي حرف أُبي بن كعب { يأيتها النفس الآمنة المطمئنة} . وقيل : التي عملت على يقين بما وعد اللّه في كتابه. وقال ابن كيسان : المطمئنة هنا : المخلصة. وقال ابن عطاء : العارفة التي لا تصبر عنه طرفة عين. وقيل : المطمئنة بذكر اللّه تعالى؛ بيانه { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} [الرعد : 38]. وقيل : المطمئنة بالإيمان، المصدقة بالبعث والثواب. وقال ابن زيد : المطمئنة لأنها بشرت بالجنة عند الموت، وعند البعث، ويوم الجمع. وروى عبداللّه بن بريدة عن أبيه قال : يعني نفس حمزة. والصحيح أنها عامة في كل نفس مؤمن مخلص طائع. قال الحسن البصري : إن اللّه تعالى إذا أراد أن يقبض روح عبده المؤمن، اطمأنت النفس إلى اللّه تعالى، واطمأن اللّه إليها. وقال عمرو بن العاص : إذا توفي المؤمن أرسل اللّه إليه ملكين، وأرسل معهما تحفة من الجنة، فيقولان لها : اخرجي أيتها النفس المطمئنة راضية مرضية، ومرضيا عنك، اخرجي إلى روح وريحان، ورب راض غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك وجَد أحد من أنفه على ظهر الأرض. وذكر الحديث. وقال سعيد بن زيد : قرأ رجل عند النبي صلى اللّه عليه وسلم { يا أيتها النفس المطمئنة} ، فقال أبو بكر : ما أحسن هذا يا رسول اللّه فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : [إن الملك يقولها لك يا أبا بكر]. وقال سعيد بن جبير : مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائر لم ير على خلقته طائر قط، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجا منه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر - لا يدري من تلاها - { يا أيتها النفس المطمئنة رجعي إلى ربك راضية مرضية} . وروى الضحاك أنها نزلت في عثمان بن عفان رضي اللّه عنه حين وقف بئر رومة. وقيل : نزلت في خُبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة، وجعلوا وجهه إلى المدينة؛ فحول اللّه وجهه نحو القبلة. واللّه أعلم. قوله تعالى { ارجعي إلى ربك} أي إلى صاحبك وجسدك؛ قال ابن عباس وعكرمة وعطاء. واختاره الطبري؛ ودليله قراءة ابن عباس { فادخلي في عبدي} على التوحيد، فيأمر اللّه تعالى الأرواح غدا أن ترجع إلى الأجساد. وقرأ ابن مسعود { في جسد عبدي} . وقال الحسن : ارجعي إلى ثواب ربك وكرامته. وقال أبو صالح : المعنى : ارجعي إلى اللّه. وهذا عند الموت. { فادخلي في عبادي} أي في أجساد عبادي؛ دليله قراءة ابن عباس وابن مسعود. قال ابن عباس : هذا يوم القيامة؛ وقال الضحاك. والجمهور على أن الجنة هي دار الخلود التي هي مسكن الأبرار، ودار الصالحين والأخيار. ومعنى { في عبادي} أي في الصالحين من عبادي؛ كما قال { لندخلنهم في الصالحين} [العنكبوت : 9]. وقال الأخفش { في عبادي} أي في حزبي؛ والمعنى واحد. أي انتظمي في سلكهم. { وادخلي جنتي} مع عبادي.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net