سورة
اية:

مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة هل امتلأت؟ وهي تقول: هل من مزيد؟ أي هل بقي شيء تزيدوني؟ هذا هو الظاهر من سياق الآية، وعليه تدل الأحاديث، روى البخاري عند تفسير هذه الآية، عن أنَس بن مالك رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (يلقى في النار وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها فتقول: قط قط) وروى الإمام أحمد، عن أنَس رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة قدمه فيها فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط وعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشيء اللّه لها خلقاً آخر فيسكنهم اللّه تعالى في فضول الجنة) ""أخرجه أحمد ورواه مسلم في صحيحه بنحوه"". حديث آخر : ""وروى البخاري""، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والتمجبرين؛ وقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال اللّه عزَّ وجلَّ، للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها. فأما النار فلا تمتليء حتى يضع رجله فيها فتقول: قط قط فهنالك تمتليء وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم اللّه عزَّ وجلَّ من خلقه أحداً، وأما الجنة فإن اللّه عزَّ وجلَّ ينشيء لها خلقاً آخر) ""أخرجه البخاري في صحيحه"". حديث آخر : روى مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (احتجت الجنة والنار فقالت النار: فيّ الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: فيّ ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى بينهما؛ فقال للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها) ""تفرد به الإمام مسلم"". وعن عكرمة { وتقول هل من مزيد} : وهل فيَّ مدخل واحد؟ قد امتلأت. وقال مجاهد: لا يزال يقذف فيها حتى تقول قد امتلأت، فتقول: هل فيّ مزيد؟ وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو هذا، فعند هؤلاء أن قوله تعالى { هل امتلأت} إنما هو بعد ما يضع عليها قدمه فتنزوي ويقول حينئذ: هل بقي فيَّ مزيد يسع شيئاً؟ قال العوفي عن ابن عباس: وذلك حين لا يبقى فيها موضع يسع إبرة، واللّه أعلم. وقوله تعالى: { وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد} قال قتادة والسدي: { وأزلفت} أدنيت وقربت من المتقين، { غير بعيد} وذلك يوم القيامة وليس ببعيد لأنه واقع لا محالة وكل ما هو آت قريب، { هذا ما توعدون لكل أواب} أي رجاع تائب مقلع، { حفيظ} أي يحفظ العهد فلا ينقضه ولا ينكثه، وقال عبيد بن عمير: الأواب الحفيظ الذي لا يجلس مجلساً فيقوم حتى يستغفر اللّه عزَّ وجلَّ، { من خشي الرحمن بالغيب} أي من خاف اللّه في سره حيث لا يراه أحد إلا اللّه عزَّ وجلَّ كقوله صلى اللّه عليه وسلم: (ورجل ذكر اللّه تعالى خالياً ففاضت عيناه) ""هو صنف من السبعة الذين يظلهم اللّه في ظله يوم القيامة، والحديث أخرجه الشيخان"" { وجاء بقلب منيب} أي ولقي اللّه عزَّ وجلَّ يوم القيامة بقلب منيب سليم إليه خاضع لديه. { أدخلوها} أي الجنة { بسلام} قال قتادة: سَلِموا من عذاب اللّه عزَّ وجلَّ، وسلّم عليهم ملائكة اللّه، وقوله سبحانه وتعالى: { ذلك يوم الخلود} أي يخلدون في الجنة فلا يموتون أبداً ولا يظعنون أبداً ولا يبغون عنها حولاً، وقوله جلت عظمته: { لهم ما يشاءون فيها} أي مهما اختاروا وجدوا من أي أصناف الملاذ طلبوا أحضر لهم، عن كثير بن مرة قال: (من المزيد أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ماذا تريدون فأمطره لكم؟ فلا يدعون بشيء إلا أمطرتهم) وفي الحديث عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال له: (إنك لتشتهي الطير في الجنة فيخر بين يديك مشوياً) ""أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود مرفوعاً"". وروى الإمام أحمد، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة) ""رواه أحمد وابن ماجة والترمذي، وزاد الترمذي كما اشتهى"". وقوله تعالى: { ولدينا مزيد} كقوله عزَّ وجلَّ: { للذين أحسنوا الحسنى و زيادة} ، وقد تقدم في صحيح مسلم عن صهيب بن سنان الرومي أنها النظر إلى وجه اللّه الكريم، وقد روى البزار، عن أنَس بن مالك في قوله عزَّ وجلَّ { ولدينا مزيد} قال: (يظهر لهم الرب عزَّ وجلَّ في كل جمعة) ""أخرجه البزار وابن أبي حاتم موقوفاً، ورواه الشافعي مرفوعاً في مسنده"". وروى الإمام أحمد، عن أبي سعيد رضي اللّه عنه، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن الرجل في الجنة ليتكئ في الجنة سبعين سنة قبل أن يتحوّل، ثم تأتيه امرأة تضرب على منكبيه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب فتسلم عليه فيرد السلام، فيسألها: من أنت؟ فتقول: أنا من المزيد، وإنه ليكون عليها سبعون حلة أدناها مثل النعمان من طوبى، فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، وإن عليها من التيجان، إنَّ أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب) ""أخرجه الإمام أحمد في المسند"".

تفسير الجلالين

{ من خشي الرحمن بالغيب } خافه ولم يره { وجاء بقلب منيب } مقبل على طاعته، ويقال للمتقين أيضا .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ } يَقُول : مَنْ خَافَ اللَّه فِي الدُّنْيَا مِنْ قَبْل أَنْ يَلْقَاهُ , فَأَطَاعَهُ , وَاتَّبَعَ أَمْره . وَفِي { مَنْ } فِي قَوْله : { مَنْ خَشِيَ } وَجْهَانِ مِنْ الْإِعْرَاب : الْخَفْض عَلَى اِتِّبَاعه كُلّ فِي قَوْله : { لِكُلِّ أَوَّاب } وَالرَّفْع عَلَى الِاسْتِئْنَاف , وَهُوَ مُرَاد بِهِ الْجَزَاء مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ , قِيلَ لَهُ اُدْخُلْ الْجَنَّة ; فَيَكُون حِينَئِذٍ قَوْله : { اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ } جَوَابًا لِلْجَزَاءِ أَضْمَرَ قَبْله الْقَوْل , وَحَمَلَ فِعْلًا لِلْجَمِيعِ ; لِأَنَّ { مَنْ } قَدْ تَكُون فِي مَذْهَب الْجَمِيع .وَقَوْله : { مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ } يَقُول : مَنْ خَافَ اللَّه فِي الدُّنْيَا مِنْ قَبْل أَنْ يَلْقَاهُ , فَأَطَاعَهُ , وَاتَّبَعَ أَمْره . وَفِي { مَنْ } فِي قَوْله : { مَنْ خَشِيَ } وَجْهَانِ مِنْ الْإِعْرَاب : الْخَفْض عَلَى اِتِّبَاعه كُلّ فِي قَوْله : { لِكُلِّ أَوَّاب } وَالرَّفْع عَلَى الِاسْتِئْنَاف , وَهُوَ مُرَاد بِهِ الْجَزَاء مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ , قِيلَ لَهُ اُدْخُلْ الْجَنَّة ; فَيَكُون حِينَئِذٍ قَوْله : { اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ } جَوَابًا لِلْجَزَاءِ أَضْمَرَ قَبْله الْقَوْل , وَحَمَلَ فِعْلًا لِلْجَمِيعِ ; لِأَنَّ { مَنْ } قَدْ تَكُون فِي مَذْهَب الْجَمِيع .' وَقَوْله : { وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيب } يَقُول : وَجَاءَ اللَّه بِقَلْبٍ تَائِب مِنْ ذُنُوبه , رَاجِع مِمَّا يَكْرَههُ اللَّه إِلَى مَا يُرْضِيه . كَمَا : 24743 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيب } : أَيْ مُنِيب إِلَى رَبّه مُقْبِل . وَقَوْله : { وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيب } يَقُول : وَجَاءَ اللَّه بِقَلْبٍ تَائِب مِنْ ذُنُوبه , رَاجِع مِمَّا يَكْرَههُ اللَّه إِلَى مَا يُرْضِيه . كَمَا : 24743 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيب } : أَيْ مُنِيب إِلَى رَبّه مُقْبِل . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد} قرأ نافع وأبو بكر { يوم يقول} بالياء اعتبارا بقوله { لا تختصموا لدي} . الباقون بالنون على الخطاب من الله تعالى وهي نون العظمة. وقرأ الحسن { يوم أقول} . وعن ابن مسعود وغيره { يوم يقال} . وانتصب { يوم} على معنى ما يبدل القول لدي يوم. وقيل : بفعل مقدر معناه : وأنذرهم { يوم نقول لجهنم هل امتلأت} لما سبق من وعده إياها أنه يملؤها. وهذا الاستفهام على سبيل التصديق لخبره، والتحقيق لوعده، والتقريع لأعدائه، والتنبيه لجميع عباده. { وتقول} جهنم { هل من مزيد } أي ما بقي في موضع للزيادة؛ كقوله عليه السلام : (هل ترك لنا عقيل من ربع أومنزل) أي ما ترك؛ بمعنى الكلام الجحد. ويحتمل أن يكون استفهاما بمعنى الاستزادة؛ أي هل من مزيد فأزداد؟. وإنما صلح هذا للوجهين؛ لأن في الاستفهام ضربا من الجحد. وقيل : ليس ثم قول وإنما هو على طريق المثل؛ أي إنها فيما يظهر من حالها بمنزلة الناطقة بذلك؛ كما قال الشاعر : امتلأ الحوض وقال قَطني ** مهلا رويدا قد ملأتَ بطني وهذا تفسير مجاهد وغيره. أي هل في من مسلك قد امتلأت. وقيل : ينطق الله النار حتى تقول هذا كما تنطق الجوارح. وهذا أصح على ما بيناه في سورة [الفرقان] وفي صحيح مسلم والبخاري والترمذي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة) ""لفظ مسلم"" وفي رواية أخرى من حديث أبي هريرة : (وأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله عليها رجله يقول لها قط قط فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض فلا يظلم الله من خلقه أحدا وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا). علماؤنا رحمهم الله : أما معنى القدم هنا فهم قوم يقدمهم الله إلى النار، وقد سبق في علمه أنهم من أهل النار. وكذلك الرجل وهو العدد الكثير من الناس وغيرهم؛ يقال : رأيت رجلا من الناس ورجلا من جراد، قال الشاعر : فمر بنا رجل من الناس وانزوى ** إليهم من الحي اليماني أرجل قبائل من لخم وعكل وحمير ** على ابني نزار بالعداوة أحفل وبين هذا المعنى ما روي عن ابن مسعود أنه قال : ما في النار بيت ولا سلسلة ولا مقمع ولا تابوت إلا وعليه اسم صاحبه، فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذي قد عرف اسمه وصفته، فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منهم أحد قال الخزنة : قط قط حسبنا حسبنا! أي اكتفينا اكتفينا، وحينئذ تنزوي جهنم على من فيها وتنطبق إذ لم يبق أحد ينتظر. فعبر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم؛ ويشهد لهذا التأويل قوله في نفس الحديث : (ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة) وقد زدنا هذا المعنى بيانا ومهدناه في كتاب الأسماء والصفات من الكتاب الأسنى والحمد لله. وقال النضر بن شميل في معنى قوله عليه السلام : (حتى يضع الجبار فيها قدمه) أي من سبق في علمه أنه من أهل النار. قوله تعالى { وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد} أي قربت منهم. وقيل : هذا قبل الدخول في الدنيا؛ أي قربت من قلوبهم حين قيل لهم اجتنبوا المعاصي. وقيل : بعد الدخول قربت لهم مواضعهم فيها فلا تبعد. { غير بعيد} أي منهم وهذا تأكيد. { هذا ما توعدون} أي ويقال لهم هذا الجزاء الذي وعدتم في الدنيا على ألسنة الرسل. وقراءة العامة { توعدون} بالتاء على الخطاب. وقرأ ابن كثير بالياء على الخبر؛ لأنه أتى بعد ذكر المتقين. { لكل أواب حفيظ} أواب أي رجاع إلى الله عن المعاصي، ثم يرجع ويذنب ثم يرجع هكذا قاله الضحاك وغيره. وقال ابن عباس وعطاء : الأواب المسبح من قوله { يا جبال أوبي معه} [سبأ : 10]. وقال الحكم بن عتيبة : هو الذاكر لله تعالى في الخلوة. وقال الشعبي ومجاهد : هو الذي يذكر ذنوبه في الخلوة فيستغفر الله منها. وهو قول ابن مسعود. وقال عبيد بن عمير : هو الذي لا يجلس مجلسا حتى يستغفر الله تعالى فيه. وعنه قال : كنا نحدث أن الأواب الحفيظ الذي إذا قام من مجلسه قال سبحان الله وبحمده، اللهم إني أستغفرك مما أصبت في مجلسي هذا. وفي الحديث : (من قال إذا قام من مجلسه سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك غفر الله له ما كان في ذلك المجلس). وهكذا كان النبي صلى صلى الله عليه وسلم يقول. وقال بعض العلماء : أنا أحب أن أقول أستغفرك وأسألك التوبة، ولا أحب أن أقول وأتوب إليك إلا على حقيقته. قلت : هذا استحسان واتباع الحديث أولى. وقال أبو بكر الوراق : هو المتوكل على الله في السراء والضراء. وقال القاسم : هو الذي لا يشتغل إلا بالله عز وجل. { حفيظ} قال ابن عباس : هو الذي حفظ ذنوبه حتى يرجع عنها. وقال قتادة : حفيظ لما استودعه الله من حقه ونعمته وأتمنه عليه. وعن ابن عباس أيضا : هو الحافظ لأمر الله. مجاهد : هو الحافظ لحق الله تعالى بالاعتراف ولنعمه بالشكر. قال الضحاك : هو الحافظ لوصية الله تعالى بالقبول. وروى مكحول عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من حافظ على أربع ركعات من أول النهار كان أوابا حفيظا) ذكره الماوردي. قوله تعالى { من خشي الرحمن بالغيب} { من} في محل خفض على البدل من قوله { لكل أواب حفيظ} أو في موضع الصفة لـ { أواب} . ويجوز الرفع على الاستئناف، والخبر { ادخلوها} على تقدير حذف جواب الشرط والتقدير فيقال لهم { ادخلوها} . والخشية بالغيب أن تخافه ولم تره. وقال الضحاك والسدي : يعني في الخلوة حين لا يراه أحد. وقال الحسن : إذا أرخى الستر وأغلق الباب. { وجاء بقلب منيب} مقبل على الطاعة. وقيل : مخلص. وقال أبو بكر الوراق : علامة المنيب أن يكون عارفا لحرمته ومواليا له، متواضعا لجلاله تاركا لهوى نفسه. قلت : ويحتمل أن يكون القلب المنيب القلب السليم؛ كما قال تعالى { إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء : 89] على ما تقدم؛ والله أعلم. { ادخلوها} أي يقال لأهل هذه الصفات { ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود} أي بسلامة من العذاب. وقيل : بسلام من الله وملائكته عليهم. وقيل : بسلامة من زوال النعم. وقال { أدخلوها} وفي أول الكلام { من خشي} ؛ لأن { من} تكون بمعنى الجمع. قوله تعالى { لهم ما يشاءون فيها} يعني ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم. { ولدينا مزيد} من النعم مما لم يخطر على بالهم. وقال أنس وجابر : المزيد النظر إلى وجه الله تعالى بلا كيف. وقد ورد ذلك في أخبار مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس : 26] قال : الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم. وذكر ابن المبارك ويحيى بن سلام، قالا : أخبرنا المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبدالله بن عتبة عن ابن مسعود قال : تسارعوا إلى الجمعة فإن الله تبارك وتعالى يبرز لأهل الجنة كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض فيكونون منه في القرب. قال ابن المبارك : على قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا. وقال يحيى بن سلام : لمسارعتهم إلى الجمع في الدنيا، وزاد (فيحدث الله لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه قبل ذلك). فال يحيى : وسمعت غير المسعودي يزيد فيه قوله تعالى { ولدينا مزيد} . قلت : قوله (في كثيب) يريد أهل الجنة، أي وهم على كثب؛ كما في مرسل الحسن، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن أهل الجنة ينظرون ربهم في كل يوم جمعة على كثيب من كافور) الحديث وقد ذكرناه في كتاب التذكرة. وقيل : إن المزيد ما يزوجون به من الحور العين؛ رواه أبو سعيد الخدري مرفوعا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ق الايات 24 - 38

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { هَـٰذَا... } [ق: 32] إشارة إلى ما تقدَّم من تقريب الجنة للمتقين { مَا تُوعَدُونَ... } [ق: 32] أي: وعد الله به { لِكُلِّ أَوَّابٍ } [ق: 32] أوَّاب صيغة مبالغة نقول: آيب وأوَّاب يعني كثير الأوْب والرجوع إلى الله إنْ حصلت منه معصية، فسرعان ما يندم عليها ويتوب.

والحق سبحانه وتعالى شرح لنا هذا المعنى في قوله تعالى:
{  إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ... }
[النساء: 17] يعني: لا يسعوْنَ إليها ولا يرتبون لها.


{  ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ... }
[النساء: 17-18].

والأوَّاب كثير الرجوع إلى الله بالتوبة، لا يعني أنه كثير الخطايا، إنما إنْ حدثت منه غفلة عن الطاعة سارع بالتوبة، لأن الذي يرجع في توبته من الذنب ثم يعود إليه وتكرر منه هذه، فقد شبَّهه رسول الله بالمستهزئ بربه، وهذه صفة لا تليق بالأوَّاب.

ومعنى: { حَفِيظٍ } [ق: 32] هي أيضاً صيغة مبالغة من حافظ، والحفيظ هو كثير الحفظ لحدود الله وحُرمات الله، يحفظ نفسه من الوقوع في المعصية، بل يحفظ نفسه من الاقتراب منها.

وهذا هو معنى الحديث الشريف: " احفظ الله يحفظك " وحِفْظ الله يكون بحفظ حدوده والوقوف عند أوامره ونواهيه.

ومن صفات المتقين الذين وعدهم الله هذا الوعد { مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ... } [ق: 33] الخشية معناها الخوف وهو على نوعين: تخاف وأنت تكره مَنْ تخافه وتلعنه لأنه أقوى منك، أو لأنه يذلُّك ويقهرك، فأنت تخافه وتحتقره، وهذا خوف العباد من العباد.

وهناك خوف بحب وهيبة وإجلال على حَدِّ قول الشاعر:
أخافك إجلالاً وما بك قدرة   عليَّ ولكن مِلْءُ عين حبيبها
فأنت تحب مَن تخافه، وتعلم أن له جميلاً عندك، وأنك لا تستطيع أنْ تُوفيه حقه، وهذا هو الخوف من الله. ويساعدنا على فهْم هذا المعنى قول الله تعالى:
{  أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ... }
[فاطر: 27-28].

الحق سبحانه هنا لم يأت بحكم شرعي يلزمنا به أو يُخوِّفنا من التهاون فيه، إنما تحدث عن آيات كوْنِه، أرادنا أنْ نبحث فيها ونتأملها، وأنْ نُنقب عن أسرارها وما فيها من جمال.

فكلما نظرنا في آيات الكون من حولنا ازددنا لله خشية، ومهابة وإجلالاً لعظمته ونعمته علينا، والعلماء هم أوْلَى الناس بهذا النظر، وأقرب الناس إلى خشية الله وتقديره حَقَّ قَدْره.

وتأمَّل هنا الاداء القرآني: { مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ... } [ق: 33] فاختار صفة الرحمة، ولم يقل مَنْ خشي القهار أو الجبار، لأن الخشية هنا مغلَّفة بالحب وبالرحمة والتعظيم والإجلال لله الذي نخافه ونخشاه.

ثم قيد هذه الخشية بأنها { بِٱلْغَيْبِ... } [ق: 33] يعني: ليست معلنة أمام الناس، فالمؤمن الحق يخشى الله في سِرِّه قبل جهره، وفي خلْوته قبل جلوته، يخافه بينه وبين نفسه.

أما ضعيف الإيمان فيخاف الله أمام الناس، وإذا كان في جمع منهم تحدَّث عن الحلال والحرام، لكن إذا خلا بنفسه انتهك حرمات الله.

إذن: فخشيته من الله فيها رياء ويخالطها شرك، لذلك وصف المتقين، ووصف أهل الجنة بأنهم يخشوع الله بالغيب.

ومن معاني الغيب أيضاً أن المؤمن لمّا تُخوِّفه عذاب الله وتذكر له النار وهو ما يزال في سَعَة الدنيا يخاف منها، ويؤمن بوجودها وهو لم يرها، فهذه خشية بالغيب، لأن النار بالنسبة لنا الآن غيب وما صدَّقنا بوجودها إلا لأن الله أخبرنا بها.

والمؤمن يأخذ الخبر عن الله كأنه واقع يراه بعينه، ويلمسه بحواسه، فالخبر من الله أصدق من رؤية العين، وهذه المسألة أوضحناها في قوله تعالى:
{  أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ }
[الفيل: 1].

فالخطاب هنا لسيدنا رسول الله، وهو لم يَرَ حادثة الفيل، فقد وُلد في هذا العام، فلماذا لم يخاطبه بقوله: ألم تعلم وعدل عنها إلى: ألم تر؟ قالوا: لأن الخبر من الله أصدق من رؤية العين، نعم لأن الرؤية قد تخدعك، أما إخبار الله فصِدْق مطلق.

{ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ } [ق: 33] أي: قلب أخلص لله وصدق في الطاعة، والقلب هو موضع الإيمان، والله تعالى - كما ذكرنا - يريد منا القلب لا القالب، فالقالب يمكن أنْ تقهره على أنْ يؤمن، أما القلب فلا يأتي إلا بالحب والطواعية.

لذلك جعل الحق سبحانه الإيمان أمراً اختيارياً لا إجبار فيه، وإلا لو شاء سبحانه لأجبر الخلق جميعاً على أنْ يؤمنوا به سبحانه، كما أجبر السماوات والأرض، لكن أراد لعباده أن يأتوه طواعية واقتناعاً.


www.alro7.net