سورة
اية:

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى حاكماً وآمراً بقطع يد السارق والسارقة، وقد كان القطع معمولاً به في الجاهلية، فقرر في الإسلام وزيدت شروط أخر، كما سنذكره إن شاء اللّه تعالى، كما كانت القسامة والدية والقراض وغير ذلك من الأشياء التي ورد الشرع بتقريرها على ما كانت عليه وزيادات هي من تمام المصالح، وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئاً قطعت يده به، سواء كان قليلاً أو كثيراً لعموم هذه الآية: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} فلم يعتبروا نصاباً ولا حرزاً، بل أخذوا بمجرد السرقة، وتمسكوا بما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)، وأما الجمهور فاعتبروا النصاب في السرقة، وإن كان قد وقع بينهم الخلاف في قدره، فذهب كل من الأئمة الأربعة إلى قول على حدة، فعند الإمام مالك رحمه الله النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة فمتى سرقها أو ما يبلغ ثمنها فما فوقه وجب القطع واحتج في ذلك بما رواه عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم أخرجاه في الصحيحين، وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن الاعتبار في قطع يد السارق بربع دينار أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعداً، والحجة في ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً)، ولمسلم أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً) قال أصحابنا: فهذا الحديث فاصل في المسألة، ونص في اعتبار ربع الدينار لا ما ساواه. قالوا: وحديث ثمن المجن، وأنه كان ثلاثة دراهم لا ينافي هذا، لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهماً فهي ثمن ربع دينار، فأمكن الجمع بهذا الطريق. وذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مرد شرعي، فمن سرقا واحداً منهما أو ما يساويه قطع، عملاً بحديث ابن عمر وبحديث عائشة رضي اللّه عنها، ووقع في لفظ عند الإمام أحمد عن عائشة أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك) وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم اثني عشر درهماً، وفي لفظ للنسائي: (لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن) قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار. فهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم، واللّه أعلم. وأما الإمام أبو حنيفة وزفر وسفيان الثوري رحمهم اللّه فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب به عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة، واحتجوا بأن ثمن المجن الذي قطع فيه السارق على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان ثمنه عشرة دراهم. وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم. ثم قال: حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعبي عن أبيه عن جده قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجن) وكان ثمن المجن عشرة دراهم قالوا: فهذا ابن عباس وعبد اللّه بن عمرو قد خالفا ابن عمر في ثمن المجن، فالإحتياط الأخذ بالأكثر لأن الحدود تدرأ بالشبهات. وذهب بعض السلف إلى أنه تقطع يد السارق في عشرة دراهم أو دينار أو ما يبلغ قيمته واحداً منهما؛ يحكى هذا عن علي وابن مسعود وابراهيم النخعي رحمهم الله تعالى. وقال بعض السلف: لا تقطع الخمس إلا في خمس أي في خمسة دنانير أو خمسين درهماً، وينقل هذا عن سعيد بن جبير رحمه الله، وقد أجاب الجمهور عما تمسك به الظاهرية من حديث أبي هريرة: (يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده) بأجوبة أحدها : أنه منسوخ بحديث عائشة، والثاني : أنه مؤول ببيضة الحديد وحبل السفن قاله الأعمش فيما حكاه البخاري وغيره عنه، والثالث : أن هذه وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده، ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية، حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير، فلعن السارق الذي يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة، وقد ذكروا أن أبا العلاء المعري لما قدم بغداد اشتهر عنه أنه أورد إشكالاً على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار ونظم في ذلك شعراً دل على جهله، وقلة عقله فقال: يد بخمس مئين عسجد وديت ** ما بالها قطعت في ربع دينار؟ تناقض مالنا إلا السكوت له ** وأن نعوذ بمولانا من النار ولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء فهرب منهم، وقد أجابه الناس في ذلك، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله أن قال: لما كانت أمينة كانت ثمينة، ولما خانت هانت ويروى أنه أجابه شعراً بقوله: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ** ذل الخيانة فافهم حكمة الباري ومنهم من قال: هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة، فإن في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار لئلا يجنى عليها، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب، ولهذا قال: { جزاء بما كسبا نكالاً من اللّه واللّه عزيز حكيم} أي مجازاة على صنيعها السيء في أخذها أموال الناس بأيديهم فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك { نكالاً من اللّه} أي تنكيلاً من الله بهما على ارتكاب ذلك، { واللّه عزيز} أي في انتقامه، { حكيم} أي في أمره ونهية وشرعه وقدره. ثم قال تعالى: { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم} أي من تاب بعد سرقته وأناب إلى الله، فإن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه، فأما أموال الناس فلا بد من ردها إليهم أو بدلها عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: فمتى قطع، وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها. وقد روى الإمام أحمد عن عبد اللّه بن عمرو: أن امرأة سرقت على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاء بها الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول اللّه إن هذه المرأة سرقتنا، قال قومها: فنحن نفديها، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (اقطعوا يدها)، قالوا: نحن نفديها بخمسمائة دينار، فقال: (اقطعوا يدها) فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة هل لي من توبة يا رسول الله؟ قال: (نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك)، فأنزل الله في سورة المائدة: { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم} وهذه المرأة المخزومية التي سرقت، وحديثها ثابت في الصحيحين. وعن ابن عمر قال: كانت امرأة مخزومية تستعير متاعاً على ألسنة جارتها وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها. رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي. وقد ورد في أحكام السرقة أحاديث كثيرة مذكورة في كتاب الأحكام، وللّه الحمد والمنة. ثم قال تعالى: { ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض} أي هو المالك لجميع ذلك الحاكم فيه الذي لا معقب لحكمه وهو الفعال لما يريد، { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء واللّه على كل شيء قدير} .

تفسير الجلالين

{ ألم تعلم } الإستفهام فيه للتقرير { أن الله له ملك السماوات والأرض يعذَّب من يشاء } تعذيبه { ويغفر لمن يشاء } المغفرة له { والله على كل شيء قدير } ومنه التعذيب والمغفرة .

تفسير القرطبي

الآية. خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره؛ أي لا قرابة بين الله تعالى وبين أحد توجب المحاباة حتى يقول القائل : نحن أبناء الله وأحباؤه، والحدود تقام على كل من يقارف موجب الحد. وقيل : أي له أن يحكم بما يريد؛ فلهذا فرق بين المحارب وبين السارق غير المحارب. وقد تقدم نظائر هذه الآية والكلام فيها فلا معنى لإعادتها والله الموفق. هذا ما يتعلق بآية السرقة من بعض أحكام السرقة. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 38 - 41

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ويستخدم الحق سبحانه من أساليب البيان ما يخرجنا عن الغفلة، فلم يقل: " الله له ملك السمٰوات والأرض " ، ولو كان قد قال ذلك لكان الأمر خَبَراً من المتكلم وهو الله، ولكنه يريد أن يكون الخبر من المُخَاطَب إقراراً من العبد. ولا يخرج الخَبَر مَخرج الاستفهام إلا وقائل الخبر واثِقٌ من أن جواب الاستفهام في صالحه؛ والمثال على هذا هو أن يأتيك إنسان ويقول: " انت تهملني ". فتقول: أنا أحسنت إليك.

ولكن إن أردت أن تستخرج الخَبَر منه فأنت تقول: ألم أُحْسِن إليك؟ وبذلك تستفهم منه، والاستفهام يريد جوابا. فكأن المسئول حين يجيب عليه أن يدير ذهنه في كل مجال ولا يجد إلا أن يقول: نعم أنت أحسنت إليّ. ولو جاء ذلك من المتكلم لكانت دعوى، لكن إن جاءت من المُخاطَب فهي إقرار، ومثال ذلك قول الحق:
{  أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ }
[الشرح: 1]

إنه خَبرٌ من المتكلم والإقرار من المتلقي. وقد يقول قائل ولماذا لم يقل الحق: " أشرحنا لك صدرك "؟ كان من الممكن ذلك، ولكن الحق لم يقلها حتى لا يكون في السؤال إيحاء بجواب الإثبات بل جاءت بالنفي.

وفي قوله الحق:
{  أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
[المائدة: 40]

نجد منطوق الآية ليس دعوى من الحق، ولكنه استفهام للخلق ليديروا الجواب على هذا، فلا يجدوا جواباً إلا أن يقولوا: { للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }. وهذا أسلوب لإثبات الحجة والإقرار من العباد، لا إخباراً من الحق: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } ، وقد يقول إنسان: إن هناك أجزاء من الأرض ملكا للبشر. ونقول: صحيح أن في الأرض أجزاء هي ملك للبشر، ولكن هناك فرق بين أن يملك إنسان ما لا يقدر على الاحتفاظ به.. كملك البيت والأرض، إنه مِلْك - بكسر الميم - لمالك. وهناك " مُلْك " - بضم الميم - لِمَلِكٍ هو الله. وفي الدنيا نجد أن لكل إنسان ملكية ما. ولكن المَلِك في الأرض يملك القرار في أملاك شعبه، وهذا في دنيا الأسلوب، أما في الآخرة فالأسباب كلها تمتنع:
{  لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }
[غافر: 16]

فلا أحد له مُلكٌ يوم القيامة.

{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ } والقارئ بإمعان للقرآن يجد فيه عبارات تجمع بين أمرين أحدهما يتقدم، والآخر يتأخر. ويأتي الأمر في أحيان أخرى بالعكس. ولكن هذا القول هو الوحيد في القرآن الذي يأتي على هذا النسق، فكل ما جاء في القرآن يكون الغفران مقدّماً على العذاب؛ لأن الحق سبحانه قال في الحديث القدسي:

" إن رَحمتي سبقت غَضبي "

فلماذا جاء العذاب في هذه الآية مقدماً على الغُفران: { يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ } هل السبب هو التَّفنَّن في الأساليب؟ لا؛ لأن جمهرة الآيات تأتي بالغفران أولاً، ثم بالوعيد بالعذاب لمن يشاء سبحانه. ولننظر إلى السّياق. جاء الحديث أولاً عن السارق والسارقة، وبعد ذلك عمّن تاب. فالسرقة إذن تقتضي التعذيب، والتوبة تقتضي المغفرة، إذن فالترتيب هنا منطقي.

ونلحظ أن هذا القول قد جاء بعد آية السرقة وبعد آية الإعلام بأن له مُلْكَ السمٰوات والأرض. ولذلك كان لا بد من تذييل يخدم الاثنين معاً. ليؤكد سيطرة القدرة. وحين يريد الحق أن يرحم واحداً. فليس في قدرة المرحوم أن يقول: " لا أريد الرحمة ". وحين يعذب واحداً لن يقول المعذَّب - بفتح الذال -: " لا داعي للعذاب ". فسيطرة القدرة تؤكد أنه لا قدرة لأحد على رَدِّ العذاب أو الرحمة. إذن فالآية قد جاءت لتخدم أغراضاً مُتعددة. فإن حسبناها في ميزان الأحداث فللحق كل القدرة. وإن حسبناها في ميزان الزمن، فكيف يكون الأمر؟.

نعرف أن التعذيب للسّرقة قسمان.. تعذيب بإقامة الحَدّ، وفي الآخرة تكون المغفرة. إذن فالكلام منطقي مُتَّسق.

إنني أقول دائماً: إياكم أن تُخدَعوا بأن الكافر يكفر، والعاصي يعصى دون أن ينال عقابه؛ لأن من تعوَّد أن يتأبَى على منهج الله، فيكفر أو يعصي لا بد له من عقاب. لقد تمرَّدَ على المنهج، ولكنه لا يجرؤ على التَمرُّد على الله.

إن الإنسان قد يتمرد على المنهج فلا يؤمن أو لا يقيم الصلاة، لكن لا قدرة لإنسان أن يتمرد على الله، لأنه لا أحد يقدر على أن يقف في مواجهة الموت، وهو بعضٌ من قُدْرةِ الله. وسبحانه وتعالى يحكم ما يريد. وقد أراد أن يوجِد للإنسان اختياراً في أشياء، وأن يقهر الإنسان على أشياء، فيا من مرَّنت نفسك على التمرّد على منهج الله عليك أن تحاول أن تتمرّد على صاحب المنهج وهو الله. ولن تستطيع لا في شكلك ولا لونك ولا صحتك ولا ميعاد موتك. وليفتح كل مُتَمرِّد أذنيه، وليعرف أنه لن يقدر على أن يَتمرَّد على صاحب المنهج وهو الله. إذن صدق قول الله: { وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }.

ومن بعد ذلك يقول الحق: { يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ... }


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net