سورة
اية:

أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ

تفسير بن كثير

قال ابن عباس: { وإن من شيعته لإبراهيم} يقول: من أهل دينه، وقال مجاهد: على منهاجه وسنته { إذ جاء ربه بقلب سليم} ، قال ابن عباس: يعني شهادة أن لا إله إلا اللّه، روى ابن أبي حاتم، عن عوف قال: قلت لمحمد بن سيرين (ما القلب السليم؟ قال: يعلم أن اللّه حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن اللّه يبعث من في القبور" "أخرجه ابن أبي حاتم من كلام ابن سيرين" وقال الحسن: سليم من الشرك، ثمَّ قال تعالى: { إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون} ؟ أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد، ولهذا قال عزَّ وجلَّ: { أإفكاً آلهة دون اللّه تريدون فما ظنكم برب العالمين} ؟ قال قتادة: يعني ما ظنكم أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم معه غيره؟.

تفسير الجلالين

{ أئفكا } في همزتيه ما تقدم { آلهة دون الله تريدون } وإفكا مفعول له، وآلهة مفعول به لتريدون والإفك: أسوأ الكذب، أي أتعبدون غير الله ؟ .

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وإن من شيعته لإبراهيم} قال ابن عباس : أي من أهل دينه. وقال مجاهد : أي على منهاجه وسنته. قال الأصمعي : الشيعة الأعوان، وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذي يوقد مع الكبار حتى يستوقد. وقال الكلبي والفراء : المعنى وإن من شيعة محمد لإبراهيم. فالهاء في { شيعته} على هذا لمحمد عليه السلام. وعلى الأول لنوح وهو أظهر، لأنه هو المذكور أولا، وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان هود وصالح، وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة؛ حكاه الزمخشري. قوله تعالى: { إذ جاء ربه بقلب سليم} أي مخلص من الشرك والشك. وقال عوف الأعرابي : سألت محمد بن سيرين ما القلب السليم؟ فقال : الناصح لله عز وجل في خلقه. وذكر الطبري عن غالب القطان وعوف وغيرهما عن محمد بن سيرين أنه كان يقول للحجاج : مسكين أبو محمد! إن عذبه الله فبذنبه، وإن غفر له فهنيئا له، وإن كان قلبه سليما فقد أصاب الذنوب من هو خير منه. قال عوف : فقلت لمحمد ما القلب السليم؟ قال : أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور. وقال هشام بن عروة : كان أبي يقول لنا : يا بني لا تكونوا لعانين، ألم تروا إلى إبراهيم لم يلعن شيئا قط، فقال تعالى: { إذ جاء ربه بقلب سليم} . ويحتمل مجيئه إلى ربه وجهين : أحدهما عند دعائه إلى توحيده وطاعته؛ الثاني عند إلقائه في النار. { إذ قال لأبيه} { لأبيه} وهو آزر، وقد مضى الكلام فيه. { وقومه ماذا تعبدون} تكون { ما} في موضع رفع بالابتداء و { ذا} خبره. ويجوز أن تكون { ما} و { ذا} في موضع نصب بـ { تعبدون} . { أئفكا} نصب على المفعول به؛ بمعنى أتريدون إفكا. قال المبرد : والإفك أسوأ الكذب، وهو الذي لا يثبت ويضطرب، ومنه ائتفكت بهم الأرض. { آلهة} بدل من إفك { دون الله تريدون} أي تعبدون. ويجوز أن يكون حالا بمعنى أتريدون ألهة من دون الله آفكين. { فما ظنكم برب العالمين} أي ما ظنكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ فهو تحذير، مثل قوله: { ما غرك بربك الكريم} [الانفطار : 6]. وقيل : أي شيء أوهمتموه حتى أشركتم به غيره. قوله تعالى: { فنظر نظرة في النجوم} قال ابن زيد عن أبيه : أرسل إليه ملكهم إن غدا عيدنا فاخرج معنا، فنظر إلى نجم طالع فقال : إن هذا يطلع مع سقمي. وكان علم النجوم مستعملا عندهم منظورا فيه، فأوهمهم هو من تلك الجهة، وأراهم من معتقدهم عذرا لنفسه؛ وذلك أنهم كانوا أهل رعاية وفلاحة، وهاتان المعيشتان يحتاج فيهما إلى نظر في النجوم. وقال ابن عباس : كان علم النجوم من النبوة، فلما حبس الله تعالى الشمس على يوشع بن نون أبطل ذلك، فكان نظر إبراهيم فيها علما نبويا. وحكى جويبر عن الضحاك. كان علم النجوم باقيا إلى زمن عيسى عليه السلام، حتى دخلوا عليه في موضع لا يطلع عليه منه، فقالت لهم مريم : من أين علمتم بموضعه؟ قالوا : من النجوم. فدعا ربه عند ذلك فقال : اللهم لا تفهمهم في علمها، فلا يعلم علم النجوم أحد؛ فصار حكمها في الشرع محظورا، وعلمها في الناس مجهولا. قال الكلبي : وكانوا في قرية بين البصرة والكوفة يقال لهم هرمز جرد، وكانوا ينظرون في النجوم. فهذا قول. وقال الحسن : المعنى أنهم لما كلفوه الخروج معهم تفكر فيما يعمل. فالمعنى على هذا أنه نظر فيما نجم له من الرأي؛ أي فيما طلع له منه، فعلم أن كل حي يسقم فقال. { إني سقيم} . الخليل والمبرد : يقال للرجل إذا فكر في الشيء يدبره : نظر في النجوم. وقيل : كانت الساعة التي دعوه إلى الخروج معهم فيها ساعة تغشاه فيها الحمى. وقيل : المعنى فنظر فيما نجم من الأشياء فعلم أن لها خالقا. ومدبرا، وأنه يتغير كتغيرها. فقال: { إني سقيم} . وقال الضحاك : معنى { سقيم} سأسقم سقم الموت؛ لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب ثم يموت، وهذا تورية وتعريض؛ كما قال للملك لما سأل عن سارة هي أختي؛ يعني أخوة الدين. وقال ابن عباس وابن جبير والضحاك أيضا أشار لهم إلى مرض وسقم يعدي كالطاعون، وكانوا يهربون من الطاعون، { فـ} لذلك { تولوا عنه مدبرين} أي فارين منه خوفا من العدوى. و""روى الترمذي الحكيم"" قال : حدثنا أبي قال حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط عن السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس، وعن سمرة عن الهمداني عن ابن مسعود قال : قالوا لإبراهيم : إن لنا عيدا لو خرجت معنا لأعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه وخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى بنفسه، وقال إني سقيم أشتكي رجلي، فوطئوا رجله وهو صريع، فلما مضوا نادى في آخرهم { وتالله لأكيدن أصنامكم} [الأنبياء : 57]. قال أبو عبدالله : وهذا ليس بمعارض لما قال ابن عباس وابن جبير؛ لأنه يحتمل أن يكون قد اجتمع له أمران. قلت : وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : (لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام إلا ثلاث كذبات...) الحديث. وقد مضى في سورة { الأنبياء} وهو يدل على أنه لم يكن سقيما وإنما عرض لهم. وقد قال جل وعز: { إنك ميت وإنهم ميتون} [الزمر : 30]. فالمعنى إني سقيم فيما استقبل فتوهموا هم أنه سقيم الساعة. وهذا من معاريض الكلام على ما ذكرنا، ومنه المثل السائر [كفى بالسلامة داء] وقول لبيد : فدعوت ربي بالسلامة جاهدا ** ليصحني فإذا السلامة داء وقد مات رجل فجأة فالتف عليه الناس فقالوا : مات وهو صحيح! فقال أعرابي : أصحيح من الموت في عنقه! فإبراهيم صادق، لكن لما كان الأنبياء لقرب محلهم واصطفائهم عد هذا ذنبا؛ ولهذا قال: { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين { الشعراء : 82] وقد مضى هذا كله مبينا والحمد لله. وقيل : أراد سقيم النفس لكفرهم. والنجوم يكون جمع نجم ويكون واحدا مصدرا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الصّافات الايات 60 - 89

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ } [الصافات: 83] أي: أن إبراهيم - عليه السلام - كان من شيعة سيدنا نوح. يعني: من أتباعه الذين تابعوه، وساروا على منهجه. والشيعة هم الذين يُشايعون الإنسان على فكره فيؤمنون به، بل ويحاولون أنْ يحملوا دعوته إلى الناس معه، وأنْ يتحمَّلوا الأذى في سبيل ذلك، ومن هنا سُمِّيَتْ الشيعة المذهب المعروف الذين شايعوا الإمام عليّاً رضي الله عنه، وتعلمون طبعاً الفرق بين الشيعة والشيوعية.

لكن، لماذا بدأ الحق سبحانه هنا موكبَ الرسل بنوح - عليه السلام - ثم تبعه بإبراهيم - عليه السلام؟

يقول سبحانه: { إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الصافات: 84] هذه هي العلة؛ لأن سلامة القلب هي الأساسُ في الدين وفي العقيدة، لأن فطرة الله التي فطر الناسَ عليها ابتداءً مبنية كلها على هيئة الصلاح والسلامة، فإنْ طرأ على هذه الفطرة فسادٌ فمن الإنسان.

لذلك مدح سيدنا إبراهيم بسلامة القلب { إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الصافات: 84] وهو القلب الذي فطر عليه أولاً ظل كما هو لم يتغيَّر، فعاش به، وجاء به ربه في الدنيا، لذلك يظفر به في الآخرة:
{  يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }
[الشعراء: 88-89].

فالسلامة الأولى التي فطره الله عليها استصحبها باستصحاب منهج الله، فسَلِم في الدنيا، فلقىَ اللهَ بقلْبٍ سليم في الآخرة، وهكذا وصف اللهُ نبيَّه إبراهيم على أحسن ما يكون الوصف.

وتأمل كلمة { إِذْ جَآءَ رَبَّهُ } [الصافات: 84] فهي تُوحي بأن سيدنا إبراهيم لم ينتظر إلى أنْ يأتي له رسولٌ يدعوه، إنما أقبل على الله بنفسه، وجاء بفكره يبحث ويتأمل في ملكوتِ السماوات والأرض، إلى أنِ اهتدى إلى الله.

لذلك لما أراد الله تعالى أنْ يُعرِّف نبيه إبراهيمَ، وأنْ يُقدِّمه لمعشر الإيمان قال هذه البرقية الموجزة:
{  إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً.. }
[النحل: 120].

تعلمون أن الحق سبحانه خلق المواهب ووزَّعها على الناس، فكلٌّ مِنَّا له موهبة في شيء ما، ذلك ليظلَّ الناسُ مترابطين ترابطَ حاجةٍ، فتحتاج لي وأحتاجُ لك، أما سيدنا إبراهيم فقد جمع وحاز كل المواهب التي في أمة كاملة، فالمعنى
{  إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً }
[النحل: 120] يعني: حاز مواهب أمة.

لذلك استحق - عليه السلام - أنْ يُريه الله ملكوتَ السماوات والأرض، فالناس جميعاً يكتفون بعالم المُلْك، أما هو فقد تجاوز هذا العَالَم إلى عالم الملكوت، لماذا؟ لأنه جرَّد نفسه عن شبهة اليقين بأحدٍ غيرِ الله، بدليل أنه لما أُلْقِى في النار وجاءه المَلَك يعرض عليه المساعدة: (ألكَ حاجة)؟ فيقول سيدنا إبراهيم بما لديه من رصيد الإيمان واليقين بالله (أما إليك فلا). يقولها في هذا الوقت العصيب، وهذا الكرب المُلِمّ.وقوله سبحانه: { إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ } [الصافات: 85] وهذه تُعَدُّ من سلامة القلب، لأنه أحبَّ شيئاً وسَعِد به، فأراد أنْ ينقله إلى غيره وأوَّلهم الأقارب، فهم أَوْلَى الناس بأنْ تُعدِّي لهم خيرك؛ لذلك أول ما دعا إبراهيم دعا أباه وقومه: { إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ } [الصافات: 85].

وكلمة (لأبيه) وردتْ في القرآن عشرَ مرات، واحد فقط منها لسيدنا يوسف - عليه السلام - في قوله تعالى:
{  إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ }
[يوسف: 4] والتسع الباقيات لسيدنا إبراهيم بدايةً من سورة الأنعام إلى سورة الممتحنة، من هذه التسع موضع واحد جمع فيه بين الاسم العَلَم والوصف، فقال:
{  وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ }
[الأنعام: 74].

وفي الثمان الباقيات جاءت كلمة (لأبِيهِ) بدون ذكر آزر، فكأن كلمة آزر جاءتْ في هذا الموضع لِتُشْعرنا بشيء، هو أنك إذا جمعتَ بين الوصف والعَلَم، فلا بُدَّ أنْ يكون الوصفُ مشتركاً مع غير العَلَم، وضربنا لذلك مثلاً قُلْنا: إذا أردتَ أنْ تسألَ عن شخص، وقابلك ولده في الشارع تقول له: أبوك موجود؟

لأن هذا السؤال لا ينصرف إلا إلى أبيه الحقيقي، فإنْ قلتَ: أبوك محمد موجود؟ فإنك لا شكَّ تقصد عمه، لأنك مَيَّزته باسمه لإزالة الاشتراك في الأُبوّة.

إذن: آزر لم يكُن الأب الحقيقي لسيدنا إبراهيم، إنما هو عمه، ولا غرابةَ في ذلك، فالقرآن يُسمِّي العم أباً في قوله تعالى:
{  أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }
[البقرة: 133].

ومعلوم أن إسماعيل أخو إسحاق، ومع ذلك أدخله في جملة الآباء بالنسبة لسيدنا يعقوب، عليهم جميعاً الصلاة والسلام.

وسيدنا إبراهيم في معرض دعوته لأبيه وقومه يسألهم هذا السؤال:
{  مَا تَعْبُدُونَ }
[الشعراء: 70] وفي موضع آخر: { مَاذَا تَعْبُدُونَ } [الصافات: 85] و
{  مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ }
[الأنبياء: 52].

وهنا: { مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ } [الصافات: 85-86] وهذه كلها استفهام إنكاري، وقُلْنا: إن الاستفهام أقوى من الإخبار؛ لأن الإخبارَ يمكن أنْ يُكذَّب، أمَّا الاستفهام فيجعل الخصم يُقِرّ بالقضية، ولا يستطيع أنْ يُكذِّبها.

والإفْك هو أقبح أنواع الكذب؛ لأن القُبْح في الكذب على مراحل، كيف؟ قالوا: ننظر في الموضوع الذي يكون فيه الكذب، فإنْ كان في الحقيقة العُلْيا في الذات الإلهية، فهو أقبح الكذب كمَنْ يدَّعِي لله شريكاً.

فإنْ كان الكذب على البشر فهو بحسب مَنْ تكذب في حَقه، فمثلاً الذين اتهموا السيدة عائشة وخاضوا في عِرْضها سَمَّاهُ الله إفْكاً لشناعته وعِظَم منزلة مَنْ قيل في حَقِّه هذا الكذب، فقال سبحانه:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ.. }
[النور: 11].

ومن معاني الإفك قَلْب الشيء على وجهه، وقَلْب الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى:
{  وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ }
[النجم: 53].

والمعنى: أتريدون آلهة إفكاً وكذباً دون الله { فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [الصافات: 87] أخبرونا ماذا تظنون في الله؟ وما الذي لا يعجبكم في ألوهيته سبحانه؟ وكيف تخدعون أنفسكم، فتنصرفون عنه سبحانه، وهو رَبُّ العالمين، ومثَالُ ذلك قوله تعالى:
{  يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ }
[الانفطار: 6].

لذلك قال أحد العارفين: كأن الحق سبحانه لقَّن الناسَ الجوابَ، فالذي غَرَّني بالله أنه كريم. والطُّرْفة هنا أن رجلاً رأى آخر يصلي صلاة على عَجَلٍ، ينقرها نقراً، فقال له: بالله لو عليك خمسة قروش لواحد، يصح أنك تعطيها له ممسوحة؟ فقال الرجل: والله، لو كان كريماً سيقبلها ولا ينظر فيها.

فكأن الحق سبحانه يتعجَّب من هؤلاء الذين أشركوا به سبحانه، مع وضوح الدليل على بُطلان شركهم، والشيء لا يُتعجَّب منه إلا إذا جاء على غير ما يجب أنْ يكونَ عليه من الصِّدْق؛ لذلك قال سبحانه في أول البقرة:
{  كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }
[البقرة: 28].

يعني: هذا أمر عجيب منكم، ومسألة لا يقبلها العقل.

ثم بدأ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - يُحقِّق قَوْلَ ربه:
{  وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. }
[الأنعام: 75] وسبق أنْ فرَّقْنا بين المِلك والمُلك والملكوت.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net