سورة
اية:

وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن وصية لقمان لولده، وقد ذكره اللّه تعالى بأحسن الذكر، وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف، ولهذا أوصاه أولاً بأن يعبد اللّه وحده ولا يشرك به شيئاً، ثم قال محذراً له ‏ { ‏إن الشرك لظلم عظيم‏} ‏ أي هو أعظم الظلم‏.‏ عن عبد اللّه بن مسعود قال‏:‏ لما نزلت ‏ { ‏الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم‏} ‏ شق ذلك على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقالوا‏:‏ أينا لم يلبس إيمانه بظلم‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنه ليس بذلك، ألا تسمع إلى قول لقمان ‏ { ‏يا بنيَّ لا تشرك باللّه إن الشرك لظلم عظيم‏} ‏ ‏"‏أخرجه البخاري ومسلم عن عبد اللّه بن مسعود‏" ثم قرن بوصيته إياه بعبادة اللّه وحده، البر بالوالدين كما قال تعالى‏:‏ ‏ { ‏وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً‏} ‏ وكثيراً ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن؛ وقال ههنا‏:‏ ‏ { ‏ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن‏} ‏، قال مجاهد‏:‏ مشقة وهن الولد؛ وقال قتادة‏:‏ جهداً على جهد؛ وقال عطاء الخراساني‏:‏ ضعفاً على ضعف، وقوله‏:‏ ‏ { ‏وفصاله في عامين‏} ‏ أي تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين، كما قال تعالى‏:‏ ‏ { ‏والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة‏} ‏ الآية، ومن ههنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏ { ‏وحمله وفصاله ثلاثون شهراً‏} ‏، وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة، وتعبها ومشقتها في سهرها ليلاً ونهاراً، ليذكّر الولد بإحسانها المتقدم إليه، كما قال تعالى‏:‏ ‏ { ‏وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً‏} ‏، ولهذا قال‏:‏ ‏ { ‏أن اشكر لي ولوالديك إليَّ المصير‏} ‏ أي فإني سأجزيك على ذلك أوفر جزاء‏.‏ عن شعيب بن وهب قال‏:‏ قدم علينا معاذ بن جبل وكان بعثه النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقام فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال‏:‏ إني رسول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليكم أن تعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تطيعوني لا آلوكم خيراً، وإن المصير إلى اللّه إلى الجنة أو إلى النار، إقامة فلا ظعن، وخلود فلا موت ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم، وهذا القول من كلام معاذ بن جبل رضي اللّه عنه‏"‏‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏ { ‏وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعمها‏} ‏ أي إن حرصا عليك كل الحرص، على أن تتابعهما على دينهما فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعك ذلك أن تصاحبهما في الدنيا ‏ { ‏معروفاً‏} ‏ أي محسناً إليهما، ‏ { ‏واتبع سبيل من أناب إليّ‏} ‏ يعني المؤمنين، ‏ { ‏ثم إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون‏} ‏، روى الطبراني عن داود بن أبي هند أن سعد بن مالك (سعد بن مالك هو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي اللّه عنه) قال‏:‏ أنزلت فيّ هذه الآية‏:‏ ‏ { ‏وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما‏} ‏ الآية، قال‏:‏ كنت رجلاً براً بأمي، فلما أسلمت قالت‏:‏ يا سعد ما هذا الذي أراك قد أحدثت‏؟‏ لتدعنَّ دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت، فتعيّر بي، فيقال‏:‏ يا قاتل أمه، فقلت‏:‏ لا تفعلي يا أمه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء؛ فمكثت يوماً وليلة لم تأكل فأصبحت قد جهدت، فمكثت يوماً آخر وليلة لم تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يوماً وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت يا أمه تعلمين واللّه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نَفساً نَفْساً ما تركت ديني هذا لشيء؛ فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي، فأكلت‏.

تفسير الجلالين

{ ووصينا الإنسان بوالديه } أمرناه أن يبرهما { حملته أمُه } فْوهنت { وهنا على وهنٍ } أي ضعفت للحمل وضعفت للطلق وضعفت للولادة { وفصاله } أي فطامه { في عامين } وقلنا له { أنِ اشكر لي ولوالديك إلىَّ المصير } أي المرجع.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمّه وَهْنًا عَلَى وَهْن } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَمَرْنَا الْإِنْسَانَ بِبِرِّ وَالِدَيْهِ { حَمَلَتْهُ أُمّه وَهْنًا عَلَى وَهْن } يَقُول : ضَعْفًا عَلَى ضَعْف , وَشِدَّة عَلَى شِدَّة ; وَمِنْهُ قَوْل زُهَيْر : فَلَنْ يَقُولُوا بِحَبْلٍ وَاهِن خَلَقٍ لَوْ كَانَ قَوْمك فِي أَسْبَابه هَلَكُوا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , غَيْر أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنِيّ بِذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِهِ الْحَمْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21396 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمّه وَهْنًا عَلَى وَهْن } يَقُول : شِدَّة بَعْد شِدَّة , وَخَلْقًا بَعْدَ خَلْق . 21397 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { وَهْنًا عَلَى وَهْن } يَقُول : ضَعْفًا عَلَى ضَعْف . 21398 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { حَمَلَتْهُ أُمّه وَهْنًا عَلَى وَهْن } أَيْ جَهْدًا عَلَى جَهْد . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِهِ : وَهْن الْوَلَد وَضَعْفه عَلَى ضَعْف الْأُمّ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21399 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَهْنًا عَلَى وَهْن } قَالَ : وَهْن الْوَلَد عَلَى وَهْن الْوَالِدَة وَضَعْفهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمّه وَهْنًا عَلَى وَهْن } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَمَرْنَا الْإِنْسَانَ بِبِرِّ وَالِدَيْهِ { حَمَلَتْهُ أُمّه وَهْنًا عَلَى وَهْن } يَقُول : ضَعْفًا عَلَى ضَعْف , وَشِدَّة عَلَى شِدَّة ; وَمِنْهُ قَوْل زُهَيْر : فَلَنْ يَقُولُوا بِحَبْلٍ وَاهِن خَلَقٍ لَوْ كَانَ قَوْمك فِي أَسْبَابه هَلَكُوا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , غَيْر أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنِيّ بِذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِهِ الْحَمْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21396 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمّه وَهْنًا عَلَى وَهْن } يَقُول : شِدَّة بَعْد شِدَّة , وَخَلْقًا بَعْدَ خَلْق . 21397 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { وَهْنًا عَلَى وَهْن } يَقُول : ضَعْفًا عَلَى ضَعْف . 21398 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { حَمَلَتْهُ أُمّه وَهْنًا عَلَى وَهْن } أَيْ جَهْدًا عَلَى جَهْد . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِهِ : وَهْن الْوَلَد وَضَعْفه عَلَى ضَعْف الْأُمّ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21399 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَهْنًا عَلَى وَهْن } قَالَ : وَهْن الْوَلَد عَلَى وَهْن الْوَالِدَة وَضَعْفهَا . ' وَقَوْله : { وَفِصَاله فِي عَامَيْنِ } يَقُول : وَفِطَامه فِي انْقِضَاء عَامَيْنِ , وَقِيلَ : { وَفِصَاله فِي عَامَيْنِ } وَتَرَكَ ذِكْر وَانْقِضَاء " اكْتِفَاء بِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ , كَمَا قِيلَ : { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا } 12 82 يُرَاد بِهِ أَهْل الْقَرْيَة.وَقَوْله : { وَفِصَاله فِي عَامَيْنِ } يَقُول : وَفِطَامه فِي انْقِضَاء عَامَيْنِ , وَقِيلَ : { وَفِصَاله فِي عَامَيْنِ } وَتَرَكَ ذِكْر وَانْقِضَاء " اكْتِفَاء بِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ , كَمَا قِيلَ : { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا } 12 82 يُرَاد بِهِ أَهْل الْقَرْيَة.' وَقَوْله : { أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك } يَقُول : وَعَهِدْنَا إِلَيْهِ أَنْ اشْكُرْ لِي عَلَى نِعَمِي عَلَيْك , وَلِوَالِدَيْك تَرْبِيَتهمَا إِيَّاكَ , وَعِلَاجَهُمَا فِيك مَا عَالَجَا مِنْ الْمَشَقَّة حَتَّى اسْتَحْكَمَ قُوَاك . وَقَوْله : { إِلَيَّ الْمَصِير } يَقُول : إِلَى اللَّه مَصِيرك أَيّهَا الْإِنْسَان , وَهُوَ سَائِلُك عَمَّا كَانَ مِنْ شُكْرك لَهُ عَلَى نِعَمه عَلَيْك , وَعَمَّا كَانَ مِنْ شُكْرك لِوَالِدَيْك , وَبِرّك بِهِمَا عَلَى مَا لَقِيَا مِنْك مِنَ الْعَنَاء وَالْمَشَقَّة فِي حَال طُفُولِيَّتك وَصِبَاك , وَمَا اصْطَنَعَا إِلَيْك فِي بِرّهمَا بِك , وَتَحَنُّنهمَا عَلَيْك . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْن سَعْد ابْن أَبِي وَقَّاص وَأُمّه. ذِكْر الرِّوَايَة الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ : 21400 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , قَالَ : حَلَفَتْ أُمّ سَعْد أَنْ لَا تَأْكُل وَلَا تَشْرَب , حَتَّى يَتَحَوَّلَ سَعْد عَنْ دِينه . قَالَ : فَأَبَى عَلَيْهَا , فَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى غَشِيَ عَلَيْهَا . قَالَ : فَأَتَاهَا بَنُوهَا فَسَقَوْهَا . قَالَ : فَلَمَّا أَفَاقَتْ دَعَتْ اللَّهَ عَلَيْهِ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ } إِلَى قَوْله : { فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } 21401- حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر ; قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قَالَتْ أُمّ سَعْد لِسَعْدٍ : أَلَيْسَ اللَّه قَدْ أَمَرَ بِالْبِرِّ , فَوَاللَّهِ لَا أَطْعَم طَعَامًا وَلَا أَشْرَب شَرَابًا حَتَّى أَمُوت أَوْ تَكْفُر ! قَالَ : فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا بِعَصًا , ثُمَّ أَوْجَرُوهَا , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ } 21402 -حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا دَاوُدُ , عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , قَالَ : قَالَ سَعْد بْن مَالِك : نَزَلَتْ فِيَّ : { وَإِنْ جَاهَدَاك عَلَى أَنْ تُشْرِك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبهمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } قَالَ : لَمَّا أَسْلَمْت , حَلَفَتْ أُمِّي لَا تَأْكُل طَعَامًا وَلَا تَشْرَب شَرَابًا , قَالَ : فَنَاشَدْتهَا أَوَّل يَوْم , فَأَبَتْ وَصَبَرَتْ ; فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي نَاشَدْتهَا , فَأَبَتْ ; فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث نَاشَدْتهَا فَأَبَتْ , فَقُلْت : وَاللَّه لَوْ كَانَتْ لَك مِئَة نَفْس لَخَرَجَتْ قَبْل أَنْ أَدَعَ دِينِي هَذَا ; فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ , وَعَرَفَتْ أَنِّي لَسْت فَاعِلًا أَكَلَتْ. 21403 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , قَالَ : سَمِعْت أَبَا هُبَيْرَة يَقُول : قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي سَعْد ابْن أَبِي وَقَّاص { وَإِنْ جَاهَدَاك عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم فَلَا تُطِعْهُمَا } الْآيَة. وَقَوْله : { أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك } يَقُول : وَعَهِدْنَا إِلَيْهِ أَنْ اشْكُرْ لِي عَلَى نِعَمِي عَلَيْك , وَلِوَالِدَيْك تَرْبِيَتهمَا إِيَّاكَ , وَعِلَاجَهُمَا فِيك مَا عَالَجَا مِنْ الْمَشَقَّة حَتَّى اسْتَحْكَمَ قُوَاك . وَقَوْله : { إِلَيَّ الْمَصِير } يَقُول : إِلَى اللَّه مَصِيرك أَيّهَا الْإِنْسَان , وَهُوَ سَائِلُك عَمَّا كَانَ مِنْ شُكْرك لَهُ عَلَى نِعَمه عَلَيْك , وَعَمَّا كَانَ مِنْ شُكْرك لِوَالِدَيْك , وَبِرّك بِهِمَا عَلَى مَا لَقِيَا مِنْك مِنَ الْعَنَاء وَالْمَشَقَّة فِي حَال طُفُولِيَّتك وَصِبَاك , وَمَا اصْطَنَعَا إِلَيْك فِي بِرّهمَا بِك , وَتَحَنُّنهمَا عَلَيْك . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْن سَعْد ابْن أَبِي وَقَّاص وَأُمّه. ذِكْر الرِّوَايَة الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ : 21400 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , قَالَ : حَلَفَتْ أُمّ سَعْد أَنْ لَا تَأْكُل وَلَا تَشْرَب , حَتَّى يَتَحَوَّلَ سَعْد عَنْ دِينه . قَالَ : فَأَبَى عَلَيْهَا , فَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى غَشِيَ عَلَيْهَا . قَالَ : فَأَتَاهَا بَنُوهَا فَسَقَوْهَا . قَالَ : فَلَمَّا أَفَاقَتْ دَعَتْ اللَّهَ عَلَيْهِ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ } إِلَى قَوْله : { فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } 21401- حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر ; قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قَالَتْ أُمّ سَعْد لِسَعْدٍ : أَلَيْسَ اللَّه قَدْ أَمَرَ بِالْبِرِّ , فَوَاللَّهِ لَا أَطْعَم طَعَامًا وَلَا أَشْرَب شَرَابًا حَتَّى أَمُوت أَوْ تَكْفُر ! قَالَ : فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا بِعَصًا , ثُمَّ أَوْجَرُوهَا , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ } 21402 -حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا دَاوُدُ , عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , قَالَ : قَالَ سَعْد بْن مَالِك : نَزَلَتْ فِيَّ : { وَإِنْ جَاهَدَاك عَلَى أَنْ تُشْرِك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبهمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } قَالَ : لَمَّا أَسْلَمْت , حَلَفَتْ أُمِّي لَا تَأْكُل طَعَامًا وَلَا تَشْرَب شَرَابًا , قَالَ : فَنَاشَدْتهَا أَوَّل يَوْم , فَأَبَتْ وَصَبَرَتْ ; فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي نَاشَدْتهَا , فَأَبَتْ ; فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث نَاشَدْتهَا فَأَبَتْ , فَقُلْت : وَاللَّه لَوْ كَانَتْ لَك مِئَة نَفْس لَخَرَجَتْ قَبْل أَنْ أَدَعَ دِينِي هَذَا ; فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ , وَعَرَفَتْ أَنِّي لَسْت فَاعِلًا أَكَلَتْ. 21403 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , قَالَ : سَمِعْت أَبَا هُبَيْرَة يَقُول : قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي سَعْد ابْن أَبِي وَقَّاص { وَإِنْ جَاهَدَاك عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم فَلَا تُطِعْهُمَا } الْآيَة. '

تفسير القرطبي

فيه ثمانية مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه} هاتان الآيتان اعتراض بين أثناء وصية لقمان. وقيل : إن هذا مما أوصى به لقمان ابنه؛ أخبر الله به عنه؛ أي قال لقمان لابنه : لا تشرك بالله ولا تطع في الشرك والديك، فإن الله وصى بهما في طاعتهما مما لا يكون شركا ومعصية لله تعالى. وقيل : أي وإذ قال لقمان لابنه؛ فقلنا للقمان فيما آتيناه من الحكمة ووصينا الإنسان بوالديه؛ أي قلنا له اشكر لله، وقلنا له ووصينا الإنسان. وقيل : وإذ قال لقمان لابنه، لا تشرك، ونحن وصينا الإنسان بوالديه حسنا، وأمرنا الناس بهذا، وأمر لقمان به ابنه؛ ذكر هذه الأقوال القشيري. والصحيح أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص؛ كما تقدم في "العنكبوت" وعليه جماعة المفسرين. وجملة هذا الباب أن طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب كبيرة ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات، ويستحسن في ترك الطاعات الندب؛ ومنه أمر الجهاد الكفاية، والإجابة للأم في الصلاة مع إمكان الإعادة؛ على أن هذا أقوى من الندب؛ لكن يعلل بخوف هلكة عليها، ونحوه مما يبيح قطع الصلاة فلا يكون أقوى من الندب. وخالف الحسن في هذا التفصيل فقال : إن منعته أمه من شهود العشاء شفقة فلا يطعها. الثانية: لما خص تعالى الأم بدرجة ذكر الحمل وبدرجة ذكر الرضاع حصل لها بذلك ثلاث مراتب، وللأب واحدة؛ وأشبه ذلك قوله صلى الله عليه وسلم حين قال له رجل من أبّر؟ قال : (أمك) قال ثم من؟ قال : (أمك) قال ثم من؟ قال : (أمك) قال ثم من؟ قال : (أبوك) فجعل له الّربع من المبرة كما في هذه الآية؛ وقد مضى هذا كله في "الإسراء". الثالثة: قوله تعالى: { وهنا على وهن} أي حملته في بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفا على ضعف. وقيل : المرأة ضعيفة الخلقة ثم يضعفها الحمل. وقرأ عيسى الثقفّي { وهنا على وهن} بفتح الهاء فيهما؛ ورويت عن أبي عمرو، وهما بمعنى واحد. قال قعنب بن أم صاحب : هل للعواذل من ناه فيزجرها ** إن العواذل فيها الأين والوهن يقال : وهن يهن، ووهن يوهن ووهن، يهن؛ مثل ورم يرم. وانتصب { وهنا} على المصدر؛ ذكره القشيري. النحاس : على المفعول الثاني بإسقاط حرف الجر؛ أي حملته بضعف على ضعف. وقرأ الجمهور { وفصاله} وقرأ الحسن ويعقوب { وفصله} وهما لغتان، أي وفصاله في انقضاء عامين؛ والمقصود من الفصال الفطام، فعبّر بغايته ونهايته. ويقال : انفصل عن كذا أي تميّز؛ وبه سمي الفصيل. الرابعة: الناس مجمعون على العامين في مدة الرضاع في باب الأحكام والنفقات، وأما في تحريم اللبن فحّددت فرقة بالعام لا زيادة ولا نقص. وقالت فرقة : العامان وما اتصل بهما من الشهر ونحوه إذا كان متصل الرضاع. وقالت فرقة : إن فطم الصبّي قبل العامين وترك اللبن فإن ما شرب بعد ذلك في الحولين لا يحّرم؛ وقد مضى هذا في "البقرة" مستوفى. الخامسة: قوله تعالى: { أن اشكر لي} { أن} في موضع نصب في قول الزجاج، وأن المعنى : ووصينا الإنسان بوالديه أن اشكر لي. النحاس : وأجود منه أن تكون { أن} مفسرة، والمعنى : قلنا له أن اشكر لي ولوالديك. قيل : الشكر لله على نعمة الإيمان، وللوالدين على نعمة التربية. وقال سفيان بن عيينة : من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما. السادسة: قوله تعالى: { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} قد بينا أن هذه الآية والتي قبلها نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص لما أسلم، وأن أمه وهي حمنة بنت أبي سفيان بن أمية حلفت ألا تأكل؛ كما تقدم في الآية قبلها. السابعة: قوله تعالى: { وصاحبهما في الدنيا معروفا} نعت لمصدر محذوف؛ أي مصاحبا معروفا؛ يقال صاحبته مصاحبة ومصاحبا. و { معروفا} أي ما يحسن. والآية دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، وإلانة القول والدعاء إلى الإسلام برفق. وقد قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق للنبّي عليه الصلاة والسلام وقد قدمت عليه خالتها وقيل أمها من الرضاعة فقالت : يا رسول الله، إن أمي قدمت علّي وهي راغبة أفأصلها؟ قال : (نعم). وراغبة قيل معناه : عن الإسلام. قال ابن عطية : والظاهر عندي أنها راغبة في الصلة، وما كانت لتقدم على أسماء لولا حاجتها. ووالدة أسماء هي قتيلة بنت عبد العّزى بن عبد أسد. وأم عائشة وعبد الرحمن هي أم رومان قديمة الإسلام. الثامنة: قوله تعالى: { واتبع سبيل من أناب إلي} وصية لجميع العالم؛ كأن المأمور الإنسان. و { أناب} معناه مال ورجع إلى الشيء؛ وهذه سبيل الأنبياء والصالحين. وحكى النقاش أن المأمور سعد، والذي أناب أبو بكر؛ وقال : إن أبا بكر لما أسلم أتاه سعد وعبد الرحمن بن عوف وعثمان وطلحة وسعيد والزبير فقالوا : آمنت! قال نعم؛ فنزلت فيه { أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه} الزمر : 9] فلما سمعها الستة آمنوا؛ فأنزل الله تعالى فيهم: { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى} إلى قوله: { أولئك الذين هداهم الله} الزمر : 17 - 18]. قيل : الذي أناب النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس : ولما أسلم سعد أسلم معه أخواه عامر وعويمر؛ فلم يبق منهم مشرك إلا عتبة. ثم توعد عز وجل ببعث من في القبور والرجوع إليه للجزاء والتوقيف على صغير الأعمال وكبيرها.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة لقمان الايات 12 - 14


سورة لقمان الايات 14 - 16

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أهذه وصية من وصايا لقمان لابنه، أم هي كلام جديد من الله تعالى جاء في سياق كلام لقمان؟ قالوا: هو من كلام الحق تبارك وتعالى، بدليل قوله تعالى بعد ذلك:
{  وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا... }
[لقمان: 15]

ومن التكريم للقمان أن الله تعالى ساق هذه الوصية بعد وصيته لابنه، فجاءت وكأنها حكاية عنه.

ومعنى { وَوَصَّيْنَا.. } [لقمان: 14] يعني: علّمنا ووعظنا، وهما يدلان على معلومات تبتدئ بعلمنا ويذكر بها في وعظنا، ويُوفى بها حين جمعنا كل الخير في كلمة واحدة؛ لذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما خطب الناس في حجة الوداع ذكر أمهات الفضائل، لماذا؟ لأنه آخر كلامه إليهم، والموقف لا يناسب أنْ يذكر فيه تفاصيل الدين كله، فاكتفى بذكر أسسه وقواعده، كالرجل منَّا حين تحضره الوفاة يجمع أولاده، ويوصيهم، فيختار الأمور الهامة والخلاصة في أضيق نطاق.

الله تعالى يقول: { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ... } [لقمان: 14] والوصية بالوالدين بالذات أخذتْ رقعة واسعة في كتاب الله، في هذه الآية ذكر علة الوصية، فقال: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ... } [لقمان: 14]

وفي خمس آيات أخرى وردتْ كلمة (إحساناً)، في قوله تعالى:
{  وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً... }
[البقرة: 83]

وفي سورة النساء:
{  وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً... }
[النساء: 36]

وفي الأنعام:
{  قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً... }
[الأنعام: 151]

وفي الإسراء:
{  وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً... }
[الإسراء: 23]

وفي الأحقاف:
{  وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً... }
[الأحقاف: 15]

وفي آية واحدة وردت كلمة (حسناً) في سورة العنكبوت:
{  وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً... }
[العنكبوت: 8]

وفي آية واحدة أيضاً جاءت الوصية بالوالدين دون ذكر لهاتين الكلمتين: (حُسْناً وإحساناً) هي الآية التي نحن بصدد الحديث عنها.

لكن، ما الفرق بين (إحساناً) و (حُسناً)؟ الفرق أن الإحسان مصدر أحسن، وأحسن حدث، تقول: أحسن فلان إحساناً. أما حُسناً فمن الحسن وهو المصدر الأصيل لهذه المادة كما تقول: فلان عادل، فوصفته بالعدل، فإنْ أردتَ أنْ تبالغ في هذا الوصف تقول: فلان عَدْل أي: في ذاته، لا مجرد وَصْف له.

إذن: فحُسْناً آكد في الوصف من إحساناً، فلماذا جاءت في هذه الآية بالذات:
{  وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً... }
[العنكبوت: 8] قالوا: لأن هذه الآية تتعرض لمسألة صعبة تمسُّ قمة العقيدة، فسوف يطلب الوالدان من الابن أنْ يشرك بالله.

لذلك احتاج الأمر أنْ نوصي الابن بالحُسْن في ذاته، وفي أسمى توكيداته فلم يقُلْ هنا (إحْسَاناً) إنما قال (حُسْناً) حتى لا يظن أن دعوتهما إياه إلى الشرك مبرر لإهانتهما، أو التخلي عنهما؛ لذلك يُعلِّمنا ربنا:
{  فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً }
[لقمان: 15]

وإنْ كانت الوصية هنا بالوالدين ألا أن حيثيات الوصية خاصة بالأم { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } [لقمان: 14] فلم يذكر شيئاً عن دور الأب، لماذا؟ قالوا: لأن الكلام هنا كلام رب، وما عليك إلا أنْ تُعمِل فيه فكرك وقلبك لتصل إلى دقائقه.

الله تعالى يُذكِّرنا هنا بدور الأم خاصة، لأنها تصنع لك وأنت صغير لا تدرك صُنْعها، فهو مستور عنك لا تعرفه، أما الأفعال الأب وصنعه لك فجاء حال كِبَرك وإدراكك للأمور من حولك، فالابن يعرف ما قدَّم أبوه من أجله.

فكأن أفعال الأب وُجِدت حين تم تكوين العمر العقلي الواعي، ففهم الابن ما فعل أبوه، وكثيراً ما سمع الابن: أبوك ذهب إلى كذا، أبوك أحضر لك كذا، وهذا الأمر عندما يأتي أبوك..الخ، فدوْر الأب ظاهر على خلاف دور الأم؛ لذلك ذكره الحق - تبارك وتعالى - هنا { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ } [لقمان: 14]

ويأتي مَنْ يقول: أليس الابن نتيجة التقاء الأب والأم، فهما فيه سواء؟ ونقول: بلى، لكن مشقة الأم فيه أوضح أثناء الحمل وعند الولادة، ولولا أن الله تعالى ربط النسل بالشهوة لَزهدَ الناس فيه لما تتحمله الأم من مشاق، ولما يتحمله الأب من تبعات الأولاد.

ونعرف قصة المرأة التي ذهبت تقاضي زوجها لأنه يريد يأخذ ولدها منها، فقالت للقاضي وقد قال لها: أليس الولد ولدكما معاً؟ قالت: بلى، ولكنه حمله خِفّاً ووضعه شهوة، وحملتُه وهناً على وهن، فحكم لها.

ومعنى: { وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ.. } [لقمان: 14] أي: ضعفاً على ضعف، والمرأة بذاتها ضعيفة، فاجتمع لها ضعفها الذاتي مع ضعف بسبب الجنين الذي يتغذى منها، ويكبر في أحشائها يوماً بعد يوم؛ لذلك قلنا: إن من حكمة الله تعالى في خَلْق الرحم أنْ جعله قابلاً للتمدد والاتساع ليحتوي الجنين في مراحل الحمل المختلفة إلى أنْ يزيد الجنين زيادةً لا يتحملها اتساع الرحم فينفجر إيذاناً بولادة إنسان جديد وخَلْق آخر كما قال تعالى:
{  ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ }
[المؤمنون: 14]

فالجنين كان خَلْقاً تابعاً لأمه في غذائه وفي تنفسه وحركته، لكن حينما جاء أمر الله وأذن بميلاده أنشأه خَلْقاً آخر له مُقوِّمات حياة مستقلة غير متصل بأمه.

ويقولون في هذه العملية (القرن طش) كما تنفجر البالونة إذا نُفخت لدرجة أكثر مما تتحمل، ومن العجيب أن الرحم يتسع بقدرة الله لعدة توائم كما نرى ونسمع.

ومن عظمة الخالق سبحانه في مسألة الرزق أن رزق الجنين يأتيه منفصلا عن رزق أمه، فلكل منها رزق لا يأخذه الآخر، ومعلوم أن المرأة حين يُقدَّر لها حَمْل ينقطع عنها الدم الذي كان ينزل بصفة دورية حال فراغ الرحم من الحمل، هذا الدم هو الذي جعله الله غذاءً للجنين الجديد.أما إذا لم يُقدَّر لها حمل فإنَّ جسمها يطرد هذا الدم ويتخلص منه ولا يستفيد به، لماذا؟ لأنه ليس غذاءها، وكأن الخالق - عز وجل - يُنبِّهنا أن لكل منا رزقه الذي لا يتعدَّاه إلى غيره.

وأيضاً من حكمته تعالى في وَضْع الجنين في بطن أمه عند الولادة أنْ ينزل برأسه، وهذا هو الوضع الطبيعي لولادة طفل سليم؛ لأن أول ضروريات الحياة للطفل ساعةَ ينفصل عن أمه أنْ يتنفس، فإذا نزل برأسه - وهذا الوضع يحاول أطباء الولادة التأكد منه - استطاع التنفس حتى وإنْ تعسر نزول باقي جسمه، أمّا إنْ نزل الطفل بعكس هذا الوضع فإنه يختنق ويموت قبل أنْ يتم نزوله.

ثم يقول سبحانه: { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ.. } [لقمان: 14] الفصال: أي الانفصال عن الأم في مسألة الرضاعة، ومنه: يسمون ولد الناقة الذي استغنى عن لبنها: الفصيل أي الذي فُصِل عن أمه، وأصبح قادراً على أنْ يأكل، وأن يعيش دون مساعدتها، وحتى عملية فصال الولد عن أمه فيها مشقة وألم للأم.

أما العملية الجنسية التي أثمرتْ الولد فكانت شركة بينهما، وبذلك لا بُدَّ أن نعترف أن للأم الدور الأكبر وعليها العبء الأكبر في مسألة الأولاد؛ لذلك كان لها الحظ الأفر في وصية النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي سأله: مَنْ أحق الناس بحُسْن صحابتي يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، فأعطى كلاً منهما على قدر ما قدَّم.

ومسألة الفصال هذه شُرحت في آيات أخرى، ففي سورة البقرة:
{  وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ... }
[البقرة: 233] وهذه تؤكد { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } [لقمان: 14]

وفي آية أخرى تجمع الحمل والرضاعة معاً:
{  وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً... }
[الأحقاف: 15] وبخصم العامين من الثلاثين شهراً يكون الباقي ستة أشهر، وهي أقلّ مدة للحمل.

وهذه المسألة اعتمد عليها الإمام علي - رضي الله عنه - حينما رأى عمر رضي الله عنه يريد أن يُقيم الحد على امرأة ولدتْ لستة أشهر؛ لأنه يعتقد أن مدة الحمل تسعة أشهر، فقال لعمر: يا أمير المؤمنين، الله يقول غير ذلك، فقال: وماذا يقول الله؟ فذكر عليٌّ الآيتين السابقتين:
{  وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً... }
[الأحقاف: 15]

والأخرى: { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } [لقمان: 14]

ثم بيَّن له عليٌّ أن أقلَّ مدة للحمل بناءً على هاتين الآيتين ستة أشهر، فقال عمر: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن.

وقوله تعالى: { أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } [لقمان: 14] فالله تعالى هو المستحق للشكر أولاً؛ لأنه سبحانه هو الذي أنشأ من عدم، وأمدَّ من عُدْم، ثم الوالدان لأنهما السبب في الإيجاد وإنشاء الولد.فكأن الحق سبحانه مسبِّب أعلى؛ لأنه خلق من لا شيء، والوالدان سبب من أسباب الله في الوجود، إذن: لا تُحسِن شكر الله الخالق الأول والمسبِّب الأعلى حتى تُحسِن شكر الوالدين، وهما السبب الثاني في وجودك.

فقوله سبحانه: { أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } [لقمان: 14] أي: على الإيجاد، لكن في موضع آخر:
{  وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً }
[الإسراء: 24] وهذه للإيجاد وللتربية وللرعاية، فكما أن هناك أبوةً للإيجاد هناك أبوة للتربية، فكثيراً ما نجد الطفل يريبه غير أبيه وغير أمه، ولا بُدَّ أنْ يكون لهؤلاء نصيب من الشكر ومن الولاء والبرِّ ما دام أن الله تعالى ذكرهم في العلة
{  وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً }
[الإسراء: 24]

والعلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فإذا لم يكُنْ للأب الحقيقي وجود، فالأبوة لمن ربَّى، وله نفس حقوق الأب من حيث الشكْر والبر والمودة، بل ينبغي أن يكون حقُّه مضاعفاً؛ لأن في الأب الحقيقي عطف البُضع على البُضع، وفي الأب المربِّي عطف الدين على الدين، وهذه مسألة أخرى غير مجرد الأبوة.

لكن، هل شكر الله أولاً دُرْبة على أنْ تشكر الوالدين، وهما السبب المباشر في وجودك؟ أم أن شكرَ الوالدين دربةٌ على أن تشكر الله الذي خلقك وأوجدك؟ نقول: هما معاً، فشُكْر الله يستلزم شكْر الوالدين، وشكر الوالدين ينتهي إلى شُكْر الله.

وقوله: { إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } [لقمان: 14] أي: المرجع، والمعنى: أنني أوصيك بأهم شيء فاحذر أنْ تخالف وصيتي؛ لأنني أقدر على أنْ أعاقب مَنْ خالف.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن... }.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contactus@alro7.net