سورة
اية:

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ

تفسير بن كثير

عن ابن عباس قال في قوله تعالى: { إن قارون كان من قوم موسى} قال: كان ابن عمه وهو قول إبراهيم النخعي وقتادة ومالك بن دينار وابن جريج وغيرهم ، وقال ابن جريج: هو قارون بن يصهب بن قاهث، وموسى بن عمران بن قاهث، وزعم محمد بن إسحاق أن قارون كان عم موسى بن عمران عليه السلام، وأكثر أهل العلم على أنه كان ابن عمه واللّه أعلم، وقال قتادة: كنا نحدث أنه كان ابن عم موسى، وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة، ولكن عدو اللّه نافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله، وقوله: { وآتيناه من الكنوز} أي الأموال { ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة} أي ليثقل حملها الفِئام من الناس لكثرتها، قال الأعمش: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كل مفتاح على خزانة على حدته، فإذا ركب حملت على ستين بغلا أغر محجلا، وقيل غير ذلك واللّه أعلم، وقوله: { إذ قال له قومه لا تفرح إن اللّه لا يحب الفرحين} أي وعظه فيما هو فيه صالحو قومه، فقالوا على سبيل النصح والإرشاد: لا تفرح بما أنت فيه، يعنون لا تبطر بما أنت فيه من المال { إن اللّه لا يحب الفرحين} . قال ابن عباس: يعني المرحين، وقال مجاهد: يعني الأشرين البطرين، الذين لا يشكرون اللّه على ما أعطاهم، وقوله: { وابتغ فيما آتاك اللّه الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} أي استعمل ما وهبك اللّه من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والاخرة، { ولا تنس نصيبك من الدنيا} أي مما أباح اللّه فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزوجك عليك حقا، فآت كل ذي حق حقه، { وأحسن كما أحسن اللّه إليك} أي أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك، { ولا تبغ الفساد في الأرض} أي لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به في الأرض وتسيء إلى خلق اللّه { إن اللّه لا يحب المفسدين} .

تفسير الجلالين

{ إن قارون كان من قوم موسى } ابن عمه وابن خالته وآمن به { فبغى عليهم } بالكبر والعلو وكثرة المال { وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء } تثقل { بالعصبة } الجماعة { أولي } أصحاب { القوة } أي تثقلهم فالباء للتعدية وعدتهم قيل سبعون وقيل أربعون وقيل عشرة وقيل غير ذلك، اذكر { إذ قال له قومه } المؤمنون من بني إسرائيل { لا تفرح } بكثرة المال فرح بطر { إن الله لا يحب الفرحين } بذلك.

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { إن قارون كان من قوم موسى} لما قال { وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها} القصص 60 بين أن قارون أوتيها واغتر بها ولم تعصمه من عذاب الله كما لم تعصم فرعون، ولستم أيها المشركون بأكثر عددا ومالا من قارون وفرعون، فلم ينفع فرعون جنوده وأمواله ولم ينفع قارون قرابته من موسى ولا كنوزه قال النخعي وقتادة وغيرهما : كان ابن عم موسى لحا؛ وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب؛ وموسى بن عمران بن قاهث وقال ابن إسحاق : كان عم موسى لأب وأم وقيل : كان ابن خالته ولم ينصرف للعجمة والتعريف وما كان على وزن فاعول أعجميا لا يحسن فيه الألف واللام لم ينصرف في المعرفة وانصرف في النكرة، فإن حسنت فيه الألف واللام انصرف إن كان اسما لمذكر نحو طاوس وراقود قال الزجاج : ولو كان قارون من قرنت الشيء لانصرف. قوله تعالى: { فبغى عليهم} بغيه أنه زاد في طول ثوبه شبرا؛ قاله شهر بن حوشب وفي الحديث (لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا) وقيل : بغيه كفره بالله عز وجل؛ قاله الضحاك وقيل : بغيه استخفافه بهم بكثرة مال وولده؛ قاله قتادة وقيل : بغيه نسبته ما آتاه الله من الكنوز إلى نفسه بعلمه وحيلته؛ قاله ابن بحر وقيل : بغيه قوله إذا كانت النبوة لموسى والمذبح والقربان في هارون فمالي ! فروى أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة لموسى والحبورة لهارون؛ يقرب القربان ويكون رأسا فيهم، وكان القربان لموسى فجعله موسى إلى أخيه، وجد قاوون في نفسه وحسدهما فقال لموسى : الأمر لكما وليس لي شيء إلى متى أصبر قال موسى؛ هذا صنع الله قال : والله لا أصدقنك حتى تأتي بآية؛ فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل واحد منهم بعصاه، فحزمها وألقاها في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها، وكانوا يحرسون عصيهم بالليل فأصبحوا وإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر - وكانت من شجر اللوز - فقال قارون : ما هو بأعجب مما تصنع من السحر . { فبغى عليهم} من البغي وهو الظلم وقال يحيى بن سلام وابن المسيب : كان قارون غنيا عاملا لفرعون على بني إسرائيل فتعدى عليهم وظلمهم وكان منهم وقول سابع : روي عن ابن عباس قال : لما أمر الله تعالى برجم الزاني عمد قارون إلى امرأة بغي وأعطاها مالا، وحملها على أن ادعت على موسى أنه زنى بها وأنه أحبلها؛ فعظم على موسى ذلك وأحلفها بالله الذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت فتداركها الله فقالت : أشهد أنك بريء، وأن قارون أعطاني مالا، وحملني على أن قلت ما قلت، وأنت الصادق وقارون الكاذب فجعل الله أمر قارون إلى موسى وأمر الأرض أن تطيعه فجاءه وهو يقول للأرض : يا أرض خذيه؛ يا أرض خذيه وهي تأخذه شيئا فشيئا وهو يستغيث يا موسى إلى أن ساخ في الأرض هو وداره وجلساؤه الذين كانوا على مذهبه وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى : استغاث بك عبادي فلم ترحمهم، أما أنهم لو دعوني لوجدوني قريبا مجيبا ابن جريج : بلغنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة، فلا يبلغون إلى أسفل الأرض إلى يوم القيامة، وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج : حدثني إبراهيم بن راشد قال حدثني داود بن مهران عن الوليد بن مسلم عن مروان بن جناح عن يونس بن ميسرة بن حلبس قال : لقي قارون يونس في ظلمات البحر، فنادى قارون يونس، فقال : يا يونس تب إلى الله فإنك تجده عند أول قدم ترجع بها إليه فقال يونس : ما منعك من التوبة فقال : إن توبتي جعلت إلى ابن عمي فأبى أن يقبل مني وفي الخبر : إذا وصل قارون إلى قرار الأرض السابعة نفخ إسرافيل في الصور والله أعلم قال السدي : وكان اسم البغي سبرتا، وبذل لها قارون ألفي درهم قتادة : وكان قطع البحر مع موسى وكان يسمى المنور من حسن صورته في التوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري. قوله تعالى: { وآتيناه من الكنوز} قال عطاء : أصاب كثيرا من كنوز يوسف عليه السلام وقال الوليد بن مروان : إنه كان يعمل الكيمياء { ما إن مفاتحه} { إن} واسمها وخبرها في صلة { ما} و { ما} مفعولة { آتيناه} قال النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول ما أقبح ما يقول الكوفيون في الصلات؛ إنه لا يجوز أن تكون صلة الذي وأخواته { إن} وما عملت فيه، وفي القرآن { ما إن مفاتحه} وهو جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به ومن قال مفتاح قال مفاتيح ومن قال هي الخزائن فواحدها مفتح بالفتح { لتنوء بالعصبة} أحسن ما قيل فيه أن المعنى لتنيء العصبة أي تميلهم بثقلها، فلما انفتحت التاء دخلت الباء كما قالوا هو يذهب بالبؤس ومذهب البؤس فصار { لتنوء بالعصبة} فجعل العصبة تنوء أي تنهض متثاقلة؛ كقولك قم بنا أي أجعلنا نقوم يقال : ناء ينوء نوءا إذا نهض بثقل قال الشاعر : تنوء بأخراها فلايا قيامها ** وتمشي الهوينى عن قريب فتبهر وقال آخر : أخذت فلم أملك ونوت فلم أقم ** كأني من طول الزمان مقيد وأناءني إذا أثقلني؛ عن أبي زيد وقال أبو عبيدة : قوله { لتنوء بالعصبة} مقلوب، والمعنى لتنوء بها العصبة أي تنهض بها أبو زيد : نؤت بالحمل إذا نهضت قال الشاعر : إنا وجدنا خلفا بئس الخلف ** عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف والأول معنى قول ابن عباس وأبي صالح والسدي وهو قول الفراء واختاره النحاس كما يقال : ذهبت به وأذهبته وجئت به وأجأته ونؤت به وأنأته؛ فأما قولهم : له عندي ما ساءه وناءه فهو إتباع كان يجب أن يقال وأناءه ومثله هنأني الطعام ومرأني، وأخذه ما قدم وما حدث وقيل : هو مأخوذ من النأي وهو البعد ومنه قول الشاعر : ينأون عنا وما تنأى مودتهم ** فالقلب فيهم رهين حيثما كانوا وقرأ بديل بن ميسرة { لينوء} بالياء؛ أي لينوء الواحد منها أو المذكور فحمل على المعنى وقال أبو عبيدة : قلت لرؤبة بن العجاج في قوله : فيها خطوط من سواد وبلق ** كأنه في الجلد توليع البهق إن كنت أردت الخطوط فقل كأنها، وإن كنت أردت السواد والبلق فقل كأنهما فقال : أردت كل ذلك واختلف في العصبة وهي الجماعة التي يتعصب بعضهم لبعض على أحد عشر قولا : الأول : ثلاثة رجال؛ قاله ابن عباس وعنه أيضا من الثلاثة إلى العشرة وقال مجاهد : العصبة هنا ما بين العشرين إلى خمسة عشر وعنه أيضا : ما بين العشرة إلى الخمسة عشر وعنه أيضا : من عشرة إلى خمسة ذكر الأول الثعلبي، والثاني القشيري والماوردي، والثالث المهدوي وقال أبو صالح والحكم بن عتيبة وقتادة والضحاك : أربعون رجلا. السدي ما بين العشرة إلى الأربعين وقاله قتادة أيضا وقال عكرمة : منهم من يقول أربعون، ومنهم من يقول سبعون وهو قول أبي صالح إن العصبة سبعون رجلا؛ ذكره الماوردي والأول ذكره عنه الثعلبي وقيل : ستون رجلا وقال سعيد بن جبير : ست أو سبع وقال عبدالرحمن بن زيد : ما بين الثلاثة والتسعة وهو النفر وقال الكلبي : عشرة لقول إخوة يوسف { ونحن عصبة} يوسف 8 وقاله مقاتل وقال خيثمة : وجدت في الإنجيل أن مفاتيح خزائن قارون وقر ستين بغلا غراء محجلة، وأنها لتنوء بها ثقلها، وما يزيد مفتح منها على إصبع، لكل مفتح منها كنز مال، لو قسم ذلك الكنز على أهل البصرة لكفاهم قال مجاهد : كانت المفاتيح من جلود الإبل وقيل : من جلود البقر لتخف عليه، وكانت تحمل معه إذا ركب على سبعين بغلا فيما ذكره القشيري وقيل : على أربعين بغلا وهو قول الضحاك وعنه أيضا : إن مفاتحه أوعيته وكذا قال أبو صالح : إن المراد بالمفاتح الخزائن؛ فالله أعلم . قوله تعالى: { إذ قال له قومه} أي المؤمنون من بني إسرائيل، قاله السدي وقال يحيى بن سلام : القوم هنا موسى وقال الفراء وهو جمع أريد به واحد كقوله { الذين قال لهم الناس} آل عمران 173 وإنما هو نعيم ابن مسعود على ما تقدم. { لا تفرح} أي لا تأشر ولا تبطر قال الشاعر : ولست بمفراح إذا الدهر سرني ** ولا ضارع في صرفه المتقلب وقال الزجاج : المعنى لا تفرح بالمال فإن الفرح بالمال لا يؤدي حقه وقال مبشر بن عبدالله : لا تفرح لا تفسد قال الشاعر : إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة ** وتحمل أخرى أفرحتك الودائع أي أفسدتك وقال أبو عمرو : أفرحه الدين أثقله وأنشده : إذا أنت..... البيت وأفرحه سره فهو مشترك قال الزجاج : والفرحين والفارحين سواء وفرق بينهما الفراء فقال : معنى الفرحين الذين هم في حال فرح، والفارحين الذين يفرحون في المستقبل وزعم أن مثله طمع وطامع وميت ومائت ويدل على خلاف ما قال قول الله عز وجل { إنك ميت وإنهم ميتون} الزمر 30 ولم يقل مائت وقال مجاهد أيضا : معنى { لا تفرح} لا تبغ. { إن الله لا يحب الفرحين} أي البطرين؛ قاله مجاهد والسدي { إن الله لا يحب الفرحين} أي الباغين وقال ابن بحر : لا تبخل إن الله لا يحب الباخلين. قوله تعالى: { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة} أي أطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة وهي الجنة؛ فإن من حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة لا في التجبر والبغي { ولا تنس نصيبك من الدنيا} اختلف فيه؛ فقال ابن عباس والجمهور : لا تضيع عمرك في ألا تعمل عملا صالحا في دنياك؛ إذ الآخرة إنما يعمل لها، فنصيب الإنسان عمره وعمله الصالح فيها فالكلام على هذا التأويل شدة في الموعظة وقال الحسن وقتادة : معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة من الشدة؛ قاله ابن عطية. قلت : وهذان التأويلان قد جمعهما ابن عمر في قوله : احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. وعن الحسن : قدم الفضل، وأمسك ما يبلغ وقال مالك : هو الأكل والشرب بلا سرف وقيل : أراد بنصيبه الكفن فهذا وعظ متصل؛ كأنهم قالوا : لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك هذا الذي هو الكفن ونحو هذا قول الشاعر : نصيبك مما تجمع الدهر كله ** رداءان تلوى فيهما وحنوط وقال آخر : وهي القناعة لا تبغي بها بدلا ** فيها النعيم وفيها راحة البدن انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ** هل راح منها بغير القطن والكفن قال ابن العربي : وأبدع ما فيه عندي قول قتادة : ولا تنس نصيبك الحلال، فهو نصيبك من الدنيا ويا ما أحسن هذا. { وأحسن كما أحسن الله إليك} أي أطع الله وأعبده كما أنعم عليك ومنه الحديث : ما الإحسان ؟ قال : (أن تعبد الله كأنك تراه) وقيل : هو أمر بصلة المساكين قال ابن العربي : فيه أقوال كثيرة جماعها استعمال نعم الله في طاعة الله وقال مالك : الأكل والشرب من غير سرف قال ابن العربي : أرى مالكا أراد الرد على الغالين في العبادة والتقشف؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الحلواء، ويشرب العسل، ويستعمل الشواء، ويشرب الماء البارد وقد مضى هذا المعنى في غير موضع. { ولا تبغ الفساد في الأرض} أي لا تعمل بالمعاصي { إن الله لا يحب المفسدين} .

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

فلم يتكلم عن قارون وجزائه في الآخرة، إنما يجعله مثَلاً وعِبرة واضحة في الدنيا لكل مَنْ لم يؤمن بيوم القيامة لعلَّه يرتدع.

والنبي صلى الله عليه وسلم اضطهده كفار قريش، ووقفوا في وجه دعوته، وآذوْا صحابته، حتى أصبحوا غير قادرين على حماية أنفسهم، ومع ذلك ينزل القرآن على رسول الله يقول:
{  سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ }
[القمر: 45].

فيتعجب عمر رضي الله عنه: أيُّ جمع هذا؟ فنحن غير قادرين على حماية أنفسنا، فلما وقعتْ بدر وانهزم الكفار وقُتِلوا. قال عمر: نعم صدق الله
{  سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ }
[القمر: 45].

لذلك يقولون: لا يموت ظالم في الدنيا حتى ينتقم الله منه، ولم يَرَ الناس فيه ما يدل على انتقام الله منه تعجّبوا وقال أحدهم: لا بُدَّ أن الله انتقم منه دون أن نشعر، فإنْ أفلتَ من عذاب الدنيا، فوراء هذه الدار أخرى يعاقب فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وعَدْل الله - عز وجل - يقتضي هذه المحاسبة.

والحق - تبارك وتعالى - يجعل من قارون عبرةً لكل مَنْ لا يؤمن بالآخرة ليخاف من عذاب الله، ويحذر عقابه، والعبرة هنا بمَنْ؟ بقارون رأس من رؤوس القوم، وأغنى أغنيائهم، والفتوة فيهم، فحين يأخذه الله يكون في أَخَذه عبرة لمن دونه.

وحدَّثونا أن صديقاً لنا كان يعمل بجمرك الأسكندرية، فتجمّع عليه بعض زملائه من الفتوات الذين يريدون فَرْضَ سيطرتهم على الآخرين، فما كان منه إلا أنْ أخذ كبيرهم، فألقاه في الأرض، وعندها تفرَّق الآخرون وانصرفوا عنه.

ومن هذا المنطلق أخذ الله تعالى قارون، وهو الفتوة، ورمز الغِنى والجاه بين قومه، فقال تعالى: { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ... } [القصص: 76] إذن: حينما نتأمل حياة موسى عليه السلام نجده قد مُنِي بصناديد الكفر، فقد واجه فرعون الذي ادَّعى الألوهية، وواجه هامان، ثم موسى السامري الذي خانه في قومه في غيبته، فدعاهم إلى عبادة العجل.

ومُني من قومه بقارون، ومعنى: من قومه، إما لأنه كان من رحمه من بني إسرائيل، أو من قومه يعني: الذين يعيشون معه. والقرآن لم يتعرض لهذه المسألة بأكثر من هذا، لكن المفسرين يقولون: إنه ابن عمه. فهو: قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي ابن يعقوب وموسى هو ابن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب.

وللمؤرخين كلام في العداوة بين موسى وقارون، قالوا: حينما سأل موسى عليه السلام ربه أنْ يشدَّ عضده بأخيه هارون، أجابه سبحانه
{  قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ }
[طه: 36] وليست هذه أول مرة بل
{  وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ }
[طه: 37] وأرسل الله معه أخاه هارون؛ لأنه أفصح من موسى لساناً، وجعلهما شريكين في الرسالة، وخاطبهما معاً
{  ٱذْهَبَآ... }
[طه: 43] ليؤكد أنَّ الرسالة ليست من باطن موسى.وإنْ رأيت الخطاب في القرآن لموسى بمفرده، فاعلم أن هارون مُلاحَظ فيه، ومن ذلك لما دعا موسى على قوم فرعون، فقال:
{  رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ }
[يونس: 88].

فالذي دعا موسى، ومع ذلك لما أجابه ربه قال:
{  قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا... }
[يونس: 89] وهذا دليل على أن هارون لم يكن رسولاً من باطن موسى، إنما من الحق سبحانه، وأيضاً دليل على أن المؤمِّن على الدعاء كالداعي، فكان موسى يدعو وهارون يقول: آمين.

ولما ذهب موسى لميقات ربه قال لأخيه
{  ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي... }
[الأعراف: 142] وفي غيبة موسى حدثتْ مسألة العجل، وغضب موسى من أخيه هارون، فلما هدأتْ بينهما الأمور حدث تخصيص في رسالة كل منهما، فأعطى هارون (الحبورة) والحَبْر: هو العالم الذي يُعَد مرجعاً، كما أُعطِي (القربان) أي: التقرب إلى الله.

وعندها غضب قارون؛ لأنه خرج من هذه المسألة صَفْر اليدين، وامتاز عنه أولاد عمومته بالرسالة والمنزلة، رغم ما كان عنده من أموال كثيرة.

ثم إن موسى - عليه السلام - طلب من قارون زكاة ماله، دينار في كل ألف دينار، ودرهم في كل ألف درهم، فرفض قارون وامتنع، بل وألَّبَ الناس ضد موسى - عليه السلام.

ثم دبَّر له فضيحة؛ ليصرف الناس عنه، حيث أغرى امرأة بغياً فأعطاها طِسْتاً بالذهب، على أن تدَّعي على موسى وتتهمه، فجاء موسى عليه السلام ليخطب في الناس، ويُبيِّن لهم الأحكام فقال: مَنْ يسرق نقطع يده، ومَنْ يزني نجلده إن كان غير محصن، ونرجمه إنْ كان محصناً، فقام له قارون وقال: فإن كنتَ أنت يا موسى؟ فقال: وإنْ كنتُ أنا.

وهنا قامت المرأة البغيُّ وقالت: هو راودني عن نفسي، فقال لها: والذي فلق البحر لَتقُولِنّ الصدق فارتعدتْ المرأة، واعترفت بما دبَّره قارون، فانفضح أمره وبدأت العداوة بينه وبين موسى عليه السلام.

وبدأ قارون في البَغْي والطغيان حتى أخذه الله، وقال في حقه هذه الآيات: { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ... } [القصص: 76].

والبغي: تجاوز الحدّ في الظلم، خاصة وقد كان عنده من المال ما يُعينه على الظلم، وما يُسخِّر به الناس لخدمة أهدافه، وكأنه يمثل مركز قوة بين قومه، والبغي إما بالاستيلاء على حقوق الغير، أو باحتقارهم وازدرائهم، وإما بالبطر.

ثم يذكر حيثية هذا البغي: { وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ.. } [القصص: 76].

كلمة (مفاتح) كما في قوله تعالى:
{  وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ... }
[الأنعام: 59].

ولو قلنا: مفاتح جمع، فما مفردها؟ لا تقُلْ مفتاح؛ لأن مفتاح جمعها مفاتيح، أما مفاتح، فمفردها (مَفْتح) وهي آلة الفتح كالمفتاح، وهي على وزن (مبرد) فالمعنى: أن مفاتيح خزائنه لو حملتْها عصبة تنوء بها، وهذه كناية عن كثرة أمواله، نقول: ناء به الحِمْل، أو ناء بالحمل، إذا ثقُل عليه، ونحن لا نميز الخفيف من الثقيل بالعين أو اللمس أو الشم إنما لا بُدَّ من حملة للإحساس بوزنه.وقلنا: إن هذه الحاسة هي حاسة العَضَل، فالحملْ الثقيل يُجهد العضلة، فتشعر بالثقل، على خلاف على حملتَ شيئاً خفيفاً لا تكاد تشعر بوزنه لخفْته، ولو حاولتَ أنْ تجمع أوزاناً في حيز ضيق كحقيبة (هاندباج) فإن الثقل يفضحك؛ لأنك تنوء به.

والعُصْبة: هم القوم الذين يتعصَّبون لمبدأ من المبادئ بدون هَوىً بينهم، ومنه قول إخوة يوسف:
{  لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ... }
[يوسف: 8].

إنها كلمة حق خرجت من أفواههم دون قصد منهم؛ لأنهم فعلاً كانوا قوةً متعصبين بعضهم لبعض في مواجهة يوسف وأخيه، وكانا صغيرين لا قوةَ لهما ولا شوكة، وكانوا جميعاً من أم واحدة، ويوسف وأخوه من أم أخرى، فطبيعي أن يميل قلب يعقوب عليه السلام مع الضعيف.

وقالوا: العصبة من الثلاثة إلى العشرة، وقد حددهم القرآن بقوله:
{  إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً.. }
[يوسف: 4] وهم أخوته ومنهم بنيامين
{  وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ.. }
[يوسف: 4] أي: أباه وأمه. فمن هاتين الآيتين نستطيع تحديد العصبة.

وبهذا التفكير الذي يقوم على ضم الآيات بعضها إلى بعض حَلَّ الإمام علي - رضي الله عنه - مسألة تُعدُّ معضلة عند البعض، حيث جاءه مَنْ يقول له: تزوجت امرأة وولدتْ بعد ستة أشهر، ومعلوم أن المرأة تلد لتسعة أشهر، فلا بُدَّ أنها حملت قبل أنْ تتزوج.

فقال الإمام علي: أقل الحمل ستة أشهر، فقال السائل: ومن أين تأخذها يا أبا الحسن؟ قال: نأخذها من قوله تعالى:
{  وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً.... }
[الأحقاف: 15] وفي آية أخرى قال سبحانه:
{  وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ... }
[البقرة: 233].

يعني: أربعة وعشرين شهراً، وبطرح الأربعة والعشرين شهراً من الثلاثين يكون الناتج ستة أشهر، هي أقل مدة للحمل. وهكذا تتكاتف آيات القرآن، ويكمل بعضها بعضاً، ومن الخطأ أن نأخذ كل آية على حدة، ونفصلها عن غيرها في ذات الموضوع.

ثم يقول سبحانه: { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ... } [القصص: 76] والنهي هنا عن الفرح المحظور، فالفرح: انبساط النفس لأمر يسرُّ الإنسان، وفَرْق بين أمر يسرُّك؛ لأنه يُمتعك، وأمر يسرُّك لأنه ينفعك، فالمتعة غير المنفعة.

فمثلاً، مريض السكر قد يأكل المواد السكرية لأنها تُحدِث له متعة، مع أنها مضرة بالنسبة له، إذن: فالفرح ينبغي أن يكون بالشيء النافع، لأن الله تعالى لم يجعل المتعة إلا في النافع.

فحينما يقولون له { لاَ تَفْرَحْ.. } [القصص: 76] أي: فرح المتعة، وإنما الفرح بالشيء النافع، ولو لم تكن فيه متعة كالذي يتناول الدواء المر الذي يعود عليه بالشفاء، لذلك يقول تعالى:
{  قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ... }
[يونس: 58].

ويقول تعالى:
{  وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ... }
[الروم: 4-5] فسماه الله فرحاً؛ لأنه فرح بشيء نافع؛ لأن انتصار الدعوة يعني أن مبدءك الذي آمنتَ به، وحاربت من أجله سيسيطر وسيعود عليك وعلى العالم بالنفع.

ومن فرح المتعة المحظور ما حكاه القرآن:
{  فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ... }
[التوبة: 81] هذا هو فرح المتعة؛ لأنهم كارهون لرسول الله، رافضون للخروج معه، ويسرُّهم قعودهم، وتركه يخرج للقتال وحده.

فقوله تعالى: { لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } [القصص: 76] أي: فرح المتعة الذي لا ينظر إلى مَغبّة الأشياء وعواقبها، فشارب الخمر يشربها لما لها من متعة مؤقتة، لكن يتبعها ضرر بالغ، ونسمع الآن مَنْ يقول عن الرقص مثلاً؛ إنه فن جميل وفن رَاقٍ؛ لأنه يجد فيه متعة ما، لكن شرط الفن الجميل الراقي أن يظل جميلاً، لكن أنْ ينقلب بعد ذلك إلى قُبْح ويُورِث قبحاً، كما يحدث في الرقص، فلا يُعَدُّ جميلاً.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ... }.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net