سورة
اية:

إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ...} الآية. [56].
حدَّثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الشِّيرَازِي، قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن محمد بن خمرويه، قال: حدَّثنا علي بن محمد الخُزاعي، قال: حدَّثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، قال: أخبرني شُعَيب، عن الزّهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبيه، [أنه] قال:
لما حضرتْ أبا طالب الوفاةُ جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده: أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم، قل: لا إله إلا الله كلمة أحاجُّ لك بها عند الله سبحانه وتعالى. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: [يا أبا طالب] أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعاودانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم به: أنا على ملّة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك، فأنزل الله عز وجل: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} وأنزل في أبي طالب: { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} رواه البخاري عن أبي اليمان، [عن شعيب]؛ ورواه مسلم عن حَرْمَلَة، عن ابن وهب، عن يونس؛ [كلاهما] عن الزهري.
حدَّثنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم، قال: حدَّثنا الحسن بن محمد بن علي الشَّيْبَاني، قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، قال: حدَّثنا أبو عبد الرحمن بن بشر، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد عن يزيد بن كَيْسانَ، قال: حدَّثنا أبو حازم، عن أبي هريرة، قال:
قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة. قال: لولا أن تعيرني قريش - يقولون: إنه حمله على ذلك الجزع - لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى: { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} رواه مسلم عن محمد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد.
قال: سمعت أبا عثمان الحِيريَّ يقول: سمعت أبا الحسن بن مِقْسَم يقول: سمعت أبا إسحاق الزَّجَّاج يقول في هذه الآية: أجمع المفسرون أنها نزلت في أبي طالب.

تفسير بن كثير

يقول تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم: إنك يا محمد { لا تهدي من أحببت} أي ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ واللّه يهدي من يشاء، كما قال تعالى: { ليس عليك هداهم ولكن اللّه يهدي من يشاء} ، وقال تعالى: { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} . وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وقد كان يحوطه وينصره، ويقوم في صفه ويحبه حبا شديداً، فلما حضرته الوفاة دعاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الإيمان والدخول في الإسلام، فاستمر على ما كان عليه من الكفر، وللّه الحكمة التامة، روى الزهري عن المسيب بن حزن المخزومي رضي اللّه عنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد اللّه بن أبي أُمية بن المغيرة "فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (يا عم قل لا إله إلا اللّه كلمة أحاج لك بها عند اللّه)، فقال أبو جهل وعبد اللّه بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان عليه بتلك المقالة، حتى كان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا اللّه، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (واللّه لأستغفرن لك ما لم أنهَ عنك) فأنزل اللّه تعالى: { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} وأنزل في أبي طالب: { إنك لا تهدي من أحببت ولكن اللّه يهدي من يشاء} "أخرجه البخاري ومسلم"، وعن أبي هريرة قال: لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: (يا عماه قل لا إله إلا اللّه أشهد لك بها يوم القيامة) فقال: لولا أن تعيرني بها قريش يقولون ما حمله عليها إلا جزع الموت لأقررت بها عينك، لا أقولها إلا لأقر بها عينك، فأنزل اللّه تعالى: { إنك لا تهدي من أحببت ولكن اللّه يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} "أخرجه مسلم والترمذي". وقوله تعالى: { وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} يقول تعالى مخبراً عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى حيث قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: { إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} أي نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين، أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، قال اللّه تعالى مجيباً لهم: { أولم نمكن لهم حرماً آمنا} يعني هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل، لأن اللّه تعالى جعلهم في بلد أمين، وحَرَم معظَّم آمِن منذ وُضِعَ، فكيف يكون هذا الحرم آمنا لهم في حال كفرهم وشركهم. ولا يكون آمناً وقد أسلموا وتابعوا الحق؟ وقوله تعالى: { يجبى إليه ثمرات كل شيء} أي من سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره، وكذلك المتاجر والأمتعة { رزقا من لدنا} أي من عندنا { ولكن أكثرهم لا يعلمون} ولهذا قالوا ما قالوا.

تفسير الجلالين

ونزل في حرصه صلى الله عليه وسلم على إيمان عمه أبي طالب { إنك لا تهدي من أحببت } هدايته { ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم } عالم { بالمهتدين } .

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { إنك لا تهدي من أحببت} قال الزجاج : أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب. قلت : والصواب أن يقال أجمع جل المفسرين على أنها نزلت في شأن أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو نص حديث البخاري ومسلم، وقد تقدم الكلام في ذلك في التوبة قال أبو روق قوله { ولكن الله يهدي من يشاء} إشارة إلى العباس. وقاله قتادة. { وهو أعلم بالمهتدين} قال مجاهد : لمن قدر له أن يهتدي. وقيل : معنى { من أحببت} أي من أحببت أن يهتدي وقال جبير بن مطعم : لم يسمع أحد الوحى يلقى على النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر الصديق فإنه سمع جبريل وهو يقول : يا محمد اقرأ : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة القصص الايات 53 - 57

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا خطاب لسيدنا رسول الله، خاصٌّ بدعوته لعمه أبي طالب الذي ظلَّ على دين قومه، ولكنه كان يحمي رسول الله حماية عصبية قربى وأهل، لا محبة في الإسلام، ولله تعالى حكمة في أنْ يظلَّ أبو طالب على الكفر؛ لأنه بذلك كسب قريشاً ونال احترامهم، حيث أعجبهم عدم إيمانه بمحمد وعدم مجاملته له، وأعجبهم أن يظل على دين الآباء، فاحترموا حمايته لابن أخيه، وهذا منع عن رسول الله إيذاءهم، وحمى الدعوة من كثير من الاعتداءات عليها.

لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً على أنْ يردَّ له هذا الجميل، وردُّ رسول الله للجميل لا يكون بعرَض من الدنيا، إنما بشيء باقٍ خالد، فلما حضرت أبا طالب الوفاة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا عم، قُلْ لا إله إلا الله كلمة أشفع لك بها عند الله يوم القيامة " فقال: يا ابن أخي، لولا أن قريشاً تُعيِّرني بهذه الواقعة، ويقولون ما آمن إلا جزعاً من الموت لأقررت عينك بها.

لكن يُروى أنه بعدما انتقل أبو طالب، جاء العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا محمد، إن الكلمة التي طلبتَ من عمِّك أنْ يقولها قالها قبل أن يموت وأنا أشهد بها.

ونلاحظ هنا دقة الأداء من العباس، حيث لم يقُلْ: إن هذه الكلمة لا إله إلا الله، بل سماها (الكلمة) لماذا؟ لأنه لم يكن قد أسلم بعد.

وسبق أنْ تكلَّمنا في معنى الهداية { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ... } [القصص: 56] وقلنا: إنها تأتي بأحد معنيين: بمعنى الإرشاد والدلالة، وبمعنى المعونة لمن يؤمن بالدلالة، ومن ذلك قوله تعالى:
{  وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ }
[محمد: 17] أي: سمعوا الدلالة وأطاعوها، فزادهم الله هداية أخرى، هي هداية الإيمان والمعونة.

يقول تعالى في هذه المسألة:
{  وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ }
[فصلت: 17] يعني: دللناهم
{  فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ }
[فصلت: 17]؛ لذلك حُرموا هداية المعونة.

إذن: الهداية المنفية عن سيدنا رسول الله { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ... } [القصص: 56] هي هداية المعونة والتوفيق للإيمان؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هدى الجميع هداية الدالة والإرشاد، وكان مما قال:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ }
[الصف: 10].

فهداية الدلالة صدرت أولاً عن الله تعالى، ثم بالبلاغ من رسوله صلى الله عليه وسلم ثانياً.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ... }.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net