سورة
اية:

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ

تفسير بن كثير

قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة. وقوله: { تلك} أي هذه { آيات الكتاب المبين} أي الواضح الجلي الكاشف عن حقائق الأمور وعلم ما قد كان وما هو كائن، وقوله: { نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق} أي نذكر لك الأمر على ما كان عليه كأنك تشاهد وكأنك حاضر، ثم قال تعالى: { إن فرعون علا في الأرض} أي تكبر وتجبر وطغى، { وجعل أهلها شيعا} أي أصنافاً قد صرف كل صنف فيما يريد من أمور دولته، وقوله تعالى: { يستضعف طائفة منهم} يعني بني إسرائيل، وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم، هذا وقد سلط عليهم هذا الملك الجبار العنيد يستعملهم في أخس الأعمال، ويقتل مع هذا أبناءهم، ويستحيي نساءهم، إهانة لهم واحتقاراً وخوفاً من أن يوجد منهم غلام يكون سبب هلاكه وذهاب دولته على يديه، فاحترز فرعون من ذلك، وأمر بقتل ذكور بني إسرائيل، ولن ينفع حذر من قدر لأن أجل اللّه إذا جاء لا يؤخر ولكل أجل كتاب، ولهذا قال تعالى: { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } - إلى قوله - { يحذرون } وقد فعل تعالى ذلك بهم، كما قال تعالى: { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون } - إلى قوله - { يعرشون} ، وقال تعالى: { كذلك وأورثناها بني إسرائيل} أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من موسى، فما نفعه ذلك مع قدرة الإله العظيم الذي لا يخالف أمره ولا يغلب، بل نفذ حكمه في القدم بأن يكون هلاك فرعون على يديه، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده وقتلت بسببه ألوفاً من الولدان، إنما منشؤه ومرباه على فراشك، وفي دارك، وغذاؤه من طعامك، وأنت تربيه وتدللـه وتتفداه وحتفك وهلاكك وهلاك جنودك على يديه، لتعلم أن رب السماوات العلا هو القاهر الغالب العظيم، القوي العزيز الشديد المحال الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

تفسير الجلالين

{ إن فرعون علا } تعظم { في الأرض } أرض مصر { وجعل أهلها شيعاً } فرقاً في خدمته { يستضعف طائفة منهم } هم بنو إسرائيل { يذِّبح أبناءهم } المولودين { ويستحيي نساءَهم } يستبقيهن أحياء لقول بعض الكهنة له: إن مولوداً يولد في بني إسرائيل يكون سبب زوال ملكك { إنه كان من المفسدين } بالقتل وغيره.

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { طسم} تقدم الكلام فيه. { تلك آيات الكتاب المبين} { تلك} في موضع رفع بمعنى هذه تلك و { آيات} بدل منها. ويجوز أن يكون في موضع نصب بـ { نتلو} و { آيات} بدل منها أيضا؛ وتنصبها كما تقول : زيدا ضربت و { المبين} أي المبين بركته وخيره، والمبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وقصص الأنبياء، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ يقال : بان الشيء وأبان اتضح. { نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون} ذكر قصة موسى عليه السلام وفرعون وقارون، واحتج على مشركي قريش، وبين أن قرابة قارون من موسى لم تنفعه مع كفره، وكذلك قرابة قريش لمحمد، وبين أن فرعون علا في الأرض وتجبر، فكان ذلك من كفره، فليجتنب العلو في الأرض، وكذلك التعزز بكثرة المال، وهما من سيرة فرعون وقارون { نتلو عليك} أي يقرأ عليك جبريل بأمرنا { من نبأ موسى وفرعون} أي من خبرهما و { من} للتبعيض و { من نبأ} مفعول { نتلو} أي نتلو عليك بعض خبرهما؛ كقوله { تنبت بالدهن} النور 20 ومعنى { بالحق} أي بالصدق الذي لا ريب فيه ولا كذب { لقوم يؤمنون} أي يصدقون بالقرآن ويعلمون أنه من عند الله؛ فأما من لم يؤمن فلا يعتقد أنه حق قوله تعالى: { إن فرعون علا في الأرض} أي استكبر وتجبر؛ قاله ابن عباس والسدي وقال قتادة : علا في نقسه عن عبادة ربه بكفره وادعى الربوبية وقيل : بملكه وسلطانه فصار عاليا على من تحت يده { في الأرض} أي أرض مصر { وجعل أهلها شيعا} أي فرقا وأصنافا في الخدمة قال الأعشى : وبلدة يرهب الجواب دجلتها ** حتى تراه عليها يبتغى الشيعا { يستضعف طائفة منهم} أي من بني إسرائيل { يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم} تقدم القول في هذا في "البقرة" عند قوله { يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم} البقرة 49 الآية؛ وذلك لأن الكهنة قالوا له : إن مولودا يولد في بني إسرائيل يذهب ملكك على يديه، أو قال المنجمون له ذلك، أو رأى رؤيا فعبرت كذلك قال الزجاج : العجب من حمقه لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا ينفع، وإن كذب فلا معنى للقتل وقيل : جعلهم شيعا فاستسخر كل قوم من بني إسرائيل في شغل مفرد { إنه كان من المفسدين} أي في الأرض بالعمل والمعاصي والتجبر. قوله تعالى: { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض} أي نتفضل عليهم وننعم وهذه حكاية مضت { ونجعلهم أئمة} قال ابن عباس : قادة في الخير مجاهد : دعاة إلى الخير. قتادة : ولاة وملوكا؛ دليله قوله { وجعلكم ملوكا} المائدة 20 قلت: وهذا أعم فإن الملك إمام يؤتم به ومقتدى به. { ونجعلهم الوارثين} لملك فرعون؛ يرثون ملكه، ويسكنون مساكن القبط وهذا معنى قوله { وتمت كلمة ربك الحسني على بني إسرائيل بما صبروا} الأعراف 137 قوله تعالى: { ونمكن لهم في الأرض} أي نجعلهم مقتدرين على الأرض وأهلها حتى يُستولى عليها؛ يعني أرض الشام ومصر { ونري فرعون وهامان وجنودهما} أي ونريد أن نري فرعون وقرأ الأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف { ويرى} بالياء على أنه فعل ثلاثي من رأى { فرعون وهامان وجنودهما} رفعا لأنه الفاعل الباقون { نري} بضم النون وكسر الراء على أنه فعل وباعي من أري يري، وهي علي نسق الكلام؛ لأن قبله { ونريد} وبعده { ونمكن} { فرعون وهامان وجنودهما} نصبا بوقوع الفعل وأجاز الفراء { ويُرِيَ فرعون} بضم الياء وكسر الراء وفتح الياء ويري الله فرعون { منهم ما كانوا يحذرون} وذلك أنهم أخبروا أن هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل فكانوا على وجل { منهم} فأراهم الله { ما كانوا يحذرون} قال قتاد : كان حازيا لفرعون ـ والحازي المنجم ـ قال إنه سيولد في هذه السنة مولود يذهب بملكك؛ فأمر فرعون بقتل الولدان في تلك السنة وقد تقدم

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة القصص الايات 1 - 5


سورة القصص الايات 4 - 7

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

معنى { عَلاَ } [القصص: 4] من العلو أي: استعلى، والمستعلَى عليه هم رعيته، بل علا على وزرائه والخاصة من رعيته، وعلا حتى على الله ـ عز وجل ـ فادَّعى الألوهية، وهذا منتهى الاستعلاء، ومنتهى الطغيان والتكبُّر، وما دامت عنده هذه الصفات وهو بشر وله هوىً فلا بُدَّ أنْ يستخدمها في إذلال رعيته.

{ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً } [القصص: 4] جمع شيعة، وهي الطائفة التي لها استقلالها الخاص، والمفروض في المُمَلَّك أنْ يُسوِّي بين رعيته، فلا تأخذ طبقة أو جماعة حظوه عن الأخرى، أما فرعون فقد جعل الناس طوائف، ثم يسلِّط بعضها على بعض، ويُسخِّر بعضها لبعض.

ولا شكَّ أن جَعْل الأمة الواحدة عدة طوائف له مَلْحظ عند الفاعل، فمن مصلحته أن يزرع الخلاف بين هذه الطوائف ويشغل بعضها ببعض، فلا تستقر بينهم الأمور، ولا يتفرغون للتفكير فيما يقلقه ويهزّ عرشه من تحته، فيظل هو مطلوباً من الجميع.

والقبط كانوا هم سكان مصر والجنس الأساسي بها، ثم لما جاءها يوسف ـ عليه السلام ـ واستقرَّ به الأمر حتى صار على خزائنها، ثم جاء إخوته لأخْذ أقواتهم من مصر، ثم استقروا بها وتناسلوا إلا أنهم احتفظوا بهويتهم فلم يذوبوا في المجتمع القبطي.

وبالمناسبة يخطىء الكثيرون فيظنون أن القبطيَّ يعني النصراني وهذا خطأ، فالقطبي يعني المصري كجنس أساسي في مصر، لكن لما استعمرت الدولةُ الرومانية مصرَ كان مع قدوم المسيحية فأطلقوا على القبطي (مسيحي).

لكن، ما السبب في أن فرعون جعل الناس طوائف، تستعبد كلٌّ منها الأخرى؟ قالوا: لأن بني إسرائيل كانوا في خدمة المستعمر الذي أزاح حكم الفراعنة، وهم ملوك الرعاة، فلما طُرِد ملوك الرعاة من مصر كان طبيعياً فيمَنْ يحكم مصر أن يضطهد بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا موالين لأعدائه، ويسيرون في ركابهم، ومن هنا جاء اضطهاد فرعون لبني إسرائيل.

والقرآن الكريم حينما يتحدث عن ملوك مصر في القديم وفي الحديث يُسمِّيهم فراعنة، كما في قوله تعالى:
{  وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ }
[الفجر: 10].

وهنا في قصة موسى ـ عليه السلام ـ قال أيضاً: فرعون: أما في قصة يوسف عليه السلام فلم يأْتِ ذكْر للفراعنة، إنما قال
{  ٱلْمَلِكُ }
[يوسف: 43] وهذه من مظاهر الإعجاز في القرآن الكريم؛ لأن الحكم في مصر أيام يوسف كان لملوك الرعاة، ولم يكُنْ للفراعنة، حيث كانوا يحكمون مصر قبله وبعده لما استردوا مُلْكهم من ملوك الرُّعاة؛ لذلك في عهد يوسف بالذات قال
{  ٱلْمَلِكُ }
[يوسف: 50] فلم يكُنْ للفرعون وجود في عصر يوسف.

فمعنى { سْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ } [القصص: 4] يعني: تستبد طائفة الأقباط، وهم سكان مصر الأصليون بطائفة بني إسرائيل لينتقموا منهم جزاءَ موالاتهم لأعدائهم.

وأول دليل على بطلان ألوهية فرعون أن يجعل أمته شِيَعاً، لأن المألوهين ينبغي أن يكونوا جميعاً عند الإله سواء؛ لذلك يقول تعالى في الحديث عن موكب النبوات:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ }
[الأنعام: 159].

ذلك لأن دين الله واحد، وأوامره واحدة للجميع، فلو كنتم مُتمسِّكين بالدين الحق لجعلتُم الناس جميعاً شيعة واحدة، لا يكون لبعضهم سلطة زمنية على الآخرين، فإذا رأيت في الأمة هذه التفرقة وهذا التحزُّب فاعلم أنهم جميعاً مدينون؛ لأن الإسلام ـ كما قُلْنا ـ في صفائه كالماء الذي لا طعمَ له، ولا لون، ولا رائحة.

وهذا الماء يحبه الجميع ولا بُدَّ لهم منه لاستبقاء حياتهم، أما أن نُلوِّن هذا الماء بما نحب، فأنت تحب البرتقال، وأنا أحب المانجو. وهذا يحب الليمون.. إلخ إذن: تدخلتْ الأهواء، وتفرَّق الدين الذي أراده الله مجتمعاً.

لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ستفترق أمتي بِضْع وستون، أو بضع وسبعون فرقة، كلُّهم في النار إلا ما أنا عليه وأصحابي ".

فشيعة الإسلام إذن واحدة، أما أن نرى على الساحة عشرات الفِرَق والشِّيَع والجماعات، فأيّها يتبع المسلم؟ إذن: ما داموا قد فرَّقوا دينهم، وكانوا شِيعاً فلسْتَ منهم في شيء.

ثم يُفسِّر الحق سبحانه هذا الاستضعاف { يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ } [القصص: 4] فيقول { يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ } [القصص: 4] وقلنا: إن الإفساد أن تأتي على الصالح بذاته فتفسده، فمن الفساد ـ إذن ـ قتْل الذُّكْران واستحياء النساء؛ لأن حياة الناس لا تقوم إلا باستبقاء النوع، فقتل الذّكْران يمنع استبقاء النوع، واختار قَتْل الذكْران: لأنهم مصدر الشر بالنسبة له، أمّا النساء فلا شوكة لهُنَّ، ولا خوفَ منهن؛ لذلك اتسبقاهُنَّ للخدمة وللاستذلال.

وحين نتتبع هذه الآية نجد أنها جاءت في مواضع ثلاثة من كتاب الله، لكل منها أسلوب خاص، ففي الآية الأولى يقول تعالى:
{  وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ }
[البقرة: 49].

وفي موضع آخر:
{  يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ }
[الأعراف: 141] وهاتان الآيتان على لسان الحق تبارك وتعالى.

أما الأخرى فحكاية من الله على لسان موسى ـ عليه السلام ـ حين يُعدِّد نِعَم الله تعالى على بني إسرائيل، فيقول:


{  ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ }
[إبراهيم: 6].

فالواو في
{  وَيُذَبِّحُونَ }
[إبراهيم: 6] لم ترد في الكلام على لسان الله تعالى، إنما وردتْ في كلام موسى؛ لأنه في موقف تَعداد نِعَم الله على قومه وقصده؛ لأن يُضخِّم نعم الله عليهم ويُذكِّرهم بكل النعم، فعطف على
{  يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ }
[إبراهيم: 6] قوله
{  وَيُذَبِّحُونَ }
[إبراهيم: 6].

لكن حين يتكَلَّم الله تعالى فلا يمتنُّ إلا بالشيء الأصيل، وهو قتْل الأولاد واستحياء النساء؛ لأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ لا يمتنّ بالصغيرة، إنما يمتنُّ بالشيء العظيم، فتذبيح الأبناء واستحياء النساء هو نفسه سوء العذاب.

وقوله مرة
{  يُذَبِّحُونَ }
[البقرة: 49] ومرة
{  يُقَتِّلُونَ }
[الأعراف: 141] لأن قتل الذّكْران أخذ أكثر من صورة، فمرَّة يُذبِّحونهم ومرة يخنقونهم.

ومعنى:
{  يَسُومُونَكُمْ }
[الأعراف: 141] من السَّوْم، وهو أنْ تطلب الماشية المرعى، فنتركها تطلبه في الخلاء، وتلتقط رزقها بنفسها لا نقدمه نحن لها، وتسمى هذه سائمة، أما التي نربطها ونُقدِّم لها غذاءها فلا تُسمَّى سائمة.

فالمعنى
{  يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ }
[الاعراف: 141] يعني: يطلبون لكم سوء العذاب، وما داموا كذلك فلا بُدَّ أنْ يتفنَّنوا لكم فيه.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ }


www.alro7.net