سورة
اية:

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ...} الآية. [39].
قال المفسرون: كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يزالون يجيئون من بين مضروب ومَشْجُوج، فشكوهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [فيقول لهم: اصبوا فإني لم أومر بالقتال، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم]. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال ابن عباس:
لما أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، قال أبو بكر رضي الله عنه: إنا لله [وإنا إليه راجعون] لنهلكن، فأنزل الله تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال.

تفسير بن كثير

قال ابن عباس: نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة، وقال مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف: هذه أول آية نزلت في الجهاد، وقال ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم إنا للّه وإنا إليه راجعون ليهلكن، قال ابن عباس: فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} ، قال أبو بكر رضي اللّه عنه: فعرفت أنه سيكون قتال، زاد أحمد: وهي أول آية نزلت في القتال ""أخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن"". وقوله: { وإن اللّه على نصرهم لقدير} أي هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبذلوا جهدهم في طاعته كما قال: { ذلك ولو يشاء اللّه لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض، والذين قتلوا في سبيل اللّه فلن يضل أعمالهم} ، وقال تعالى: { قاتلوهم يعذبهم اللّه بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} ، وقال: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم اللّه الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} ، وقال: { ولنبلوكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} والآيات في هذا كثيرة، ولهذا قال ابن عباس في قوله: { وإن اللّه على نصرهم لقدير} وقد فعل، وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عدداً، فلو أمر المسلمون وهم أقل بقتال الباقين لشق عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكانوا نيفاً وثمانين قالوا: يا رسول اللّه ألا نميل على أهل الوادي، يعنون أهل منى ليالي منى فنقتلهم؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إني لم أومر بهذا)، فلما بغى المشركون وأخرجوا النبي صلى اللّه عليه وسلم من بين أظهرهم، وهموا بقتله وشردوا أصحابه، فلما استقروا بالمدينة وصارت لهم دار إسلام، ومعقلاً يلجئون إليه، شرع اللّه جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن اللّه على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} قال ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق يعني محمداً وأصحابه، { إلا أن يقولوا ربنا اللّه} أي ما كان لهم إساءة ولا ذنب، إلا أنهم وحدوا اللّه وعبدوه لا شريك له، كما قال تعالى: { يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا باللّه ربكم} ، وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد} . ثم قال تعالى: { ولولا دفع اللّه الناس بعضهم ببعض} أي لولا أنه يدفع بقوم عن قوم، ويكف شرور أناس عن غيرهم، بما يخلقه ويقدره من الأسباب لفسدت الأرض، ولأهلك القوي الضعيف، { لهدمت صوامع} وهي المعابد للرهبان قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم وقال قتادة: هي معابد الصابئين، وفي رواية عنه: صوامع المجوس، { وبيع} وهي أوسع منها وهي للنصارى أيضاً، وحكى ابن جبير عن مجاهد وغيره: أنها كنائس اليهود، وعن ابن عباس: أنها كنائس اليهود، وقوله: { وصلوات} قال ابن عباس: الصلوات الكنائس، وكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة: إنها كنائس اليهود وهم يسمونها صلوات، وحكى السدي عن ابن عباس: أنها كنائس النصارى، وقال أبو العالية وغيره: الصلوات معابد الصابئين. وقال مجاهد: الصلوات مساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام بالطرق، وأما المساجد فهي للمسلمين. وقوله: { يذكر فيها اسم اللّه كثيرا} ، فقد قيل: الضمير في قوله: { يذكر فيها} عائد إلى المساجد لأنها أقرب المذكورات، وقال الضحاك: الجميع يذكر فيها اللّه كثيراً، وقال ابن جرير: الصواب لهدمت صوامع الرهبان وبيع النصارى وصلوات اليهود وهي كنائسهم ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم اللّه كثيراً، لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب. وقال بعض العلماء: هذا تَرَقٍ من الأقل إلى الأكثر إلى أن انتهى إلى المساجد، وهي أكثر عُمّاراً وأكثر عبَّاداً، وهم ذوو القصد الصحيح. وقوله: { ولينصرن اللّه من ينصره} ، كقوله تعالى: { إن تنصروا اللّه ينصركم ويثبت أقدامكم} ، وقوله: { إن اللّه لقوي عزيز} وصف نفسه بالقوة والعزة؛ فبقوته خلق كل شيء فقدره تقديراً وبعزته لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب، بل كل شيء ذليل لديه فقير إليه، ومن كان القوي العزيز ناصره فهو المنصور، وعدوه هو المقهور، قال اللّه تعالى: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} ، وقال تعالى: { كتب اللّه لأغلبن أنا ورسلي إن اللّه لقوي عزيز} .

تفسير الجلالين

{ أذن للذين يقاتلون } أي للمؤمنين أن يقاتلوا، وهذه أول آية نزلت في الجهاد { بأنهم } أي بسبب أنهم { ظلموا } لظلم الكافرين إياهم { وإن الله على نصرهم لقدير } .

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى { أذن للذين يقاتلون} قيل : هذا بيان قوله { إن الله يدافع عن الذين آمنوا} أي يدفع عنهم غوائل الكفار بأن يبيح لهم القتال وينصرهم؛ وفيه إضمار، أي أذن للذين يصلحون للقتال في القتال؛ فحذف لدلالة الكلام على المحذوف. وقال الضحاك : استأذن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار إذ آذوهم بمكة؛ فأنزل الله { إن الله لا يحب كل خوان كفور} فلما هاجر نزلت { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} . وهذا ناسخ لكل ما في القرآن من إعراض وترك صفح. وهي أول آية نزلت في القتال. قال ابن عباس وابن جبير : نزلت عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وروى النسائي والترمذي عن ابن عباس قال : (لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم ليهلكن؛ فأنزل الله تعالى { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} فقال أبو بكر : لقد علمت أنه سيكون قتال). فقال : هذا حديث حسن. وقد روى غير واحد عن سفيان عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير مرسلا، ليس فيه : عن ابن عباس. الثانية: في هذه الآية دليل على أن الإباحة من الشرع، خلافا للمعتزلة؛ لأن قوله { أذن} معناه أبيح؛ وهو لفظ موضوع في اللغة لإباحة كل ممنوع. وقد تقدم هذا المعنى في { البقرة} وغير موضع. وقرئ { أذن} بفتح الهمزة؛ أي أذن الله. { يقاتلون} بكسر التاء أي يقاتلون عدوهم. وقرئ { يقاتلون} بفتح التاء؛ أي يقاتلهم المشركون وهم المؤمنون. ولهذا قال { بأنهم ظلموا} أي أخرجوا من ديارهم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 38 - 40

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ودفاع الحق سبحانه عن الحق يأخذ صوراً متعددة، فأول هذا الدفاع: أنْ أَذِن لهم في أنْ يقاتلوا. ثانياً: أمرهم بإعداد القوة للقتال:
{  وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ.. }
[الأنفال: 60].

والمراد أنْ يأخذوا بكل أسباب النصر على عدوهم، وأن يستنفدوا كل ما لديهم من وسائل، فإنِ استنفدتم وسائلكم، أتدخَّل أنا بجنود من عندي لا ترونها، فليس معنى أن الله يدافع عن الذين آمنوا أن تدخُلَ السماء لحمايتهم وهم جالسون في بيوتهم، لا إنما يأخذون بأسباب القوة ويسعَوْنَ ويبادرون هم أولاً إلى أسباب النصر.

ومعنى { أُذِنَ.. } [الحج: 39] أنهم كانوا ينتظرون الأمر بالقتال، ويستشرفون للنصر على الأعداء، لكن لم يُؤذَن لهم في ذلك، فلما أراد الله لهم أنْ يقاتلوا أَذن لهم فيه، فقال تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } [الحج: 39].

وعِلّة القتال أنهم ظُلِموا، لذلك أمرهم ربهم - تبارك وتعالى - أنْ يقاتلوا، لكن لا يعتدوا، كما قال سبحانه:
{  وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ * وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ.. }
[البقرة: 190 - 191].

إذن: أمرهم أولاً بالصبر، وفي المرحلة الأولى بأنْ يقاتلوا لِردِّ العدوان، وللدفاع عن أنفسِهم دون أنْ يعتدوا، وفي المرحلة الثانية سيقول لهم:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ }
[التوبة: 123].

وقوله تعالى: { وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } [الحج: 39] بأسباب يُمكِّنهم منها، أو بغير أسباب فتأتيهم قوة خفية لا يروْنها، وقد رأوا نماذج من ذلك فعلاً.

ثم يقول الحق سبحانه: { ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ.. }

.


www.alro7.net