سورة
اية:

ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى آمراً نبيه محمداً صلى اللّه عليه وسلم أن يدعو بهذا الدعاء عند حلول النقم { رب إما ترينّي ما يوعدون} أي إن عاقبتهم وأنا أشاهد ذلك فلا تجعلني فيهم؛ كما جاء في الحديث: (وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون) ""أخرجه أحمد والترمذي وصححه"". وقوله تعالى: { وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون} أي لو شئنا لأريناك ما نحل بهم من النقم والبلاء والمحن، ثم قال تعالى مرشداً له إلى الطريق النافع في مخالطة الناس وهو الإحسان إلى من يسيء إليه ليستجلب خاطره، فتعود عداوته صداقة وبغضه محبة، فقال تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن السيئة} ، وهذا كما قال: { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} ، وقوله تعالى: { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} أمره اللّه أن يستعيذ من الشياطين لأنهم لا تنفع معهم الحيل، ولا ينقادون بالمعروف، وفي الصحيح: (أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه). وقوله تعالى: { وأعوذ بك رب أن يحضرون} أي في شيء من أمري، ولهذا أمر بذكر اللّه في ابتداء الأمور، وذلك لطرد الشيطان عند الأكل والجماع والذبح وغير ذلك من الأمور، ولهذا روي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من الهدم، ومن الغرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت)""أخرجه أبو داود في سننه"". وروى الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعلمنا كلمات يقولهن عند النوم من الفزع: (باسم اللّه، أعوذ بكلمات اللّه التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون) قال: فكان عبد اللّه بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيراً لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه. ""ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حسن غريب"".

تفسير الجلالين

{ أدفع بالتي هي أحسن } أي الخصلة من الصفح والإعراض عنهم { السيئة } أذاهم إياك وهذا قبل الأمر بالقتال { نحن أعلم بما يصفون } يكذبون ويقولون فنجازيهم عليه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن السَّيِّئَة } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ : ادْفَعْ يَا مُحَمَّد بِالْخَلَّةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَن , وَذَلِكَ الْإِغْضَاء وَالصَّفْح عَنْ جَهَلَة الْمُشْرِكِينَ وَالصَّبْر عَلَى أَذَاهُمْ , وَذَلِكَ أَمْره إِيَّاهُ قَبْل أَمْره بِحَرْبِهِمْ , وَعَنَى بِالسَّيِّئَةِ : أَذَى الْمُشْرِكِينَ إِيَّاهُ وَتَكْذِيبهمْ لَهُ فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , يَقُول لَهُ تَعَالَى ذِكْره : اصْبِرْ عَلَى مَا تَلْقَى مِنْهُمْ فِي ذَات اللَّه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19406 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن السَّيِّئَة } قَالَ : أَعْرِضْ عَنْ أَذَاهُمْ إِيَّاكَ . 19407 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيّ , عَنْ مُجَاهِد : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن السَّيِّئَة } قَالَ : هُوَ السَّلَام , تُسَلِّم عَلَيْهِ إِذَا لَقِيته . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ عَبْد الْكَرِيم , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 19408 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا هَوْذَة , قَالَ : ثنا عَوْف , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن السَّيِّئَة } قَالَ : وَاللَّه لَا يُصِيبهَا صَاحِبهَا حَتَّى يَكْظِم غَيْظًا وَيَصْفَح عَمَّا يَكْرَه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن السَّيِّئَة } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ : ادْفَعْ يَا مُحَمَّد بِالْخَلَّةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَن , وَذَلِكَ الْإِغْضَاء وَالصَّفْح عَنْ جَهَلَة الْمُشْرِكِينَ وَالصَّبْر عَلَى أَذَاهُمْ , وَذَلِكَ أَمْره إِيَّاهُ قَبْل أَمْره بِحَرْبِهِمْ , وَعَنَى بِالسَّيِّئَةِ : أَذَى الْمُشْرِكِينَ إِيَّاهُ وَتَكْذِيبهمْ لَهُ فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , يَقُول لَهُ تَعَالَى ذِكْره : اصْبِرْ عَلَى مَا تَلْقَى مِنْهُمْ فِي ذَات اللَّه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19406 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن السَّيِّئَة } قَالَ : أَعْرِضْ عَنْ أَذَاهُمْ إِيَّاكَ . 19407 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيّ , عَنْ مُجَاهِد : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن السَّيِّئَة } قَالَ : هُوَ السَّلَام , تُسَلِّم عَلَيْهِ إِذَا لَقِيته . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ عَبْد الْكَرِيم , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 19408 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا هَوْذَة , قَالَ : ثنا عَوْف , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن السَّيِّئَة } قَالَ : وَاللَّه لَا يُصِيبهَا صَاحِبهَا حَتَّى يَكْظِم غَيْظًا وَيَصْفَح عَمَّا يَكْرَه . ' وَقَوْله : { نَحْنُ أَعْلَم بِمَا يَصِفُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : نَحْنُ أَعْلَم بِمَا يَصِفُونَ اللَّه بِهِ , وَيَنْحَلُونَهُ مِنَ الْأَكَاذِيب وَالْفِرْيَة عَلَيْهِ , وَبِمَا يَقُولُونَ فِيك مِنَ السُّوء , وَنَحْنُ مُجَازُوهُمْ عَلَى جَمِيع ذَلِكَ , فَلَا يَحْزُنك مَا تَسْمَع مِنْهُمْ مِنْ قَبِيح الْقَوْل .وَقَوْله : { نَحْنُ أَعْلَم بِمَا يَصِفُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : نَحْنُ أَعْلَم بِمَا يَصِفُونَ اللَّه بِهِ , وَيَنْحَلُونَهُ مِنَ الْأَكَاذِيب وَالْفِرْيَة عَلَيْهِ , وَبِمَا يَقُولُونَ فِيك مِنَ السُّوء , وَنَحْنُ مُجَازُوهُمْ عَلَى جَمِيع ذَلِكَ , فَلَا يَحْزُنك مَا تَسْمَع مِنْهُمْ مِنْ قَبِيح الْقَوْل .'

تفسير القرطبي

قوله { ادفع بالتي هي أحسن السيئة} أمر بالصفح ومكارم الأخلاق؛ فما كان منها لهذه الأمة فيما بينهم فهو محكم باق في الأمة أبدا. وما كان فيها من موادعة الكفار وترك التعرض لهم والصفح عن أمورهم فمنسوخ بالقتال. { نحن أعلم بما يصفون} أي من الشرك والتكذيب. وهذا يقتضي أنها آية موادعة، والله تعالى أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المؤمنون الايات 93 - 101

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ ٱدْفَعْ.. } [المؤمنون: 96] تدل على المدافعة يعني: أمامك خصم يهاجمك، يريد أن يؤذيك، وعليك أن تدفعه عنك، لكن دَفْع بالتي هي أحسن أي: بالطريقة أو الحال التي هي أحسن، فإنْ أخذك بالشدة فقابِلْه باللين، فهذه هي الطريقة التي تجمع الناس على دعوتك وتؤلِّفهم من حولك.

كما جاء في قوله تعالى:
{  وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ.. }
[آل عمران: 159].

فإنْ أردتَ أن تعطفهم نحوك فادفع بالتي هي أحسن، ومن ذلك الموقف الذي حدث من رسول الله يوم الفتح، يوم أنْ مكّنه ربه من رقاب أعدائه، ووقف أمامهم يقول: " يا معشر قريش، ما تظنون أنَّي فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: " اذهبوا فأنتم الطلقاء ".

ونلحظ أنهم كلموه بما يستميل قلبه ويعطفه نحوهم، وذكَّروه بأواصر القرابة والرحم، وحدَّثوه بما يُحنِّن قلبه، ولقّنوه ما ينتفعون هم به: أخ كريم وابن أخ كريم، ولم يقولوا مثلاً: أنت قائد منتصر تستطيع أن تفعل بنا ما تشاء.

وفعلاً كان من هؤلاء ومن ذرياتهم نصراء للإسلام وأعوان لدعوة رسول الله.

وقصة فضالة الذي كان يبغض رسول الله، حتى قال قبل الفتح: والله ما أحد أبغض إلىَّ من محمد، وقد زاد غيظه من رسول الله حينما رآه يدخل مكة ويُحطِّم الأصنام، فأراد أنْ يشقَّ الصفوف إليه ليقتله، وبعدها قال: " فو الله، ما وضعتُ يدي عليه حتى كان أحب خَلْق الله إلىَّ ".

لكن ماذا ندفع؟ ندفع (السيئة). ونلحظ هنا أن ربنا - تبارك وتعالى - يدعونا أن ندفع السيئة بالتي هي أحسن، لا بالحسن؛ لأن السيئة يقابلها الحسنة، إنما ربك يريد أن يرتقي بك في هذا المجال، فيقول لك: ادفع السيئة بالأحسن.

وفي موضع آخر يعطينا ثمرة هذا التصرُّف الإيماني:
{  فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ }
[فصلت: 34] ولو تأملتَ معنى هذه الآية لوجدتَ أن المجازاة من الله، وليست ممّنْ عاملْتَه هذه المعاملة؛ لأن الله تعالى يقول:
{  كَأَنَّهُ.. }
[فصلت: 34] ولم يقل: يصبح لك ولياً حميماً.

ذلك لأنك حين تدفع بالتي هي أحسن يخجل منك صاحبك، ويندم على إساءته لك، ويحاول أنْ يُعوِّضك عنها فيما بعد، وألاَّ يعود إلى مثلها مرة أخرى، لكنه مع كل هذا لا يُسمَّى ولياً حميماً، إنما هو ولي وحميم؛ لأنه كان سبباً في أنْ يأخذك ربك إلى جانبه، ويتولاك ويدافع عنك.

لذلك لما شتم أحدهم الحسن البصري وسبَّه في أحد المجالس، وكان في وقت رُطَب البلح أرسل الحسن إليه طبقاً من الرُّطَب وقال لخادمه: اذهب به إلى فلان وقُلْ له: لم يجد سيدي أثمن من هذا يهديه إليك، وقد بلغه أنك أهديت إليه حسناتك بالأمس، وهي بلا شك أعظم من هديتي تلك.إذن: من الغباء أن نتناول الآخرين بالهَمْز واللمز والطعن والغيبة؛ فإنك بهذا الفعل كأنك أهديتَ لعدوك حسناتك، وأعطيتَ أعظم ما تملك لأبغض الناس إليك.

ألاَ ترى موقف الأب حين يقسو على ولده، فيستسلم له الولد ويخضع، أو يظلمه أخوه فيتحمل ظُلْمه ولا يقابله بالمثل، ساعتها يحنو الأب على ولده، ويزداد عطفاً عليه، ويحرص على ترضيته، كذلك يعامل الحق - تبارك وتعالى - العباد فيما بينهم من معاملات - ولله المثل الأعلى. لذلك قلنا: لو علم الظالم ما أعده الله للمظلوم من الجزاء لَضنَّ عليه بالظلم؛ لأنه سيظلمه من ناحية، ويُرضيه الله من ناحية أخرى.

ويقال: إنه كان عند أحد الملوك رجل يُنفِّس فيه الملك عن نفسه، فإنْ غضب استدعى هذا الرجل وراح يشتم فيه ويسبُّه أمام الناس حتى يهدأ، فإذا أراد أن ينصرف الرجل أخذه على انفراد وأعطاه كيساً من المال، وفي أحد الأيام احتاج هذا الرجل إلى مال ليقضي أمراً عنده، فحاول أنْ يتمحّك ليصل إلى الملك، ثم قال له: ألستَ في حاجة لأنْ تشتمني اليوم؟

فمسألتنا بهذا الشكل، إذن: ما عليك إلا أنْ تدفع بالتي هي أحسن، فإنْ صادفتَ من صاحبك مودة وصفاءً، وإلا فجزاءُ الله لك أوسع، وعطاؤه أعظم، وما أجمل قول الشاعر حين عبَّر عن هذا المعنى:
يا مَنْ تُضَايِقه الفِعَال مِنَ التي ومِنَ الذيِ   ادْفَعْ فدَيْتُكَ بالتي حَتَّى تَرَى فَإذَا الذِي
يعني: إن أردتَ الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم؛ فاعمل بالتي هي أحسن.

ثم يقول سبحانه: { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ } [المؤمنون: 96] معناه: أنت يا محمد تأخذ بحقك من هؤلاء إذا كنا نحن لا نعرف ما يفعلونه بك، لكن الحال أننا نعرفه جيداً ونحصيه عليهم، وقد أعددنا لهم الجزاء المناسب، فدَعْ هذه المسألة لنا ولا تشغل نفسك بها.

وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد أن يُنزِّه ذات رسوله صلى الله عليه وسلم من انفعالات الغضب، وألاّ ينشغل حتى بمجرد الانفعال؛ لأنه حين يتعرّض لك شخص بسيئة تريد أن تجمع نفسك لترد عليه، وخصوصاً إذا كان هذا الرد مخالفاً لطبْعِك الحسن وخُلُقك الجميل، فكأنه يكلفك شيئاً فوق طاقتك.

فالله تعالى يريد أن يرحم نبيه وأن يريحه: دَعْكَ منهم، وفوِّض أمرهم إلينا، فنحن أعلم بما يصفون أي: بما يكذبون في حقك.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ }.


www.alro7.net