سورة
اية:

قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { وما منع الناس} أي أكثرهم، { أن يؤمنوا} ويتابعوا الرسل، إلا استعجابهم من بعثة البشر رسلاً كما قال تعالى: { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس} ؟ وقال تعالى: { ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا} الآية. وقال فرعون وملؤه: { أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} ؟ وكذلك قالت الأمم لرسلهم: { إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين} ، والآيات في هذا كثيرة، ثم قال تعالى منبهاً على لطفه ورحمته بعباده، أنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم، ليفقهوا عنه ويفهموا منه، لتمكنهم من مخاطبته ومكالمته، ولو بعث إلى البشر رسولاً من الملائكة لما استطاعوا مواجهته، ولا الأخذ عنه، كما قال تعالى: { كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} ، ولهذا قال ههنا: { قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين} أي كما أنتم فيها { لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} أي من جنسهم، ولمّا كنتم أنتم بشراً بعثنا فيكم رسلنا منكم لطفاً ورحمة.

تفسير الجلالين

{ قل } لهم { لو كان في الأرض } بدل البشر { ملائكة يمشون مطمئنين لنزّلنا عليهم من السماء ملكا رسولاً } إذ لا يرسل إلى قوم رسول إلا من جنسهم ليمكنهم مخاطبته والفهم عنه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْض مَلَائِكَة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء مَلَكًا رَسُولًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَبَوْا الْإِيمَان بِك وَتَصْدِيقك فِيمَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي , اِسْتِنْكَارًا لِأَنْ يَبْعَث اللَّه رَسُولًا مِنْ الْبَشَر : لَوْ كَانَ أَيّهَا النَّاس فِي الْأَرْض مَلَائِكَة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ , لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء مَلَكًا رَسُولًا , لِأَنَّ الْمَلَائِكَة إِنَّمَا تَرَاهُمْ أَمْثَالهمْ مِنْ الْمَلَائِكَة , وَمَنْ خَصَّهُ اللَّه مِنْ بَنِي آدَم بِرُؤْيَتِهَا , فَأَمَّا غَيْرهمْ فَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى رُؤْيَتهَا فَكَيْف يَبْعَث إِلَيْهِمْ مِنْ الْمَلَائِكَة الرُّسُل , وَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى رُؤْيَتهمْ وَهُمْ بِهَيْئَاتِهِمْ الَّتِي خَلَقَهُمْ اللَّه بِهَا , وَإِنَّمَا يُرْسِل إِلَى الْبَشَر الرَّسُول مِنْهُمْ , كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْأَرْض مَلَائِكَة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ , ثُمَّ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رَسُولًا أَرْسَلْنَاهُ مِنْهُمْ مَلَكًا مِثْلهمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْض مَلَائِكَة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء مَلَكًا رَسُولًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَبَوْا الْإِيمَان بِك وَتَصْدِيقك فِيمَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي , اِسْتِنْكَارًا لِأَنْ يَبْعَث اللَّه رَسُولًا مِنْ الْبَشَر : لَوْ كَانَ أَيّهَا النَّاس فِي الْأَرْض مَلَائِكَة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ , لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء مَلَكًا رَسُولًا , لِأَنَّ الْمَلَائِكَة إِنَّمَا تَرَاهُمْ أَمْثَالهمْ مِنْ الْمَلَائِكَة , وَمَنْ خَصَّهُ اللَّه مِنْ بَنِي آدَم بِرُؤْيَتِهَا , فَأَمَّا غَيْرهمْ فَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى رُؤْيَتهَا فَكَيْف يَبْعَث إِلَيْهِمْ مِنْ الْمَلَائِكَة الرُّسُل , وَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى رُؤْيَتهمْ وَهُمْ بِهَيْئَاتِهِمْ الَّتِي خَلَقَهُمْ اللَّه بِهَا , وَإِنَّمَا يُرْسِل إِلَى الْبَشَر الرَّسُول مِنْهُمْ , كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْأَرْض مَلَائِكَة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ , ثُمَّ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رَسُولًا أَرْسَلْنَاهُ مِنْهُمْ مَلَكًا مِثْلهمْ .'

تفسير القرطبي

أعلم الله تعالى أن الملك إنما يرسل إلى الملائكة؛ لأنه لو أرسل ملكا إلى الآدميين لم يقدروا أن يروه على الهيئة التي خلق عليها، وإنما أقدر الأنبياء على ذلك وخلق فيهم ما يقدرون به، ليكون ذلك آية لهم ومعجزة. وقد تقدم في الأنعام نظير هذه الآية؛ وهو قوله { وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون. ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا} [الأنعام : 9] وقد تقدم الكلام فيه.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ قُلْ } أي: رَدَّاً عليهم: لو أن الملائكة يمشون في الأرض مطمئنين لَنزَّلنا عليهم مَلَكاً رسولاً لكي يكون من طبيعتهم، فلا بُدَّ أنْ يكون المبلِّغ من جنس المبلَّغ، وهذا واضح في حديث جبريل الطويل حينما جاء إلى رسول الله يسأله عن بعض أمور الدين لِيُعلم الصحابة: ما الإحسان؟ ما الإيمان؟ ما الإسلام. فيأتي جبريل مجلس رسول الله في صورة رجل من أهل البادية، وبعد أنْ أدَّى مهمته انصرف دون أنْ يشعر به أحد، فلما سألوا عنه قال لهم رسول الله: " إنه جبريل، أتاكم لِيُعلِّمكم أمور دينكم ".

شيء آخر يقتضي بشرية الرسول، وهو أن الرسول أسوة سلوك لقومه، كما قال تعالى:
{  لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.. }
[الأحزاب: 21]

وبالله، كيف تتم هذه الأسوة؟ وكيف يقتدي الناس بها إنْ كان الرسول مَلَكاً؟

فالرسول عندما يُبلِّغ منهج الله عليه أنْ يُطبّق هذا المنهج في نفسه أولاً، فلا يأمرهم أمراً، وهو عنه بِنَجْوَة، بل هو إمامهم في القول والعمل.

لذلك فالحاكم الحق الناصح يُطبّق القانون عليه أولاً، فكان سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ إذا أراد أن يُقنّن قانوناً ويرى أنه سيتعب بعض الظالمين والمنحرفين فيجمع أهله ويخبرهم بما أراد، ثم يُحذّرهم من المخالفة: " فو الذي نفسي بيده، مَنْ خالفني منكم إلى شيء لأجعلنّه نكَالاً للمسلمين، وأنا أول مَنْ أُطبِّقه على نفسي ".

لذلك حكم عمر الفاروق الدنيا كلها في عصره، ولما رآه الرجل نائماً مطمئناً تحت شجرة قال قولته المشهورة: " حكمتَ، فعدلْتَ، فأمنت، فنمْتَ يا عمر " وعمر ما حكم الدنيا والبشر، بل حكم نفسه أولاً فحُكمت له الدنيا؛ لأن الحاكم هو مركز الدائرة، وحَواليْه دوائر أخرى صغيرة تراه وتقتدي به، فإنْ رأوه مستقيماً استقاموا، ولم يجرؤ أحد منهم على المخالفة، وإنْ رأوْه منحرفاً فاقوه في المخالفة، وأفسدوا أضعاف ما يُفسد.

لذلك، لا يمكن أبداً لحاكم أن يحكم إلا إذا حكم نفسه أولاً، بعدها تنقاد له رعيته ويكونون طوعاً لأمره دون جهد منه أو تعب.

ولقد رأينا في واقعنا بعض الحكام الذين فهموا الأُسْوة على حقيقتها، فترى الواحد من رعيته يركب أفخم السيارات، ويسكن أعظم القصور، حتى إن معظم أدواتها تكون من الذهب، في حين ترى هذا الحاكم يعيش عيشة متواضعة وربما يعيش في قصر ورثه عن أبيه أو جَدَِّه، وكأنه يُغلِظ على نفسه ويبغي الرفاهية لرعايته.

وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أتى بمنهج، وهو في الوقت نفسه أُسْوة سلوك وقُدْوة، فنراه صلى الله عليه وسلم يحثّ الغنيّ على الصدقة للفقير، ثم يحرم أهل بيته من هذه الصدقة فلا يقبلها لهم، وإنْ توارث الناس فيما يتركونه من أموال فإن ما تركه الرسول لا يُوَرَّثُ لأهله من بعده، بل هو صدقة لفقراء المسلمين، وهكذا يحرم رسول الله أهل بيته مما أعطاه للآخرين لتكون القدوة صحيحة، ولا يجد ضعاف النفوس مأخذاً عليه صلى الله عليه وسلم.إذن: فليس المراد من الحكم أن يتميز الحاكم عن المحكوم، أو يفضل بعض الرعية على بعض، فإذا ما أحسَّ الناس بالمساواة خضعوا للحاكم، وأذعنوا له، وأطاعوا أمره؛ لأنه لا يعمل لمصلحته الشخصية بل لمصلحة رعيته، بدليل أنه أقلُّ منهم في كُلِّ مستويات الحياة.

فالرسول إنْ جاء مَلَكاً فإن الأُسْوة لا تتمّ به، فإنْ أمرنا بشيء ودعانا إلى أن نفعل مثله فسوف نحتجّ عليه: كيف وأنت مَلَكٌ لا شهوةَ لك، لا تأكل ولا تشرب ولا تتناكح ولا تتناسل، إن هذه الأوامر تناسبك أنت، أما نحن فلا نقدر عليها.

ومن هنا لا بُدَّ أن يكون الرسول بشراً فإنْ حمل نفسه على منهج فلا عُذْر لأحد في التخلُّف عنه؛ لأنه يطبق ما جاء به ويدعوكم إلى الاقتداء بسلوكه.

وسبق أنْ ضربنا لذلك مثلاً وقُلْنا: هَبْ أنك رأيتَ في الغابة أسداً يصول ويجول ويفتك بفريسته، بالله هل يراودك أن تكون أسداً؟ إنما لو رأيتَ فارساً على صَهْوة جواده يصول ويجول ويحصد رقاب الأعداء، ألاَّ تتطلع إلى أن تكون مثله؟

إذن: لا تتمّ القُدْوة ولا تصح إلا إنْ كان الرسول بشراً، ولا داعي للتمرُّد على الطبيعة التي خلقها الله.

ثم يقول الحق سبحانه: { قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً... }.


www.alro7.net