سورة
اية:

فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ

تفسير بن كثير

{ فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم} إنما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه ذلك، ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم، فإنه كان قد أزف خروجهم إلى عيدهم، فأحب أن يختلي بآلهتهم ليكسرها، فقال لهم كلاماً هو حق في نفس الأمر، فهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه، { فتولوا عنه مدبرين} . قال قتادة: والعرب تقول لمن تفكر: نظر في النجوم، يعني قتادة أنه نظر إلى السماء متفكراً فيما يلهيهم به، فقال: { إني سقيم} أي ضعيف، فأما قوله عليه السلام: لم يكذب إبراهيم عليه السلام غير ثلاث كذبات: ثنتين في ذات اللّه تعالى، قوله: { إني سقيم} ، وقوله: { بل فعله كبيرهم هذا} ، وقوله في سارة: هي أختي فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن، ولكن ليس من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله حاشا وكلا؛ وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث: (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب). قال ابن المسيب: رأى نجماً طلع فقال: { إني سقيم} كابد نبي اللّه عن دينه { فقال إني سقيم} ، وقيل: أراد { إني سقيم} أي مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون اللّه تعالى، وقال الحسن البصري: خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم فأرادوه على الخروج، فاضطجع على ظهره، وقال: { إني سقيم} وجعل ينظر في السماء، فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم فكسرها" "رواه ابن أبي حاتم عن الحسن البصري" ولهذا قال تعالى: { فتولوا عنه مدبرين} وقوله تعالى: { فراغ إلى آلهتهم} أي ذهب إليها بعد ما خرجوا في سرعة واختفاء، { فقال ألا تأكلون} ؟ وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعاماً قرباناً لتبارك لهم فيه، قال السدي: دخل إبراهيم عليه السلام إلى بيت الآلهة، فإذا هم في بهو عظيم، وإذا مسقبل باب البهو صنم عظيم، إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً ووضعوه بين أيدي الآلهة، وقالوا: إذا كان حين نرجع وقد برّكت الآلهة في طعامنا أكلناه، فلما نظر إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى ما بين أيديهم من الطعام قال: { ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون} وقوله تعالى: { فراغ عليهم ضرباً باليمين} قال الفراء: معناه مال عليهم ضرباً باليمين، وقال قتادة والجوهري: فأقبل عليهم ضرباً باليمين؛ وإنما ضربهم باليمين لأنها أشد وأنكى، ولهذا تركهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون، كما تقدم في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تفسير ذلك. وقوله تعالى ههنا: { فأقبلوا إليه يزفّون} قال مجاهد: أي يسرعون، فلما جاءوا ليعاتبوه أخذ في تأنيبهم وعيبهم فقال: { أتعبدون ما تنحتون} ؟ أي أتعبدون من دون اللّه من الأصنام ما أنتم تنحتونها وتجعلونها بأيديكم؟ { واللّه خلقكم وما تعملون} يحتمل أن تكون ما مصدرية، فيكون الكلام: خلقكم وعملكم، ويحتمل أن تكون بمعنى الذي تقديره واللّه خلقكم والذي تعملونه، وكلا القولين متلازم، والأول أظهر، لما رواه البخاري عن حذيفة رضي اللّه عنه مرفوعاً قال: إن اللّه تعالى يصنع كل صانع وصنعته" فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة عدلوا إلى أخذه باليد والقهر فقالوا: { ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم} وكان من أمرهم ما تقدم بيانه في سورة الأنبياء، ونجاه اللّه من النار، وأظهره عليهم، وأعلى حجته ونصرها، ولهذا قال تعالى: { فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين} .

تفسير الجلالين

{ فأقبلوا إليه يزفون } أي يسرعون المشي فقالوا له: نحن نعبدها وأنت تكسرها .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة , وَبَعْض قُرَّاء الْكُوفَة : { فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } بِفَتْحِ الْيَاء وَتَشْدِيد الْفَاء مِنْ قَوْلهمْ : زَفَّتْ النَّعَامَة , وَذَلِكَ أَوَّل عَدْوهَا , وَآخِر مَشْيهَا ; وَمِنْهُ قَوْل الْفَرَزْدَق : وَجَاءَ قَرِيع الشَّوْل قَبْل إِفَالهَا يَزِفّ وَجَاءَتْ خَلْفه وَهِيَ زُفَّفُ وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْكُوفَة : " يُزِفُّونَ " بِضَمِّ الْيَاء وَتَشْدِيد الْفَاء مِنْ أَزِفَ فَهُوَ يَزِفّ . وَكَانَ الْفَرَّاء يَزْعُم أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع فِي ذَلِكَ إِلَّا زَفَفْت , وَيَقُول : لَعَلَّ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : " يُزِفُّونَ " بِضَمِّ الْيَاء مِنْ قَوْل الْعَرَب : أَطَرَدْت الرَّجُل : أَيْ صَيَّرْته طَرِيدًا , وَطَرَدْته : إِذَا أَنْتَ خَسِئْتَهُ إِذَا قُلْت : اِذْهَبْ عَنَّا ; فَيَكُون يَزِفُّونَ : أَيْ جَاءُوا عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَة بِمَنْزِلَةِ الْمَزْفُوفَة عَلَى هَذِهِ الْحَالَة , فَتَدْخُل الْأَلِف . كَمَا تَقُول : أَحْمَدْت الرَّجُل : إِذَا أَظْهَرْت حَمْده , وَهُوَ مُحَمَّد : إِذَا رَأَيْت أَمْره إِلَى الْحَمْد , وَلَمْ تَنْشُر حَمْده ; قَالَ : وَأَنْشَدَنِي الْمُفَضَّل : تَمَنَّى حُصَيْن أَنْ يَسُود جِذَاعه فَأَمْسَى حُصَيْن قَدْ أَذَلَّ وَأَقْهَرَا فَقَالَ : أَقْهَر , وَإِنَّمَا هُوَ قَهْر , وَلَكِنَّهُ أَرَادَ صَارَ إِلَى حَال قَهْر . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضهمْ. " يَزِفُونَ " بِفَتْحِ الْيَاء وَتَخْفِيف الْفَاء مِنْ وَزَفَ يَزِف وَذُكِرَ عَنْ الْكِسَائِيّ أَنَّهُ لَا يَعْرِفهَا , وَقَالَ الْفَرَّاء : لَا أَعْرِفهَا إِلَّا أَنْ تَكُون لُغَة لَمْ أَسْمَعهَا . وَذُكِرَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ كَانَ يَقُول : الْوَزْف : النَّسَلَان . 22591 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } قَالَ : الْوَزِيف : النَّسَلَان . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ بِفَتْحِ الْيَاء وَتَشْدِيد الْفَاء , لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الصَّحِيح الْمَعْرُوف مِنْ كَلَام الْعَرَب , وَاَلَّذِي عَلَيْهِ قِرَاءَة الْفُصَحَاء مِنْ الْقُرَّاء . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَاهُ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : فَأَقْبَلَ قَوْم إِبْرَاهِيم إِلَى إِبْرَاهِيم يَجُرُّونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22592 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عِلِّيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } : فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَجُرُّونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : أَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَمْشُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22593 - مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } قَالَ : يَمْشُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : فَأَقْبَلُوا يَسْتَعْجِلُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22594 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , عَنْ أَبِيهِ { فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } قَالَ : يَسْتَعْجِلُونَ , قَالَ : يَزِفّ : يَسْتَعْجِل . وَقَوْله : { فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة , وَبَعْض قُرَّاء الْكُوفَة : { فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } بِفَتْحِ الْيَاء وَتَشْدِيد الْفَاء مِنْ قَوْلهمْ : زَفَّتْ النَّعَامَة , وَذَلِكَ أَوَّل عَدْوهَا , وَآخِر مَشْيهَا ; وَمِنْهُ قَوْل الْفَرَزْدَق : وَجَاءَ قَرِيع الشَّوْل قَبْل إِفَالهَا يَزِفّ وَجَاءَتْ خَلْفه وَهِيَ زُفَّفُ وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْكُوفَة : " يُزِفُّونَ " بِضَمِّ الْيَاء وَتَشْدِيد الْفَاء مِنْ أَزِفَ فَهُوَ يَزِفّ . وَكَانَ الْفَرَّاء يَزْعُم أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع فِي ذَلِكَ إِلَّا زَفَفْت , وَيَقُول : لَعَلَّ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : " يُزِفُّونَ " بِضَمِّ الْيَاء مِنْ قَوْل الْعَرَب : أَطَرَدْت الرَّجُل : أَيْ صَيَّرْته طَرِيدًا , وَطَرَدْته : إِذَا أَنْتَ خَسِئْتَهُ إِذَا قُلْت : اِذْهَبْ عَنَّا ; فَيَكُون يَزِفُّونَ : أَيْ جَاءُوا عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَة بِمَنْزِلَةِ الْمَزْفُوفَة عَلَى هَذِهِ الْحَالَة , فَتَدْخُل الْأَلِف . كَمَا تَقُول : أَحْمَدْت الرَّجُل : إِذَا أَظْهَرْت حَمْده , وَهُوَ مُحَمَّد : إِذَا رَأَيْت أَمْره إِلَى الْحَمْد , وَلَمْ تَنْشُر حَمْده ; قَالَ : وَأَنْشَدَنِي الْمُفَضَّل : تَمَنَّى حُصَيْن أَنْ يَسُود جِذَاعه فَأَمْسَى حُصَيْن قَدْ أَذَلَّ وَأَقْهَرَا فَقَالَ : أَقْهَر , وَإِنَّمَا هُوَ قَهْر , وَلَكِنَّهُ أَرَادَ صَارَ إِلَى حَال قَهْر . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضهمْ. " يَزِفُونَ " بِفَتْحِ الْيَاء وَتَخْفِيف الْفَاء مِنْ وَزَفَ يَزِف وَذُكِرَ عَنْ الْكِسَائِيّ أَنَّهُ لَا يَعْرِفهَا , وَقَالَ الْفَرَّاء : لَا أَعْرِفهَا إِلَّا أَنْ تَكُون لُغَة لَمْ أَسْمَعهَا . وَذُكِرَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ كَانَ يَقُول : الْوَزْف : النَّسَلَان . 22591 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } قَالَ : الْوَزِيف : النَّسَلَان . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ بِفَتْحِ الْيَاء وَتَشْدِيد الْفَاء , لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الصَّحِيح الْمَعْرُوف مِنْ كَلَام الْعَرَب , وَاَلَّذِي عَلَيْهِ قِرَاءَة الْفُصَحَاء مِنْ الْقُرَّاء . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَاهُ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : فَأَقْبَلَ قَوْم إِبْرَاهِيم إِلَى إِبْرَاهِيم يَجُرُّونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22592 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عِلِّيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } : فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَجُرُّونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : أَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَمْشُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22593 - مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } قَالَ : يَمْشُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : فَأَقْبَلُوا يَسْتَعْجِلُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22594 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , عَنْ أَبِيهِ { فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } قَالَ : يَسْتَعْجِلُونَ , قَالَ : يَزِفّ : يَسْتَعْجِل . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { فراغ إلى آلهتهم} قال السدي : ذهب إليهم. وقال أبو مالك : جاء إليهم. وقال قتادة : مال إليهم. وقال الكلبي : أقبل عليهم. وقيل : عدل. والمعنى متقارب. فراغ يروغ روغا وروغانا إذا مال. وطريق رائغ أي مائل. وقال الشاعر : ويريك من طرف اللسان حلاوة ** ويروغ عنك كما يروغ الثعلب فقال: { ألا تأكلون} فخاطبها كما يخاطب من يعقل؛ لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة. وكذا قيل : كان بين يدي الأصنام طعام تركوه ليأكلوه إذا رجعوا من العيد، وإنما تركوه لتصيبه بركة أصنامهم بزعمهم. وقيل : تركوه للسدنة. وقيل : قرب هو إليها طعاما على جهة الاستهزاء؛ فقال: { ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون} . { فراغ عليهم ضربا باليمين} خص الضرب باليمين لأنها أقوى والضرب بها أشد؛ قال الضحاك والربيع بن أنس. وقيل : المراد باليمين اليمين التي حلفها حين قال: { وتالله لأكيدن أصنامكم} الأنبياء : [57]. وقال الفراء وثعلب : ضربا بالقوة واليمين القوة. وقيل : بالعدل واليمين ها هنا العدل. ومنه قوله تعالى: { ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين: { الحاقة : 44] أي بالعدل، فالعدل لليمين والجور للشمال. ألا ترى أن العدو عن الشمال والمعاصي عن الشمال والطاعة عن اليمين؛ ولذلك قال: { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} [الصافات : 28] أي من قبل الطاعة. فاليمين هو موضع العدل من المسلم، والشمال موضع الجور. ألا ترى أنه بايع الله بيمينه يوم الميثاق، فالبيعة باليمين؛ فلذلك يعطى كتابه غدا بيمينه؛ لأنه وفي بالبيعة، ويعطى الناكث للبيعة الهارب برقبته من الله بشماله؛ لأن الجور هناك. فقوله: { فراغ عليهم ضربا باليمين} أي بذلك العهد الذي كان بايع الله عليه يوم الميثاق ثم وفى له ها هنا. فجعل تلك الأوثان جذاذا، أي فتاتا كالجذيذة وهي السويق وليس من قبيل القوة؛ قاله الترمذي الحكيم. { فأقبلوا إليه يزفون} قرأ حمزة: { يزفون} بضم الياء. الباقون بفتحها. أي يسرعون؛ قاله ابن زيد. قتادة والسدي : يمشون. وقيل : المعنى يمشون بجمعهم على مهل آمنين أن يصيب أحد آلهتهم بسوء. وقيل : المعنى يتسللون تسللا بين المشي والعدو؛ ومنه زفيف النعامة. وقال الضحاك : يسعون وحكى يحيى بن سلام : يرعدون غضبا. وقيل : يختالون وهو مشي الخيلاء؛ قاله مجاهد. ومنه أُخِذ زفاف العروس إلى زوجها. وقال الفرزدق : وجاء قريع الشول قبل إفالها ** يزف وجاءت خلفه وهي زفف ومن قرأ: { يزفون} فمعناه يزفون غيرهم أي يحملونهم على التزفيف. وعلى هذا فالمفعول محذوف. قال الأصمعي : أزففت الإبل أي حملتها على أن تزف. وقيل : هما لغتان يقال : زف القوم وأزفوا، وزففت العروس وأزففتها وازدففتها بمعنى، والمزفة : المحفة التي تزف فيها العروس؛ حكي ذلك عن الخليل. النحاس { ويزفون} بضم الياء. زعم أبو حاتم أنه لا يعرف هذه اللغة، وقد عرفها جماعة من العلماء منهم الفراء وشبهها بقولهم : أطردت الرجل أي صيرته إلى ذلك. وطردته نحيته؛ وأنشد هو وغيره : تمنى حصين أن يَسُود جِذاعة ** فأمسى حصين قد أُذل وأُقهرا أي صير إلى ذلك؛ فكذلك : { يزفون} يصيرون إلى الزفيف. قال محمد بن يزيد : الزفيف الإسراع. وقال أبو إسحاق : الزفيف أول عدو النعام. وقال أبو حاتم : وزعم الكسائي أن قوما قرءوا { فأقبلوا إليه يزفون} خفيفة؛ من وزف يزف، مثل وزن يزن. قال النحاس : فهذه حكاية أبي حاتم وأبو حاتم لم يسمع من الكسائي شيئا. وروى الفراء وهو صاحب الكسائي عن الكسائي أنه لا يعرف { يزفون} مخففة. قال الفراء : وأنا لا أعرفها. قال أبو إسحاق : وقد عرفها غيرهما أنه يقال وزف يزف إذا أسرع. قال النحاس : ولا نعلم أحدا قرأ { يزفون} . قلت : هي قراءة عبدالله بن يزيد فيما ذكر المهدوي. الزمخشري : و} يزفون} على البناء للمفعول. { يزفون} من زفاه إذا حداه؛ كأن بعضهم يزف بعضا لتسارعهم إليه. وذكر الثعلبي عن الحسن ومجاهد وابن السميقع: { يزفون} بالراء من زفيف النعام، وهو ركض بين المشي والطيران. قوله تعالى: { قال أتعبدون ما تنحتون} فيه حذف؛ أي قالوا من فعل هذا بآلهتنا، فقال محتجا: { أتعبدون ما تنحتون} أي أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها بأيديكم تنجرونها. والنحت النجر والبري نحته ينحِته بالكسر نحتا أي براه. والنُّحاتة البُراية والمِنَحت ما ينحت به. { والله خلقكم وما تعملون} { ما} في موضع نصب أي وخلق ما تعملونه من الأصنام، يعني الخشب والحجارة وغيرهما؛ كقوله: { بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن } [الأنبياء : 56] وقيل : إن { ما} استفهام ومعناه التحقير لعملهم. وقيل : هي نفي، والمعنى وما تعملون ذلك لكن الله خالقه. والأحسن أن تكون { ما} مع الفعل مصدرا، والتقدير والله خلقكم وعملكم وهذا مذهب أهل السنة : أن الأفعال خلق لله عز وجل واكتساب للعباد. وفي هذا إبطال مذاهب القدرية والجبرية. و""روى أبو هريرة"" عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله خالق كل صانع وصنعته) ذكره الثعلبي. ""خرجه البيهقي من حديث حذيفة"" قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله عز وجل صنع كل صانع وصنعته فهو الخالق وهو الصانع سبحانه) وقد بيناهما في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الصّافات الايات 89 - 131

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى عن سيدنا إبراهيم { فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ } [الصافات: 88] هذه أولى خطوات إبراهيم إلى عالم الملكوت، والنظرة هنا ليستْ هي النظرة الخاطفة العابرة، إنما نظرة التأمُّل الفاحصة المتأنية، فهي بمعنى رَأَى بتمعُّن واستنباط، ومن ذلك قولنا: هذه مسألة فيها نظر. يعني: تأمُّل وتأنٍّ. والنجوم مفردها نجم، وهو كل مضيء في السماء إضاءةً ذاتية، لا أنْ يعكس ضوء الشمس، وعليه فالشمسُ نَجْم من النجوم.

فقوله تعالى: { فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ } [الصافات: 88] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه:
{  وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }
[الأنعام: 75-79].

إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: { إِنِّي سَقِيمٌ } [الصافات: 89] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.

إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.

وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم { فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ } [الصافات: 89] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.

لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: { فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ } [الصافات: 90] أي: انصرفوا وتركوه.

{ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ } [الصافات: 91] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.

وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها { فَقَالَ } [الصافات: 91] أي: للآلهة { أَلا تَأْكُلُونَ } [الصافات: 91] فلم يُجيبوا، فقال: { مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ } [الصافات: 92] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.بعد ذلك مال عليهم ضرباً { فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ } [الصافات: 93] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه:
{  قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ }
[الصافات: 28] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم { فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } [الصافات: 94] أي: مسرعين.

فلما رآهم { قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات: 95-96] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.

إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟

وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:

{ قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... }.


www.alro7.net