سورة
اية:

وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ

تفسير بن كثير

لما يئس نبي اللّه شعيب من استجابتهم له قال: يا قوم { اعملوا على مكانتكم} أي طريقتكم، وهذا تهديد شديد { إني عامل} على طريقتي، { سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب} ، أي مني ومنكم، { وارتقبوا} أي انتظروا، { إني معكم رقيب} ، قال اللّه تعالى: { ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين} ، وقوله: { جاثمين} أي هامدين لا حراك بهم. وذكر ههنا أنه أتتهم صحية، وفي الأعراف رجفة، وفي الشعراء { عذاب يوم الظلة} ، وهم أمة واحدة اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلها، وإنما ذكر في كل سياق ما يناسبه، وقوله: { كأن لم يغنوا فيها} أي يعيشوا في دارهم قبل ذلك { ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود} وكانوا جيرانهم قريباً منهم في الدار، وشبيهاً بهم في الكفر وكانوا عرباً مثلهم.

تفسير الجلالين

{ ولما جاء أمرنا } بإهلاكهم { نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة } صاح بهم جبريل { فأصبحوا في ديارهم جاثمين } باركين على الركب ميتين .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا جَاءَ أَمْرنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَمَّا جَاءَ قَضَاؤُنَا فِي قَوْم شُعَيْب بِعَذَابِنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا رَسُولنَا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ فَصَدَّقُوهُ عَلَى مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ مَعَ شُعَيْب , مِنْ عَذَابنَا الَّذِي بَعَثْنَا عَلَى قَوْمه , بِرَحْمَةٍ مِنَّا لَهُ وَلِمَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ عَلَى مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ , الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا جَاءَ أَمْرنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَمَّا جَاءَ قَضَاؤُنَا فِي قَوْم شُعَيْب بِعَذَابِنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا رَسُولنَا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ فَصَدَّقُوهُ عَلَى مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ مَعَ شُعَيْب , مِنْ عَذَابنَا الَّذِي بَعَثْنَا عَلَى قَوْمه , بِرَحْمَةٍ مِنَّا لَهُ وَلِمَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ عَلَى مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ ,' وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَة مِنْ السَّمَاء أَخْمَدَتْهُمْ فَأَهْلَكَتْهُمْ بِكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ . وَقِيلَ : إِنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام , صَاحَ بِهِمْ صَيْحَة أَخْرَجَتْ أَرْوَاحهمْ مِنْ أَجْسَامهمْ . { فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارهمْ جَاثِمِينَ } عَلَى رُكَبهمْ وَصَرْعَى بِأَفْنِيَتِهِمْ .وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَة مِنْ السَّمَاء أَخْمَدَتْهُمْ فَأَهْلَكَتْهُمْ بِكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ . وَقِيلَ : إِنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام , صَاحَ بِهِمْ صَيْحَة أَخْرَجَتْ أَرْوَاحهمْ مِنْ أَجْسَامهمْ . { فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارهمْ جَاثِمِينَ } عَلَى رُكَبهمْ وَصَرْعَى بِأَفْنِيَتِهِمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى‏ { ‏وإلى مدين أخاهم شعيبا‏} ‏ أي وأرسلنا إلى مدين، ومدين هم قوم شعيب‏.‏ وفي تسميتهم بذلك قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنهم بنو مدين بن إبراهيم؛ فقيل‏:‏ مدين والمراد بنو مدين‏.‏ كما يقال مضر والمراد بنو مضر‏.‏ الثاني‏:‏ أنه اسم مدينتهم، فنسبوا إليها‏.‏ قال النحاس‏:‏ لا ينصرف مدين لأنه اسم مدينة؛ وقد تقدم في "‏الأعراف‏"‏ هذا المعنى وزيادة‏.‏ { ‏قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره‏} ‏ تقدم‏.‏ { ‏ولا تنقصوا المكيال والميزان‏} ‏ كانوا مع كفرهم أهل بخس وتطفيف؛ كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد، واستوفوا بغاية ما يقدرون عليه وظلموا؛ وإن جاءهم مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشحوا له بغاية ما يقدرون؛ فأمروا بالإيمان إقلاعا عن الشرك، وبالوفاء نهيا عن التطفيف‏.‏ ‏ { ‏إني أراكم بخير‏} ‏ أي في سعة من الرزق، وكثرة من النعم‏.‏ وقال الحسن‏:‏ كان سعرهم رخيصا‏.‏ ‏ { ‏وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط‏} ‏ وصف اليوم بالإحاطة، وأراد وصف ذلك اليوم بالإحاطة بهم؛ فإن يوم العذاب إذا أحاط بهم فقد أحاط العذاب بهم، وهو كقولك‏:‏ يوم شديد؛ أي شديد حره‏.‏ واختلف في ذلك العذاب؛ فقيل‏:‏ هو عذاب النار في الآخرة‏.‏ وقيل‏:‏ عذاب الاستئصال في الدنيا‏.‏ وقيل‏:‏ غلاء السعر؛ روي معناه عن ابن عباس‏.‏ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما أظهر قوم البخس في المكيال والميزان إلا ابتلاهم الله بالقحط والغلاء‏)‏‏.‏ وقد تقدم‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط‏} ‏ أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن التطفيف تأكيدا‏.‏ والإيفاء الإتمام‏.‏ { ‏بالقسط‏} ‏ أي بالعدل والحق، والمقصود أن يصل كل ذي كل نصيب إلى نصيبه؛ وليس يريد إيفاء المكيال والموزون لأنه لم يقل‏:‏ أوفوا بالمكيال وبالميزان؛ بل أراد ألا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود، وكذا الصنجات‏.‏ ‏ { ‏ولا تبخسوا الناس أشياءهم‏} ‏ أي لا تنقصوهم مما استحقوه شيئا‏.‏ ‏ { ‏ولا تعثوا في الأرض مفسدين‏} ‏ بين أن الخيانة في المكيال والميزان مبالغة في الفساد في الأرض، وقد مضى في ‏"‏الأعراف‏"‏ زيادة لهذا، والحمد لله‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏بقية الله خير لكم‏} ‏ أي ما يبقيه الله لكم بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر بركة، وأحمد عاقبة مما تبقونه أنتم لأنفسكم من فضل التطفيف بالتجبر والظلم؛ قال معناه الطبري، وغيره‏.‏ وقال مجاهد‏ { ‏بقية الله خير لكم‏} ‏ يريد طاعته‏.‏ وقال الربيع‏:‏ وصية الله‏.‏ وقال الفراء‏:‏ مراقبة الله‏.‏ ابن زيد‏:‏ رحمة الله‏.‏ قتادة والحسن‏:‏ حظكم من ربكم خير لكم‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ رزق الله خير لكم‏.‏ { ‏إن كنتم مؤمنين‏} ‏ شرط هذا لأنهم إنما يعرفون صحة هذا إن كانوا مؤمنين‏.‏ وقيل‏:‏ يحتمل أنهم كانوا يعترفون بأن الله خالقهم فخاطبهم بهذا‏.‏ { ‏وما أنا عليكم بحفيظ‏} ‏ أي رقيب أرقبكم عند كيلكم ووزنكم؛ أي لا يمكنني شهود كل معاملة تصدر منكم حتى أؤاخذكم بإيفاء الحق‏.‏ وقيل‏:‏ أي لا يتهيأ لي أن أحفظكم من إزالة نعم الله عليكم بمعاصيكم‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏قالوا يا شعيب أصلواتك‏} ‏ وقرئ ‏"‏أصَلاتُك‏"‏ من غير جمع‏.‏ ‏ { ‏تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا‏} { ‏أن‏} ‏ في موضع نصب؛ قال الكسائي‏:‏ موضعها خفض على إضمار الباء‏.‏ وروي أن شعيبا عليه السلام كان كثير الصلاة، مواظبا على العبادة فرضها ونقلها ويقول‏:‏ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ فلما أمرهم ونهاهم عيروه بما رأوه يستمر عليه من كثرة الصلاة، واستهزؤوا به فقالوا ما أخبر الله عنهم‏.‏ وقيل‏:‏ إن الصلاة هنا بمعنى القراءة؛ قاله سفيان عن الأعمش، أي قراءتك تأمرك؛ ودل بهذا على أنهم كانوا كفارا‏.‏ وقال الحسن‏:‏ لم يبعث الله نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة‏.‏ ‏ { ‏أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء‏} ‏ زعم الفراء أن التقدير‏:‏ أو تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء‏.‏ وقرأ السلمي والضحاك بن قيس ‏ { ‏أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء‏} ‏ بالتاء في الفعلين، والمعنى‏:‏ ما تشاء أنت يا شعيب‏.‏ وقال النحاس‏ { ‏أو أن‏} ‏ على هذه القراءة معطوفة على ‏ { ‏أن‏} ‏ الأولى‏.‏ وروي عن زيد بن أسلم أنه قال‏:‏ كان مما نهاهم عنه حذف الدراهم‏.‏ وقيل‏:‏ معنى‏.‏ { ‏أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء‏} ‏ إذا تراضينا فيما بيننا بالبخس فلم تمنعنا منه‏؟‏‏!‏‏.‏ ‏ { ‏إنك لأنت الحليم الرشيد‏} ‏ يعنون عند نفسك بزعمك‏.‏ ومثله في صفة أبي جهل‏ { ‏ذق إنك أنت العزيز الكريم‏} [‏الدخان‏:‏ 49‏]‏ أي عند نفسك بزعمك‏.‏ وقيل‏:‏ قالوه على وجه الاستهزاء والسخرية، قاله قتادة‏.‏ ومنه قولهم للحبشي‏:‏ أبو البيضاء، وللأبيض أبو الجون؛ ومنه قول خزنة جهنم لأبي جهل ‏ { ‏ذق إنك أنت العزيز الكريم‏} ‏‏.‏ وقال سفيان بن عيينة‏:‏ العرب تصف الشيء بضده للتطير والتفاؤل؛ كما قيل للديغ سليم، وللفلاة مفازة‏.‏ وقيل‏:‏ هو تعريض أرادوا به السب؛ وأحسن من هذا كله، ويدل ما قبله على صحته؛ أي إنك أنت الحليم الرشيد حقا، فكيف تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا‏!‏ ويدل عليه‏.‏ ‏ { ‏أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا‏} ‏ أنكروا لما رأوا من كثرة صلاته وعبادته، وأنه حليم رشيد بأن يكون يأمرهم بترك ما كان يعبد آباؤهم، وبعده أيضا ما يدل عليه‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي‏} ‏ أي أفلا أنهاكم عن الضلال‏؟‏‏!‏ وهذا كله يدل على أنهم قالوه على وجه الحقيقة، وأنه اعتقادهم فيه‏.‏ ويشبه هذا المعنى قول اليهود من بني قريظة للنبي صلى الله عليه وسلم حين قال لهم‏:‏ ‏(‏يا إخوة القردة‏)‏ فقالوا‏:‏ يا محمد ما علمناك جهولا‏!‏‏.‏ مسألة‏:‏ قال أهل التفسير‏:‏ كان مما ينهاهم عنه، وعذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم؛ كانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القراضة، وكانوا يتعاملون على الصحاح عدا، وعلى المقروضة وزنا، وكانوا يبخسون في الوزن‏.‏ وقال ابن وهب قال مالك‏:‏ كانوا يكسرون الدنانير والدراهم، وكذلك قال جماعة من المفسرين المتقدمين كسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم وغيرهما؛ وكسرهما ذنب عظيم‏.‏ وفي كتاب أبي داود عن علقمة بن عبدالله عن أبيه قال‏:‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس؛ فإنها إذا كانت صحاحا قام معناها؛ وظهرت فائدتها، وإذا كسرت صارت سلعة، وبطلت منها الفائدة؛ فأضر ذلك، بالناس؛ ولذلك حرم‏.‏ وقد قيل في تأويل قوله تعالى‏ { ‏وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون‏} ‏ [النمل‏:‏ 48‏]‏ أنهم كانوا يكسرون الدراهم؛ قاله زيد بن أسلم‏.‏ قال أبو عمر بن عبدالبر‏:‏ زعموا أنه لم يكن بالمدينة أعلم بتأويل القرآن من زيد بن أسلم بعد محمد بن كعب القرظي‏.‏ مسألة‏:‏ قال أصبغ قال عبدالرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة مولى زيد بن الحارث العتقي‏:‏ من كسرها لم تقبل شهادته، وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر، وليس هذا بموضع عذر؛ قال ابن العربي‏:‏ أما قوله‏:‏ لم تقبل شهادته فلأنه أتى كبيرة، والكبائر تسقط العدالة دون الصغائر؛ وأما قوله‏:‏ لا يقبل عذره بالجهالة في هذا فلأنه أمر بين لا يخفى على أحد، وإنما يقبل العذر إذا ظهر الصدق فيه، أو خفي وجه الصدق فيه، وكان الله أعلم به من العبد كما قال مالك‏.‏ مسألة‏:‏ إذا كان هذا معصية وفسادا ترد به الشهادة فإنه يعاقب من فعل ذلك، ومر ابن المسيب برجل قد جلد فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ قال رجل‏:‏ يقطع الدنانير والدراهم؛ قال ابن المسيب‏:‏ هذا من الفساد في الأرض؛ ولم ينكر جلده؛ ونحوه عن سفيان‏.‏ وقال أبو عبدالرحمن النجيبي‏:‏ كنت قاعدا عند عمر بن عبدالعزيز وهو إذ ذاك أمير المدينة فأتى برجل يقطع الدراهم وقد شهد عليه فضربه وحلقه، وأمر فطيف به، وأمره أن يقول‏:‏ هذا جزاء من يقطع الدراهم؛ ثم أمر أن يرد إليه؛ فقال‏:‏ إنه لم يمنعني أن أقطع يدك إلا أني لم أكن تقدمت في ذلك قبل اليوم، وقد تقدمت في ذلك فمن شاء فليقطع‏.‏ قال القاضي أبو بكر بن العربي‏:‏ أما أدبه بالسوط فلا كلام فيه، وأما حلقه فقد فعله عمر؛ وقد كنت أيام الحكم بين الناس أضرب وأحلق، وإنما كنت أفعل ذلك بمن يرى شعره عونا له على المعصية، وطريقا إلى التجمل به في الفساد، وهذا هو الواجب في كل طريق للمعصية، أن يقطع إذا كان غير مؤثر في البدن، وأما قطع يده فإنما أخذ ذلك عمر من فصل السرقة؛ وذلك أن قرض الدراهم غير كسرها، فإن الكسر إفساد الوصف، والقرض تنقيص للقدر، فهو أخذ مال على جهة الاختفاء؛ فإن قيل‏:‏ أليس الحرز أصلا في القطع‏؟‏ قلنا‏:‏ يحتمل أن يكون عمر يرى أن تهيئتها للفصل بين الخلق دينارا أو درهما حرز لها، وحرز كل شيء على قدر حاله؛ وقد أنفذ ذلك ابن الزبير، وقطع يد رجل في قطع الدنانير والدراهم‏.‏ وقد قال علماؤنا المالكية‏:‏ إن الدنانير والدراهم خواتيم الله عليها اسمه؛ ولو قطع على قول أهل التأويل من كسر خاتما لله كان أهلا لذلك، أو من كسر خاتم سلطان عليه اسمه أدب، وخاتم الله تقضى به الحوائج فلا يستويان في العقوبة‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وأرى أن يقطع في قرضها دون كسرها، وقد كنت أفعل ذلك أيام توليتي الحكم، إلا أني كنت محفوفا بالجهال، فلم أجبن بسبب المقال للحسدة الضلال فمن قدر عليه يوما من أهل الحق فليفعله احتسابا لله تعالى‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏ورزقني منه رزقا حسنا‏} ‏ أي واسعا حلالا، وكان شعيب عليه السلام كثير المال، قاله ابن عباس وغيره‏.‏ وقيل‏:‏ أراد به‏.‏ الهدى والتوفيق، والعلم والمعرفة، وفي الكلام حذف، وهو ما ذكرناه؛ أي أفلا أنهاكم عن الضلال‏!‏ وقيل‏:‏ المعنى ‏ { ‏أرأيتم إن كنت على بينة من ربي‏} ‏ أتبع الضلال‏؟‏ وقيل‏:‏ المعنى ‏ { ‏أرأيتم إن كنت على بينة من ربي‏} ‏ أتأمرونني بالعصيان في البخس والتطفيف، وقد أغناني الله عنه‏.‏ { ‏وما أريد أن أخالفكم‏} ‏ في موضع نصب بـ ‏ { ‏أريد‏} ‏‏.‏ ‏ { ‏إلى ما أنهاكم عنه‏} ‏ أي ليس أنهاكم عن شيء وأرتكبه، كما لا أترك ما أمرتكم به‏.‏ { ‏إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت‏} ‏ أي ما أريد إلا فعل الصلاح؛ أي أن تصلحوا دنياكم بالعدل، وآخرتكم بالعبادة، وقال‏ { ‏ما استطعت‏} ‏ لأن الاستطاعة من شروط الفعل دون الإرادة‏.‏ و‏ { ‏ما‏} ‏ مصدرية؛ أي إن أريد إلا الإصلاح جهدي واستطاعتي‏.‏ ‏ { ‏وما توفيقي‏} ‏ أي رشدي، والتوفيق الرشد‏.‏ { ‏إلا بالله عليه توكلت‏} ‏ أي اعتمدت‏.‏ { ‏وإليه أنيب‏} ‏ أي أرجع فيما ينزل بي من جميع النوائب‏.‏ وقيل‏:‏ إليه أرجع في الآخرة‏.‏ وقيل‏:‏ إن الإنابة الدعاء، ومعناه وله أدعو‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏ويا قوم لا يجرمنكم‏} ‏ وقرأ يحيى بن وثاب ‏"‏يُجْرِمَنَّكُمْ‏"‏‏.‏ لا يدخلنكم في الجرم؛ كما تقول‏:‏ آثمني أي أدخلني في الإثم‏.‏ { ‏شقاقي‏} ‏ في موضع رفع‏.‏ { ‏أن يصيبكم‏} ‏ في موضع نصب، أي لا يحملنكم معاداتي على ترك الإيمان فيصيبكم ما أصاب الكفار قبلكم، قاله الحسن وقتادة‏.‏ وقيل‏:‏ لا يكسبنكم شقاقي إصابتكم العذاب، كما أصاب من كان قبلكم، قاله الزجاج‏.‏ وقد تقدم معنى { ‏يجرمنكم‏} ‏ في ‏"‏المائدة‏"‏ و‏ { ‏الشقاق‏} ‏ في "‏البقرة‏"‏ وهو هنا بمعنى العداوة، قاله السدي، ومنه قول الأخطل‏:‏ ألا من مبلغ عني رسولا ** فكيف وجدتم طعم الشقاق وقال الحسن البصري‏:‏ إضراري‏.‏ وقال قتادة‏:‏ فراقي‏.‏ ‏ { ‏وما قوم لوط منكم ببعيد‏} ‏ وذلك أنهم كانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط‏.‏ وقيل‏:‏ وما ديار قوم لوط منكم ببعيد؛ أي بمكان بعيد، فلذلك وحد البعيد‏.‏ قال الكسائي‏:‏ أي دورهم في دوركم‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه‏} ‏ تقدم‏.‏ { ‏إن ربي رحيم ودود‏} ‏ اسمان من أسمائه سبحانه، وقد بيناهما في كتاب ‏"‏الأسنى في شرح الأسماء الحسنى"‏.‏ قال الجوهري‏:‏ وددت الرجل أوده ودا إذا أحببته، والودود المحب، والود والود والود والمودة المحبة‏.‏ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر شعيبا قال‏:‏ ‏(‏ذاك خطيب الأنبياء‏)‏‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول‏} ‏ أي ما نفهم؛ لأنك تحملنا على أمور غائبة من البعث والنشور، وتعظنا بما لا عهد لنا بمثله‏.‏ وقيل‏:‏ قالوا ذلك إعراضا عن سماعه، واحتقارا لكلامه؛ يقال‏:‏ فقه يفقه إذا فهم فقها؛ وحكى الكسائي‏:‏ فقه فقها وفقها إذا صار فقيها‏.‏ { ‏وإنا لنراك فينا ضعيفا‏} ‏ قيل‏:‏ إنه كان مصابا ببصره؛ قاله سعيد بن جبير وقتادة‏.‏ وقيل‏:‏ كان ضعيف البصر؛ قاله الثوري، وحكى عنه النحاس مثل قول سعيد بن جبير وقتادة‏.‏ قال النحاس‏:‏ وحكى أهل اللغة أن حمير تقول للأعمى ضعيفا؛ أي قد ضعف بذهاب بصره؛ كما يقال، له ضرير؛ أي قد ضر بذهاب بصره؛ كما يقال له‏:‏ مكفوف؛ أي قد كف عن النظر بذهاب بصره‏.‏ قال الحسن‏:‏ معناه مهين‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى ضعيف البدن؛ حكاه علي بن عيسى‏.‏ وقال السدي‏:‏ وحيدا ليس لك جند وأعوان تقدر بها على مخالفتنا‏.‏ وقيل‏:‏ قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة أهلها و‏} ‏ضعيفا‏} ‏ نصب على الحال‏.‏ ‏ { ‏ولولا رهطك‏} ‏ رفع بالابتداء، ورهط الرجل عشيرته الذي يستند إليهم ويتقوى بهم؛ ومنه الراهطاء لجحر اليربوع؛ لأنه يتوثق به ويخبأ فيه ولده‏.‏ ومعنى ‏ { ‏لرجمناك‏} ‏ لقتلناك بالرجم، وكانوا إذا قتلوا إنسانا رجموه بالحجارة، وكان رهطه من أهل ملتهم‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏ { ‏لرجمناك‏} ‏ لشتمناك؛ ومنه قول الجعدي‏:‏ تراجمنا بمُر القول حتى ** نصير كأننا فرسا رهان والرجم أيضا اللعن؛ ومنه الشيطان الرجيم‏.‏ ‏ { ‏وما أنت علينا بعزيز‏} ‏ أي ما أنت علينا بغالب ولا قاهر ولا ممتنع‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏قال يا قوم أرهطي‏} ‏ ‏ { ‏أرهطي‏} ‏ رفع بالابتداء؛ والمعنى أرهطي في قلوبكم ‏ { ‏أعز عليكم من الله‏} ‏ وأعظم وأجل وهو يملككم‏.‏ { ‏واتخذتموه وراءكم ظهريا‏} ‏ أي اتخذتم ما جئتكم به من أمر الله ظهريا؛ أي جعلتموه وراء ظهوركم، وامتنعتم من قتلي مخافة قومي يقال‏:‏ جعلت أمره بظهر إذا قصرت فيه، وقد مضى في ‏"‏البقرة‏"‏، ‏ { ‏إن ربي بما تعملون‏} ‏ أي من الكفر والمعصية‏.‏ ‏ { ‏محيط‏} ‏ أي عليم‏.‏ وقيل‏:‏ حفيظ‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون‏} ‏ تهديد ووعيد؛ وقد تقدم في ‏"‏الأنعام‏"‏‏.‏ ‏ { ‏من يأتيه عذاب يخزيه‏} ‏ أي يهلكه‏.‏ و‏ { ‏من‏} ‏ في موضع نصب، مثل ‏ { ‏يعلم المفسد من المصلح‏} [‏البقرة‏:‏ 220‏]‏‏.‏ { ومن هو كاذب‏} ‏ عطف عليها‏.‏ وقيل‏:‏ أي وسوف تعلمون من هو كاذب منا‏.‏ وقيل‏:‏ في محل رفع؛ تقديره‏:‏ ويخزي من هو كاذب‏.‏ وقيل‏:‏ تقديره ومن هو كاذب فسيعلم كذبه، ويذوق وبال أمره‏.‏ وزعم الفراء أنهم إنما جاؤوا بـ ‏ { ‏هو‏} في ‏ { ‏ومن هو كاذب‏} ‏ لأنهم لا يقولون من قائم؛ إنما يقولون‏:‏ من قام، ومن يقوم، ومن القائم؛ فزادوا ‏ { ‏هو‏} ‏ ليكون جملة تقوم مقام فعل ويفعل‏.‏ قال النحاس‏:‏ ويدل على خلاف هذا قوله‏:‏ من رسولي إلى الثريا بأني ** ضقت ذرعا بهجرها والكتاب ‏ { ‏وارتقبوا إني معكم رقيب‏} ‏ أي انتظروا العذاب والسخطة؛ فإني منتظر النصر والرحمة‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏ولما جاء أمرنا‏} ‏ قيل‏:‏ صاح بهم جبريل صيحة فخرجت أرواحهم من أجسادهم ‏ { ‏وأخذت الذين ظلموا الصيحة‏} ‏ أي صيحة جبريل‏.‏ وأنث الفعل على لفظ الصيحة، وقال في قصة صالح‏ { ‏وأخذ الذين ظلموا الصيحة‏} ‏ فذكر على معنى الصياح‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ما أهلك الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب، أهلكهم الله بالصيحة؛ غير أن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم‏.‏ { ‏فأصبحوا في ديارهم جاثمين، كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود‏} ‏ تقدم معناه‏.‏ وحكى الكسائي أن أبا عبدالرحمن السلمي قرأ ‏"‏كما بعدت ثمود‏"‏ بضم العين‏.‏ قال النحاس‏:‏ المعروف في اللغة إنما يقال بعد يبعد بعدا وبعدا إذا هلك‏.‏ وقال المهدوي‏:‏ من ضم العين من ‏ { ‏بعدت‏} ‏ فهي لغة تستعمل في الخير والشر، ومصدرها البعد؛ وبعدت تستعمل في الشر خاصة؛ يقال‏:‏ بعد يبعد بعدا؛ فالبعد على قراءة الجماعة بمعنى اللعنة، وقد يجتمع معنى اللغتين لتقاربهما في المعنى؛ فيكون مما جاء مصدره على غير لفظه لتقارب المعاني‏.‏

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 93 - 95

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ونلحظ أن الحق سبحانه قد أورد في هذه السورة: أسلوبين منطوقين أحدهما بالواو، والآخر بالفاء.

الأول: { وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا } [هود: 94]، في قصة اثنين آخرين من الرسل.

الثاني:
{  فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا }
[هود: 66].

في قصة اثنين من الرسل.

وقصة شعيب هي إحدى القصتين اللتين جاء فيهما { وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا } ولم يأت بـ " الفاء " لأنها ـ كما نعلم ـ تقتضي التعقيب بسرعة، وبدون مسافة زمنية؛ وتسمى في اللغة " فاء التعقيب " ، مثل قول الحق سبحانه:


{  ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ }
[عبس: 21].

أما " ثم " فتأتي لتعقيب مختلف؛ وهو التعقيب بعد مسافة زمنية؛ مثل قول الحق سبحانه:


{  ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ }
[عبس: 22].

وقد جاءت " الفاء " مرة في قصة قوم لوط؛ لأن الحق سبحانه قد حدد الموعد الذي ينزل فيه العذاب، وقال:


{  إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ }
[هود: 81].

فكان لا بد أن تسبق " الفاء " هذا الحديث عن عذابهم، فقال:


{  فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ }
[هود: 82].

أما هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فقد قال الحق سبحانه:

{ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ } [هود: 94].

ولم يذكر وعداً ولم يحدد موعد العذاب.

والحق سبحانه يقول:

{ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا } [هود: 94].

وكل أمر يقتضي آمراً؛ ويقتضي مأموراً؛ ويقتضي مأموراً به.

والآمر هنا هو الله سبحانه؛ وهو القادر على إنفاذ ما يأمر به، ولا يجرؤ مأمور ما على مخالفة ما يأمر به الحق سبحانه؛ فالكون كله يأتمر بأمر خالقه.

إذن: فحين يخبرنا الحق سبحانه وتعالى أن العذاب قد جاء لقوم؛ فمعنى ذلك أن الأمر قد صدر؛ ولم يتخلف العذاب عن المجيء؛ لأن التخلف إنما ينشأ من مجازفة أمر لمأمور قد لا يطيعه، ولا يجرؤ العذاب على المخالفة لأنه مُسخَّر، لا اختيار له.

والقائل هنا هو الله سبحانه صاحب الأمر الكوني والأمر التشريعي؛ فإذا قال الحق سبحانه حكماً من الأحكام وسجله في القرآن؛ فتيقن من أنه حادث لا محالة؛ لأن القضية الكونية هي من الحق سبحانه وتعالى، ولا تتخلف أو تختلف مع مشيئته سبحانه، والحكم التشريعي يسعد به مَنْ يُطِّبقه؛ ويشقى من يخالفه.

والحق سبحانه يعطينا مثالاً لهذا في قصة أم موسى.. يقول جَلَّ شأنه:


{  وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ }
[القصص: 7].

فمنطق البشر يقول: كيف نقول لامرأة: إذا خِفْتِ على ابنك ألقيه في البحر؟ كيف ننجيه من موت مظنون إلى موت محقق؟

هذا وإن كان مخالفاً لسنن العادة إلا أن أم موسى سارعت لتنفيذ أمر الله سبحانه؛ لأن أوامر الله بالإلهام للمقربين، لا يأتي لها معارض في الذهن.والحق سبحانه كما أمرها بإلقاء وليدها في اليم ، فقال:


{  إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ }
[طه: 38ـ39].

كذلك أمر الحق ـ سبحانه وتعالى ـ اليمَّ بإلقاء التابوت ، وفي داخله موسى ـ للساحل، ولذلك فيقين أم موسى في أن أوامر الله لا تتخلف، جعلها تسارع في تنفيذ ما أمرها الله به.

والحق سبحانه يريد أن يُربِّبَ الإيمان، أي: يزيده في قلوب عباده، فَهَبْ أن الله قضى بقضية أو أمر بأمر، ثم لم يأت الكون على وفق ما أمر الله، فماذا يكون موقف الناس؟

فما دام رب العزة سبحانه قد قال فلا بد أن يحدث ما أمر به، فعندما يقول الحق سبحانه:
{  وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ }
[الصافات: 173].

فلا بد أن تكون الغلبة لجنود الله، فإذا ما غُلبوا فافهموا أن شرط الجندية لله قد تخلَّف، وأن عنصراً من عناصر الجندية قد تخلف وهو الطاعة.

ومثال هذا: الذين خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في البقاء على الجبل يوم أحد، إنهم خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فماذا يحدث لو أنهم انتصروا مع هذه المخالفة؟

إذن: فقد انهزم المسلمون الذين اختلت فيهم صفة من صفات جنديتهم لله.

ولا بد أن تلتقي القضيتان: القرآنية والكونية؛ لأن قائل القرآن هو صاحب سنن الكون سبحانه وتعالى.

ولأن أهل مدين هنا قد أعلنوا الكفر؛ فلا بد أن يأتيهم العذاب.

وسمَّى الحق سبحانه هنا العذاب بالصيحة؛ وقال:

{ وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } [هود: 94].

وسمَّى الحق سبحانه في سورة الأعراف العذاب الذي لحق بهم: " الرجفة "؛ فقال:


{  فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ }
[الأعراف: 91].

وسماه في قصة قوم عاد:


{  بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ }
[الحاقة: 6].

وسمَّاه بالخسف في عذاب قارون.

ومن عظمة التوجيه الإلهي أن العذاب كان ينتقي القوم الكافرين فقط؛ ولا يصيب الذين آمنوا، بدليل قول الحق سبحانه:

{ نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ } [هود: 94].

ولا يقدر على ذلك إلا إله قادر مقتدر؛ يُصرِّف الأمور كما يشاء سبحانه.

وكلمة " نجينا ": من النجاة؛ أي: أن يوجد بنجوة؛ وهي المكان العالي، والعرب قد عرفوا مبكراً طغيان الماء؛ فقد كانوا يقيمون في اليمن ثم بعثرهم السيل مصداقاً لقول الحق سبحانه:


{  لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ }
[سبأ: 15ـ16].

هكذا تفرق العرب من اليمن؛ وانتشروا في الجزيرة العربية، وكانوا يخافون من الماء ـ رغم أنه سر الحياة؛ وفضَّلوا التعب في البحث عن الماء للشرب لهم ولأنعامهم؛ بدلاً من الوجود بجانب الماء، ومن عداوة الماء جاءت كلمة " نجا " أي: صعد إلى مكان مرتفع.واستخدمت كلمة " نجا " في كل موقف ينجو فيه الإنسان من الخطر الداهم، فيقال: " نجا من النار "؛ " ونجا من العدو "؛ " ونجا من الحيوان المفترس "؛ وكلها مأخوذة من النجوة، أي: المكان المرتفع. ويقال في الفعل (نجا): نجا فلان، إذا كانت قوته تسعفه ليخلص نفسه من العذاب.

أما إذا كانت قوته غير قادرة على تخليصه من العذاب، فهو يحتاج إلى مَنْ يُنجيه، ويُقال: " أنجاه " ، إذا كانت المسألة تحتاج إلى جهد ومعالجة صعبة ليتحقق الفوز.

ونسب الفعل فيها إلى الله؛ فقال " نجينا ".

ويأتي الحق سبحانه في مثل هذا الأمر بضمير الجمع، كقوله تعالى:


{  إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ }
[القدر: 1].

فكل شيء فيه فعل من الحق سبحانه وتعالى يأتي الله فيه بضمير الجمع: إنَّا.

أما إذا كان الشيء متعلقاً بصفة من صفات الذات الإلهية، فإن الحق سبحانه يأتي بضمير الإفراد (أنا) مثل قوله تعالى:


{  إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ }
[طه: 14].

وقد أنجى الحق سبحانه شعيباً والذين آمنوا معه؛ لأن شعيباً عليه السلام قال لقومه:


{  ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ }
[هود: 93].

وكان عمل شعيب عليه السلام فيه صحة وعزيمة التوكل؛ لذلك أنجاه الله تعالى والذين آمنوا معه، فهو سبحانه لا يريد من عباده إلا التوجه بالنية الخالصة الصادقة إليه، فإذا توجَّه العبد بالنية الصادقة إلى الله، فالحق سبحانه يريح العبد، ويُعينه بالاطمئنان على أداء أي عمل.

ومجرد الإيمان بالله تعالى والاتجاه إليه بصدق وإخلاص؛ يفتح أمام العبد آفاقاً من النجاح والرفعة.. والمفتاح في يد العبد؛ لأن الحق سبحانه قد قال في الحديث القدسي:

" من ذكرني في نفسه ذكرته في ملأ خير منه ".

إذن: فالمفتاح في يد العبد.

والحق سبحانه هو القائل:

" ومن تقرَّب إليَّ شبراً تقرَّبتُ إليه ذراعاً ".

وهكذا يترك الحق سبحانه أمر التقرب إليه للعبد، وعندما يتقرب العبد من الله تعالى، فإنه سبحانه يتقرَّب إلى العبد أكثر وأكثر.

ثم يقول الحق سبحانه في حديثه القدسي:

" ومن جاءني يمشي أتيته هرولة " لأن المشي قد يُتعب العبد، لكن لا شيء يُتعب الحق سبحانه أبداً؛ لأنه مُنزَّهٌ عن ذلك.

إذن: فالحق سبحانه يريد منا أن نُخلص النية في الالتحام بمعية الله تعالى، ليضفي علينا ربنا سبحانه من صفات جلاله وصفات جماله.

وانظروا إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الغار.. يقول الحق سبحانه:


{  إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا }
[التوبة: 40].

أي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى صاحبه عن الحزن بعلة معية الله سبحانه وتعالى، ولا بد أن أبا بكر الصديق قد قال كلاماً يفيد الحزن؛ لأن الحزن لم يأت له من تلقاء نفسه، بل من قانونٍ كوني، حين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا " لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلم عن القانون الكوني، لكنه يتكلم عن طلاقة قدرة المكوِّن سبحانه، فقال: " ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ".

فمعية الله أضفت عليهما شيئاً من جلاله وجماله، والله سبحانه لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار.

وقد أنجى الحق سبحانه شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منه سبحانه، والرحمة ألا يصيبك شيء.

ومثال ذلك: إن الإنسان يعالج فيشفى، ومرة أخرى يحميه الله من الداء.

ولذلك انتبهوا إلى حقيقة أن القرآن قد جاء بأمرين: شفاء، ورحمة، فإذا كان هناك داء وترجعه إلى منهج الله؛ فالحق سبحانه يشفيه، والرحمة ألا يصيبك الداء من البداية.

وأما الذين ظلموا فقد أخذتهم الصيحة، وفي آية أخرى يقول سبحانه:


{  وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ }
[هود: 67].

وفي هذه الآية يقول الحق سبحانه:

{ وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ } [هود: 94].

لأن القرآن على جمهرته جاء على لغة قريش، لا ليُعْلي قريشاً؛ ولكن لأن لغة قريش كانت مُصفَّاة من جميع القبائل العربية، فهي تملك صفوة لغة كل القبائل، ولكن لم يكن ذلك يعني أن نطمس بقية القبائل.

ولذلك جاء في القرآن بعض من لغات القبائل الأخرى، حتى لا يعطي لقريش سيادة في الإسلام كما كان لها سيادة في الجاهلية، لذلك يأتي بلغات القبائل الأخرى، فمرة ياتي بتاء التأنيث ومرة لا يأتي بها.

والتأنيث إما أن يكون حقيقياً أو مجازياً. والتأنيث الحقيقي هو المقابل للمذكر، مثل: المرأة. والتأنيث المجازي مثل: " الصيحة " و " الحجرة ". وكانت القبائل العربية تتجاوز في المؤنث المجازي؛ فمرة تأتي " التاء " ومرة لا تأتي.

وإن كان هناك فَصْل بين الفعل والفاعل، فالفاصل قائم مقام التأنيث فيقول سبحانه:


{  وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ }
[هود: 67].

فكأن الصيحة لها مقدرة على أن تأخذ بما أودعه فيها مُرسِل الصيحة من قوة الأخذ، وأخذه أليم شديد.

ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى:

{ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } [هود: 94].

ونلحظ أن كل عذاب إنما يحدد له الحق سبحانه موعداً هو الصبح، مثل قوله تعالى:


{  إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ }
[هود: 81].

ومثل قوله الحق:


{  فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ }
[الصافات: 177].

والصبح هو وقت الهجمة على الغافل الذي لم يغادره النوم بعد، مثل زُوَّار الفجر الذين يقبضون على الناس قبيل النهار.

ويقول الحق سبحانه:

{ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } [هود: 94].ولم يقل سبحانه: " فأصبحوا في دارهم جاثمين "؛ لأن بعضهم قد لا يكون في بيته، بل في مكان آخر لزيارة أو تجارة.

ومثال ذلك: قصة أبي رغال، وكان في مكة، لكن الحجر الذي قتله بإرادة الله سبحانه نزل عليه في البقاع ولم ينزل عليه الحجر في مكة؛ لأن الله سبحانه قد شاء ألا ينزل عليه الحجر في البيت الحرام، الآمن، وكأن الحجر قد تتَّبعه، مثلما تتبعت الصيحة الكفار من أهل مدين.

ونلحظ في الكلمة الأخيرة من هذه الآية الكريمة وهي " جاثمين " أن حرفي " الجيم " و " الثاء " حين يجتمعان معاً ـ بصرف النظر عن الحرف الثالث ، ففيهما شيء من الهلاك، وشيء من الغنائية. ومعنى " جاثمين " أي: مُلقَون على بطونهم بلا حراك.

والحق سبحانه يقول:


{  وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً }
[الجاثية: 28].

أي: يركع كل مَنْ فيها على ركبتيه. ويقال عن الميت: " الجثة ".

وانظروا إلى عظمة الحق سبحانه حين يجعل الناس تنطق لفظ " الجثة " تعبيراً عن أي " ميت " عظيماً كان أم وضيعاً، ثم توضع جثته في القبر، لتحتضنه أمه الأولى؛ الأرض.

ومن يرغب في تهدئة إنسان ملتاع وغاضب لموت عزيز عليه، فَلْيقُلْ له: هل تتحمل جثمانه أسبوعاً؟ وسوف يجيب: " لا ".

إذن: فبمجرد أن ينزع الله سبحانه السر الذي به كان الإنسان إنساناً، وهو الروح، يصبح الإنسان جثة ثم يتخشب، ثم يَرِمُّ.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك وصفاً لمن أخذتهم الصيحة من أهل " مدين ": { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ }


www.alro7.net