سورة
اية:

وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً رسوله وآمراً له أن يقول: { إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء} وإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها والاعتناء بها، كما قال تعالى: { فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} ، وقوله تعالى: { الذي حرمها} أي الذي إنما صارت حراماً شرعاً وقدراً بتحريمه لها كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس، قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، ولا يعضد شوكه ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا تختلى خلاه) الحديث بتمامه. وقوله تعالى: { وله كل شيء} من باب عطف العام على الخاص أي هو رب هذه البلدة ورب كل شيء ومليكه لا إله إلا هو، { وأمرت أن أكون من المسلمين} أي الموحدين المخلصين المنقادين لأمره المطيعين له، وقوله: { وأن أتلو القرآن} أي على الناس أبلغهم إياه، كقوله تعالى: { ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم} ، وكقوله تعالى: { نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق} الآية، أي أنا مبلغ ومنذر، { فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين} أي لي أسوة بالرسل الذين أنذروا قومهم وقاموا بما عليهم من أداء الرسالة، كقوله تعالى: { فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} ، وقال: { إنما أنت نذير واللّه على كل شيء وكيل} ، { وقل الحمد للّه سيريكم آياته فتعرفونها} أي للّه الحمد الذي لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، والإنذار إليه، ولهذا قال تعالى: { سيريكم آياته فتعرفونها} ، كما قال تعالى: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} ، وقوله تعالى { وما ربك بغافل عما تعملون} أي بل هو شهيد على كل شيء. عن عمر بن عبد العزيز قال: لو كان اللّه مُغْفلاً شيئاً لأغفل ما تعفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم، وقد ذكر عن الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى أنه كان ينشد هذين البيتين: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل ** خلوت ولكن قل عليّ رقيب ولا تحسبن اللّه يغفل ساعة ** ولا أن ما يخفى عليه يغيب

تفسير الجلالين

{ وأن أتلوَ القرآن} عليكم تلاوة الدعوة إلى الإيمان { فمن اهتدى } له { فإنما يهتدي لنفسه } أي لأجلها فإن ثواب اهتدائه له { ومن ضل } عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى { فقل } له { إنما أنا من المنذرين } المخوفين فليس عليَّ إلا التبليغ وهذا قبل الأمر بالقتال.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآن فَمَنْ اِهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { قُلْ إِنَّمَا أُمِرْت أَنْ أَعْبُد رَبّ هَذِهِ الْبَلْدَة } و { أَنْ أَكُون مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآن , فَمَنْ اِهْتَدَى } يَقُول : فَمَنْ تَبِعَنِي وَآمَنَ بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ , فَسَلَكَ طَرِيق الرَّشَاد { فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ } يَقُول : فَإِنَّمَا يَسْلُك سَبِيل الصَّوَاب بِاتِّبَاعِهِ إِيَّايَ , وَإِيمَانه بِي , وَبِمَا جِئْت بِهِ لِنَفْسِهِ , لِأَنَّهُ بِإِيمَانِهِ بِي , وَبِمَا جِئْت بِهِ يَأْمَن نِقْمَته فِي الدُّنْيَا وَعَذَابه فِي الْآخِرَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآن فَمَنْ اِهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { قُلْ إِنَّمَا أُمِرْت أَنْ أَعْبُد رَبّ هَذِهِ الْبَلْدَة } و { أَنْ أَكُون مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآن , فَمَنْ اِهْتَدَى } يَقُول : فَمَنْ تَبِعَنِي وَآمَنَ بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ , فَسَلَكَ طَرِيق الرَّشَاد { فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ } يَقُول : فَإِنَّمَا يَسْلُك سَبِيل الصَّوَاب بِاتِّبَاعِهِ إِيَّايَ , وَإِيمَانه بِي , وَبِمَا جِئْت بِهِ لِنَفْسِهِ , لِأَنَّهُ بِإِيمَانِهِ بِي , وَبِمَا جِئْت بِهِ يَأْمَن نِقْمَته فِي الدُّنْيَا وَعَذَابه فِي الْآخِرَة .' وَقَوْله : { وَمَنْ ضَلَّ } يَقُول : وَمَنْ جَارَ عَنْ قَصْد السَّبِيل بِتَكْذِيبِهِ بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه { فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنْ الْمُنْذِرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَقُلْ يَا مُحَمَّد لِمَنْ ضَلَّ عَنْ قَصْد السَّبِيل , وَكَذَّبَك , وَلَمْ يُصَدِّق بِمَا جِئْت بِهِ مِنْ عِنْدِي , إِنَّمَا أَنَا مِمَّنْ يُنْذِر قَوْمه عَذَاب اللَّه وَسَخَطه عَلَى مَعْصِيَتهمْ إِيَّاهُ , وَقَدْ أَنْذَرْتُكُمْ ذَلِكَ مَعْشَر كُفَّار قُرَيْش , فَإِنْ قَبِلْتُمْ وَانْتَهَيْتُمْ عَمَّا يَكْرَههُ اللَّه مِنْكُمْ مِنْ الشِّرْك بِهِ , فَحُظُوظ أَنْفُسكُمْ تُصِيبُونَ , وَإِنْ رَدَدْتُمْ وَكَذَّبْتُمْ فَعَلَى أَنْفُسكُمْ جَنَيْتُمْ , وَقَدْ بَلَّغْتُكُمْ مَا أُمِرْت بِإِبْلَاغِهِ إِيَّاكُمْ , وَنَصَحْت لَكُمْ .وَقَوْله : { وَمَنْ ضَلَّ } يَقُول : وَمَنْ جَارَ عَنْ قَصْد السَّبِيل بِتَكْذِيبِهِ بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه { فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنْ الْمُنْذِرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَقُلْ يَا مُحَمَّد لِمَنْ ضَلَّ عَنْ قَصْد السَّبِيل , وَكَذَّبَك , وَلَمْ يُصَدِّق بِمَا جِئْت بِهِ مِنْ عِنْدِي , إِنَّمَا أَنَا مِمَّنْ يُنْذِر قَوْمه عَذَاب اللَّه وَسَخَطه عَلَى مَعْصِيَتهمْ إِيَّاهُ , وَقَدْ أَنْذَرْتُكُمْ ذَلِكَ مَعْشَر كُفَّار قُرَيْش , فَإِنْ قَبِلْتُمْ وَانْتَهَيْتُمْ عَمَّا يَكْرَههُ اللَّه مِنْكُمْ مِنْ الشِّرْك بِهِ , فَحُظُوظ أَنْفُسكُمْ تُصِيبُونَ , وَإِنْ رَدَدْتُمْ وَكَذَّبْتُمْ فَعَلَى أَنْفُسكُمْ جَنَيْتُمْ , وَقَدْ بَلَّغْتُكُمْ مَا أُمِرْت بِإِبْلَاغِهِ إِيَّاكُمْ , وَنَصَحْت لَكُمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها} يعني مكة التي عظم الله حرمتها؛ أي جعلها حرما آمنا؛ لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر؛ على ما تقدم بيانه في غير موضع وقرأ ابن عباس { التي حرمها} نعتا للبلدة وقراءة الجماعة { الذي} وهو في موضع نصب نعت لـ { رب} ولو كان بالألف واللام لقلت المحرِّمِها؛ فإن كانت نعتا للبلدة قلت المحرمة هو؛ لا بد من إظهار المضمر مع الألف واللام؛ لأن الفعل جرى على غير من هول؛ فإن قلت الذي حرمها لم تحتج أن تقول هو. { وله كل شيء} خلقا وملكا { وأمرت أن أكون من المسلمين} أي من المنقادين لأمره، الموحدين له قوله تعالى: { وأن أتلو القرآن} أي وأمرت أن أتلو القرآن، أي أقرأه { فمن اهتدى} فله هدايته { ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين} فليس على إلا البلاغ نسختها آية القتال. قال النحاس { وأن أتلو} نصب بأن قال الفراء : وفي إحدى القراءتين { وأنِ اتلُ} وزعم أنه في موضع جزم بالأمر فلذلك حذف منه الواو، قال النحاس : ولا نعرف أحدا قرأ هذه القراءة، وهي مخالفة لجميع المصاحف. قوله تعالى: { وقل الحمد لله} أي على نعمه وعلى ما هدانا { سيريكم آياته} أي في أنفسكم وفي غيركم كما قال { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} فصلت 53 . { فتعرفونها} أي دلائل قدرته ووحدانيته في أنفسكم وفي السماوات وفي الأرض؛ نظيره قوله { وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون} الذاريات 21 . قرأ أهل المدينة وأهل الشام وحفص عن عاصم بالتاء على الخطاب؛ لقوله { سيريكم آياته فتعرفونها} فيكون الكلام على نسق واحد. الباقون بالياء على أن يرد إلى ما قبله { فمن اهتدى} فأخبر عن تلك الآية.كملت السورة والحمد له رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النمل الايات 90 - 93

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أنت حين تقرأ القرآن في الحقيقة لا تقرأ إنما تسمع ربنا يتكلم، ومعنى { وَأَنْ أَتْلُوَ ٱلْقُرْآنَ } [النمل: 92] يعني: استدم أُنْسك بالكتاب الذي كُلِّفت به، ليدل على أنك من عِشْقك للتكليف، عشقتَ المكلّف، فأحببتَ سماعه، وتلاوة القرآن في ذاتها لذة ومتعة؟.

فأنا سآخذ من تلاوته لذةَ، وأستديم البلاغ بالقرآن للناس، وبعد ذلك أنا نموذج أمام أمتي، كما قال سبحانه:
{  لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }
[الأحزاب: 21].

يعني: شيء يُقتدى به، وما دام أن الرسول قدوة، فكل مقام للرسول غير الرسالة مَنْ سار على قدم الرسول يأخذ منه، وكذلك مكان كل إنسان في التقوى، على قَدْر اعتباره واقتدائه بالأُسْوة، أما الرسالة فدَعْك منها؛ لأنك لن تأخذها.

ومعنى { ٱهْتَدَىٰ } [النمل: 92] أي: وصلتْه الدلالة واقتنع بها { فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ } [النمل: 92] لأن الله سيعطيه المعونة، ويزيده هدايةً وتوفيقاً
{  وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ }
[محمد: 17].

إذن: فالهداية والتقوى لا تنفع المشرِّع، إنما تنفع العبد الذي اهتدى.

ثم يذكر المقابل { وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ } [النمل: 92] أنا لا يعنيني إلا أنني من المنذرين، وأنت إنما تضلّ على نفسك، وتتحمل عاقبة ضلالك.

وبعد أنْ أتممتَ ما خاطبك ربك به بأنْ تعبدَ ربَّ هذه البلدة وكنتَ من المسلمين، وبعد أنْ تلوتَ القرآن، واستدمت الأُنس واللذَّة بسماع الله يتكلم، ثم بلَّغته للناس، فإذا فعلتَ كل هذا أحمد الله الذي وفَّقك إليه: { وَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ }


www.alro7.net