سورة
اية:

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن عبده زكريا حين طلب أن يهبه اللّه ولداً يكون من بعده نبياً، { إذ نادى ربه} أي خفية عن قومه { رب لا تذرني فردا} أي لا ولد لي ولا وارث يقوم بعدي في الناس { وأنت خير الوارثين} دعاء وثناء مناسب للمسألة، قال اللّه تعالى: { فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه} أي امرأته، قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: كانت عاقراً لا تلد فولدت، وقال عطاء: كان في لسانها طول، فأصحلها اللّه، وفي رواية: كان في خلقها شيء فأصحلها اللّه، والأظهر من السياق؛ الأول، وقوله: { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} أي في عمل القربات وفعل الطاعات { ويدعوننا رغبا ورهبا} قال الثوري: رغباً فيما عندنا، ورهباً مما عندنا { وكانوا لنا خاشعين} ، قال ابن عباس: أي مصدقين بما أنزل اللّه، وقال مجاهد: مؤمنين حقاً، وقال أبو العالية: خائفين، وقال الحسن وقتادة والضحّاك { خاشعين} أي متذللين للّه عزَّ وجلَّ، وكل هذه الأقوال متقاربة. وروى ابن أبي حاتم، عن عبد اللّه بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر رضي اللّه عنه ثم قال: أما بعد فإني أوصيكم بتقوى اللّه، وتثنوا عليه بما هو له أهل، وتخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة فإن اللّه عزَّ وجلَّ أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين} .

تفسير الجلالين

{ فاستجبنا له } نداءه { ووهبنا له يحيى } ولداً { وأصلحنا له زوجه } فأتت بالولد بعد عقمها { إنهم } أي من ذُكر من الأنبياء { كانوا يسارعون } يبادرون { في الخيرات } الطاعات { ويدعوننا رغباً } في رحمتنا { ورهباً } من عذابنا { وكانوا لنا خاشعين } متواضعين في عبادتهم .

تفسير الطبري

يَقُول اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَاسْتَجَبْنَا لِزَكَرِيَّا دُعَاءَهُ , وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَلَدًا وَوَارِثًا يَرِثهُ , وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجه . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الصَّلَاح الَّذِي عَنَاهُ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجه } فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَتْ عَقِيمًا فَأَصْلَحَهَا بِأَنْ جَعَلَهَا وَلُودًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18725 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد الْمُحَارِبِيّ , قَالَ : ثَنَا حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل , عَنْ حُمَيْد بْن صَخْر , عَنْ عَمَّار , عَنْ سَعِيد , فِي قَوْله : { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجه } قَالَ : كَانَتْ لَا تَلِد . 18726 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجه } قَالَ : وَهَبْنَا لَهُ وَلَدهَا . 18727 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجه } كَانَتْ عَاقِرًا , فَجَعَلَهَا اللَّه وَلُودًا , وَوَهَبَ لَهُ مِنْهَا يَحْيَى . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَتْ سَيِّئَة الْخُلُق , فَأَصْلَحَهَا اللَّه لَهُ بِأَنْ رَزَقَهَا حُسْن الْخُلُق . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه أَصْلَحَ لِزَكَرِيَّا زَوْجه , كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره بِأَنْ جَعَلَهَا وَلُودًا حَسَنَة الْخُلُق ; لِأَنَّ كُلّ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي إِصْلَاحه إِيَّاهَا . وَلَمْ يُخَصِّص , اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ بَعْضًا دُون بَعْض فِي كِتَابه وَلَا عَلَى لِسَان رَسُوله , وَلَا وَضَعَ . عَلَى خُصُوص ذَلِكَ دَلَالَة , فَهُوَ عَلَى الْعُمُوم مَا لَمْ يَأْتِ مَا يَجِب التَّسْلِيم لَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُرَاد بِهِ بَعْض دُون بَعْض .يَقُول اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَاسْتَجَبْنَا لِزَكَرِيَّا دُعَاءَهُ , وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَلَدًا وَوَارِثًا يَرِثهُ , وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجه . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الصَّلَاح الَّذِي عَنَاهُ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجه } فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَتْ عَقِيمًا فَأَصْلَحَهَا بِأَنْ جَعَلَهَا وَلُودًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18725 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد الْمُحَارِبِيّ , قَالَ : ثَنَا حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل , عَنْ حُمَيْد بْن صَخْر , عَنْ عَمَّار , عَنْ سَعِيد , فِي قَوْله : { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجه } قَالَ : كَانَتْ لَا تَلِد . 18726 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجه } قَالَ : وَهَبْنَا لَهُ وَلَدهَا . 18727 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجه } كَانَتْ عَاقِرًا , فَجَعَلَهَا اللَّه وَلُودًا , وَوَهَبَ لَهُ مِنْهَا يَحْيَى . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَتْ سَيِّئَة الْخُلُق , فَأَصْلَحَهَا اللَّه لَهُ بِأَنْ رَزَقَهَا حُسْن الْخُلُق . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه أَصْلَحَ لِزَكَرِيَّا زَوْجه , كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره بِأَنْ جَعَلَهَا وَلُودًا حَسَنَة الْخُلُق ; لِأَنَّ كُلّ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي إِصْلَاحه إِيَّاهَا . وَلَمْ يُخَصِّص , اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ بَعْضًا دُون بَعْض فِي كِتَابه وَلَا عَلَى لِسَان رَسُوله , وَلَا وَضَعَ . عَلَى خُصُوص ذَلِكَ دَلَالَة , فَهُوَ عَلَى الْعُمُوم مَا لَمْ يَأْتِ مَا يَجِب التَّسْلِيم لَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُرَاد بِهِ بَعْض دُون بَعْض .' وَقَوْله : { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَات } يَقُول اللَّه : إِنَّ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ - يَعْنِي زَكَرِيَّا وَزَوْجه وَيَحْيَى كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَات فِي طَاعَتنَا , وَالْعَمَل بِمَا يُقَرِّبهُمْ إِلَيْنَا .وَقَوْله : { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَات } يَقُول اللَّه : إِنَّ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ - يَعْنِي زَكَرِيَّا وَزَوْجه وَيَحْيَى كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَات فِي طَاعَتنَا , وَالْعَمَل بِمَا يُقَرِّبهُمْ إِلَيْنَا .' وَقَوْله : { وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَانُوا يَعْبُدُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا . وَعَنَى بِالدُّعَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْعِبَادَة , كَمَا قَالَ : { وَأَعْتَزِلكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَنْ لَا أَكُون بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا } وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { رَغَبًا } أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ رَغْبَة مِنْهُمْ فِيمَا يَرْجُونَ مِنْهُ مِنْ رَحْمَته وَفَضْله . { وَرَهَبًا } يَعْنِي رَهْبَة مِنْهُمْ مِنْ عَذَابه وَعِقَابه , بِتَرْكِهِمْ عِبَادَته وَرُكُوبهمْ مَعْصِيَته . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18728 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَات وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا } قَالَ : رَغَبًا فِي رَحْمَة اللَّه , وَرَهَبًا مِنْ عَذَاب اللَّه . 18729 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا } قَالَ : خَوْفًا وَطَمَعًا . قَالَ : وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُفَارِق الْآخَر . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { رَغَبًا وَرَهَبًا } بِفَتْحِ الْغَيْن وَالْهَاء مِنْ الرَّغَب وَالرَّهَب . وَاخْتُلِفَ عَنْ الْأَعْمَش فِي ذَلِكَ , فَرُوِيَتْ عَنْهُ الْمُوَافَقَة فِي ذَلِكَ لِلْقُرَّاءِ , وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَهَا : " رُغْبًا " وَ " رُهْبًا " بِضَمِّ الرَّاء فِي الْحَرْفَيْنِ وَتَسْكِين الْغَيْن وَالْهَاء . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار , وَذَلِكَ الْفَتْح فِي الْحَرْفَيْنِ كِلَيْهِمَا .وَقَوْله : { وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَانُوا يَعْبُدُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا . وَعَنَى بِالدُّعَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْعِبَادَة , كَمَا قَالَ : { وَأَعْتَزِلكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَنْ لَا أَكُون بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا } وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { رَغَبًا } أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ رَغْبَة مِنْهُمْ فِيمَا يَرْجُونَ مِنْهُ مِنْ رَحْمَته وَفَضْله . { وَرَهَبًا } يَعْنِي رَهْبَة مِنْهُمْ مِنْ عَذَابه وَعِقَابه , بِتَرْكِهِمْ عِبَادَته وَرُكُوبهمْ مَعْصِيَته . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18728 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَات وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا } قَالَ : رَغَبًا فِي رَحْمَة اللَّه , وَرَهَبًا مِنْ عَذَاب اللَّه . 18729 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا } قَالَ : خَوْفًا وَطَمَعًا . قَالَ : وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُفَارِق الْآخَر . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { رَغَبًا وَرَهَبًا } بِفَتْحِ الْغَيْن وَالْهَاء مِنْ الرَّغَب وَالرَّهَب . وَاخْتُلِفَ عَنْ الْأَعْمَش فِي ذَلِكَ , فَرُوِيَتْ عَنْهُ الْمُوَافَقَة فِي ذَلِكَ لِلْقُرَّاءِ , وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَهَا : " رُغْبًا " وَ " رُهْبًا " بِضَمِّ الرَّاء فِي الْحَرْفَيْنِ وَتَسْكِين الْغَيْن وَالْهَاء . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار , وَذَلِكَ الْفَتْح فِي الْحَرْفَيْنِ كِلَيْهِمَا .' وَقَوْله : { وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } يَقُول : وَكَانُوا لَنَا مُتَوَاضِعِينَ مُتَذَلِّلِينَ , وَلَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتنَا وَدُعَائِنَا .وَقَوْله : { وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } يَقُول : وَكَانُوا لَنَا مُتَوَاضِعِينَ مُتَذَلِّلِينَ , وَلَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتنَا وَدُعَائِنَا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وزكريا إذ نادى ربه} أي واذكر زكريا. وقد تقدم في { آل عمران} ذكره. { رب لا تذرني فردا} أي منفردا لا ولد لي وقد تقدم. { وأنت خير الوارثين} أي خير من يبقي بعد كل من يموت؛ وإنما قال { وأنت خير الوارثين} لما تقدم من قوله { يرثني} [مريم : 6] أي أعلم أنك، لا تضيع دينك ولكن لا تقطع هذه الفضيلة التي هي القيام بأمر الذين عن عقبي. كما تقدم في { مريم} بيانه. قوله تعالى { فاستجبنا له} أي أجبنا دعاءه { ووهبنا له يحيى} . تقدم. { وأصلحنا له زوجه} قال قتادة وسعيد بن جبير وأكثر المفسرين : إنها كانت عاقرا فجعلت ولودا. وقال ابن عباس وعطاء : كانت سيئة الخلق، طويلة اللسان، فأصلحها الله فجعلها حسنة الخلق. قلت : ويحتمل أن تكون جمعت المعنيين فجعلت حسنة الخلق ولودا. { إنهم} يعني الأنبياء المسلمين في هذه السورة { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} وقيل : الكناية راجعة إلى زكريا وامرأته ويحيى. قوله تعالى { ويدعوننا رغبا ورهبا} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى { ويدعوننا رغبا ورهبا} أي يفزعون إلينا فيدعوننا في حال الرخاء وحال الشدة. وقيل : المعنى يدعون وقت تعبدهم وهم بحال رغبة ورجاء ورهبة وخوف، لأن الرغبة والرهبة متلازمان. وقيل : الرغب رفع بطون الأكف إلى السماء، والرهب رفع ظهورها؛ قاله خصيف؛ وقال ابن عطية : وتلخيص. أن عادة كل داع من البشر أن يستعين بيديه فالرغب من حيث هو طلب يحسن منه أن يوجه باطن الراح نحو المطلوب منه، إذ هو موضع إعطاء أو بها يتملك، والرهب من حيث هو دفع يحسن معه طرح ذلك، والإشارة إلى ذهابه وتوقيه بنفض اليد ونحوه. الثانية: روى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه وقد مضى في { الأعراف} الاختلاف في رفع الأيدي، وذكرنا هذا الحديث وغيره هناك. وعلى القول بالرفع فقد اختلف الناس في صفته وإلى أين؟ فكان بعضهم يختار أن يبسط كفيه رافعهما حذو صدره وبطونهما إلى وجهه؛ روي عن ابن عمر وابن عباس. وكان علي يدعو بباطن كفيه؛ وعن أنس مثله، وهو ظاهر حديث الترمذي. وقوله صلى الله عليه وسلم : (إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها وامسحوا بها وجوهكم). وروي عن ابن عمر وابن الزبير برفعهما إلى وجهه، واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري؛ قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فجعل يدعو وجعل ظهر كفيه مما يلي وجهه، ورفعهما فوق ثدييه وأسفل من منكبيه وقيل حتى يحاذي بهما وجهه وظهورهما مما يلي وجهه. قال أبو جعفر الطبري والصواب أن يقال : إن كل هذه الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم متفقة غير مختلفة المعاني، وجائز أن يكون ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لاختلاف أحوال الدعاء كما قال ابن عباس : إذا أشار أحدكم بإصبع واحد فهو الإخلاص وإذا رفع يديه حذو صدره فهو الدعاء، وإذا رفعهما حتى يجاوز بهما رأسه وظاهرهما مما يلي وجهه فهو الابتهال. قال الطبري وقد روى قتادة عن أنس قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بظهر كفيه وباطنهما. و { رغبا ورهبا} منصوبان على المصدر؛ أي يرغبون رغبا ويرهبون رهبا. أو على المفعول من أجله؛ أي للرغب والرهب. أو على الحال. وقرأ طلحة بن مصرف { ويدعونا} بنون واحدة. وقرأ الأعمش بضم الراء وإسكان الغين والهاء مثل السقم والبخل، والعدم والضرب لغتان وابن وثاب والأعمش أيضا { رغبا ورهبا} بالفتح في الراء والتخفيف في الغين والهاء، وهما لغتان. مثل نهر ونهر وصخر وصخر. ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو. { وكانوا لنا خاشعين} أي متواضعين خاضعين.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأنبياء الايات 87 - 93

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

فلم تكُنْ استجابة الله لزكريا أنْ يهبه الولد حال كِبَره وكوْن امرأته عاقراً، إنما أيضاً سماه، ولله تعالى سِرٌّ في هذه التسمية؛ لأن الناس أحرار في وَضْع الأسماء للمُسمّيات كما قلنا فلا مانع أن نسمي فتاة زنجية (قمر)؛ لأن الاسم يخرج عن معناه الأصلي، ليصير عَلَماً على هذا المسمى. إذن: هناك فَرْق بين الاسم وبين المسمَّى.

وقد نُسمِّي الأسماء تفاؤلاً أن يكونوا كذلك، كالذي سمَّي ولده يحيى، ويظهر أنه كان يعاني من موت الأولاد؛ لذلك قال:
فَسمَّيْتُه يَحيى ليحيى فَلَم يكُنْ   لِرَدِّ قَضَاءِ اللهِ فيه سَبيلُ
أي: سمَّيْته يحي أَملاً في أن يحيا، لكن هذا لم يردّ عنه قضاء الله.

وكذلك لما سمَّي عبد المطلب محمداً قال: سمَّيته محمداً ليُحمد في الأرض وفي السماء.

لكن، حين يُسمِّى يحيى مَنْ يملك الحياة ويملك الموت، فلا بُدَّ أن يكون اسماً على مُسمَّى، ولا بُدَّ له أن يحيا، حتى إنْ مات يموت شهيداً، لتتحقق له الحياة حتى بعد الموت.

ومعنى: { وَوَهَبْنَا.. } [الأنبياء: 90] أي: أعطيناه بدون قانون التكوين الإنساني، وبدون أسباب.

ثم يقول سبحانه: { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ... } [الأنبياء: 90] فبعَد أنْ كانت عاقراً لا تلد أجرينا لها عملية ربانية أعادتْ لها مسألة الإنجاب؛لأن المرأة تلد طالما فيها البويضات التي تكوِّن الجنين، فإذا ما انتهتْ هذه البويضات قد أصبحت عقيماً، وهذه البويضات في عنقود، ولها عدد مُحدَّد أشبه بعنقود البيض في الدجاجة؛ لذلك يسمون آخر الأولاد " آخر العنقود ".

إذن: وُجِد يحيى من غير الأسباب الكونية للميلاد؛ لأن المكوِّن سبحانه أراد ذلك.

لكن، لماذا لم يقُلْ لزكريا أصلحناك؟ قالوا: لأن الرجل صالح للإنجاب ما دام قادراً على العملية الجنسية، مهما بلغ من الكِبَر على خلاف المرأة المستقبِلة، فهي التي يحدث منها التوقُّف.

وأصحاب العُقْم وعدم الإنجاب نرى فيهم آيات من آيات الله، فنرى الزوجين صحيحين، أجهزتُهما صالحة للإنجاب، ومع ذلك لا ينجبان، فإذا ما تزوج كل منهما بزوج آخر ينجب؛ لأن المسألة ليست (آليّة)، بيل وراء الأسباب الظاهرة إرادة الله ومشيئته.

لذلك يقول تعالى:
{  لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً... }
[الشورى: 49 - 50].

ثم تُوضِّح الآيات سبب وعِلَّة إكرام الله واستجابته لنبيه زكريا - عليه السلام: { إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ } [الأنبياء: 90]

هذه صفات ثلاث أهَّلَتْ زكريا وزوجته لهذا العطاء الإلهي، وعلينا أن نقف أمام هذه التجربة لسيدنا زكريا، فهي أيضاً ليستْ خاصة به إنما بكل مؤمن يُقدِّم من نفسه هذه الصفات.

لذلك، أقول لمن يُعاني من العقم وعدم الإنجاب وضاقتْ به أسباب الدنيا، وطرق باب الأطباء أن يلجأ إلى الله بما لجأ به زكريا - عليه السلام - وأهله { إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ } [الأنبياء: 90] خذوها (روشتة) ربانية، ولن تتخلف عنكم الاستجابة بإذن الله.لكن، لماذا هذه الصفة بالذات: { إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ.. } [الأنبياء: 90]؟

قالوا: لأنك تلاحظ أن أصحاب العُقْم وعدم الإنجاب غالباً ما يكونون بُخَلاء مُمْسِكين، فليس عندهم ما يُشجِّعهم على الإنفاق، فيستكثرون أن يُخرجوا شيئاً لفقير؛ لأنه ليس ولده.

فإذا ما سارع إلى الإنفاق وسارع في الخيرات بشتى أنواعها، فقد تحدَّى الطبيعة وسار ضدها في هذه المسألة، وربما يميل هؤلاء الذين ابتلاهم الله بالعُقْم إلى الحقد على الآخرين، أو يحملون ضغينة لمن ينجب، فإذا طرحوا هذا الحقد ونظروا لأولاد الآخرين على أنهم أولادهم، فعطفوا عليهم وسارعوا في الخيرات، ثم توجَّهوا إلى الله بالدعاء رَغَباً ورَهَباً، فإن الله تعالى وهو المكوِّن الأعلى يخرق لهم النواميس والقوانين، ويرزقهم الولد من حيث لا يحتسبون.

ومعنى: { وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ } [الأنبياء: 90] يعني: راضين بقدرنا فيهم، راضين بالعُقْم على أنه ابتلاء وقضاء، ولا يُرفع القضاء عن العبد حتى يرضى به، فلا ينبغي للمؤمن أنْ يتمرَّد على قدر الله، ومن الخشوع التطامن لمقادير الخَلْق في الناس.


www.alro7.net