سورة
اية:

وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً...} الآية. [90].
روى عكرمة، عن ابن عباس: أن عُتْبَةَ، وشَيْبَة، أبا سفيان، والنَّضْرَ بن الحارث، وابا البَخْتَرِي، والوليد بن المُغِيرَة، وأبا جهل، وعبد الله بن أبي أميّة، وأمَيّة بن خلف، ورؤساء قريش - اجتمعوا عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه. فبعثوا إليه: أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم سريعاً - وهو يظن أنه بدا [لهم] في أمره بدَاء، وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم، ويعز عليه عنَتُهمْ - حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد، إنا والله لا نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء، وعِبْتَ الدين، وسفّهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرَّقت الجماعة، وما بقي أمر قبيح إلا وقد جِئتَهُ فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت [بهذا] لتطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا ما تكون به أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سوّدناك علينا - وإن كنت تريد ملكاً ملّكناك علينا، وإن كان هذا الرّئيُّ الذي يأتيك تَرَاهُ قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي- بذلنا أموالنا في طلب الطِّبِّ لك حتى نُبرئك منه أو نعذر فيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَا بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به لطلب أموالكم ولا للشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله عز وجل بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليَّ كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلّغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبَلوا مني ما جئتكم به فهو حظّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عليّ أصْبِر لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم. قالوا [له]: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا [عليك] فقد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلاداً، ولا أقل مالاً، ولا أشد عيشاً منا، فسَلْ لنا ربك - الذي بعثك - فليسيِّر عنا هذه الجبال التي ضيَّقت علينا، ويبسد لنا بلادنا، ويجر فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا مَن مضى من آبائنا، وليكن ممن يبعث لنا منه قُصَيّ بن كلاب، فإنه كان شيخاً صدوقاً، فنسألهم عما تقول: أحق هو [أم باطل]؟ فإن صنعت ما سألناك صدَّقناك، وعرَفنا به منزلتك عند الله، وأ،ه بعثك رسولاً كما تقول. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله سبحانه بما بعثني به، فقد بلّغتكم ما أرسلت به [إليكم]، فإن تقبلوه فهو حظَّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه أصبر لأمر الله، قالوا: فإن لم تفعل هذا فسل ربك أن يبعث ملكاً يصدّقك، وسله فليجعل لك جِناناً وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة يُغْنِيكَ بها عما نراك [تبتغي] فإنك تقوم في الأسواق [كما نقوم] وتلتمس المعاش [كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم]. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما أنا بفاعل]، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله تعالى بعثني بشيراً ونذيراً. قالوا: فأسقط علينا كِسفَاً من السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله إن شاء فعل. فقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبِيلا. وقال عبد الله بن أمَيّة المخزومي - وهو ابن عاتكة بنت عبد المطلب ابنُ عمة النبي صلى الله عليه وسلم: لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً وترقى فيه، وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي بنسخة منشورة معك، ونفر من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً لما فاته من متابعة قومه، ولما رأى من مباعدتهم منه. فأنزل الله تعالى: { وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً...} الآيات.
أخبرنا سعيد بن أحمد بن جعفر، قال: أخبرنا أبو علي بن أبي بكر الفقيه، قال: أخبرنا أحمد بن الحسين بن الجنيد، قال: حدثنا زياد بن أيوب، قال: حدثنا هشيم عن عبد الملك بن عمير - عن سعيد بن جبير - قال: قلت له، قوله: { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} نزلت في عبد الله بن أبي أُميَّة؟ قال: زعموا ذلك.

تفسير بن كثير

قال ابن جرير عن ابن عباس: إن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان ابن حرب، وأبا البختري، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد اللّه بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بداء، وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا واللّه ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، فما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سوَّدناك علينا، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي - فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن اللّه بعثني إليكم رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم) فقالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلاداً، ولا أقل مالاً، ولا اشد عيشاً منا، فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسيّر عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجّر فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، ويبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخاً صدوقاً، فنسألهم عما تقول حق هو أم باطل؟ فإن صنعت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند اللّه، وأنه بعثك رسولاً، كما تقول، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند اللّه بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر اللّه حتى يحكم الله بيني وبينكم) قالوا: فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك فسل ربك أن يبعث ملكاً يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لك جنات وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف منزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم! فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن اللّه بعثني بشيراً ونذيراً، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم) قالوا: فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ذلك إلى اللّه إن شاء فعل بكم ذلك)، فقالوا: يا محمد! أما علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا واللّه لا نؤمن بالرحمن أبداً، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما واللّه لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا. فلما قالوا ذلك، قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عنهم، وقام معه عبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته عاتكة ابنة عبد المطلب، فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من اللّه فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوفهم به من العذاب، فواللّه لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بصحيفة منشورة، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وايم اللّه لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك، ثم انصرف عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وانصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أهله حزيناً أسفاً، لما فاته مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه ""أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما"". ولو علم اللّه منهم أنهم يسألون ذلك استرشاداً لأجيبوا إليه، ولكن علم أنهم إنما يطلبون ذلك كفراً وعناداً، فقيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: إن شئت أعطيناهم ما سألوا، فإن كفروا عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال: (بل تقتح عليهم باب التوبة والرحمة). وقوله تعالى: { حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} الينبوع: العين الجارية، سألوه أن يجري لهم عيناً معيناً في أرض الحجاز ههنا وههنا، وذلك سهل على اللّه تعالى يسير لو شاء لفعله ولأجابهم إلى جميع ما سألوا وطلبوا، ولكن علم أنهم لا يهتدون، كما قال تعالى: { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون . ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} . وقوله تعالى: { أو تسقط السماء كما زعمت} أي أنك وعدتنا يوم القيامة تنشق فيه السماء وتهي وتدلي أطرافها فعجّلْ ذلك في الدنيا، وأسقطها كسفاً أي قطعاً، كذلك سأل قوم شعيب فقالوا: { أسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين} ، فعاقبهم اللّه بعذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم، وأما نبي الرحمة المبعوث رحمة للعالمين فسأل إنظارهم وتأجليهم، لعل اللّه يخرج من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئاً، وكذلك وقع، فإن من هؤلاء الذين ذكروا من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه حتى عبد اللّه بن أبي أميه الذي تبع النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال له ما قال، أسلم إسلاماً وأناب إلى اللّه عزَّ وجلَّ، وقوله تعالى: { أو يكون لك بيت من زخرف} . قال ابن عباس ومجاهد: هو الذهب، أي يكون لك بيت من ذهب، { أو ترقى في السماء} أي تصعد في سلم، ونحن ننظر إليك، { ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه} ، قال مجاهد: أي مكتوب فيه، إلى كل واحد صحيفة، هذا كتاب من اللّه لفلان بن فلان تصبح موضوعة عند رأسه، وقوله تعالى: { قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا} أي سبحانه وتعالى وتقدس، أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته، بل هو الفعال لما يشاء، وما أنا إلا رسول إليكم أبلغكم رسالات ربي، وأنصح لكم، وأمركم فيما سألتم إلى اللّه عزَّ وجلَّ، وعن أبي أمامة، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (عرض علي ربي عزَّ وجلَّ ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً، فقلت: لا يا رب ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً - أو نحو ذلك - فإن جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك) ""رواه أحمد والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن"".

تفسير الجلالين

{ وقالوا } عطف على أبى { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } عينا ينبع منها الماء.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِن لَك حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنْ الْأَرْض يَنْبُوعًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ يَا مُحَمَّد , الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ مِنْ قَوْمك لَك : لَنْ نُصَدِّقك , حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنْ أَرْضنَا هَذِهِ عَيْنًا تَنْبُع لَنَا بِالْمَاءِ . وَقَوْله { يَنْبُوعًا } يَفْعُول مِنْ قَوْل الْقَائِل : نَبَعَ الْمَاء : إِذَا ظَهَرَ وَفَارَ , يَنْبُع وَيَنْبَع , وَهُوَ مَا نَبَعَ . كَمَا : 17116 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنْ الْأَرْض يَنْبُوعًا } : أَيْ حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنْ الْأَرْض عُيُونًا : أَيْ بِبَلَدِنَا هَذَا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنْ الْأَرْض يَنْبُوعًا } قَالَ : عُيُونًا . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 17117 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ أَبْنِ أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { يَنْبُوعًا } قَالَ : عُيُونًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله { تَفْجُر } فَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ أَنَّهُ قَرَأَ { حَتَّى تَفْجُر لَنَا } خَفِيفَة وَقَوْله { فَتُفَجِّر الْأَنْهَار خِلَالهَا تَفْجِيرًا } بِالتَّشْدِيدِ , وَكَذَلِكَ كَانَتْ قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ يَقْرَءُونَهَا , فَكَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا بِتَخْفِيفِهِمْ الْأُولَى إِلَى مَعْنَى : حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنْ الْأَرْض مَاء مَرَّة وَاحِدَة . وَبِتَشْدِيدِهِمْ الثَّانِيَة إِلَى أَنَّهَا تُفَجَّر فِي أَمَاكِن شَتَّى , مَرَّة بَعْد أُخْرَى , إِذَا كَانَ ذَلِكَ تَفَجَّرَ أَنْهَار لَا نَهَر وَاحِد وَالتَّخْفِيف فِي الْأُولَى وَالتَّشْدِيد فِي الثَّانِيَة عَلَى مَا ذَكَرْت مِنْ قِرَاءَة الْكُوفِيِّينَ أَعْجَب إِلَيَّ لِمَا ذَكَرْت مِنْ اِفْتِرَاق مَعْنِيَّيْهِمَا , وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأُولَى مَدْفُوعَة صِحَّتهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِن لَك حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنْ الْأَرْض يَنْبُوعًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ يَا مُحَمَّد , الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ مِنْ قَوْمك لَك : لَنْ نُصَدِّقك , حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنْ أَرْضنَا هَذِهِ عَيْنًا تَنْبُع لَنَا بِالْمَاءِ . وَقَوْله { يَنْبُوعًا } يَفْعُول مِنْ قَوْل الْقَائِل : نَبَعَ الْمَاء : إِذَا ظَهَرَ وَفَارَ , يَنْبُع وَيَنْبَع , وَهُوَ مَا نَبَعَ . كَمَا : 17116 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنْ الْأَرْض يَنْبُوعًا } : أَيْ حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنْ الْأَرْض عُيُونًا : أَيْ بِبَلَدِنَا هَذَا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنْ الْأَرْض يَنْبُوعًا } قَالَ : عُيُونًا . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 17117 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ أَبْنِ أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { يَنْبُوعًا } قَالَ : عُيُونًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله { تَفْجُر } فَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ أَنَّهُ قَرَأَ { حَتَّى تَفْجُر لَنَا } خَفِيفَة وَقَوْله { فَتُفَجِّر الْأَنْهَار خِلَالهَا تَفْجِيرًا } بِالتَّشْدِيدِ , وَكَذَلِكَ كَانَتْ قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ يَقْرَءُونَهَا , فَكَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا بِتَخْفِيفِهِمْ الْأُولَى إِلَى مَعْنَى : حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنْ الْأَرْض مَاء مَرَّة وَاحِدَة . وَبِتَشْدِيدِهِمْ الثَّانِيَة إِلَى أَنَّهَا تُفَجَّر فِي أَمَاكِن شَتَّى , مَرَّة بَعْد أُخْرَى , إِذَا كَانَ ذَلِكَ تَفَجَّرَ أَنْهَار لَا نَهَر وَاحِد وَالتَّخْفِيف فِي الْأُولَى وَالتَّشْدِيد فِي الثَّانِيَة عَلَى مَا ذَكَرْت مِنْ قِرَاءَة الْكُوفِيِّينَ أَعْجَب إِلَيَّ لِمَا ذَكَرْت مِنْ اِفْتِرَاق مَعْنِيَّيْهِمَا , وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأُولَى مَدْفُوعَة صِحَّتهَا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} الآية نزلت في رؤساء قريش مثل عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبي سفيان والنضر بن الحارث، وأبي جهل وعبدالله بن أبي أمية، وأمية بن خلف وأبي البختري، والوليد بن المغيرة وغيرهم. وذلك أنهم لما عجزوا عن معارضة القرآن ولم يرضوا به معجزة، اجتمعوا - فيما ذكر ابن إسحاق وغيره - بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك فأتهم، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بدو، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم فقالوا له : يا محمد! إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك؛ لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، أو كما قالوا له. فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا - فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما بي ما تقولون ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم) أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قالوا : يا محمد، فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا وليخرق لنا فيها أنهارا كأنهار الشام، وليبعث لنا من مضى من آبائنا؛ وليكن فيمن يبعث لنا قصي بن كلاب؛ فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول، أحق هو أم باطل، فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك، وعرفنا به منزلتك من الله تعالى، وأنه بعثك رسولا كما تقول. فقال لهم صلوات الله عليه وسلامه : (ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله تعالى بما بعثني به وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم). قالوا : فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك! سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وأسأله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي؛ فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمس، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم. فقال لهم رسول الله : (ما أنا بفاعل وما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت بهذا إليكم ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا - أو كما قال - فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم) قالوا : فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل؛ فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ذلك إلى الله عز وجل إن شاء أن يفعله بكم فعل) قالوا : يا محمد، فما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألنا عنه ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك بما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به. إنه قد بلغنا إنما يعلمك هذا رجل من اليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم : نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله. وقال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا. فلما قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قام عنهم وقام معه عبدالله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته، هو لعاتكة بنت عبدالمطلب، فقال له : يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول، ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل - أو كما قال له - فوالله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها، ثم تأتي معك بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وايم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا أسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه، كله لفظ ابن إسحاق. وذكر الواحدي عن عكرمة عن ابن عباس : فأنزل الله تعالى { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} . { ينبوعا} يعني العيون؛ عن مجاهد. وهي يفعول، من نبع ينبع. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي { تفجر لنا} مخففة؛ واختاره أبو حاتم لأن الينبوع واحد. ولم يختلفوا في تفجر الأنهار أنه مشدد. قال أبو عبيد : والأولى مثلها. قال أبو حاتم. ليست مثلها، لأن الأولى بعدها ينبوع وهو واحد، والثانية بعدها الأنهار وهي جمع، والتشديد يدل على التكثير. أجيب بأن { ينبوعا} وإن كان واحدا فالمراد به الجمع، كما قال مجاهد. الينبوع عين الماء، والجمع الينابيع. وقرأ قتادة { أو يكون لك جنة} { خلالها} أي وسطها. { أو تسقط السماء} قراءة العامة. وقرأ مجاهد { أو يسقط السماء} على إسناد الفعل إلى السماء. { كسفا} قطعا، عن ابن عباس وغيره. والكسف (بفتح السين) جمع كسفة، وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم. الباقون { كسفا} بإسكان السين. قال الأخفش : من قرأ كسْفا من السماء جعله واحدا، ومن قرأ كسَفا جعله جمعا. قال المهدوي : ومن أسكن السين جاز أن يكون جمع كسفة وجاز أن يكون مصدرا، من كسفت الشيء إذا غطيته. فكأنهم قالوا : أسقطها طبقا علينا. وقال الجوهري. الكسفة القطعة من الشيء؛ يقال : أعطني كسفة من ثوبك، والجمع كسف وكسف. ويقال : الكسفة واحد. قوله تعالى { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} أي معاينة؛ عن قتادة وابن جريج. وقال الضحاك وابن عباس : كفيلا. قال مقاتل : شهيدا. مجاهد : هو جمع القبيلة؛ أي بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة. وقيل : ضمناء يضمنون لنا إتيانك به. { أو يكون لك بيت من زخرف} أي من ذهب؛ عن ابن عباس وغيره. وأصله الزينة. والمزخرف المزين. وزخارف الماء طرائقه. وقال مجاهد : كنت لا أدري ما الزخرف حتى رأيته في قراءة ابن مسعود { بيت من ذهب} أي نحن لا ننقاد لك مع هذا الفقر الذي نرى. { أو ترقى في السماء} أي تصعد؛ يقال : رقيت في السلم أرقى رقيا ورقيا إذا صعدت. وارتقيت مثله. { ولن نؤمن لرقيك} أي من أجل رقيك، وهو مصدر؛ نحو مضى يمضي مضيا، وهوى يهوي هويا، كذلك رقي يرقي رقيا. { حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه} أي كتابا من الله تعالى إلى كل رجل منا؛ كما قال تعالى { بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة} [المدثر : 52]. { قل سبحان ربي} وقرأ أهل مكة والشام { قال سبحان ربي} يعني النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي قال ذلك تنزيها لله عز وجل عن أن يعجز عن شيء وعن أن يعترض عليه في فعل. وقيل : هذا كله تعجب عن فرط كفرهم واقتراحاتهم. الباقون { قل} على الأمر؛ أي قل لهم يا محمد { هل كنت} أي ما أنا { إلا بشرا رسولا} اتبع ما يوحى إلي من ربي، ويفعل الله ما يشاء من هذه الأشياء التي ليست في قدرة البشر، فهل سمعتم أحدا من البشر أتى بهذه الآيات وقال بعض الملحدين : ليس هذا جوابا مقنعا، وغلطوا؛ لأنه أجابهم فقال : إنما أنا بشر لا أقدر على شيء مما سألتموني، وليس لي أن أتخير على ربي، ولم تكن الرسل قبلي يأتون أممهم بكل ما يريدونه ويبغونه، وسبيلي سبيلهم، وكانوا يقتصرون على ما آتاهم الله من آياته الدالة على صحة نبوتهم، فإذا أقاموا عليهم الحجة لم يجب لقومهم أن يقترحوا غيرها، ولو وجب على الله أن يأتيهم بكل ما يقترحونه من الآيات لوجب عليه أن يأتيهم بمن يختارونه من الرسل، ولوجب لكل إنسان أن يقول : لا أومن حتى أوتى بآية خلاف ما طلب غيري. وهذا يؤول إلى أن يكون التدبير إلى الناس. وإنما التدبير إلى الله تعالى.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

(لَنْ) تفيد تأبيد نَفْي الفعل في المستقبل، تقول: أنا لم أصنع هذا، ولن أصنعه. أي: في المستقبل.

ومعلوم أن الإنسان ابن أغيار، ولا يحكمه حال واحد بل هو مُتقلِّب بين أحوال شتى طوال حياته، والله تعالى وحده هو الذي لا يتغيّر، وما دام الإنسان ابنَ أغيار ويطرأ عليه حال بعد حال، فليس له أنْ يحكمَ على شيء حُكْماً قاطعاً في مستقبل هو لا يملكه، فالذي يملك الحكم القاطع هو الحق سبحانه الذي لا تتناوله الأغيار.

لذلك فالإنسان مثلاً إذا صعد حتى القمة نخاف عليه الهبوط؛ لأنه من أهل الأغيار، ولا يدوم له حال، إذن: فماذا بعد القمة؟

وقد عَبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله:
إذَا تَمَّ شَيءٌ بَدَا نَقْصُهُ   تَرقَّبْ زَوَالاً إذَا قِيل تَمّ
والعجيب أن الناس يتطلعون في نعمة الله إلى التمام، فيقول أحدهم: يا حبَّذا، لو حدث كذا لَتَمتْ هذه النعمة، وهم لا يدرون أن هذا النقص في النعمة سبب بقائها، فلو تَمَّتْ لك النعمة وأنت من أهل الأغيار، فماذا تنتظر إلا زوالها؟

فَلْيَرْضَ كلٌّ صاحب نعمة بما فيها من نقص، فلعل هذا النقص يردُّ عنه عَيْن حاسد، أو حقد حاقد.

فبعض الناس يرزقه الله بالأولاد ويُعينه على تربيتهم، ولحكمة يفشل أحدهم فيحزن لذلك ويألم أشد الألم، ويقول: لو أن هذا الولد.. وهو لا يدرك حكمة الله من وراء هذا النقص، وأنه حارسٌ للنعمة في الآخرين، وأنه التميمة التي تحميه وتردُّ عنه ما يكره.

لذلك لما أراد المتنبي أن يمدح سيف الدولة قال له:
شَخِصَ الأَنامُ إلى كَمَالِكَ فَاسْتَعِذْ   مِنْ شَرِّ أَعْيُنِهِمْ بعَيْبٍ وَاحِد
أي:نظروا إليك معجبين بما فيك من كمال، فاعمل عملاً سيئاً واحداً يصد عنك شرَّ أعينهم.

إذن: (لن) تفيد تأبيد النفي في المستقبل، وهذا أمر لا يملكه إلا مالك الأحداث سبحانه وتعالى، أمّا صاحب الأغيار فليس له ذلك، والذين آمنوا فيما بعد برسول الله ممَّنْ قالوا هذه المقولة: { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً } [الإسراء: 90]

نستطيع أن نقول لهم: لقد أوقعتْكم (لن) في الكذب؛ لأنكم أبَّدتُم نَفْي الإيمان، وها أنتم مؤمنون، ولم يُفجِّر لكم النبي ينبوعاً من الأرض.

وعند فتح مكة وقف عكرمة بن أبي جهل وقال في الخَنْدَمَة ما قال، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً معتذراً وخرج محارباً مع خالد بن الوليد في اليرموك، وحين طُعِن الطعنة المميتة، وحمله خالد، فإذا به يقول له: أهذه ميتة تُرضِي عني رسول الله؟

إذن: مَنْ يقول كلمة عليه أن يكون قادراً على تنفيذها، مالكاً لزمامها، ضامناً لنفسه أَلاَّ يتغير، وأَلاَّ تتناوله الأغيار، ولا يملك ذلك إلا الله سبحانه وتعالى.والمتدبّر لأسلوب القرآن في سورة (الكافرون) يجد هذه المسألة واضحة، حيث يقول تعالى:
{  قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ }
[الكافرون: 1-4]

هكذا نفتْ الآية عبادة كل منهما لإله الآخر في الزمن الحاضر، ثم يقول تعالى:
{  وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ }
[الكافرون: 4-5] لينفي أيضاً احتمال العبادة في المستقبل، إذن: فليس في الآية تكرار، كما يرى بعض قِصَار النظر.

ولك الآن أنْ تسألَ: كيف نفى القرآن الحديث في المستقبل؟ نقول: لأن المتكلّم هنا هو الحق سبحانه وتعالى الذي يملك الأحداث ولا تُغيِّره الأغيار، ولا تتسلط عليه، فحكم على المستقبل هذا الحكم القاطع وأبَّد النَّفي فيه.

ثم يقول تعالى: { حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً } [الإسراء: 90]

وفي آية أخرى قال:
{  وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً.. }
[القمر: 12]

فالتفجير: أن تعمل في الأرض عملية تُخرِج المستتر في باطنها على ظهرها، وعين الماء تُخرِج لك الماء من الأرض، وتأخذ من حاجتك فلا ينقص؛ لأنها تعوض ما أُخِذ منها بقانون الاستطراق، وقد يحدث أن يغيض الماء فيها قليلاً.

أما الينبوع فتراه يفيض باستمرار دون أن ينقص فيه منسوب الماء، كما في زمزم مثلاً، ولا شكَّ أن هذا المطلب منهم جاء نتيجة حرمانهم من الماء، وحاجتهم الشديدة إليه.

ويذكر الحق سبحانه أنهم واصلوا حديثهم للرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا: { أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً }.


www.alro7.net