سورة
اية:

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله عز وجل: { إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ...} الآية. [90].
أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا شعيب بن محمد البَيْهَقي، قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: أخبرنا أبو الأزْهَر، قال: حدثنا روْح بن عُبادة عن عبد الحميد بن بهرام، قال: حدثنا شَهْر بن حَوْشَب، قال: حدثنا عبد الله بن عباس، قال:
بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بِفناء بيته بمكة جالساً، إذ مر به عثمان بن مَظْعُون، فكَشَرَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: ألا تجلس؟ فقال: بلى. فجلس إليه مستقبِلَه، فبينما هو يحدثه إذْ شَخَصَ بصره إلى السماء، فنظر ساعة وأخذ يَضَعُ بَصَرَه حتى وضع على يمينه في الأرض، ثم تَحَرَّف عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، فأخذ يُنْغِضُ رأسَه كأنه يسْتَفْقِه ما يقال له، ثم شَخص بصرُه إلى السماء كما شخص أول مرة، فأتْبَعَهُ بصرَه حتى توارى في السماء، وأقبل على عثمان كجلسته الأولى، فقال: يا محمد، فيما كنت أجالسك وآتيك، ما رأيتك تفعل فَعْلَتَك الغداة. قال: وما رأيتني فعلت؟ قال: رأيتك شخص بصرك إلى السماء، ثم وضعته حين وضعته على يمينك، فَتحَرَّفْتَ إليه وتركتني، فأخذت تُنْغِضُ رأسَك كأنك تستفقه شيئاً يقال لك. قال: أوَفَطِنْتَ إلى ذلك؟ قال عثمان: نعم. قال: أتاني رسول الله جبريلُ آنفاً وأنت جالس. [قال: رسول الله؟ قال: نعم] قال: فماذا قال لك؟ قال: قال لي: { إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [قال عثمان]: فذلك حين استقر الإِيمان في قلبي، وأحببت محمداً صلى الله عليه وسلم.

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل وهو القسط، ويندب إلى الإحسان كقوله تعالى: { وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على اللّه} ، وقال: { والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له} إلى غير ذلك من الآيات الدالة على شرعية العدل والندب إلى الفضل. وقال ابن عباس: { إن اللّه يأمر بالعدل} قال: شهادة أن لا إله إلا اللّه، وقال سفيان ابن عيينة: العدل في هذا الموضع هو استواء السريرة والعلانية من كل عامل للّه عملاً، والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته، وقوله: { وإيتاء ذي القربى} أي يأمر بصلة الأرحام، كما قال: { وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا} ، وقوله: { وينهى عن الفحشاء والمنكر} ، فالفواحش المحرمات والمنكرات ما ظهر منها من فاعلها؛ ولهذا قال في الموضع الآخر: { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} ، وأما البغي فهو العدوان على الناس. وقد جاء في الحديث: (ما من ذنب أجدر أن يعجل اللّه عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم)، وقوله: { يعظكم} أي يأمركم بما يأمركم به من الخير وينهاكم عما ينهاكم عنه من الشر { لعلكم تذكرون} . وقال الشعبي، عن ابن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل: { إن اللّه يأمر بالعدل والإحسان} الآية ""أخرجه ابن جرير الطبري""، وقال قتادة: ليس من خُلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر اللّه به، وليس من خُلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى اللّه عنه وقدم فيه، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها، وفي الحديث: (إن اللّه يحب معالي الأخلاق ويكره سَفْسَافها) وقال الحافظ أبو يعلى عن علي بن عبد الملك بن عمير عن أبيه قال: بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم فأراد أن يأتيه فأبى قومه أن يدعوه وقالوا: أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه، قال: فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه، فانتدب رجلان، فأتيا النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت وما أنت؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (أما من أنا فأنا محمد بن عبد اللّه، وأما ما أنا فأنا عبد اللّه ورسوله(، قال، ثم تلا عليهم هذه الآية: { إن اللّه يأمر بالعدل والإحسان} الآية، قالوا: ردد علينا هذا القول، فردد عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقالا: أبى أن يرفع نسبه، فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكي النسب وسطاً في مضر - أي شريفاً - وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهن أكثم قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رءوساً ولا تكونوا فيه أذناباً. وعن عثمان بن أبي العاص قال: كنت عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالساً إذ شخص بصره فقال: (أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة: { إن اللّه يأمر بالعدل والإحسان} ""أخرجه الإمام أحمد في المسند"") الآية.

تفسير الجلالين

{ إن الله يأمر بالعدل } التوحيد أو الإنصاف { والإحسان } أداء الفرائض أو أن تعبد الله كأنك تراه كما في الحديث { وإيتاءِ } إعطاء { ذي القربى } القرابة خصه بالذكر اهتماما به { وينهى عن الفحشاء } الزنا { والمنكر } شرعا من الكفر والمعاصي { والبغي } الظلم للناس خصه بالذكر اهتماما كما بدأ بالفحشاء كذلك { يعظكم } بالأمر والنهي { لعلكم تذكرون } تتعظون وفيه إدغام التاء في الأصل في الذال، وفي المستدرك عن ابن مسعود وهذه أجمع آية في القرآن للخير والشر .

تفسير القرطبي

فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى { إن الله يأمر بالعدل والإحسان} روي عن عثمان بن مظعون أنه قال : لما نزلت هذه الآية قرأتها على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتعجب فقال : يا آل غالب، اتبعوه تفلحوا، فوالله إن الله أرسله ليأمركم بمكارم الأخلاق. وفي حديث - إن أبا طالب لما قيل له : إن ابن أخيك زعم أن الله أنزل عليه { إن الله يأمر بالعدل والإحسان} الآية، قال : اتبعوا ابن أخي، فوالله إنه لا يأمر إلا بمحاسن الأخلاق. وقال عكرمة : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على الوليد بن المغيرة { إن الله يأمر بالعدل والإحسان} إلى آخرها، فقال : يا ابن أخي أعد، فأعاد عليه فقال : والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لمورق، وأعلاه لمثمر، وما هو بقول بشر، وذكر الغزنوي أن عثمان بن مظعون هو القارئ. قال عثمان : ما أسلمت ابتداء إلا حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده فاستقر الإيمان في قلبي، فقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال : يا ابن أخي أعد فأعدت فقال : والله إن له لحلاوة... وذكر تمام الخبر. وقال ابن مسعود : هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل، ولشر يجتنب. وحكى النقاش قال : يقال زكاة العدل الإحسان، وزكاة القدرة العفو، وزكاة الغنى المعروف، وزكاة الجاه كَتْبُ الرجل إلى إخوانه. الثانية: اختلف العلماء في تأويل العدل والإحسان؛ فقال ابن عباس : العدل لا إله إلا الله، والإحسان أداء الفرائض. وقيل : العدل الفرض، والإحسان النافلة. وقال سفيان بن عيينة : العدل ها هنا استواء السريرة، والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية. علي بن أبي طالب : العدل الإنصاف، والإحسان التفضل. قال ابن عطية : العدل هو كل مفروض، من عقائد وشرائع في أداء الأمانات، وترك الظلم والإنصاف، وإعطاء الحق. والإحسان هو فعل كل مندوب إليه؛ فمن الأشياء ما هو كله مندوب إليه، ومنها ما هو فرض، إلا أن حد الإجزاء منه داخل في العدل، والتكميل الزائد على الإجزاء داخل في الإحسان. وأما قول ابن عباس ففيه نظر؛ لأن أداء الفرائض هي الإسلام حسبما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل، وذلك هو العدل، وإنما الإحسان التكميلات والمندوب إليه حسبما يقتضيه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل بقوله : (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). فإن صح هذا عن ابن عباس فإنما أراد الفرائض مكملة. وقال ابن العربي : العدل بين العبد وبين ربه إيثار حقه تعالى على حظ نفسه، وتقديم رضاه على هواه، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر. وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعها مما فيه هلاكها؛ قال الله تعالى { ونهى النفس عن الهوى} [النازعات : 40] وعزوب الأطماع عن الأتباع، ولزوم القناعة في كل حال ومعنى. وأما العدل بينه وبين الخلق فبذل النصيحة، وترك الخيانة فيما قل وكثر، والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه، ولا يكون منك إساءة إلى أحد بقول ولا فعل لا في سر ولا في علن، والصبر على ما يصيبك منهم من البلوى، وأقل ذلك الإنصاف وترك الأذى. قلت : هذا التفصيل في العدل حسن وعدل، وأما الإحسان فقد قال علماؤنا : الإحسان مصدر أحسن يحسن إحسانا. ويقال على معنيين : أحدهما متعد بنفسه؛ كقولك : أحسنت كذا، أي حسنته وكلمته، وهو منقول بالهمزة من حسن الشيء. وثانيهما متعد بحرف جر؛ كقولك : أحسنت إلى فلان، أي أوصلت إليه ما ينتفع به. قلت : وهو في هذه الآية مراد بالمعنيين معا؛ فإنه تعالى يحب من خلقه إحسان بعضهم إلى بعض، حتى أن الطائر في سجنك والسنور في دارك لا ينبغي أن تقصر تعهده بإحسانك؛ وهو تعالى غني عن إحسانهم، ومنه الإحسان والنعم والفضل والمنن. وهو في حديث جبريل بالمعنى الأول لا بالثاني؛ فإن المعنى الأول راجع إلى إتقان العبادة ومراعاتها بأدائها المصححة والمكملة، ومراقبة الحق فيها واستحضار عظمته وجلاله حالة الشروع وحالة الاستمرار. وهو المراد بقوله (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين : أحدهما غالب عليه مشاهدة الحق فكأنه يراه. ولعل النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى هذه الحالة بقوله : (وجعلت قرة عيني في الصلاة). وثانيهما : لا تنتهي إلى هذا، لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع عليه ومشاهد له، وإليه الإشارة بقوله تعالى { الذي يراك حين تقوم. وتقلبك في الساجدين} [الشعراء : 218 - 219] وقوله { إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه} [يونس : 61]. الثالثة: قوله تعالى { وإيتاء ذي القربى} أي القرابة؛ يقول : يعطيهم المال كما قال { وآت ذا القربى حقه} [الإسراء : 26] يعني صلته. وهذا من باب عطف المندوب على الواجب، وبه استدل الشافعي في إيجاب إيتاء المكاتب، على ما يأتي بيانه. وإنما خص ذا القربى لأن حقوقهم أوكد وصلتهم أوجب؛ لتأكيد حق الرحم التي اشتق الله اسمها من اسمه، وجعل صلتها من صلته، فقال في الصحيح : (أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك). ولا سيما إذا كانوا فقراء. الرابعة: قوله تعالى { وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} الفحشاء : الفحش، وهو كل قبيح من قول أو فعل. ابن عباس : هو الزنى. والمنكر : ما أنكره الشرع بالنهي عنه، وهو يعم جميع المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها. وقيل هو الشرك. والبغي : هو الكبر والظلم والحقد والتعدي؛ وحقيقته تجاوز الحد، وهو داخل تحت المنكر، لكنه تعالى خصه بالذكر اهتماما به لشدة ضرره. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا ذنب أسرع عقوبة من بغيٍ). وقال عليه السلام : (الباغي مصروع). وقد وعد الله من بُغي عليه بالنصر. وفي بعض الكتب المنزلة : لو بغى جبل على جبل لجعل الباغي منهما دكا.. الخامسة: ترجم الإمام أبو عبدالله بن إسماعيل البخاري في صحيحه فقال : (باب قول الله تعالى { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} وقوله { إنما بغيكم على أنفسكم} [يونس : 23]، } ثم بغي عليه لينصرنه الله} ، وترك إثارة الشر على مسلم أو كافر) ثم ذكر حديث عائشة في سحر لبيد بن الأعصم النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن بطال : فتأول رضي الله عنه من هذه الآيات ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر؛ كما دل عليه حديث عائشة حيث قال عليه السلام : (أما الله فقد شفاني وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرا). ووجه ذلك - والله أعلم - أنه تأول في قول الله تعالى { إن الله يأمر بالعدل والإحسان} الندب بالإحسان إلى المسيء وترك معاقبته على إساءته. فإن قيل : كيف يصح هذا التأويل في آيات البغي. قيل : وجه ذلك - والله أعلم - أنه لما أعلم الله عباده بأن ضرر البغي ينصرف على الباغي بقوله { إنما بغيكم على أنفسكم} وضمن تعالى نصرة من بغي عليه، كان الأولى بمن بغي عليه شكر الله على ما ضمن من نصره ومقابلة ذلك بالعفو عمن بغى عليه؛ وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم باليهودي الذي سحره، وقد كان له الانتقام منه بقوله { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل : 126]. ولكن آثر الصفح أخذا بقوله { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} [الشورى : 43]. السادسة: تضمنت هذه الآية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. روي أن جماعة رفعت عاملها إلى أبي جعفر المنصور العباسي، فحاجها العامل وغلبها؛ بأنهم لم يثبتوا عليه كبير ظلم ولا جوره في شيء؛ فقام فتى من القوم فقال : يا أمير المؤمنين، إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإنه عدل ولم يحسن. قال : فعجب أبو جعفر من إصابته وعزل العامل.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 89 - 90


سورة النحل الايات 90 - 95

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

للحق تبارك وتعالى في هذه الآية ثلاثة أوامر: العدل، والإحسان، وإيتاء ذي القُرْبى. وثلاثة نَواهٍ: عن الفحشاء والمنكر والبغي. ولما نزلت هذه الآية قال ابن مسعود: أجمعُ آيات القرآن للخير هذه الآية لأنها جمعتْ كل الفضائل التي يمكن أن تكون في القرآن الكريم.

" ولذلك سيدنا عثمان بن مظعون كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب له أن يُسلِم، وكان يعرض عليه الإسلام دائماً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحب عَرْض الإسلام على أحد إلا إذا كان يرى فيه مخايل وشِيَماً تحسن في الإسلام.

وكأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضَنَّ بهذه المخايل أن تكون في غير مسلم، لذلك كان حريصاً على إسلامه وكثيراً ما يعرضه عليه، إلا أن سيدنا عثمان بن مظعون تريَّث في الأمر، إلى أن جلس مع الرسول صلى الله عليه وسلم في مجلس، فرآه رفع بصره إلى السماء ثم تنبه، فقال له ابن مظعون: ما حدث يا رسول الله؟ فقال: إن جبريل ـ عليه السلام ـ قد نزل عليَّ الساعة بقول الله تعالى:

{ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [النحل: 90].

قال ابن مظعون ـ رضي الله عنه: فاستقر حبُّ الإيمان في قلبي بهذه الآية الجامعة لكل خصال الخير.

ثم ذهب فأخبر أبا طالب، فلما سمع أبو طالب ما قاله ابن مظعون في هذه الآية قال: يا معشر قريش آمِنُوا بالذي جاء به محمد، فإنه قد جاءكم بأحسن الأخلاق ".

" ويُروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعرض نفسه على قبائل العرب، وكان معه أبو بكر وعلي، قال علي: فإذا بمجلس عليه وقار ومَهَابة، فأقبل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقام إليه مقرون بن عمرو وكان من شيبان ابن ثعلبة فقال: إلى أي شيء تدعونا يا أخا قريش؟ فقال صلى الله عليه وسلم:

{ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [النحل: 90].

فقال مقرون: إنك دعوت إلى مكارم الأخلاق وأحسن الأعمال، أفِكتْ قريش إن خاصمتْك وظاهرتْ عليك ".

أخذ عثمان بن مظعون هذه الآية ونقلها إلى عكرمة بن أبي جهل، فأخذها عكرمة ونقلها إلى الوليد بن المغيرة، وقال له: إن آية نزلت على محمد تقول كذا وكذا، فأفكر الوليد بن المغيرة ـ أي: فكَّر فيما سمع ـ وقال: والله إن له لحلاوةً، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وأنه يعلو ولا يُعْلَى عليه، وما هو بقول بشر.ومع شهادته هذه إلا أنه لم يؤمن، فقالوا: حَسْبُه أنه شهد للقرآن وهو كافر.

وهكذا دخلتْ هذه الآيةُ قلوبَ هؤلاء القوم، واستقرتْ في أفئدتهم؛ لأنها آيةٌ جامعةٌ مانعةٌ، دعَتْ لكل خير، ونَهتْ عن كل شر.

قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ.. } [النحل: 90].

ما العدل؟ العدل هو الإنصاف والمساواة وعدم الميْل؛ لأنه لا يكون إلا بين شيئين متناقضين، لذلك سُمِّي الحاكم العادل مُنْصِفاً؛ لأنه إذا مَثَلَ الخصمان أمامه جعل لكل منهما نصفَ تكوينه، وكأنه قسَم نفسه نصفين لا يميل لأحدهما ولا قَيْد شعرة، هذا هو الإنصاف.

ومن أجل الإنصاف جُعِل الميزان، والميزان تختلف دِقّته حَسْب الموزون، فحساسية ميزان البُرّ غير حساسية ميزان الجواهر مثلاً، وتتناهى دقّة الميزان عند أصحاب صناعة العقاقير الطبية، حيث أقلّ زيادة في الميزان يمكن أن تحوّل الدواء إلى سُمٍّ، وقد شاهدنا تطوراً كبيراً في الموازين، حتى أصبحنا نزن أقلّ ما يمكن تصوّره.

والعدل دائر في كل أقضية الحياة من القمة في شهادة ألا إله إلا الله إلى إماطة الأذى عن الطريق، فالعدل مطلوب في أمور التكليف كلها، في الأمور العقدية التي هي عمل القلب، وكذلك مطلوب في الأمور العملية التي هي أعمال الجوارح في حركة الحياة.

فكيف يكون العدل في الأمور العقدية؟

لو نظرنا إلى معتقدات الكفار لوجدنا بعضهم يقول بعدم وجود إله في الكون، فأنكروا وجوده سبحانه مطلقاً، وآخرون يقولون بتعدُّد الآلهة، هكذا تناقضتْ الأقوال وتباعدتْ الآراء، فجاء العدل في الإسلام، فالإله واحد لا شريك له، مُنزّه عَمّا يُشبه الحوادث، كما وقف موقفَ العدل في صفاته سبحانه وتعالى.

فلله سَمْع، ولكن ليس كأسماع المحدثات، لا ننفي عنه سبحانه مثل هذه الصفات فنكون من المعطّلة، ولا نُشبّهه سبحانه بغيره فنكون من المشبِّهة، بل نقول: ليس كمثله شيء، ونقف موقف العَدْل والوسطية.

كذلك من الأمور العقدية التي تجلَّى فيها عدل الإسلام قضية الجبر والاختيار، حيث اختار موقفاً وسطاً بين مَنْ يقول إن الإنسان يفعل أفعاله باختياره دون دَخْل لله سبحانه في أعمال العبد؛ ولذلك رتَّبَ عليها ثواباً وعقاباً. ومن يقول: لا؛ بل كل الأعمال من الله والعبد مُجْبَر عليها.

فيأتي الإسلام بالعدالة والوسطية في هذه القضية فيقول: بل الإنسان يعمل أعماله الاختيارية بالقوة التي خلقها الله فيه للاختيار.

وفي التشريع والأحكام حدث تبايُن كبير بين شريعة موسى عليه السلام وبين شريعة عيسى عليه السلام ـ في القصاص مثلاً: في شريعة موسى حيث طغتْ المادية على بني إسرائيل حتى قالوا لموسى عليه السلام:
{  أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً.. }
[النساء: 153].

فهم لا يفهمون الغيب ولا يقتنعون به، فكان المناسب لهم القِصَاص ولا بُدَّ، ولو تركهم الحق سبحانه لَكَثُر فيهم القتل، فهم لا ينتهون إلا بهذا الحُكْم الرادع: مَنْ قتَل يُقتلُ، والقتل أنْفى للقتل.وقد تعدّى بنو إسرائيل في طلبهم رؤية الله، فكوْنُك ترى الإله تناقض في الألوهية؛ لأنك حين تراه عينُك فقد حددّتَه في حيّز.

إذن: كونه لا يرى عَيْن الكمال فيه سبحانه وتعالى. وكيف نطمع في رؤيته جَلَّ وعلاَ، ونحن لا نستطيع رؤية حتى بعض مخلوقاته، فالروح التي بين جَنْبي كل مِنّا ماذا نعرف عن طبيعتها وعن مكانها في الجسم، وبها نتحرك ونزاول أعمالنا، وبها نفكّر، وبها نعيش، أين هي؟!

فإذا ما فارقتْ الروح الجسم وأخذ الله سره تحول إلى جيفة يسارع الناس في مواراتها التراب. هل رأيت هذه الروح؟ هل سمعتها؟ هل أدركتها بأي حاسّة من حواسِّك؟!

فإذا كانت الروح وهي مخلوقة لله يعجز العقل عن إدراكها، فكيف بمَنْ خلق هذه الروح؟ فمن عظمته سبحانه أنه لا تُدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار.

كذلك هناك أشياء مما يتطلبها الدين كالحق مثلاً، وهو معنًى من المعاني التي يدّعيها كل الناس، ويطلبون العمل بها، هذا الحق ما شَكْله؟ ما لونه؟ طويل أم قصير؟! فإذا كُنّا لا نستطيع أن نتصوّر الحق وهو مخلوق لله سبحانه، فكيف نتصور الله ونطمع في رؤيته؟!

ومن إسراف بني إسرائيل في المادية أن جعلوا لله تعالى في التلمود جماعة من النقباء، وجعلوه سبحانه قاعداً على صخرة يُدلي رِجْليْه في قصعة من المرمر، ثم أتى حوت.. الخ.. سبحان الله؛ ألهذا الحدِّ وصلتْ بهم المادية؟

ومن هنا كان الكون في حاجة إلى طاقة روحية، تكون هي أيضاً مُسرفة في الروحانية ليحدث نوع من التوازن في الكون، فجاءت شريعة عيسى ـ عليه السلام ـ بعد مادية مُفْرطة وإسراف في الموسَوية، فكيف يكون حُكْم القصاص فيها وهي تهدف إلى أنْ تسموَ بروحانيات الناس؟

جاءت شريعة عيسى عليه السلام تُهدّيء الموقف إذا حدث قتل، فيكفي أن قُتِل واحد ولنستبقي الآخر ولا نثير ضجّة، ونهيج الأحقاد والترة بين الناس، فدَعَتْ هذه الشريعة إلى العفو عن القاتل.

ثم جاء الإسلام ووقف موقف العدل والوسطية في هذا الحكم، فأقرّ القصاص ودعا إلى العفو، فأعطى وليَّ المقتول حَقّ القصاص، ودعاه في نفس الوقت إلى العفو في قوله تعالى:
{  فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ.. }
[البقرة: 178].

ونلاحظ هنا أن القرآن جعلهم إخوة لِيُرقّق القلوب ويُزيل الضغائن.

وللقصاص في الإسلام حكَم عالية، فليس الهدف منه أن يُضخّم هذه الجريمة، بل يهدف إلى حفظ حياة الناس كما قال تعالى:
{  وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ }
[البقرة: 179].

فمن أراد أنْ يحافظَ على حياته فلا يُهدد حياة الآخرين.

وحينما يُعطي ربُّنا تبارك وتعالى حقَّ القصاص لوليّ المقتول ويُمكِّنه منه تبردُ ناره، وتهدأ ثورته، فيفكر في العفو وهو قادر على الانتقام، وهكذا ينزع هذا الحكمُ الغِلَّ من الصدور ويُطفِيء نار الثأر بين الناس.ولذلك نرى في بعض البلاد التي تنتشر فيها عملية الثأر يأتي القاتل حاملاً كفنه على يده إلى وليّ المقتول، ويضع نفسه بين يديه مُعترفاً بجريمته: هاأنا بين يديْك اقتلني وهذا كفنِي.

ما حدث ذلك أبداً إلا وعفا صاحب الحق ووليّ الدم، وهذا هو العدل الذي جاء به الإسلام، دين الوسطية والاعتدال.

هذا العفو من وليّ الدم أداةُ بِنَاء، ووسيلة محبة، فحين نعطيه حَقّ القصاص، ثم هو يعفو، فقد أصبحت حياة القاتل هبةً من وليّ الدم، فكأنه استأثره واستبقاه بعفوه عنه، وهذا جميل يحفظه أهل القاتل، ويقولون: هذا حَقَن دم ابننا.

موقف آخر لعدالة الإسلام ووسطيته نراها في حُكْم الحيض مثلاً، ففي شريعة موسى ـ عليه السلام ـ يُخرج الزوج زوجته من البيت طوال مدة الحيض لا يجمعهما بيت واحد.

وفي شريعة عيسى ـ عليه السلام ـ لا مانع من وجودها في البيت، ولا مانع من معاشرتها والاستمتاع بها.

فجاء الإسلام بالعدل في هذه القضية فقال: تبقى المرأة الحائض في بيتها لا تخرج منه، ولكن لا يقربها الزوج طوال مدة الحيض، فقال تعالى:
{  وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ }
[البقرة: 222].

وكذلك لو أخذنا الناحية الاقتصادية في حياتنا، والتي هي عصب الحياة، والتي بها يتم استبقاء الحياة بالطعام والشراب والملْبس وغيره، وبها يتم استبقاء النوع بالزواج، وكُل هذا يحتاج إلى حركة إنتاج، وإلى حركة استهلاك، وبالإنتاج والاستهلاك تستمر الحياة، ولو توقف أحدهما لحدث في المجتمع بطالة وفساد.

وبناء عليه وزّع الحق سبحانه وتعالى المواهب بين العباد، فما أعرفه أنا أخدم به الكل، وما يعرفه الكل يَخدمني به، وهكذا تستمر حركة الحياة.

والكون الذي تعيش فيه أنت لك فيه مصالح وتُراودك فيه آمال، فإنْ شاركتَ في حركة الحياة واكتسبتَ المال الذي هو عصبُ الحياة فعليك أن تُوازنَ بين متطلباتك العاجلة وآمالك في المستقبل.

فلو أنفقتَ جميع ما اكتسبت في نفقاتك الحاضرة فقد ضيَّعتَ على نفسك تحقيق الآمال في المستقبل، فلن تجد ما تبني به بيتاً مثلاً أو تشتري به سيارة، أو ترتقي بمستواك ببعض كماليات الحياة. وهذا ما نسميه الإسراف.

وفي المقابل، كما لا يليق بك الإسراف حتى لا يبقى عندك شيء، وكذلك لا يليق بك التقتير والبخل والإمساك فتكنز كل ما تكتسب، ولا تنفق إلا ما يُمسِك الرمَق؛ لأنك في هذه الحالة لن تساهم في عملية الاستهلاك، فتكون سبباً في بطالة المجتمع وفساد حاله.

وقد عالج القرآن هذه القضية علاجاً دقيقاً في قوله تعالى:
{  وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً }
[الإسراء: 29].

أي: لا تُمسك يدك بُخْلاً وتقتيراً، فتكون ملُوماً من أهلك وأولادك، ومن الدنيا من حولك، فيكرهك الجميع، وكذلك لا تبسط يدك بالإنفاق بَسْطاً يصل إلى حَدّ الإسراف والتبذير، فيفوتك تحقيق الآمال وتتحسَّر حينما ترى المقتصد قد حقَّق ما لم تستطع أنت تحقيقه من آمال الحياة، وترقّى هو في حياته وأنت مُعْدم لا تملك شيئاً، فكان عليك أن تدّخر جُزْءاً من كَسْبك يمكنك أن ترتقي به حينما تريد.

ولذلك قال تعالى:
{  إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ }
[الإسراء: 27].

وقال:
{  وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً }
[الفرقان: 67].

إذن: فالعَدْل أمر دائر في كل حركات التكليف، سواء كان تكليفاً عَقَدياً، أو تكليفاً بواسطة الأعمال في حركة الحياة، فالأمر قائم على الوسطية والاعتدال، ومن هنا قالوا: خَيْر الأمور الوسط.

وقوله: { وَٱلإحْسَانِ.. } [النحل: 90].

ما الإحسان؟

إذا كان العدل أن تأخذ حقَّك، وأنْ تُعاقب بمثل ما عُوقبت به كما قال تعالى:
{  فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ.. }
[البقرة: 194].

وقوله:
{  وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ.. }
[النحل: 126].

فالإحسان أنْ تتركَ هذا الحق، وأنْ تتنازلَ عنه ابتغاءَ وجه الله، عملاً بقوله تعالى:
{  وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }
[آل عمران: 134].

والناس في الإحسان على مراتب مختلفة حسب قدرة الإنسان واستِعداده الخُلقي.

وأول هذه المراتب كظم الغيظ، من كَظْم القِرْبة المملوءة، فالإنسان يكظم غَيْظه في نفسه، ويحتمل ما يَعتلج بداخله على المذنب دون أن يتعدَّى ذلك إلى الانفعال والردّ بالمثل، ولكنه يظل يعاني ألم الغيظ بداخله وتتأجج ناره في قلبه.

لذلك يحسُن الترقي إلى المرتبة الأعلى، وهي مرتبة العفو، فيأتي الإنسان ويقول: لماذا أدَعْ نفسي فريسة لهذا الغيظ؟ لماذا أشغل به نفسي، وأُقَاسي ألمه ومرارته؟ فيميل إلى أنْ يُريح نفسه ويقتلع جذور الغيظ من قلبه، فيعفو عمَّنْ أساء إليه، ويُخرِج المسألة كلها من قلبه.

فإنِ ارتقى الإنسان في العفو، سعى المرتبة الثالثة، وهي مرتبة أن تُحسن إلى مَنْ أساء إليك، وتزيد عما فرضَ لك حيث تنازلتَ عن الردِّ بالمثل، وارتقيتَ إلى درجة العارفين بالله، فالذي اعتدى اعتدى بقدرته، وانتقم بما يناسبه، والذي ترقّى في درجات الإحسان ترك الأمر لقدرة الله تعالى، وأيْن قدرتُك من قدرة ربك سبحانه وتعالى؟

إذن: فالإحسان اجمل بالمؤمن، وأفضل من الانتقام.

لكن كيف يصل الأمر إلى أنْ تعفوَ عمَّنْ أساء، بل إلى أنْ تُحسِن إليه؟

نقول: هَبْ أن لك ولديْن اعتدى أحدهما على الآخر وأساء إليه، فماذا يكون موقفك منهما؟ وإلى أيّهما يميل قلبك؟

لا شكَّ أن القلب هنا يميل إلى المعتدى عليه، وقد يتعدَّى الأمر إلى أنْ تُرضيه بهدية وتُريه من حنانك وألطافك ما يُذهِب عنه ما يُعاني، والسبب في ذلك إساءة أخيه له فهي التي عطفَتْ قلبك إليه، وعادتْ عليه بالهدايا والألطاف.إذن: من الطبيعي أنْ يُحسِنَ المعتَدى عليه إلى المعتدِي، وأنْ يشكرَ له أنْ تسبَّب له في هذه النعم؛ ولذلك يقول الحسن البصري ـ رحمه الله: أفلا أُحسِن لمن جعل الله في جانبي؟

فالإحسان: أنْ تصنع فوق ما فرض الله عليك، بشرط أن يكونَ من جنس ما فرض الله عليك، ومن جنس ما تعبَّدنا الله به، فمثلاً تعبدنا الله بخمس صلوات في اليوم والليلة فلا مانعَ من الزيادة عليها من جنسها، وكذلك الأمر في الزكاة والصيام والحج. والإحسان هنا يكون بزيادة ما فرضه الله علينا.

وقد يكون الإحسان في الكيفية دون زيادة في العمل، فلا أزيد مثلاً عن خمس صلوات، ولكن أُحسِن ما أنا بصدده من الفرْض، وأُتقِن ما أنا فيه من العمل، وأُخلِص في ذلك عملاً بحديث جبريل عليه السلام ـ حينما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، فقال: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكُنْ تراه فإنه يراك ".

فعليك أن تستحضر في عبادتك ربك عز وجل بجلاله وجماله وكماله، فإنْ لم تصل إلى هذه المرتبة فلا أقلّ من أن تؤمن أنه يراك ويطلع عليك، وهذه كافية لأنْ تُعطي العبادة حقّها ولا تسرق منها، فاللصُّ لا يجرؤ على سرقة البيت وهو يعلم أن صاحبه يراه، فإذا كنا نفعل ذلك مع بعضنا البعض فيخشى أحدنا نظر الآخرين، أيليق بنا أنْ نتجرأ على الله ونحن نعلم نظره إلينا؟!

ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى في الحديث القدسي: " يا عبادي، إنْ كنتم تعتقدون أَنِّي لا أراكم فالخلَل في إيمانكم، وإنْ كنتم تعتقدون أني أراكم، فَلِمَ جعلتموني أهونَ الناظرين إليكم؟ ".

وقال بعضهم في معنى العدل والإحسان:

العدل: أن تستوي السريرة مع العلانية.

والإحسان: أن تعلو السريرة وتكون افضل من العلانية.

والمنكر: إنْ علَتْ العلانية على السريرة.

وقوله تعالى: { وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ } [النحل: 90].

إيتاء: أي إعطاء.

قالوا: لأن العالم حَلَقات مقترنة، فكل قادر حوله أقرباء ضُعفَاء محتاجون، فلو أعطاهم من خيْره، وأفاض عليهم مِمّا أفاض الله عليه لَعَمَّ الخير كل المجتمع، وما وجدنا مُعْوزاً محتاجاً؛ ذلك لأن هذه الدوائر ستشمل المجتمع كله، كل قادر يُعطي مَنْ حوله.

وقد تتداخل هذه الدوائر فتلتحم العطاءات وتتكامل، فلا نرى في مجتمعنا فقيراً، وقد حثتْ الآية على القريب، وحنَّنَتْ عليه القلوب؛ لأن البعيد عنك قريب لغيرك، وداخل في دائرة عطاء أخرى.

وقد يكون الفقير قريباً لعدة أطراف يأخذ من هذا ويأخذ من هذا، وبذلك تتكامل الحياة وتستطرق موارد العيش لكل الناس.

وقالوا: المراد هنا قرابة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن قرابة النبي صلى الله عليه وسلم حرَّمتْ عليهم الزكاة التي أُحِلَّت لغيرهم من الفقراء، وأصبح لهم مَيْزة يمتازون بها عن قرابة الرسول، ولا يليق بنا أن نجعل قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى الزكاة، وإنْ كان أقرباؤكم أصحابَ رحم، فلا تنسوا أن قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أَوْلى من أرحامكم، كما قال تعالى:
{  ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.. }
[الأحزاب: 6].

هذه هي مجموعة الأوامر الواردة في هذه الآية، وإنَّ مجتمعاً يُنفِّذ مثل هذه الأوامر ويتحلَّى بها أفراده، مجتمع ترتقي فيه الاستعدادات الخُلقية، إلى أن يترك الإنسان العقوبة والانتقام ويتعالى عن الاعتداء إلى العفو، بل إلى الإحسان، مجتمع تعمُّ فيه النعمة، ويستطرق فيه الخير إلى كل إنسان.

إن مجتمعاً فيه هذه الصفات لَمجتمعٌ سعيد آمِنٌ يسوده الحب والإيمان والإحسان، إنه لجدير بالصدارة بين أمم الأرض كلها.

وقوله:

{ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ.. } [النحل: 90].

وهذه مجموعة من النواهي تمثل مع الأوامر السابقة منهجاً قرآنياً قويماً يضمن سلامة المجتمع، وأُولى هذه النواهي النهي عن الفحشاء أو الفاحشة، والمتتبع لآيات القرآن الكريم سيجد أن الزنا هو الذنب الوحيد الذي سماه القرآن فاحشة، فهي إذن الزنا، أو كل شيء يخدش حُكْماً من أحكام الله تعالى، ولكن لماذا الزنا بالذات؟

نقول: لأن كل الذنوب الأخرى غير الزنا إنما تتعلق بمحيطات النفس الإنسانية، أما الزنا فيتعلَّق بالنفس الإنسانية ذاتها، ويترتب عليه اختلاط الأنساب وبه تدنَسُ الأعراض، وبه يشكُّ الرجل في أهله وأولاده، ويحدث بسبب هذا من الفساد ما لا يعلمه إلا الله؛ لذلك نصَّ عليه القرآن صراحة في قوله تعالى:
{  وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً }
[الإسراء: 32].

ومن أقوال العلماء في الفاحشة: أنها الذنب العظيم الذي يخجل صاحبه منه ويستره عن الناس، فلا يستطيع أنْ يُجاهر به، كأنه هو نفسه حينما يقع فيه يعلم أنه لا يصحّ، ولا ينبغي لأحد أن يطلع عليه.

(والمنكر) هو الذنب يتجرّأ عليه صاحبه، ويُجاهر به، ويستنكره الناس.

إذن: لدينا هنا مرتبتان من الذنب:

الأولى: أن صاحبه يتحرَّج أن يعرفه المجتمع فيستره في نفسه، وهذا هو الفحشاء.

والثانية: ما تعالم به صاحبه وأنكره المجتمع، وهذا هو المنكر.

(والبغْي) هو الظلم في أيِّ لَوْنٍ من ألوانه، وهو داخل في أشياء كثيرة أعظمها ما يقع في العقيدة من الشرك بالله، كما قال تعالى:
{  إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }
[لقمان: 13].

والظلم هنا أنْ تسلبَ الحق ـ تبارك وتعالى ـ صِفة من صفاته، وتشرك معه غيره وهو خلقك ورزقك، ومنه ظلم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث لم يُجرَّب عليه في يوم من الأيام أنْ قال خطبة أو ألقى قصيدة، كما لم يُجرِّب عليه الكذب أو غيره من الصفات الذميمة، ومع هذا كله قالوا عنه حينما نزل عليه القرآن كذاب وساحر ومجنون، وأيُّ ظلم أعظم من هذا؟

ومن الظلم ظُلْم الإنسان لنفسه حينما يُحقِّق لها شهوة عاجلة ومُتعةً زائفة، تُورثه ندماً وحَسْرة وألماً آجلاً، وبذلك يكون قد ظلم نفسه ظلماً كبيراً وجَرَّ عليها ما لا تطيق، ذلك فَضْلاً عن ظلم الإنسان لغيره بشتى أنواع الظلم وأشكاله.إذن: الآية انتظمتْ مجموعة من الأوامر والنواهي التي تضمن سلامة المجتمع بما جمعتْ من مكارم الأخلاق، والأخلاق أعمُّ من أن تكون في الاعتقادات، وأعمُّ من أن تكون في المعجزة إيماناً بها، وأعمُّ من أن تكون في التكاليف، وأعمُّ من أن تكون في أمر لا حَدَّ فيه ولا حُكْمَ ولا إثم.

وقوله:

{ يَعِظُكُمْ.. } [النحل: 90].

الوعظ: تذكير بالحكم، فعندنا أولاً إعلام بالحكم لكي نعرفه، ولكنه عُرْضة لأنْ نغفلَ عنه، فيكون الوعظ والتذكير به، ونحتاج إلى تكرار ذلك حتى لا نغفل.

وعادة لا تكون العِظَة إلا فيما له قيمة، وما دام الشيء له قيمة فلا تصطفي له إلا مَنْ تحب، كذلك الحق ـ تبارك وتعالى ـ يحب خَلْقه وصَنْعته؛ لذلك يَعِظهم ويُذكِّرهم باستمرار لكي يكونوا دائماً على الجادة ليتمتعوا بنعم المسبِّب في الآخرة، كما تمتعوا بنعمة الأسباب في الدنيا.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ... }.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net