سورة
اية:

قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ

تفسير بن كثير

هذا إنكار من اللّه تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره، وهو الخالق لكل شيء، المقتدر على كل شيء { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً} أي نظراء وأمثالاً تعبدونها معه، { ذلك رب العالمين} أي الخالق للأشياء هو رب العالمين كلهم، وهذا المكان فيه تفصيل لقوله تعالى: { خلق السماوات والأرض في ستة أيام} ففصل ههنا ما يختص بالأرض مما اختص بالسماء، فذكر أنه خلق الأرض أولاً لأنها كالأساس، والأصل أن يبدأ بالأساس، ثم بعده بالسقف، كما قال عزَّ وجلَّ: { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات} الآية، فأما قوله تعالى: { أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها} إلى قوله: { والأرض بعد ذلك دحاها . أخرج منها ماءها ومرعاها} ، ففي هذه الآية أن دحو الأرض كان بعد خلق السماء، فالدحو مفسر بقوله: { أخرج منها ماءها ومرعاها} وكان هذا بعد خلق السماء، فأما خلق الأرض فقبل خلق السماء بالنص، وبهذا أجاب ابن عباس فيما ذكره البخاري عن سعيد بن جبير قال، قال رجل لابن عباس رضي اللّه عنهما: إني لأجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، قال: { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} ، { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} ، { ولا يكتمون اللّه حديثاً} ، { واللّه ربنا ما كنا مشركين} فقد كتموا في هذه الآية، وقال تعالى: { أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها - إلى قوله - والأرض بعد ذلك دحاها} فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال تعالى: { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين - إلى قوله - طائعين} فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء، قال: { وكان اللّه غفوراً رحيماً} ، { عزيزاً حكيماً} ، { سميعاً بصيراً} فكأنه كان ثم مضى، فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} في النفخة الأولى، كما قال تعالى: { فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه} ، وفي النفخة الأُخرى { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} . وأما قوله: { واللّه ربنا ما كنا مشركين} ، { ولا يكتمون اللّه حديثاً} ، فإن اللّه تعالى يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فيختم على أفواههم، فتنطق أيديهم، فعند ذلك يعرف أن اللّه تعالى لا يكتم اللّه حديثاً، وعنده { يود الذين كفروا} الآية، وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحى الأرض ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والرمال والجماد والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله تعالى: { دحاها} ، وقوله: { خلق الأرض في يومين} فخلق الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلق السماوات في يومين، { وكان اللّه غفوراً رحيماً} سمى نفسه بذلك، وذلك قوله أي لم يزل كذلك، فإن اللّه تعالى لم يرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد فلا يختلفن عليك القرآن، فإن كلاً من عند اللّه عزَّ وجلَّ. وقوله تعالى: { خلق الأرض، في يومين} يعني يوم الأحد ويوم الإثنين، { وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها} أي جعلها مباركة قابلة للخير والبدر والغراس، وقدر فيها أقواتها، وهو ما يحتاج أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تزرع وتغرس يعني يوم الثلاثاء والأربعاء، فهما مع اليومين السابقين أربعة ولهذا قال: { في أربعة أيام سواء للسائلين} أي لمن أراد السؤال، عن ذلك ليعلمه. وقال عكرمة ومجاهد في قوله عزَّ وجلَّ: { وقدر فيها أقواتها} جعل في كل أرض ما لا يصلح في غيرها، ومنه العصب باليمن، والسابوري بسابور، والطيالسة بالري. وقال ابن عباس وقتادة والسدي في قوله تعالى: { سواء للسائلين} أي لمن أراد السؤال عن ذلك، وقال ابن زبد: { وقدر فيها أقواتها} أي على وفق مراده، من له حاجة إلى رزق أو حاجة، فإن اللّه تعالى قدر له ما هو محتاج إليه، وهذا القول يشبه قوله تعالى: { وآتاكم من كل ما سألتموه} واللّه أعلم. وقوله تبارك وتعالى: { ثم استوى إلى السماء وهي دخان} وهو بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض، { فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً} أي استجيبا لأمري طائعتين أو مكرهتين، قال ابن عباس في قوله تعالى: { فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً} قال اللّه تبارك وتعالى للسماوات أطلعي شمسي وقمري ونجومي، وقال للأرض: شققي أنهارك وأخرجي ثمارك، { قالتا أتينا طائعين} واختاره ابن جرير، وقيل تنزيلاً لهن معاملة من يعقل بكلامهما، وقال الحسن البصري: لو أبيا عليه أمره لعذبهما عذاباً يجدان ألمه { فقضاهن سبع سماوات في يومين} أي ففرغ في تسويتهن سبع سماوات { في يومين} أي آخرين وهما يوم الخميس ويوم الجمعة، { وأوحى في كل سماء أمرها} أي ورتب مقرراً في كل سماء ما تحتاج إليه من الملائكة وما فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو، { وزينا السماء الدنيا بمصابيح} وهي الكواكب المنيرة المشرقة على أهل الأرض، { وحفظاً} أي حرساً من الشياطين أن تستمع إلى الملأ الأعلى، { ذلك تقدير العزيز العليم} أي العزيز الذي قد عز كل شيء فغلبه وقهره، { العليم} بجميع حركات المخلوقات وسكناتهم. روي أن اليهود أتت النبي صلى اللّه عليه وسلم، فسألته عن خلق السماوات والأرض، فقال صلى اللّه عليه وسلم: (خلق اللّه تعالى الأرض يوم الأحد ويوم الإثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين . وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين} لمن سأله، قال: وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة)، ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: (ثم استوى على العرش)، قالوا: قد أصبت لو أتممت، قالوا: ثم استراح، فغضب النبي صلى اللّه عليه وسلم غضباً شديداً فنزل: { ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب . فاصبر على ما يقولون} ""أخرجه ابن جرير عن ابن عباس، قال ابن كثير: وهذا الحديث فيه غرابة"".

تفسير الجلالين

{ قل أئنكم } بتحقيق الهمزة الثانية وتسهيلها وإدخال ألف بينها بوجهيها وبين الأولى { لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } الأحد والاثنين { وتجعلون له أنداداً } شركاء { ذلك رب } أي مالك { العالمين } جمع عالم، وهو ما سوى الله وجمع لاختلاف أنواعه بالياء والنون، تغليباً للعقلاء .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْض فِي يَوْمَيْنِ } وَذَلِكَ يَوْم الْأَحَد وَيَوْم الِاثْنَيْنِ ; وَبِذَلِكَ جَاءَتِ الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَتْهُ الْعُلَمَاء , وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل , وَنَذْكُر بَعْض مَا لَمْ نَذْكُرهُ قَبْل إِنْ شَاءَ اللَّه . ذِكْر بَعْض مَا لَمْ نَذْكُرهُ فِيمَا مَضَى مِنَ الْأَخْبَار بِذَلِكَ : 23478 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , عَنْ أَبِي سَعِيد الْبَقَّال , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ هَنَّاد : قَرَأْت سَائِر الْحَدِيث عَلَى أَبِي بَكْر أَنَّ الْيَهُود أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَتْهُ عَنْ خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض , قَالَ : " خَلَقَ اللَّه الْأَرْض يَوْم الْأَحَد وَالِاثْنَيْنِ , وَخَلَقَ الْجِبَال يَوْم الثُّلَاثَاء وَمَا فِيهِنَّ مِنْ مَنَافِع , وَخَلَقَ يَوْم الْأَرْبِعَاء الشَّجَر وَالْمَاء وَالْمَدَائِن وَالْعُمْرَانِ وَالْخَرَاب , فَهَذِهِ أَرْبَعَة , ثُمَّ قَالَ : أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْض فِي يَوْمَيْنِ , وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتهَا فِي أَرْبَعَة أَيَّام سَوَاء لِلسَّائِلِينَ لِمَنْ سَأَلَ . قَالَ : وَخَلَقَ يَوْم الْخَمِيس السَّمَاء , وَخَلَقَ يَوْم الْجُمُعَة النُّجُوم وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالْمَلَائِكَة إِلَى ثَلَاث سَاعَات بَقِيَتْ مِنْهُ فَخَلَقَ فِي أَوَّل سَاعَة مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَة الْآجَال حِين يَمُوت مَنْ مَاتَ , وَفِي الثَّانِيَة أَلْقَى الْآفَة عَلَى كُلّ شَيْء مِمَّا يَنْفَع بِهِ النَّاس , وَفِي الثَّالِثَة آدَم وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّة , وَأَمَرَ إِبْلِيس بِالسُّجُودِ لَهُ , وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا فِي آخِر سَاعَة " قَالَتْ الْيَهُود : ثُمَّ مَاذَا يَا مُحَمَّد ؟ قَالَ : " ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش " , قَالُوا : قَدْ أَصَبْت لَوْ أَتْمَمْت , قَالُوا : ثُمَّ اسْتَرَاحَ ; فَغَضِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضَبًا شَدِيدًا , فَنَزَلَ : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } 50 38 23479 - حَدَّثَنَا تَمِيم بْن الْمُنْتَصِر , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاق , عَنْ شَرِيك , عَنْ غَالِب بْن غَلَّاب , عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : إِنَّ اللَّه خَلَقَ يَوْمًا وَاحِدًا فَسَمَّاهُ الْأَحَد , ثُمَّ خَلَقَ ثَانِيًا فَسَمَّاهُ الِاثْنَيْنِ , ثُمَّ خَلَقَ ثَالِثًا فَسَمَّاهُ الثُّلَاثَاء , ثُمَّ خَلَقَ رَابِعًا فَسَمَّاهُ الْأَرْبِعَاء , ثُمَّ خَلَقَ خَامِسًا فَسَمَّاهُ الْخَمِيس ; قَالَ : فَخَلَقَ الْأَرْض فِي يَوْمَيْنِ : الْأَحَد وَالِاثْنَيْنِ , وَخَلَقَ الْجِبَال يَوْم الثُّلَاثَاء , فَذَلِكَ قَوْل النَّاس : هُوَ يَوْم ثَقِيل , وَخَلَقَ مَوَاضِع الْأَنْهَار وَالْأَشْجَار يَوْم الْأَرْبِعَاء , وَخَلَقَ الطَّيْر وَالْوُحُوش وَالْهَوَامّ وَالسِّبَاع يَوْم الْخَمِيس , وَخَلَقَ الْإِنْسَان يَوْم الْجُمُعَة , فَفَرَغَ مِنْ خَلْق كُلّ شَيْء يَوْم الْجُمُعَة . 23480 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { خَلَقَ الْأَرْض فِي يَوْمَيْنِ } فِي الْأَحَد وَالِاثْنَيْنِ . وَقَدْ قِيلَ غَيْر ذَلِكَ ; وَذَلِكَ مَا : 23481 - حَدَّثَنِي الْقَاسِم بْن بِشْر بْن مَعْرُوف وَالْحُسَيْن بْن عَلِيّ قَالَا : ثنا حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة , عَنْ أَيُّوب بْن خَالِد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَافِع مَوْلَى أُمّ سَلَمَة , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : أَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيَّ فَقَالَ : " خَلَقَ اللَّه التُّرْبَة يَوْم السَّبْت , وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَال يَوْم الْأَحَد , وَخَلَقَ الشَّجَر يَوْم الِاثْنَيْنِ , وَخَلَقَ الْمَكْرُوه يَوْم الثُّلَاثَاء , وَخَلَقَ النُّور يَوْم الْأَرْبِعَاء , وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابّ يَوْم الْخَمِيس , وَخَلَقَ آدَم بَعْد الْعَصْر يَوْم الْجُمُعَة آخِر خَلْق آخِر سَاعَة مِنْ سَاعَات الْجُمُعَة فِيمَا بَيْن الْعَصْر إِلَى اللَّيْل ". وَقَوْله : { أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْض فِي يَوْمَيْنِ } وَذَلِكَ يَوْم الْأَحَد وَيَوْم الِاثْنَيْنِ ; وَبِذَلِكَ جَاءَتِ الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَتْهُ الْعُلَمَاء , وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل , وَنَذْكُر بَعْض مَا لَمْ نَذْكُرهُ قَبْل إِنْ شَاءَ اللَّه . ذِكْر بَعْض مَا لَمْ نَذْكُرهُ فِيمَا مَضَى مِنَ الْأَخْبَار بِذَلِكَ : 23478 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , عَنْ أَبِي سَعِيد الْبَقَّال , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ هَنَّاد : قَرَأْت سَائِر الْحَدِيث عَلَى أَبِي بَكْر أَنَّ الْيَهُود أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَتْهُ عَنْ خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض , قَالَ : " خَلَقَ اللَّه الْأَرْض يَوْم الْأَحَد وَالِاثْنَيْنِ , وَخَلَقَ الْجِبَال يَوْم الثُّلَاثَاء وَمَا فِيهِنَّ مِنْ مَنَافِع , وَخَلَقَ يَوْم الْأَرْبِعَاء الشَّجَر وَالْمَاء وَالْمَدَائِن وَالْعُمْرَانِ وَالْخَرَاب , فَهَذِهِ أَرْبَعَة , ثُمَّ قَالَ : أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْض فِي يَوْمَيْنِ , وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتهَا فِي أَرْبَعَة أَيَّام سَوَاء لِلسَّائِلِينَ لِمَنْ سَأَلَ . قَالَ : وَخَلَقَ يَوْم الْخَمِيس السَّمَاء , وَخَلَقَ يَوْم الْجُمُعَة النُّجُوم وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالْمَلَائِكَة إِلَى ثَلَاث سَاعَات بَقِيَتْ مِنْهُ فَخَلَقَ فِي أَوَّل سَاعَة مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَة الْآجَال حِين يَمُوت مَنْ مَاتَ , وَفِي الثَّانِيَة أَلْقَى الْآفَة عَلَى كُلّ شَيْء مِمَّا يَنْفَع بِهِ النَّاس , وَفِي الثَّالِثَة آدَم وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّة , وَأَمَرَ إِبْلِيس بِالسُّجُودِ لَهُ , وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا فِي آخِر سَاعَة " قَالَتْ الْيَهُود : ثُمَّ مَاذَا يَا مُحَمَّد ؟ قَالَ : " ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش " , قَالُوا : قَدْ أَصَبْت لَوْ أَتْمَمْت , قَالُوا : ثُمَّ اسْتَرَاحَ ; فَغَضِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضَبًا شَدِيدًا , فَنَزَلَ : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } 50 38 23479 - حَدَّثَنَا تَمِيم بْن الْمُنْتَصِر , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاق , عَنْ شَرِيك , عَنْ غَالِب بْن غَلَّاب , عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : إِنَّ اللَّه خَلَقَ يَوْمًا وَاحِدًا فَسَمَّاهُ الْأَحَد , ثُمَّ خَلَقَ ثَانِيًا فَسَمَّاهُ الِاثْنَيْنِ , ثُمَّ خَلَقَ ثَالِثًا فَسَمَّاهُ الثُّلَاثَاء , ثُمَّ خَلَقَ رَابِعًا فَسَمَّاهُ الْأَرْبِعَاء , ثُمَّ خَلَقَ خَامِسًا فَسَمَّاهُ الْخَمِيس ; قَالَ : فَخَلَقَ الْأَرْض فِي يَوْمَيْنِ : الْأَحَد وَالِاثْنَيْنِ , وَخَلَقَ الْجِبَال يَوْم الثُّلَاثَاء , فَذَلِكَ قَوْل النَّاس : هُوَ يَوْم ثَقِيل , وَخَلَقَ مَوَاضِع الْأَنْهَار وَالْأَشْجَار يَوْم الْأَرْبِعَاء , وَخَلَقَ الطَّيْر وَالْوُحُوش وَالْهَوَامّ وَالسِّبَاع يَوْم الْخَمِيس , وَخَلَقَ الْإِنْسَان يَوْم الْجُمُعَة , فَفَرَغَ مِنْ خَلْق كُلّ شَيْء يَوْم الْجُمُعَة . 23480 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { خَلَقَ الْأَرْض فِي يَوْمَيْنِ } فِي الْأَحَد وَالِاثْنَيْنِ . وَقَدْ قِيلَ غَيْر ذَلِكَ ; وَذَلِكَ مَا : 23481 - حَدَّثَنِي الْقَاسِم بْن بِشْر بْن مَعْرُوف وَالْحُسَيْن بْن عَلِيّ قَالَا : ثنا حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة , عَنْ أَيُّوب بْن خَالِد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَافِع مَوْلَى أُمّ سَلَمَة , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : أَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيَّ فَقَالَ : " خَلَقَ اللَّه التُّرْبَة يَوْم السَّبْت , وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَال يَوْم الْأَحَد , وَخَلَقَ الشَّجَر يَوْم الِاثْنَيْنِ , وَخَلَقَ الْمَكْرُوه يَوْم الثُّلَاثَاء , وَخَلَقَ النُّور يَوْم الْأَرْبِعَاء , وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابّ يَوْم الْخَمِيس , وَخَلَقَ آدَم بَعْد الْعَصْر يَوْم الْجُمُعَة آخِر خَلْق آخِر سَاعَة مِنْ سَاعَات الْجُمُعَة فِيمَا بَيْن الْعَصْر إِلَى اللَّيْل ". ' وَقَوْله : { وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا } يَقُول : وَتَجْعَلُونَ لِمَنْ خَلَقَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَنْدَادًا , وَهُمْ الْأَكْفَاء مِنَ الرِّجَال تُطِيعُونَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّه , وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى النِّدّ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْل .وَقَوْله : { وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا } يَقُول : وَتَجْعَلُونَ لِمَنْ خَلَقَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَنْدَادًا , وَهُمْ الْأَكْفَاء مِنَ الرِّجَال تُطِيعُونَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّه , وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى النِّدّ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْل .' قَوْله : { ذَلِكَ رَبّ الْعَالَمِينَ } يَقُول : الَّذِي فَعَلَ هَذَا الْفِعْل , وَخَلَقَ الْأَرْض فِي يَوْمَيْنِ , مَالِك جَمِيع الْجِنّ وَالْإِنْس , وَسَائِر أَجْنَاس الْخَلْق , وَكُلّ مَا دُونه مَمْلُوك لَهُ , فَكَيْفَ يَجُوز أَنْ يَكُون لَهُ نِدّ ؟ ! هَلْ يَكُون الْمَمْلُوك الْعَاجِز الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء نِدًّا لِمَالِكِهِ الْقَادِر عَلَيْهِ ؟ !قَوْله : { ذَلِكَ رَبّ الْعَالَمِينَ } يَقُول : الَّذِي فَعَلَ هَذَا الْفِعْل , وَخَلَقَ الْأَرْض فِي يَوْمَيْنِ , مَالِك جَمِيع الْجِنّ وَالْإِنْس , وَسَائِر أَجْنَاس الْخَلْق , وَكُلّ مَا دُونه مَمْلُوك لَهُ , فَكَيْفَ يَجُوز أَنْ يَكُون لَهُ نِدّ ؟ ! هَلْ يَكُون الْمَمْلُوك الْعَاجِز الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء نِدًّا لِمَالِكِهِ الْقَادِر عَلَيْهِ ؟ !'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض} { أئنكم} بهمزتين الثانية بين بين و { أائنكم} بألف بين همزتين وهو استفهام معناه التوبيخ. أمره بتوبيخهم والتعجب من فعلهم، أي لم تكفرون بالله وهو خالق السموات والأرض؟ ! { في يومين} الأحد والاثنين { وتجعلون له أندادا} أي أضدادا وشركاء { ذلك رب العالمين} . { وجعل فيها} أي في الأرض { رواسي من فوقها} يعني الجبال. وقال وهب : لما خلق الله الأرض مادت على وجه الماء؛ فقال لجبريل ثبتها يا جبريل. فنزل فأمسكها فغلبته الرياح، قال : يا رب أنت أعلم لقد غلبت فيها فثبتها بالجبال وأرساها { وبارك فيها} بما خلق فيها من المنافع. قال السدي : أنبت فيها شجرها. { وقدر فيها أقواتها} قال السدي والحسن : أرزاق أهلها ومصالحهم. وقال قتادة ومجاهد : خلق فيها أنهارها وأشجارها ودوابها في يوم الثلاثاء والأربعاء. وقال عكرمة والضحاك : معنى { قدر فيها أقواتها} أي أرزاق أهلها وما يصلح لمعايشهم من التجارات والأشجار والمنافع في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد. قال عكرمة : حتى إنه في بعض البلاد ليتبايعون الذهب بالملح مثلا بمثل. وقال مجاهد والضحاك : السابري من سابور، والطيالسة من الري، والحبر اليمانية من اليمن. { في أربعة أيام} يعني في تتمة أربعة أيام. ومثاله قول القائل : خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة عشر يوما؛ أي في تتمة خمسة عشر يوما. قال معناه ابن الأنباري وغيره. { سواء للسائلين} قال الحسن : المعنى في أربعة أيام مستوية تامة. الفراء : في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى : وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين. واختاره الطبري. وقرأ الحسن، البصري ويعقوب الحضرمي { سواء للسائلين} بالجر وعن ابن القعقاع { سواء} بالرفع؛ فالنصب على المصدر و { سواء} بمعنى استواء أي استوت استواء. وقيل : على الحال والقطع؛ والجر على النعت لأيام أو لأربعة أي { في أربعة أيام} مستوية تامة. والرفع على الابتداء والخبر { للسائلين} أو على تقدير هذه { سواء للسائلين} . وقال أهل المعاني : معنى { سواء للسائلين} ولغير السائلين؛ أي خلق الأرض وما فيها لمن سأل ولمن لم يسأل، ويعطي من سأل ومن لا يسأل. قوله تعالى: { ثم استوى إلى السماء وهي دخان} أي عمد إلى خلقها وقصد لتسويتها. والاستواء من صفة الأفعال على أكثر الأقوال؛ يدل عليه قوله تعالى: { ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات} [البقرة : 29] وقد مضى القول هناك. وروى أبو صالح عن ابن عباس في قوله: { ثم استوى إلى السماء} يعني صعد أمره إلى السماء؛ وقال الحسن. ومن قال : إنه صفة ذاتية زائدة قال : استوى في الأزل بصفاته. و { ثم} ترجع إلى نقل السماء من صفة الدخان إلى حالة الكثافة. وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس؛ على ما مضى في { البقرة} عن ابن مسعود وغيره. { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها} أي جيئا بما خلقت فيكما من المنافع والمصالح وأخرجاها لخلقي. قال ابن عباس : قال الله تعالى للسماء : أطلعي شمسك وقمرك وكواكبك، وأجري رياحك وسحابك، وقال للأرض : شقي أنهارك وأخرجي شجرك وثمارك طائعتين أو كارهتين { قالتا أتينا طائعين} في الكلام حذف أي أتينا أمرك { طائعين} . وقيل : معنى هذا الأمر التسخير؛ أي كونا فكانتا كما قال تعالى: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل : 40] فعلى هذا قال ذلك قبل خلقهما. وعلى القول الأول قال ذلك بعد خلقهما. وهو قول الجمهور. وفي قوله تعالى لهما وجهان : أحدهما أنه قول تكلم به. الثاني أنها قدرة منه ظهرت لهما فقام مقام الكلام في بلوغ المراد؛ ذكره الماوردي. { قالتا أتينا طائعين} فيه أيضا وجهان : أحدهما أنه ظهور الطاعة منهما حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما، ومنه قول الراجز : امتلأ الحوض وقال قطني ** مهلا رويدا قد ملأت بطني يعني ظهر ذلك فيه. وقال أكثر أهل العلم : بل خلق الله فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد تعالى : قال أبو نصر السكسكي : فنطق من الأرض موضع الكعبة، ونطق من السماء ما بحيالها، فوضع الله تعالى فيه حرمه. وقال: { طائعين} ولم يقل طائعتين على اللفظ ولا طائعات على المعنى؛ لأنهما سموات وأرضون، لأنه أخبر عنهما وعمن فيهما، وقيل : لما وصفهن بالقول والإجابة وذلك من صفات من يعقل أجراهما في الكناية مجرى من يعقل، ومثله: { رأيتهم لي ساجدين} [يوسف : 4] وقد تقدم. وفي حديث : إن موسى عليه الصلاة والسلام قال : يا رب لو أن السموات والأرض حين قلت لهما { ائتيا طوعا أو كرها} عصياك ما كنت صانعا بهما؟ قال كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما. قال : يا رب وأين تلك الدابة؟ قال : في مرج من مروجي. قال : يا رب وأين ذلك المرج؟ قال علم من علمي. ذكره الثعلبي. وقرأ ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة { آتيا} بالمد والفتح. وكذلك قوله: { آتينا طائعين} على معنى أعطيا الطاعة من أنفسكما { قالتا} أعطينا { طائعين} فحذف المفعولين جميعا. ويجوز وهو أحسن أن يكون { آتينا} فاعلنا فحذف مفعول واحد. ومن قرأ: { آتينا} فالمعنى جئنا بما فينا؛ على ما تقدم بيانه في غير ما موضع والحمد لله. قوله تعالى: { فقضاهن سبع سماوات في يومين} أي أكملهن وفرغ منهن. وقيل. أحكمهن كما قال : وعليهما مسرودتان قضاهما ** داود أو صنع السوابغ تبع { في يومين} سوى الأربعة الأيام التي خلق فيها الأرض، فوقع خلق السموات والأرض في ستة أيام؛ كما قال تعالى: { خلق السماوات والأرض في ستة أيام} [الأعراف : 54] على ما تقدم في { الأعراف} بيانه. قال مجاهد : ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدون. وعن عبدالله بن سلام قال : خلق الله الأرض في يومين، وقدر فيها أقواتها في يومين، وخلق السموات في يومين؛ خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وقدر فيها أقواتها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، وخلق السموات في يوم الخميس ويوم الجمعة، وأخر ساعة في يوم الجمعة خلق الله آدم في عجل، وهي التي تقوم فيها الساعة، وما خلق الله من دابة إلا وهي تفزع من يوم الجمعة إلا الإنس والجن. على هذا أهل التفسير؛ إلا ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال : (خلق الله التربة يوم السبت...) الحديث، وقد تكلمنا على إسناده في أول سورة (الأنعام). { وأوحى في كل سماء أمرها} قال قتادة والسدي : خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها، وخلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد والثلوج. وهو قول ابن عباس؛ قال : ولله في كل سماء بيت تحج إليه وتطوف به الملائكة بحذاء الكعبة، والذي في السماء الدنيا هو البيت المعمور. وقيل : أوحى الله في كل سماء؛ أي أوحى فيها ما أراده وما أمر به فيها. والإيحاء قد يكون أمرا؛ لقوله: { بأن ربك أوحى لها} [الزلزلة : 5] وقوله: { وإذ أوحيت إلى الحواريين} [المائدة : 111] أي أمرتهم وهو أمر تكوين. قوله تعالى: { وزينا السماء الدنيا بمصابيح} أي بكواكب تضيء وقيل : إن في كل سماء كواكب تضيء. وقيل : بل الكواكب مختصة بالسماء الدنيا. { وحفظا} أي وحفظناها حفظا؛ أي من الشياطين الذين يسترقون السمع. وهذا الحفظ بالكواكب التي ترجم بها الشياطين على ما تقدم في { الحجر} بيانه. وظاهر هذه الآية يدل على أن الأرض خلقت قبل السماء. وقال في آية أخرى { أم السماء بناها} [النازعات : 27] ثم قال: { والأرض بعد ذلك دحاها { النازعات : 30] وهذا يدل على خلق السماء أولا. وقال قوم : خلقت الأرض قبل السماء؛ فأما قوله} والأرض بعد ذلك دحاها { النازعات : 30] فالدحو غير الخلق، فالله خلق الأرض ثم خلق السموات، ثم دحا الأرض أي مدها وبسطها؛ قال ابن عباس. وقد مضى هذا المعنى مجودا في { البقرة} والحمد لله. { ذلك تقدير العزيز العليم} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة فُصّلت الايات 6 - 12

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

انتقل السياق هنا إلى النظر في آيات الكون، لأنها هي الوسيلة للإيمان بالمكوِّن سبحانه، فالكون كَوْن عجيب بديع مُتقن في نظامه وفي هندسته، هذا النظام مُستقر لا يتخلف ولا يطرأ عليه ما يُخرجه عن هذا الإتقان، فإنْ أردتَ أنْ تُرقِّق قلوب الناس فذكِّرهم بالآيات الكونية الطبيعية التي لا دخْلَ للإنسان فيها.

لذلك نجد كثيراً في القرآن:
{  وَمِنْ آيَاتِهِ.. }
[الشورى: 32].

وهنا يحدثنا عن الخلق الأول وبداية نشأة هذه الأرض { قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ.. } [فصلت: 9] والهمزة هنا أفادتْ الاستفهام الإنكاري الذي ينكر عليهم كفرهم بالخالق سبحانه، وكأن يقول لهم: إن هذا العمل منكم معلوم لنا وهو لا يجوز، فيريد سبحانه أنْ يلفتهم إلى المقابل.

ثم لم يكتفُوا بالكفر بالخالق بل { وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً.. } [فصلت: 9] يعني: شركاء. مع أنهم يعلمون أنه سبحانه الخالق وحده
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ }
[الزخرف: 87]
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }
[لقمان: 25].

هكذا يعترفون بها عندما يغيب عنهم اللَّدد والعناد.

وقوله: { فِي يَوْمَيْنِ.. } [فصلت: 9] أي: اليوم المعروف لنا، واليوم عندنا من الوقت إلى مثله، ويشمل الليل والنهار لأن الله يخاطبنا بما نعرفه { وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً } [فصلت: 9] شركاء لم يخلقوا شيئاً { ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } [فصلت: 9] أي: هذا الذي تجعلون له أنداداً هو ربُّ العالمين، وهو ربّ العالمين بإقراركم أنتم
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. }
[لقمان: 25].


www.alro7.net