سورة
اية:

خَالِدِينَ فِيهَا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

تفسير بن كثير

هذا ذكر مآل الأبرار، من السعداء في الدار الآخرة، الذين آمنوا باللّه وصدقوا المرسلين، وعملوا الأعمال الصالحة التابعة لشريعة اللّه { لهم جنات النعيم} أي يتنعمون فيها بأنواع الملاذ، من المآكل والمشارب والملابس والمساكن، والمراكب، والنساء، والنضرة، والسماع، الذي لم يخطر ببال أحد، وهم في ذلك مقيمون دائماً لا يظعنون ولا يبغون عنها حولا، وقوله تعالى: { وعد اللّه حقا} أي هذا كائن لا محالة، لأنه وعد اللّه، واللّه لا يخلف الميعاد لأنه الكريم المنان، الفعال لما يشاء، القادر على كل شيء، { وهو العزيز} الذي قهر كل شيء ودان له كل شيء، { الحكيم} في أقواله وأفعاله الذي جعل القرآن هدى للمؤمنين، { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} .

تفسير الجلالين

{ خالدين فيها } حال مقدرة أي: مقدرا خلودهم فيها إذا دخلوها { وعد الله حقا } أي وعدهم الله ذلك وحقه حقا { وهو العزيز } الذي لا يغلبه شيء فيمنعه من إنجاز وعده ووعيده { الحكيم } الذي لا يضع شيئا إلا في محله.

تفسير الطبري

{ خَالِدِينَ فِيهَا } يَقُول : مَاكِثِينَ فِيهَا إِلَى غَيْر نِهَايَة { وَعْد اللَّه حَقًّا } يَقُول : وَعَدَهُمْ اللَّه وَعْدًا حَقًّا , لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا خُلْف لَهُ { وَهُوَ الْعَزِيز } يَقُول : وَهُوَ الشَّدِيد فِي انْتِقَامه مِنْ أَهْل الشِّرْك بِهِ , وَالصَّادِّينَ عَنْ سَبِيله , { الْحَكِيم } فِي تَدْبِير خَلْقه . { خَالِدِينَ فِيهَا } يَقُول : مَاكِثِينَ فِيهَا إِلَى غَيْر نِهَايَة { وَعْد اللَّه حَقًّا } يَقُول : وَعَدَهُمْ اللَّه وَعْدًا حَقًّا , لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا خُلْف لَهُ { وَهُوَ الْعَزِيز } يَقُول : وَهُوَ الشَّدِيد فِي انْتِقَامه مِنْ أَهْل الشِّرْك بِهِ , وَالصَّادِّينَ عَنْ سَبِيله , { الْحَكِيم } فِي تَدْبِير خَلْقه .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم} لما ذكر عذاب الكفار ذكر نعيم المؤمنين. { خالدين فيها} أي دائمين. { وعد الله حقا} أي وعدهم الله هذا وعدا حقا لا خلف فيه. { وهو العزيز الحكيم} تقدم أيضا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة لقمان الايات 6 - 10

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

حين نتأمل هذه الآيات نلمس رحمة الله بعباده حتى الكافر منهم الذي ضلَّ وأضلَّ، ومع ذلك فالله رحيم به حتى في تناول عذابهم، ألا ترى أن الله تعالى قال في عذابهم أنه مهين، وأنه أليم، لكن لم يذكر معه خلوداً كما ذكر هنا الخلود لنعيم الجنات، كما أن العذاب جاء بصيغة المفرد، أما الجنة فجاءت بصيغة الجمع، ثم أخبر عنها أنها { وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً } [لقمان: 9]

والوعد يستخدم دائماً لِعَدةٍ بخير يأتيك، وقلنا: إن العبد يِعد وقد لا يفي بوعده؛ لأنه لا يملك كل مُقوِّمات الوفاء، أما الوعد إنْ كان من الله فهو محقق لأنه سبحانه يملك كل أسباب الوفاء، ولا يمنعه أحد عن تحقيق ما أراد؛ لأنه سبحانه يملك كل أسباب الوفاء، ولا يمنعه أحد عن تحقيق ما أراد؛ لأنه سبحانه ليس له شريك، كالرجل الذي أراد أنْ يذم آخر فقال له: الدليل على أن الله ليس له شريك أنه خلقك، فلو كان له شريك لقال له: لا داعي لأنْ تخلق هذا.

لذلك يعلمنا الحق - سبحانه وتعالى - أنْ نردف وَعْدنا بقولنا: إن شاء الله حتى نكون منصفين لأنفسنا من الناس، ولا نُتهم بالكذب إذا لم نَفِ، وعندها لي أن أقول: أردت ولكن الله لم يُرِد، فجعلت المسألة في ساحة ربك عز وجل.

وبهذه المشيئة رحم الله الناس من ألسنة الناس، فإذا كلفتني بشيء فلم أقضه لك فاعلم أن له قدراً عند الله لم يأتِ وقته بعد، واعلم أن الأمر لا يُقْضي في الأرض حتى يُقْضي في السماء، فلا تغضب ولا تتحامل على الناس، فالأمور ليست بإرادة الناس، وإنما بإرادة الله.

لذلك حين تتوسط لأخيك في قضاء مصلحة وتُقْضي على يديك، المؤمن الحق الذي يؤمن بقدر الله يتأدب مع الله فيقول: قُضِيْتْ معي لا بي، يعني: شاء الله أنْ يقضيها فأكرمني أن أتكلم فيها وقت مشيئته تعالى، كذلك يقول الطبيب المؤمن: جاء الشفاء عندي لا بي.

ولو فهم الناس معنى قدر الله لاستراحوا، فحين ترى المجدّ العامل يُقْصي ويُبعد، وحين ترى الخامل والمنافق يُقرّب ويعتلي أرفع المناصب فلا تغضب، وإذا لم تحترمه لذاته فاحترم قدر الله فيه.

فالمسائل لا تجري في كَوْن الله بحركة (ميكانيكية)، إنما بقدر الله الذي يرفع مَنْ يشاء ويضع مَنْ يشاء، وله سبحانه الحكمة البالغة في هذه وتلك، وإلا لقلنا كما يقول الفلاسفة: إن الله تعالى خلق القضايا الكونية ثم تركها للناس يُسيِّرونها.

والحق سبحانه ما ترك هذه القضايا، بدليل قوله تعالى:
{  يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً }
[الشورى: 49-50].

فبعد هذه الآية لا يقل أحد: إن فلاناً لا ينجب أو فلانه لا تنجب؛ لأن هذه مرادات عليا لله تعالى، ولو أن العقيم احترم قَدَر الله في العقم لجعل الله كل مَنْ يراهم من الأولاد أولاده، وما دام الله تعالى قال
{  يَهَبُ }
[الشورى: 49] فالمسألة في كل حالاتها هبة من الله تعالى لا دَخْلَ لأحد في الذكورة أو الأنوثة أو العقم. فلماذا - إذن - قبلتَ هبة الله في الذكور، ولم تقبل هبة الله في العقم؟

وسبق أن تحدثنا عن وَأْد البنات قبل الإسلام؛ لأن البنت كانت لا تركب الخيل، ولا تدافع عن قومها، ولا تحمل السلاح.. إلخ، فلما جاء الإسلام حرم ذلك وكرَّم المرأة، وأعلى من شأنها، لكن ما زالت المفاضلة قائمة بين الولد والبنت.

والآن احتدم صراع مفتعل بين أنصار الرجل وأنصار المرأة، والإسلام بريء من هذا الصراع؛ لأن الرجل والمرأة في الإسلام متكاملان لا متضادان، وعجيب أنْ نرى من النساء مَنْ تتعصب ضد الرجال وهي تُجَنّ إنْ لم تنجب الولد، وهذه شهادة منهن بأفضليته.

وكأن الحق - تبارك وتعالى - يعلمنا أن مَنْ يحترم قدره في إنجاب البنات يقول الله له: لقد احترمتَ قدري فسوف أعطيك على قدرْي، فيعطيه الله البنين، أو يُيسِّر لبناته أزواجاً يكونون أبرَّ به من أولاده وأطوع.

ثم أَلاَ ترى أن الله تعالى قدم البنات، في الهبة، فقال:
{  يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ }
[الشورى: 49] لماذا؟ لأنه سبحانه يعلم محبة الناس للذكور:
{  وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ }
[النحل: 58-59].

وقوله تعالى: { وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } [لقمان: 9] العزيز الذي لا يغلب، ولا يستشير أحداً فيما يفعل { ٱلْحَكِيمُ } [لقمان: 9] أي: حين يعِد، وحين يفي بالوعد.

ثم تنتقل الآيات إلى دليل من أدلة الإيمان الفطري بوجود الإله: { خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ... }.


www.alro7.net