سورة
اية:

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين ما أسالكم على هذا البلاغ، وهذا النصح أجراً تعطوني إياه من عرض الحياة الدنيا { وما أنا من المتكلفين} أي وما أريد على ما أرسلني اللّه تعالى به، ولا أبتغي زيادة عليه، بل ما أمرت به أديته، لا أزيد عليه ولا أنقص منه، وإنما أبتغي بذلك وجه اللّه عزَّ وجلَّ والدار الآخرة، قال مسروق: أتينا عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه فقال: يا أيها الناس من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: اللّه أعلم، فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: اللّه أعلم، فإن اللّه عزَّ وجلَّ قال لنبيكم صلى اللّه عليه وسلم: { قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} "أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش" وقوله تعالى: { إن هو إلا ذكر للعالمين} يعني القرآن ذكر لجميع المكلفين من الإنس والجن، قال ابن عباس { للعالمين} قال: الجن والإنس "رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس" وهذه الآية كقوله تعالى: { لأنذركم به ومن بلغ} وقوله تعالى { ولتعلمن نبأه} أي خبره وصدقه { بعد حين} أي عن قريب، قال قتادة: بعد الموت، قال عكرمة: يعني يوم القيامة، ولا منافاة بين القولين، فإن من مات فقد دخل في حكم القيامة، وقال الحسن البصري: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين.

تفسير الجلالين

{ إن هو } أي ما القرآن { إلا ذكر } عظة { للعالمين } للإنس والجن والعقلاء دون الملائكة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْر لِلْعَالَمِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمك : { إِنْ هُوَ } يَعْنِي : مَا هَذَا الْقُرْآن { إِلَّا ذِكْر } يَقُول : إِلَّا تَذْكِير مِنْ اللَّه { لِلْعَالَمِينَ } مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس , ذَكَّرَهُمْ رَبّهمْ إِرَادَة اِسْتِنْقَاذ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْهُمْ مِنْ الْهَلَكَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْر لِلْعَالَمِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمك : { إِنْ هُوَ } يَعْنِي : مَا هَذَا الْقُرْآن { إِلَّا ذِكْر } يَقُول : إِلَّا تَذْكِير مِنْ اللَّه { لِلْعَالَمِينَ } مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس , ذَكَّرَهُمْ رَبّهمْ إِرَادَة اِسْتِنْقَاذ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْهُمْ مِنْ الْهَلَكَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { قال فالحق والحق أقول} هذه قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة والكسائي. وقرأ ابن عباس ومجاهد وعاصم والأعمش وحمزة برفع الأول. وأجاز الفراء فيه الخفض. ولا اختلاف في الثاني في أنه منصوب بـ { أقول} ونصب الأول على الإغراء أي فاتبعوا الحق واستمعوا الحق، والثاني بإيقاع القول عليه. وقيل : هو بمعنى أحق الحق أي أفعله. قال أبو علي : الحق الأول منصوب بفعل مضمر أي يحق الله الحق، أو على القسم وحذف حرف الجر؛ كما تقول : الله لأفعلن؛ ومجازه : قال فبالحق وهو الله تعالى أقسم بنفسه. { والحق أقول} جملة اعترضت بين القسم والمقسم عليه، وهو توكيد القصة، وإذا جعل الحق منصوبا بإضمار فعل كان { لأملأن} على إرادة القسم. وقد أجاز الفراء وأبو عبيدة أن يكون الحق منصوبا بمعنى حقا { لأملأن جهنم} وذلك عند جماعة من النحويين خطأ؛ لا يجوز زيدا لأضربن؛ لأن ما بعد اللام مقطوع مما قبلها فلا يعمل فيه. والتقدير على قولهما لأملأن جهنم حقا. ومن رفع { الحق} رفعه بالابتداء؛ أي فأنا الحق أو الحق مني. رويا جميعا عن مجاهد. ويجوز أن يكون التقدير هذا الحق. وقول ثالث على مذهب سيبويه والفراء أن معنى فالحق لأملأن جهنم بمعنى فالحق أن أملأ جهنم. وفي الخفض قولان وهي قراءة ابن السميقع وطلحة بن مصرف : أحدهما أنه على حذف حرف القسم. هذا قول الفراء قال كما يقول : الله عز وجل لأفعلن. وقد أجاز مثل هذا سيبويه وغلطه فيه أبو العباس ولم يجز الخفض؛ لأن حروف الخفض لا تضمر، والقول الآخر أن تكون الفاء بدلا من واو القسم؛ كما أنشدوا : فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع قوله تعالى: { لأملأن جهنم منك} أي من نفسك وذريتك { وممن تبعك منهم أجمعين} من بني آدم { أجمعين} . قوله تعالى: { قل ما أسألكم عليه من أجر} أي من جعل على تبليغ الوحي وكنى به عن غير مذكور. وقيل هو راجع إلى قوله: { أأنزل عليه الذكر من بيننا} [ص : 8]. { وما أنا من المتكلفين} أي لا أتكلف ولا أتخرص ما لم أومر به. وروى مسروق عن عبدالله بن مسعود قال : من سئل عما لم يعلم فليقل لا أعلم ولا يتكلف؛ فإن قوله لا أعلم علم، وقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (للمتكلف ثلاث علامات ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول ما لا يعلم). و""روى الدارقطني من حديث نافع عن ابن عمر""قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فسار ليلا فمروا على رجل جالس عند مقراة له، فقال له عمر : يا صاحب المقراة أولغت السباع الليلة في مقراتك؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (يا صاحب المقراة لا تخبره هذا متكلف لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور). وفي الموطأ عن يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب : أن عمر بن الخطاب خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا، فقال عمرو بن العاص : يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر : يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا. وقد مضى القول في المياه في سورة { الفرقان} . { إن هو إلا ذكر} يعني القرآن { للعالمين} من الجن والإنس. { ولتعلمن نبأه بعد حين} أي نبأ الذكر وهو القرآن أنه حق { بعد حين} قال قتادة : بعد الموت. وقال الزجاج. وقال ابن عباس وعكرمة وابن زيد : يعني يوم القيامة. وقال الفراء : بعد الموت وقبله. أي لتظهر لكم حقيقة ما أقول: { بعد حين} أي في المستأنف أي إذا أخذتكم سيوف المسلمين. قال السدي : وذلك يوم بدر. وكان الحسن يقول : يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. وسئل عكرمة عمن حلف ليصنعن كذا إلى حين. قال : إن من الحين ما لا تدركه كقوله تعالى: { ولتعلمن نبأه بعد حين} ومنه ما تدركه؛ كقوله تعالى: { تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} [إبراهيم : 25] من صرام النخل إلى طلوعه ستة أشهر. وقد مضى القول في هذا في { البقرة} و { إبراهيم} والحمد لله.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

(قُلْ) أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ.. } [ص: 86] ولو قال: ما أسألكم عليه أجراً لاستقام المعنى أيضاً، لكن قوله: { مِنْ أَجْرٍ.. } [ص: 86] من هنا دلَّتْ على أقل ما يُقَال له أجر ولو كان جنيهاً واحداً، أو قرشاً واحداً، فمن هنا نفت مطلق الأجر، أما كلمة أجر فهي تعني أجراً مُجْزياً يُعْتَدُّ به ولا تمنع وجود الأجر القليل، كما تقول: ما عندي مال، وما عندي من مال أي: من بداية ما يُقال له مال. ولو كان قرشاً واحداً.

وكَوْنُ الحق سبحانه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ لهم يا محمد ما أسألكم عليه من أجر، كأنه يقول لهم: يا قوم إنَّ ما جاءكم به محمد عمل نافع لكم في دينكم وفي دنياكم، وكان الواجب عليكم أنْ تُعطوه أجراً عليه، إذن: هو يستحق الأجر لكن لن يسألكم إياه لأن ما يقدمه لكم لا يستطيع بشر أنْ يُؤدّي حقه أو يدفع ثمنه، فأجره لا يأخذه إلا من الله، فهو وحده القادر على أنْ يجازيه، وأنْ يُعوِّضه عما قدَّم.

إذن: محمد صلى الله عليه وسلم يستحق على هداية القوم وتبليغهم منهج ربهم أجراً، وهو غير زاهد في هذا الأجر، إنما يريد أنْ يُقوِّم هذا العمل بتقويم الذي أرسله بهذه الرسالة.

وهذه العبارة { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ.. } [ص: 86] سنة لازمة لجميع الأنبياء، فكلهم قالوها لأقوامهم عدا سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى عليه السلام، لماذا؟

قالوا: لأن سيدنا إبراهيم أول ما دعا إلى الإيمان بالله ووحدانيته دعا أبا آزر، ولا ينبغي له أن يطلب أجراً من أبيه، كذلك سيدنا موسى أول ما دعا إلى الإيمان دعا فرعون الذي ربَّاه وأحسن إليه، فكيف يقول له: أعطني أجري.

وقوله سبحانه: { وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ } [ص: 86] المتكلِّف: هو المتصنِّع الذي يُظهر شيئاً فوق قَدْره المنوط به، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تتكلفوا للضيف فتبغضوه " يعني: لا تُحمِّلوا أنفسكم فوق طاقتها، كالذي يقترض ليقوم بواجب الضيافة، ثم يذهب الضيف ويبقى عليه الدين وهذا يجعله يكره الضيف بعد ذلك ويتأذى أنْ ينزل به.

إذن: كُنْ على طبيعتك، وقُمْ بواجب الضيافة على قَدْر طاقتك. ولِمَ لا وقدوتك صلى الله عليه وسلم يقول: { وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ } [ص: 86] لأن الأمر الذي جئتُ به لا يحتاج إلى تكلُّف إقناع لأنه أمر موافق للطبيعة.

ولك أنْ تستعرضَ أحكام الشرع، وأنْ تنظرَ فيها، أهي صالحة في ذاتها أم لا؟ الدين يقول لك: لا تكذب. فمَنْ يقول إن الخير في الكذب؟ الدين يقول لك لا تغش فمن يقول: إن الصلاح في الغش؟ الدين نهاك عن شرب الخمر فمَنْ يقول إنها تصلح؟ ومَنْ ينكر أنها تفسد العقلَ الذي ما كُرِّم الإنسان إلا به؟

إذن: كلها أحكام واضحة لا تحتاج إلى تكلُّف في الإقناع بها، لأنها توافق الفطرة السليمة.ثم يقول سبحانه: { إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } [ص: 87] أي: ما هو أي القرآن { إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } [ص: 87] والذكر والتذكير لا ينشأ إلا من نسيان شيء سابق ونريد أنْ نُذكِّرك به، فالقرآن ذكْر بمعنى أنْ يُذكِّرك بما نسيته من العهد الأول عهد الفطرة الذي أخذه الله عليك وأنت في طوْر الذَّرِّ، فقال:
{  أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ.. }
[الأعراف: 172] فأقر الجميع
{  قَالُواْ بَلَىٰ.. }
[الأعراف: 172].

فقال الله تعالى: إذن احفظوا هذا العهد وتذكروا هذا الإقرار
{  أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ.. }
[الأعراف: 172-173].

إذن: الحق سبحانه لا يكلِّفك بهذا الإقرار إنما يُذكِّرك به، لأن التكليف أُخِذَ عليك يوم أنْ كنتَ ذرةً في ظهر أبيك آدم، ولم تكُنْ لك شهوة.

فقوله تعالى عن القرآن: { إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } [ص: 87] دلَّ على أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من قمة توحيد الله والإيمان به إلى فرعيات التكليف وجزئياته أمر كان في القديم، عرفه الجميع أقرُّوا به، والقرآن فقط مُذكِّر بهذا العهد الأول.

ثم تختم السورة بقوله تعالى: { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ } [ص: 88] أي: الذين كذَّبوا القرآن سيعلمون عاقبة هذا التكذيب, وسيعلمون أنه خبر صادق، سيعلمون ذلك { بَعْدَ حِينِ } [ص: 88] قالوا: الحين يُرَاد به ظهور الإسلام وانتصاره على الكفر، بداية من معركة بدر إلى أنْ قال القائل: عجبتُ لهذا الأُمِيِّ، كيف يفتح نصف الدنيا في نصف قرن، نعم هذه عجيبة ولا تزال حتى الآن.

وقد شاهد هؤلاء المكذِّبون بأعينهم انتصارَ الإسلام واندحار الكفر، وشاهدوا نقصان رقعة أرض الكفر، وازدياد رقعة أرض الإيمان، كما قال سبحانه:
{  أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا.. }
[الرعد: 41] ومع ذلك لم يأخذوا من فتوحات الإسلام عبرة.

وقالوا: الحين يراد به القيامة حين يدخل هؤلاء المكذبون النارَ، عندها سيعلمون صِدْق هذا الكلام الذي أخبرهم الله في قرآنه.

وكلمة النبأ لا تقال إلا للخبر العظيم الهام، كما قال سبحانه:
{  قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }
[ص: 67-68].

فما بالك بنبأٍ الذي وصفه بأنه عظيم هو الله؟ وعظمة الخبر تأتي بمقدار ما يُهيء من الخير للإنسان، فالخبر بأنك نجحت في القبول، غير الخبر بنجاحك في التوجيهية، غير الخبر بأنك أصبحت وزيراً، فعِظَم الخبر بمقدار ما يحمل لك من الخير المرجو منه للإنسان.

إذن: ما بالك بالخير الذي ينتظرك بعد قيامك بالتكاليف الربانية، إنه خير لا يسعدك في دنياك المنقضية فحسب، إنما يسعدك في آخرتك الباقية الخالدة، فعِظَم هذا الخبر أنه ضَمِن لك الحياتين الدنيا والآخرة.

وأسأل الله في آخر السورة أنْ يجعل لنا حظاً من قوله: { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ } [ص: 88].


www.alro7.net