سورة
اية:

قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ

تفسير بن كثير

يقولون له على سبيل التهكم - قبحهم اللّه - { أصلاتك} أي قراءتك قاله الأعشى ، { تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا} أي الأوثان والأصنام، { أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} فنترك التطفيف عن قولك، وهي أموالنا نفعل فيها ما نريد، قال الحسن في الآية: أي واللّه إن صلاته لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم، وقال الثوري في قوله: { أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} ؟ يعنون الزكاة، { إنك لأنت الحليم الرشيد؟!} يقول ذلك أعداء اللّه على سبيل الاستهزاء قبحهم اللّه ولعنهم وقد فعل.

تفسير الجلالين

{ قالوا } له استهزاء { يا شعيب أصلاتك تأمرك } بتكليف { أن نترك ما يعبد آباؤنا } من الأصنام { أو } نترك { أن نفعل في أموالنا ما نشاء } المعنى هذا أمر باطل لا يدعو إليه داع بخير { إنك لأنت الحليم الرشيد } قالوا ذلك استهزاء .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا يَا شُعَيْب أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ قَوْم . شُعَيْب : { يَا شُعَيْب أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك } عِبَادَة { مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا } مِنْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , { أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء } مِنْ كَسْر الدَّرَاهِم وَقَطْعهَا وَبَخْس النَّاس فِي الْكَيْل وَالْوَزْن , { إِنَّك لَأَنْتَ الْحَلِيم } وَهُوَ الَّذِي لَا يَحْمِلهُ الْغَضَب أَنْ يَفْعَل مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلهُ فِي حَال الرِّضَا , { الرَّشِيد } يَعْنِي : رَشِيد الْأَمْر فِي أَمْره إِيَّاهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا عِبَادَة الْأَوْثَان . كَمَا : 14258 - حَدَّثَنَا مَحْمُود بْن خِدَاش , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد بْن خَالِد الْخَيَّاط , قَالَ : ثَنَا دَاوُد بْن قَيْس , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم , فِي قَوْل اللَّه : { أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء , إِنَّك أَنْتَ الْحَلِيم الرَّشِيد } قَالَ : كَانَ مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ حَذْف الدَّرَاهِم , أَوْ قَالَ : قَطْع الدَّرَاهِم . الشَّكّ مِنْ حَمَّاد 14259 - حَدَّثَنَا سَهْل بْن مُوسَى الرَّازِيّ , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي فُدَيْك , عَنْ أَبِي مَوْدُود , قَالَ : سَمِعْت مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ يَقُول : بَلَغَنِي أَنَّ قَوْم شُعَيْب عُذِّبُوا فِي قَطْع الدَّرَاهِم , وَجَدْت ذَلِكَ فِي الْقُرْآن : { أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء } - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا زَيْد بْن حُبَاب , عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , قَالَ : عُذِّبَ قَوْم شُعَيْب فِي قَطْعهمْ الدَّرَاهِم , فَقَالُوا : { يَا شُعَيْب أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء } - قَالَ : ثَنَا حَمَّاد بْن خَالِد الْخَيَّاط , عَنْ دَاوُد بْن قَيْس , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم , فِي قَوْله : { أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء } قَالَ : كَانَ مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ : حَذْف الدَّرَاهِم 14260 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { قَالُوا يَا شُعَيْب أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء } قَالَ : نَهَاهُمْ عَنْ قَطْع الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم , فَقَالُوا : إِنَّمَا هِيَ أَمْوَالنَا نَفْعَل فِيهَا مَا نَشَاء , إِنْ شِئْنَا قَطَعْنَاهَا , وَإِنْ شِئْنَا حَرَقْنَاهَا , وَإِنْ شِئْنَا طَرَحْنَاهَا - قَالَ وَأَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : وَأَخْبَرَنِي دَاوُد بْن قَيْس الْمُرِّيّ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْد بْن أَسْلَم يَقُول فِي قَوْل اللَّه : { قَالُوا يَا شُعَيْب أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء } قَالَ زَيْد : كَانَ مِنْ ذَلِكَ قَطْع الدَّرَاهِم وَقَوْله : { أَصَلَاتك } كَانَ الْأَعْمَش يَقُول فِي تَأْوِيلهَا مَا : 14261 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش , فِي قَوْله : { أَصَلَاتك } قَالَ : قِرَاءَتك فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا , أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء , وَإِنَّمَا كَانَ شُعَيْب نَهَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا فِي أَمْوَالهمْ مَا قَدْ ذَكَرْت أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْهُ فِيهَا ؟ قِيلَ : إِنَّ حَتَّى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا تَوَهَّمْت . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا , أَوْ أَنْ نَتْرُك أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء , وَلَيْسَ مَعْنَاهُ : تَأْمُرك أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء , لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذَا أَمْرهمْ . وَقَالَ بَعْض الْكُوفِيِّينَ نَحْو هَذَا الْقَوْل , قَالَ : وَفِيهَا وَجْه آخَر يَجْعَل الْأَمْر كَالنَّهْيِ , كَأَنَّهُ قَالَ : أَصَلَاتك تَأْمُرك بِذَا وَتَنْهَانَا عَنْ ذَا ؟ فَهِيَ حِينَئِذٍ مَرْدُودَة عَلَى أَنَّ الْأُولَى مَنْصُوبَة بِقَوْلِهِ " تَأْمُرك " , وَأَنَّ الثَّانِيَة مَنْصُوبَة عَطْفًا بِهَا عَلَى " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { مَا يَعْبُد } وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ مَعْنَى الْكَلَام : أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا , أَوْ أَنْ نَتْرُك أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء ؟ وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْض الْقُرَّاء أَنَّهُ قَرَأَهُ " مَا تَشَاء " , فَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا مُؤْنَة فِيهِ , وَكَانَتْ " أَنْ " الثَّانِيَة حِينَئِذٍ مَعْطُوفَة عَلَى " أَنْ " الْأُولَى . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا يَا شُعَيْب أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ قَوْم . شُعَيْب : { يَا شُعَيْب أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك } عِبَادَة { مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا } مِنْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , { أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء } مِنْ كَسْر الدَّرَاهِم وَقَطْعهَا وَبَخْس النَّاس فِي الْكَيْل وَالْوَزْن , { إِنَّك لَأَنْتَ الْحَلِيم } وَهُوَ الَّذِي لَا يَحْمِلهُ الْغَضَب أَنْ يَفْعَل مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلهُ فِي حَال الرِّضَا , { الرَّشِيد } يَعْنِي : رَشِيد الْأَمْر فِي أَمْره إِيَّاهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا عِبَادَة الْأَوْثَان . كَمَا : 14258 - حَدَّثَنَا مَحْمُود بْن خِدَاش , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد بْن خَالِد الْخَيَّاط , قَالَ : ثَنَا دَاوُد بْن قَيْس , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم , فِي قَوْل اللَّه : { أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء , إِنَّك أَنْتَ الْحَلِيم الرَّشِيد } قَالَ : كَانَ مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ حَذْف الدَّرَاهِم , أَوْ قَالَ : قَطْع الدَّرَاهِم . الشَّكّ مِنْ حَمَّاد 14259 - حَدَّثَنَا سَهْل بْن مُوسَى الرَّازِيّ , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي فُدَيْك , عَنْ أَبِي مَوْدُود , قَالَ : سَمِعْت مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ يَقُول : بَلَغَنِي أَنَّ قَوْم شُعَيْب عُذِّبُوا فِي قَطْع الدَّرَاهِم , وَجَدْت ذَلِكَ فِي الْقُرْآن : { أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء } - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا زَيْد بْن حُبَاب , عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , قَالَ : عُذِّبَ قَوْم شُعَيْب فِي قَطْعهمْ الدَّرَاهِم , فَقَالُوا : { يَا شُعَيْب أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء } - قَالَ : ثَنَا حَمَّاد بْن خَالِد الْخَيَّاط , عَنْ دَاوُد بْن قَيْس , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم , فِي قَوْله : { أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء } قَالَ : كَانَ مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ : حَذْف الدَّرَاهِم 14260 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { قَالُوا يَا شُعَيْب أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء } قَالَ : نَهَاهُمْ عَنْ قَطْع الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم , فَقَالُوا : إِنَّمَا هِيَ أَمْوَالنَا نَفْعَل فِيهَا مَا نَشَاء , إِنْ شِئْنَا قَطَعْنَاهَا , وَإِنْ شِئْنَا حَرَقْنَاهَا , وَإِنْ شِئْنَا طَرَحْنَاهَا - قَالَ وَأَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : وَأَخْبَرَنِي دَاوُد بْن قَيْس الْمُرِّيّ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْد بْن أَسْلَم يَقُول فِي قَوْل اللَّه : { قَالُوا يَا شُعَيْب أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء } قَالَ زَيْد : كَانَ مِنْ ذَلِكَ قَطْع الدَّرَاهِم وَقَوْله : { أَصَلَاتك } كَانَ الْأَعْمَش يَقُول فِي تَأْوِيلهَا مَا : 14261 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش , فِي قَوْله : { أَصَلَاتك } قَالَ : قِرَاءَتك فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا , أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء , وَإِنَّمَا كَانَ شُعَيْب نَهَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا فِي أَمْوَالهمْ مَا قَدْ ذَكَرْت أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْهُ فِيهَا ؟ قِيلَ : إِنَّ حَتَّى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا تَوَهَّمْت . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا , أَوْ أَنْ نَتْرُك أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء , وَلَيْسَ مَعْنَاهُ : تَأْمُرك أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء , لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذَا أَمْرهمْ . وَقَالَ بَعْض الْكُوفِيِّينَ نَحْو هَذَا الْقَوْل , قَالَ : وَفِيهَا وَجْه آخَر يَجْعَل الْأَمْر كَالنَّهْيِ , كَأَنَّهُ قَالَ : أَصَلَاتك تَأْمُرك بِذَا وَتَنْهَانَا عَنْ ذَا ؟ فَهِيَ حِينَئِذٍ مَرْدُودَة عَلَى أَنَّ الْأُولَى مَنْصُوبَة بِقَوْلِهِ " تَأْمُرك " , وَأَنَّ الثَّانِيَة مَنْصُوبَة عَطْفًا بِهَا عَلَى " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { مَا يَعْبُد } وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ مَعْنَى الْكَلَام : أَصَلَاتك تَأْمُرك أَنْ نَتْرُك مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا , أَوْ أَنْ نَتْرُك أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالنَا مَا نَشَاء ؟ وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْض الْقُرَّاء أَنَّهُ قَرَأَهُ " مَا تَشَاء " , فَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا مُؤْنَة فِيهِ , وَكَانَتْ " أَنْ " الثَّانِيَة حِينَئِذٍ مَعْطُوفَة عَلَى " أَنْ " الْأُولَى .' وَأَمَّا قَوْلهمْ لِشُعَيْبٍ : { إِنَّك لَأَنْتَ الْحَلِيم الرَّشِيد } فَإِنَّهُمْ أَعْدَاء اللَّه قَالُوا ذَلِكَ لَهُ اِسْتِهْزَاء بِهِ , وَإِنَّمَا سَفِهُوهُ وَجَهِلُوهُ بِهَذَا الْكَلَام . وَبِمَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14262 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { إِنَّك لَأَنْتَ الْحَلِيم الرَّشِيد } قَالَ : يَسْتَهْزِئُونَ 14263 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّك لَأَنْتَ الْحَلِيم الرَّشِيد } الْمُسْتَهْزِئُونَ يَسْتَهْزِئُونَ بِأَنَّك لَأَنْتَ الْحَلِيم الرَّشِيد وَأَمَّا قَوْلهمْ لِشُعَيْبٍ : { إِنَّك لَأَنْتَ الْحَلِيم الرَّشِيد } فَإِنَّهُمْ أَعْدَاء اللَّه قَالُوا ذَلِكَ لَهُ اِسْتِهْزَاء بِهِ , وَإِنَّمَا سَفِهُوهُ وَجَهِلُوهُ بِهَذَا الْكَلَام . وَبِمَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14262 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { إِنَّك لَأَنْتَ الْحَلِيم الرَّشِيد } قَالَ : يَسْتَهْزِئُونَ 14263 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّك لَأَنْتَ الْحَلِيم الرَّشِيد } الْمُسْتَهْزِئُونَ يَسْتَهْزِئُونَ بِأَنَّك لَأَنْتَ الْحَلِيم الرَّشِيد '

تفسير القرطبي

قوله تعالى‏ { ‏وإلى مدين أخاهم شعيبا‏} ‏ أي وأرسلنا إلى مدين، ومدين هم قوم شعيب‏.‏ وفي تسميتهم بذلك قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنهم بنو مدين بن إبراهيم؛ فقيل‏:‏ مدين والمراد بنو مدين‏.‏ كما يقال مضر والمراد بنو مضر‏.‏ الثاني‏:‏ أنه اسم مدينتهم، فنسبوا إليها‏.‏ قال النحاس‏:‏ لا ينصرف مدين لأنه اسم مدينة؛ وقد تقدم في "‏الأعراف‏"‏ هذا المعنى وزيادة‏.‏ { ‏قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره‏} ‏ تقدم‏.‏ { ‏ولا تنقصوا المكيال والميزان‏} ‏ كانوا مع كفرهم أهل بخس وتطفيف؛ كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد، واستوفوا بغاية ما يقدرون عليه وظلموا؛ وإن جاءهم مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشحوا له بغاية ما يقدرون؛ فأمروا بالإيمان إقلاعا عن الشرك، وبالوفاء نهيا عن التطفيف‏.‏ ‏ { ‏إني أراكم بخير‏} ‏ أي في سعة من الرزق، وكثرة من النعم‏.‏ وقال الحسن‏:‏ كان سعرهم رخيصا‏.‏ ‏ { ‏وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط‏} ‏ وصف اليوم بالإحاطة، وأراد وصف ذلك اليوم بالإحاطة بهم؛ فإن يوم العذاب إذا أحاط بهم فقد أحاط العذاب بهم، وهو كقولك‏:‏ يوم شديد؛ أي شديد حره‏.‏ واختلف في ذلك العذاب؛ فقيل‏:‏ هو عذاب النار في الآخرة‏.‏ وقيل‏:‏ عذاب الاستئصال في الدنيا‏.‏ وقيل‏:‏ غلاء السعر؛ روي معناه عن ابن عباس‏.‏ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما أظهر قوم البخس في المكيال والميزان إلا ابتلاهم الله بالقحط والغلاء‏)‏‏.‏ وقد تقدم‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط‏} ‏ أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن التطفيف تأكيدا‏.‏ والإيفاء الإتمام‏.‏ { ‏بالقسط‏} ‏ أي بالعدل والحق، والمقصود أن يصل كل ذي كل نصيب إلى نصيبه؛ وليس يريد إيفاء المكيال والموزون لأنه لم يقل‏:‏ أوفوا بالمكيال وبالميزان؛ بل أراد ألا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود، وكذا الصنجات‏.‏ ‏ { ‏ولا تبخسوا الناس أشياءهم‏} ‏ أي لا تنقصوهم مما استحقوه شيئا‏.‏ ‏ { ‏ولا تعثوا في الأرض مفسدين‏} ‏ بين أن الخيانة في المكيال والميزان مبالغة في الفساد في الأرض، وقد مضى في ‏"‏الأعراف‏"‏ زيادة لهذا، والحمد لله‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏بقية الله خير لكم‏} ‏ أي ما يبقيه الله لكم بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر بركة، وأحمد عاقبة مما تبقونه أنتم لأنفسكم من فضل التطفيف بالتجبر والظلم؛ قال معناه الطبري، وغيره‏.‏ وقال مجاهد‏ { ‏بقية الله خير لكم‏} ‏ يريد طاعته‏.‏ وقال الربيع‏:‏ وصية الله‏.‏ وقال الفراء‏:‏ مراقبة الله‏.‏ ابن زيد‏:‏ رحمة الله‏.‏ قتادة والحسن‏:‏ حظكم من ربكم خير لكم‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ رزق الله خير لكم‏.‏ { ‏إن كنتم مؤمنين‏} ‏ شرط هذا لأنهم إنما يعرفون صحة هذا إن كانوا مؤمنين‏.‏ وقيل‏:‏ يحتمل أنهم كانوا يعترفون بأن الله خالقهم فخاطبهم بهذا‏.‏ { ‏وما أنا عليكم بحفيظ‏} ‏ أي رقيب أرقبكم عند كيلكم ووزنكم؛ أي لا يمكنني شهود كل معاملة تصدر منكم حتى أؤاخذكم بإيفاء الحق‏.‏ وقيل‏:‏ أي لا يتهيأ لي أن أحفظكم من إزالة نعم الله عليكم بمعاصيكم‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏قالوا يا شعيب أصلواتك‏} ‏ وقرئ ‏"‏أصَلاتُك‏"‏ من غير جمع‏.‏ ‏ { ‏تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا‏} { ‏أن‏} ‏ في موضع نصب؛ قال الكسائي‏:‏ موضعها خفض على إضمار الباء‏.‏ وروي أن شعيبا عليه السلام كان كثير الصلاة، مواظبا على العبادة فرضها ونقلها ويقول‏:‏ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ فلما أمرهم ونهاهم عيروه بما رأوه يستمر عليه من كثرة الصلاة، واستهزؤوا به فقالوا ما أخبر الله عنهم‏.‏ وقيل‏:‏ إن الصلاة هنا بمعنى القراءة؛ قاله سفيان عن الأعمش، أي قراءتك تأمرك؛ ودل بهذا على أنهم كانوا كفارا‏.‏ وقال الحسن‏:‏ لم يبعث الله نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة‏.‏ ‏ { ‏أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء‏} ‏ زعم الفراء أن التقدير‏:‏ أو تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء‏.‏ وقرأ السلمي والضحاك بن قيس ‏ { ‏أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء‏} ‏ بالتاء في الفعلين، والمعنى‏:‏ ما تشاء أنت يا شعيب‏.‏ وقال النحاس‏ { ‏أو أن‏} ‏ على هذه القراءة معطوفة على ‏ { ‏أن‏} ‏ الأولى‏.‏ وروي عن زيد بن أسلم أنه قال‏:‏ كان مما نهاهم عنه حذف الدراهم‏.‏ وقيل‏:‏ معنى‏.‏ { ‏أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء‏} ‏ إذا تراضينا فيما بيننا بالبخس فلم تمنعنا منه‏؟‏‏!‏‏.‏ ‏ { ‏إنك لأنت الحليم الرشيد‏} ‏ يعنون عند نفسك بزعمك‏.‏ ومثله في صفة أبي جهل‏ { ‏ذق إنك أنت العزيز الكريم‏} [‏الدخان‏:‏ 49‏]‏ أي عند نفسك بزعمك‏.‏ وقيل‏:‏ قالوه على وجه الاستهزاء والسخرية، قاله قتادة‏.‏ ومنه قولهم للحبشي‏:‏ أبو البيضاء، وللأبيض أبو الجون؛ ومنه قول خزنة جهنم لأبي جهل ‏ { ‏ذق إنك أنت العزيز الكريم‏} ‏‏.‏ وقال سفيان بن عيينة‏:‏ العرب تصف الشيء بضده للتطير والتفاؤل؛ كما قيل للديغ سليم، وللفلاة مفازة‏.‏ وقيل‏:‏ هو تعريض أرادوا به السب؛ وأحسن من هذا كله، ويدل ما قبله على صحته؛ أي إنك أنت الحليم الرشيد حقا، فكيف تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا‏!‏ ويدل عليه‏.‏ ‏ { ‏أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا‏} ‏ أنكروا لما رأوا من كثرة صلاته وعبادته، وأنه حليم رشيد بأن يكون يأمرهم بترك ما كان يعبد آباؤهم، وبعده أيضا ما يدل عليه‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي‏} ‏ أي أفلا أنهاكم عن الضلال‏؟‏‏!‏ وهذا كله يدل على أنهم قالوه على وجه الحقيقة، وأنه اعتقادهم فيه‏.‏ ويشبه هذا المعنى قول اليهود من بني قريظة للنبي صلى الله عليه وسلم حين قال لهم‏:‏ ‏(‏يا إخوة القردة‏)‏ فقالوا‏:‏ يا محمد ما علمناك جهولا‏!‏‏.‏ مسألة‏:‏ قال أهل التفسير‏:‏ كان مما ينهاهم عنه، وعذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم؛ كانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القراضة، وكانوا يتعاملون على الصحاح عدا، وعلى المقروضة وزنا، وكانوا يبخسون في الوزن‏.‏ وقال ابن وهب قال مالك‏:‏ كانوا يكسرون الدنانير والدراهم، وكذلك قال جماعة من المفسرين المتقدمين كسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم وغيرهما؛ وكسرهما ذنب عظيم‏.‏ وفي كتاب أبي داود عن علقمة بن عبدالله عن أبيه قال‏:‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس؛ فإنها إذا كانت صحاحا قام معناها؛ وظهرت فائدتها، وإذا كسرت صارت سلعة، وبطلت منها الفائدة؛ فأضر ذلك، بالناس؛ ولذلك حرم‏.‏ وقد قيل في تأويل قوله تعالى‏ { ‏وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون‏} ‏ [النمل‏:‏ 48‏]‏ أنهم كانوا يكسرون الدراهم؛ قاله زيد بن أسلم‏.‏ قال أبو عمر بن عبدالبر‏:‏ زعموا أنه لم يكن بالمدينة أعلم بتأويل القرآن من زيد بن أسلم بعد محمد بن كعب القرظي‏.‏ مسألة‏:‏ قال أصبغ قال عبدالرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة مولى زيد بن الحارث العتقي‏:‏ من كسرها لم تقبل شهادته، وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر، وليس هذا بموضع عذر؛ قال ابن العربي‏:‏ أما قوله‏:‏ لم تقبل شهادته فلأنه أتى كبيرة، والكبائر تسقط العدالة دون الصغائر؛ وأما قوله‏:‏ لا يقبل عذره بالجهالة في هذا فلأنه أمر بين لا يخفى على أحد، وإنما يقبل العذر إذا ظهر الصدق فيه، أو خفي وجه الصدق فيه، وكان الله أعلم به من العبد كما قال مالك‏.‏ مسألة‏:‏ إذا كان هذا معصية وفسادا ترد به الشهادة فإنه يعاقب من فعل ذلك، ومر ابن المسيب برجل قد جلد فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ قال رجل‏:‏ يقطع الدنانير والدراهم؛ قال ابن المسيب‏:‏ هذا من الفساد في الأرض؛ ولم ينكر جلده؛ ونحوه عن سفيان‏.‏ وقال أبو عبدالرحمن النجيبي‏:‏ كنت قاعدا عند عمر بن عبدالعزيز وهو إذ ذاك أمير المدينة فأتى برجل يقطع الدراهم وقد شهد عليه فضربه وحلقه، وأمر فطيف به، وأمره أن يقول‏:‏ هذا جزاء من يقطع الدراهم؛ ثم أمر أن يرد إليه؛ فقال‏:‏ إنه لم يمنعني أن أقطع يدك إلا أني لم أكن تقدمت في ذلك قبل اليوم، وقد تقدمت في ذلك فمن شاء فليقطع‏.‏ قال القاضي أبو بكر بن العربي‏:‏ أما أدبه بالسوط فلا كلام فيه، وأما حلقه فقد فعله عمر؛ وقد كنت أيام الحكم بين الناس أضرب وأحلق، وإنما كنت أفعل ذلك بمن يرى شعره عونا له على المعصية، وطريقا إلى التجمل به في الفساد، وهذا هو الواجب في كل طريق للمعصية، أن يقطع إذا كان غير مؤثر في البدن، وأما قطع يده فإنما أخذ ذلك عمر من فصل السرقة؛ وذلك أن قرض الدراهم غير كسرها، فإن الكسر إفساد الوصف، والقرض تنقيص للقدر، فهو أخذ مال على جهة الاختفاء؛ فإن قيل‏:‏ أليس الحرز أصلا في القطع‏؟‏ قلنا‏:‏ يحتمل أن يكون عمر يرى أن تهيئتها للفصل بين الخلق دينارا أو درهما حرز لها، وحرز كل شيء على قدر حاله؛ وقد أنفذ ذلك ابن الزبير، وقطع يد رجل في قطع الدنانير والدراهم‏.‏ وقد قال علماؤنا المالكية‏:‏ إن الدنانير والدراهم خواتيم الله عليها اسمه؛ ولو قطع على قول أهل التأويل من كسر خاتما لله كان أهلا لذلك، أو من كسر خاتم سلطان عليه اسمه أدب، وخاتم الله تقضى به الحوائج فلا يستويان في العقوبة‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وأرى أن يقطع في قرضها دون كسرها، وقد كنت أفعل ذلك أيام توليتي الحكم، إلا أني كنت محفوفا بالجهال، فلم أجبن بسبب المقال للحسدة الضلال فمن قدر عليه يوما من أهل الحق فليفعله احتسابا لله تعالى‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏ورزقني منه رزقا حسنا‏} ‏ أي واسعا حلالا، وكان شعيب عليه السلام كثير المال، قاله ابن عباس وغيره‏.‏ وقيل‏:‏ أراد به‏.‏ الهدى والتوفيق، والعلم والمعرفة، وفي الكلام حذف، وهو ما ذكرناه؛ أي أفلا أنهاكم عن الضلال‏!‏ وقيل‏:‏ المعنى ‏ { ‏أرأيتم إن كنت على بينة من ربي‏} ‏ أتبع الضلال‏؟‏ وقيل‏:‏ المعنى ‏ { ‏أرأيتم إن كنت على بينة من ربي‏} ‏ أتأمرونني بالعصيان في البخس والتطفيف، وقد أغناني الله عنه‏.‏ { ‏وما أريد أن أخالفكم‏} ‏ في موضع نصب بـ ‏ { ‏أريد‏} ‏‏.‏ ‏ { ‏إلى ما أنهاكم عنه‏} ‏ أي ليس أنهاكم عن شيء وأرتكبه، كما لا أترك ما أمرتكم به‏.‏ { ‏إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت‏} ‏ أي ما أريد إلا فعل الصلاح؛ أي أن تصلحوا دنياكم بالعدل، وآخرتكم بالعبادة، وقال‏ { ‏ما استطعت‏} ‏ لأن الاستطاعة من شروط الفعل دون الإرادة‏.‏ و‏ { ‏ما‏} ‏ مصدرية؛ أي إن أريد إلا الإصلاح جهدي واستطاعتي‏.‏ ‏ { ‏وما توفيقي‏} ‏ أي رشدي، والتوفيق الرشد‏.‏ { ‏إلا بالله عليه توكلت‏} ‏ أي اعتمدت‏.‏ { ‏وإليه أنيب‏} ‏ أي أرجع فيما ينزل بي من جميع النوائب‏.‏ وقيل‏:‏ إليه أرجع في الآخرة‏.‏ وقيل‏:‏ إن الإنابة الدعاء، ومعناه وله أدعو‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏ويا قوم لا يجرمنكم‏} ‏ وقرأ يحيى بن وثاب ‏"‏يُجْرِمَنَّكُمْ‏"‏‏.‏ لا يدخلنكم في الجرم؛ كما تقول‏:‏ آثمني أي أدخلني في الإثم‏.‏ { ‏شقاقي‏} ‏ في موضع رفع‏.‏ { ‏أن يصيبكم‏} ‏ في موضع نصب، أي لا يحملنكم معاداتي على ترك الإيمان فيصيبكم ما أصاب الكفار قبلكم، قاله الحسن وقتادة‏.‏ وقيل‏:‏ لا يكسبنكم شقاقي إصابتكم العذاب، كما أصاب من كان قبلكم، قاله الزجاج‏.‏ وقد تقدم معنى { ‏يجرمنكم‏} ‏ في ‏"‏المائدة‏"‏ و‏ { ‏الشقاق‏} ‏ في "‏البقرة‏"‏ وهو هنا بمعنى العداوة، قاله السدي، ومنه قول الأخطل‏:‏ ألا من مبلغ عني رسولا ** فكيف وجدتم طعم الشقاق وقال الحسن البصري‏:‏ إضراري‏.‏ وقال قتادة‏:‏ فراقي‏.‏ ‏ { ‏وما قوم لوط منكم ببعيد‏} ‏ وذلك أنهم كانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط‏.‏ وقيل‏:‏ وما ديار قوم لوط منكم ببعيد؛ أي بمكان بعيد، فلذلك وحد البعيد‏.‏ قال الكسائي‏:‏ أي دورهم في دوركم‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه‏} ‏ تقدم‏.‏ { ‏إن ربي رحيم ودود‏} ‏ اسمان من أسمائه سبحانه، وقد بيناهما في كتاب ‏"‏الأسنى في شرح الأسماء الحسنى"‏.‏ قال الجوهري‏:‏ وددت الرجل أوده ودا إذا أحببته، والودود المحب، والود والود والود والمودة المحبة‏.‏ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر شعيبا قال‏:‏ ‏(‏ذاك خطيب الأنبياء‏)‏‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول‏} ‏ أي ما نفهم؛ لأنك تحملنا على أمور غائبة من البعث والنشور، وتعظنا بما لا عهد لنا بمثله‏.‏ وقيل‏:‏ قالوا ذلك إعراضا عن سماعه، واحتقارا لكلامه؛ يقال‏:‏ فقه يفقه إذا فهم فقها؛ وحكى الكسائي‏:‏ فقه فقها وفقها إذا صار فقيها‏.‏ { ‏وإنا لنراك فينا ضعيفا‏} ‏ قيل‏:‏ إنه كان مصابا ببصره؛ قاله سعيد بن جبير وقتادة‏.‏ وقيل‏:‏ كان ضعيف البصر؛ قاله الثوري، وحكى عنه النحاس مثل قول سعيد بن جبير وقتادة‏.‏ قال النحاس‏:‏ وحكى أهل اللغة أن حمير تقول للأعمى ضعيفا؛ أي قد ضعف بذهاب بصره؛ كما يقال، له ضرير؛ أي قد ضر بذهاب بصره؛ كما يقال له‏:‏ مكفوف؛ أي قد كف عن النظر بذهاب بصره‏.‏ قال الحسن‏:‏ معناه مهين‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى ضعيف البدن؛ حكاه علي بن عيسى‏.‏ وقال السدي‏:‏ وحيدا ليس لك جند وأعوان تقدر بها على مخالفتنا‏.‏ وقيل‏:‏ قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة أهلها و‏} ‏ضعيفا‏} ‏ نصب على الحال‏.‏ ‏ { ‏ولولا رهطك‏} ‏ رفع بالابتداء، ورهط الرجل عشيرته الذي يستند إليهم ويتقوى بهم؛ ومنه الراهطاء لجحر اليربوع؛ لأنه يتوثق به ويخبأ فيه ولده‏.‏ ومعنى ‏ { ‏لرجمناك‏} ‏ لقتلناك بالرجم، وكانوا إذا قتلوا إنسانا رجموه بالحجارة، وكان رهطه من أهل ملتهم‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏ { ‏لرجمناك‏} ‏ لشتمناك؛ ومنه قول الجعدي‏:‏ تراجمنا بمُر القول حتى ** نصير كأننا فرسا رهان والرجم أيضا اللعن؛ ومنه الشيطان الرجيم‏.‏ ‏ { ‏وما أنت علينا بعزيز‏} ‏ أي ما أنت علينا بغالب ولا قاهر ولا ممتنع‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏قال يا قوم أرهطي‏} ‏ ‏ { ‏أرهطي‏} ‏ رفع بالابتداء؛ والمعنى أرهطي في قلوبكم ‏ { ‏أعز عليكم من الله‏} ‏ وأعظم وأجل وهو يملككم‏.‏ { ‏واتخذتموه وراءكم ظهريا‏} ‏ أي اتخذتم ما جئتكم به من أمر الله ظهريا؛ أي جعلتموه وراء ظهوركم، وامتنعتم من قتلي مخافة قومي يقال‏:‏ جعلت أمره بظهر إذا قصرت فيه، وقد مضى في ‏"‏البقرة‏"‏، ‏ { ‏إن ربي بما تعملون‏} ‏ أي من الكفر والمعصية‏.‏ ‏ { ‏محيط‏} ‏ أي عليم‏.‏ وقيل‏:‏ حفيظ‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون‏} ‏ تهديد ووعيد؛ وقد تقدم في ‏"‏الأنعام‏"‏‏.‏ ‏ { ‏من يأتيه عذاب يخزيه‏} ‏ أي يهلكه‏.‏ و‏ { ‏من‏} ‏ في موضع نصب، مثل ‏ { ‏يعلم المفسد من المصلح‏} [‏البقرة‏:‏ 220‏]‏‏.‏ { ومن هو كاذب‏} ‏ عطف عليها‏.‏ وقيل‏:‏ أي وسوف تعلمون من هو كاذب منا‏.‏ وقيل‏:‏ في محل رفع؛ تقديره‏:‏ ويخزي من هو كاذب‏.‏ وقيل‏:‏ تقديره ومن هو كاذب فسيعلم كذبه، ويذوق وبال أمره‏.‏ وزعم الفراء أنهم إنما جاؤوا بـ ‏ { ‏هو‏} في ‏ { ‏ومن هو كاذب‏} ‏ لأنهم لا يقولون من قائم؛ إنما يقولون‏:‏ من قام، ومن يقوم، ومن القائم؛ فزادوا ‏ { ‏هو‏} ‏ ليكون جملة تقوم مقام فعل ويفعل‏.‏ قال النحاس‏:‏ ويدل على خلاف هذا قوله‏:‏ من رسولي إلى الثريا بأني ** ضقت ذرعا بهجرها والكتاب ‏ { ‏وارتقبوا إني معكم رقيب‏} ‏ أي انتظروا العذاب والسخطة؛ فإني منتظر النصر والرحمة‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏ولما جاء أمرنا‏} ‏ قيل‏:‏ صاح بهم جبريل صيحة فخرجت أرواحهم من أجسادهم ‏ { ‏وأخذت الذين ظلموا الصيحة‏} ‏ أي صيحة جبريل‏.‏ وأنث الفعل على لفظ الصيحة، وقال في قصة صالح‏ { ‏وأخذ الذين ظلموا الصيحة‏} ‏ فذكر على معنى الصياح‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ما أهلك الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب، أهلكهم الله بالصيحة؛ غير أن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم‏.‏ { ‏فأصبحوا في ديارهم جاثمين، كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود‏} ‏ تقدم معناه‏.‏ وحكى الكسائي أن أبا عبدالرحمن السلمي قرأ ‏"‏كما بعدت ثمود‏"‏ بضم العين‏.‏ قال النحاس‏:‏ المعروف في اللغة إنما يقال بعد يبعد بعدا وبعدا إذا هلك‏.‏ وقال المهدوي‏:‏ من ضم العين من ‏ { ‏بعدت‏} ‏ فهي لغة تستعمل في الخير والشر، ومصدرها البعد؛ وبعدت تستعمل في الشر خاصة؛ يقال‏:‏ بعد يبعد بعدا؛ فالبعد على قراءة الجماعة بمعنى اللعنة، وقد يجتمع معنى اللغتين لتقاربهما في المعنى؛ فيكون مما جاء مصدره على غير لفظه لتقارب المعاني‏.‏

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 86 - 93

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي: أيأمرك إلهك ودينك أن نترك ما يعبد آباؤنا؟

ولقائل أن يقول: ولماذا قالوا: " أصلاتك "؟

نقول: لأن الإسلام بُنِيَ على خمس: أولها شهادة ألاّ إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ ويكفي أن يقولها الإنسان مرة واحدة في حياته كلها، ثم إقامة الصلاة، وبعد ذلك إيتاء الزكاة، ثم صوم رمضان، ثم حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.

وأنت إن نظرت إلى هذه الأركان فقد تجد إنساناً لا يملك ما يزكِّى به أو ما يحج به، وقد يكون مريضاً فلا صوم عليه، وهو ينطق بالشهادة مرة واحدة في حياته، ولا يبقى في أركان الدين إلا الصلاة؛ ولذلك يقال عنها: " عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين " لأنها الركن الوحيد الذي يعلن العبد فيه الولاء لربه كل يوم خمس مرات، دواماً في الولاء لله.

ولا تسقط الصلاة أبداً عن أي إنسان مهما كانت ظروفه، فإن عجز عن الحركة؛ فله أن يصلي برموش عينيه، وإن عجز عن تحريك رموش عينيه فَلْيُجْرِ الصلاة على قلبه، حتى في حالة الحرب والمسايفة فالإنسان المسلم يصلي صلاة الخوف.

إذن: فالصلاة هي الركن الذي لا يسقط أبداً، ويُكرَّر في اليوم خمس مرات، وقد أعطاها الحق سبحانه في التشريع ما يناسبها من الأهمية.

وكل تكليفات الإسلام جاءت بوحي من الله سبحانه وتعالى، فجبريل عليه السلام يحمل الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ويبلغنا الرسول صلى الله عليه وسلم إياه، وتميزت الصلاة وحدها بأن الحق سبحانه قد كلَّف بها النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء وجوده في الملأ الأعلى؛ عند سدرة المنتهى، وذلك لفرط أهميتها.

ومثال ذلك من حياتنا ـ ولله المثل الأعلى ـ نجد الرئيس في أي موقع من مواقع العمل؛ وهو يستقبل البريد اليومي المتعلق بالعمل، ويحول كل خطاب إلى الموظف المختص ليدرسه أو ليقترح بخصوصه اقتراحاً، وإذا وجد الرئيس أمراً مهمّاً قادماً من أعلى المستويات؛ فهو يستدعي الموظف المختص؛ ويرتب معه الإجراءات والترتيبات الواجب اتخاذها؛ وإذا كان هذا يحدث في الأمور البشرية، فما بالنا بالتكليف من الله سبحانه وتعالى للرسول؟

وقد شاء الحق سبحانه أن يكون تكليف الصلاة ـ لأهميته ـ هو التكليف الوحيد الذي نال تلك المنزلة؛ لأنها الركن الذي يتكرر خمس مرات في اليوم الواحد؛ ولا مناص منه.

فأنت قد لا تنطق الشهادة إلا مرة واحدة؛ لكنك تقولها في كل صلاة.

وفي الزكاة تضحِّي ببعض المال؛ وأنت لم تولد ومعك المال؛ إلا إن كنت قد ورثت وأنت في بطن أمك؛ ولا بد أن تزكِّي من مالك؛ والمال لا يأتي إلا من العمل؛ والعمل فرع من الوقت؛ وأنت في الصلاة تضحِّي بالوقت نفسه؛ والوقت أوسع من دائرة الزكاة.وفي الصيام أنت تمتنع عن شهوتي البطن والفرج؛ من الفجر إلى المغرب؛ لكنك تمارس كل أنشطة الحياة؛ أما في الصلاة فأنت تصوم عن شهوتي الفرج والطعام؛ وتصوم أكثر عن أشياء مباحة لك في الصيام.

وفي الحج أنت تتوجه إلى بيت الله الحرام؛ وأنت في كل صلاة تتوجه إلى بيت الله الحرام.

وهكذا تجتمع كل أركان الإسلام في الصلاة.

وأهل مدين هنا ـ في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها ـ قد هزءوا برسولهم شعيب عليه السلام، وصلاته؛ مثلما فعل كفار قريش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال أهل مدين لشعيب عليه السلام:

{ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ } [هود: 87].

وظنوا أنهم بهذا القول إنما يتهكمون عليه؛ لأن شعيباً كان كثير الصلاة؛ وهم ـ ككفار قريش ـ يجهلون أن الصلاة تأمر وتنهى.

والحق سبحانه يقول:


{  إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ }
[العنكبوت: 45].

إذن: فللصلاة أمر، وللصلاة نهي، وما دام قد ثبت لشيء حكم؛ يثبت له مقابله، وأنت تسمع من يقول لآخر: أنت تصلي لذلك فأنا أثق في أمانتك وتسمع إنساناً آخر ينصح صديقاً بقوله: كيف تسمح لنفسك أن ترتكب هذا الإثم وأنت خارج من الصلاة؟

وكثير من الناس يغفلون عن أن التقابل في الجهات إنما يحل مشاكل متعددة؛ فيأخذون جهة ويتركون الأخرى.

ولذلك أقول: ما دام الحق سبحانه قد قال إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلا بد أنها تأمر بالبر والخير.

ومثال آخر: نجده في قول الحق سبحانه عن غرق قوم فرعون:


{  فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ }
[الدخان: 29].

وما دام الحق سبحانه وتعالى قد نفى بكاء السموات والأرض على قوم فرعون؛ ففي المقابل فلا بد أنها تبكي على قوم آخرين؛ لأن السموات والأرض من المسخّرات للتسبيح ، وقال الحق سبحانه عنهما:


{  إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا }
[الأحزاب: 72].

وبهذا القول اختارت كل من السموات والأرض مكانة الكائنات المسبِّحة، مصداقاً لقول الحق سبحانه:


{  وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ }
[الإسراء: 44].

فإذا رأت السموات والأرض إنساناً مُسبِّحاً؛ فلا بد أن تحبه، وإن رأت إنساناً كافراً، معانداً؛ فلا بد أن تكرهه.

وما دامت السموات والأرض لم تبكِ على قوم فرعون؛ فذلك لأنهم ضالون؛ لأنها لا تبكي إلا على المهديين.

وقد حلَّ لنا الإمام علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ هذه المسألة؛ فقال: " إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في الأرض، وموضع في السماء، أما موضعه الذي في الأرض؛ فمصلاّه، وأما موضعه في السماء فمصعد عمله ".

لأن موضعه الذي كان يصلي فيه؛ يُحرم من أن واحداً كان يصلي فيه، وأما موضعه الذي كان يصعد منه عمله؛ فيفتقد رائحة عبور العمل الصالح.فإن أردت بالصلاة الدين؛ وهي رمز الدين؛ فللصلاة أمر هو نفس أمر الدين، وهي الأمر بالإيمان الحق، لأن الإيمان المقلد لا نفع له.

إذن: فقد أراد أهل مدين التهكم على دعوة شعيب لهم؛ وتساءلوا:

{ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ } [هود: 87].

وهذا القول يحمل أيضاً ردهم على دعوته لهم ألاّ يعبدوا غير الله؛ فلا إله غيره؛ وردوا كذلك على دعوته لهم ألاّ ينقصوا الكيل والميزان؛ وألاّ يبخسوا الناس أشياءهم؛ وأن يتيقنوا أن ما يبقى عند الله هو الخير لهم، وألا يعثوا في الأرض مفسدين.

وقالوا: أتنهانا أيضاً عن أن نفعل بأموالنا ما نشاء؟ وكأنهم قد عميت بصيرتهم؛ لأنهم إن أباحوا لأنفسهم أن يفعلوا بأموالهم ما يشاءون؛ فغيرهم سيبيحون لأنفسهم أن يفعلوا بأموالهم ما يشاءون؛ وستصطدم المصالح، ويخسر الجميع.

وقولهم: { إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ } [هود: 87].

استمرار في التهكم الذي بدءوه بقولهم:

{ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ } [هود: 87].

مثلهم في ذلك مثل منافقي المدينة الذين قالوا للأنصار:


{  لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ }
[المنافقون: 7].

وكانوا يريدون أن يضربوا المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؛ وقد قالوا: { رَسُولِ ٱللَّهِ } تهكماً؛ وهم يحرضون أثرياء المدينة على تجويع المهاجرين.

ومثلهم ـ أيضاً ـ مثل قوم لوط حين نهاهم عن فعل تلك الفحشاء؛ فقالوا تهكماً منه وممن آمن معه:


{  أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ }
[الأعراف: 82].

فهل تطهرهم علة للإخراج من القرية، ولكنهم قالوا هذا لأنهم لا يريدون أن يكون بينهم من يعكر ما هم فيه.

وهذا مثلما نسمع في حياتنا من يقول: " لا تستعن بفلان لأنه حنبلي ".

هم ـ إذن ـ قد قالوا:

{ إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ } [هود: 87].

وهذا منطق السخرية منه؛ لأنه لم يوافقهم على عبادة غير الله؛ ولم يوافقهم على إنقاص الكيل والميزان؛ ونهاهم عن بَخْس الناس أشياءهم.

وإذا قيل حُكْمٌ وهو حقٌّ؛ ويقوله من لا يؤمن به؛ فهو يقصد به الهُزْء والسخرية.

وهو لون من التهكم جاء في القرآن الكريم في مواضع متعددة؛ فنجد الحق سبحانه يقول لمن تجبر وطغى في الدنيا؛ ويلقى عذاب السعير في الآخرة:


{  ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ }
[الدخان: 49].

وكذلك يقول الحق سبحانه:


{  وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ }
[الكهف: 29].

وفي كُلٍّ من القولين تهكم وسخرية، وكذلك قولهم في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:

{ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ } [هود: 87].

وهذا قول يحمل التهكم بصلاته.

وكذلك قولهم:

{ إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ } [هود: 87].

يعني التساؤل: كيف يصح لك وأنت العاقل الحليم أن تتورط وتقول لنا:


{  ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ }
[هود: 84].

وقد قالوا ذلك لأنهم قد ألفوا عبادة الأصنام، وكذلك تهكموا على دعوته لهم بعدم إنقاص الكيل والميزان.

وأيضاً لم يقبلوا منه قوله بأن يحسنوا التصرف في المال، والعلة التي برروا بها كل هذا السَّفَه أن شعيباً حليم رشيد؛ فيكف يدعوهم إلى ما يخالف أهواءهم؟

ويأتي الحق سبحانه بما قاله شعيب ـ عليه السلام ـ فيقول جَلَّ شأنه: { قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي }


www.alro7.net