سورة
اية:

وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَىٰ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى آمراً رسوله صلوات اللّه وسلامه عليه ببلاغ الرسالة وتلاوة القرآن على الناس، ومخبراً له بأنه سيرده إلى معاد وهو يوم القيامة فسأله عما استرعاه من أعباء النبوة، ولهذا قال تعالى: { إن الذي فرض عليك القرآن} أي افترض عليك أداءه إلى الناس { لرادك إلى معاد} أي إلى يوم القيامة فيسألك عن ذلك، كما قال تعالى: { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} ، وقال تعالى: { يوم يجمع اللّه الرسل فيقول ماذا أجبتم} وقال: { وجيء بالنبيين والشهداء} . وقال ابن عباس: { لرادك إلى معاد} يقول: لرادك إلى الجنة ثم سائلك عن القرآن، وقال مجاهد: يحييك يوم القيامة، وقال الحسن البصري: إي واللّه إن له معاداً فيبعثه اللّه يوم القيامة ثم يدخله الجنة، وقد روي عن ابن عباس غير ذلك كما قال البخاري في التفسير عن ابن عباس { لرادك إلى معاد} قال: إلى مكة، وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس { لرادك إلى معاد} أي لرادك إلى مكة كما أخرجك منها، وقال محمد بن إسحاق عن مجاهد في قوله { لرادك إلى معاد} : إلى مولدك بمكة، وعن الضحاك قال: لما خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم من مكة فبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة، فأنزل اللّه عليه: { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} إلى مكة، وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية وإن كان مجموع السورة مكيا، واللّه أعلم. ووجه الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة وهو الفتح الذي هو عند ابن عباس أمارة على اقتراب أجل النبي صلى اللّه عليه وسلم، كما فسر ابن عباس سورة { إذا جاء نصر اللّه والفتح} أنه أجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نعي إليه، ولهذا فسر ابن عباس تارة أخرى قوله: { لرادك إلى معاد} بالموت، وتارة بيوم القيامة الذي هو بعد الموت، وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء رسالة اللّه، وإبلاغها إلى الثقلين الإنس والجن، ولأنه أكمل خلق اللّه وأفصح خلق اللّه وأشرق خلق اللّه على الإطلاق، وقوله تعالى: { قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين} أي قل لمن خالفك وكذبك يا محمد من قومك من المشركين ومن تبعهم على كفرهم قل: ربي أعلم بالمهتدي منكم ومني، وستعلمون لمن تكون له عاقبة الدار ولمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة، ثم قال تعالى مذكرا لنبيه نعمته العظيمة عليه وعلى العباد إذ أرسله إليهم: { وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب} أي ما كنت تظن قبل إنزال الوحي إليك أن الوحي ينزل عليك، { ولكن رحمة من ربك} أي إنما أنزل الوحي عليك من اللّه من رحمته بك وبالعباد بسببك، فإذا منحك بهذه النعمة العظيمة { فلا تكونن ظهيراً} أي معيناً { للكافرين} ولكن فارقهم ونابذهم وخالفهم، { ولا يصدنك عن آيات اللّه بعد إذ أنزلت إليك} أي لا تتأثر لمخالفتهم لك وصدهم الناس عن طريقك، فإن اللّه معلٍ كلمتك، ومؤيد دينك، ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان، ولهذا قال: { وادع إلى ربك} أي إلى عبادة ربك وحده لا شريك له { ولا تكونن من المشركين} . وقوله تعالى: { ولا تدع مع اللّه إلهاً آخر لا إله إلا هو} أي لا يليق العبادة إلا له ولا تنبغي الإلهية إلا لعظمته، وقوله: { كل شيء إلا وجهه} إخبارٌ بأنه الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: { كل من عليها فان . ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ههنا: { كل شيء هالك إلا وجهه} أي إلا إياه، وقد ثبت في الصحيح: أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل** ""أخرجه البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً""، وقال مجاهد والثوري في قوله: { كل شيء هالك إلا وجهه} أي إلا ما أريد به وجهه، وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة، إلا ما أريد به وجه اللّه تعالى من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة، والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته تعالى وتقدس، فإنه الأول الآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء، وكان ابن عمر إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة فيقف على بابها فينادي بصوت حزين: فيقول أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: { كل شيء هالك إلا وجهه} ""أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار""، وقوله: { له الحكم} أي الملك والتصرف ولا معقب لحكمه { وإليه ترجعون} أي يوم معادكم فيجزيكم بأعمالكم إن خيراً فخير وإن شرا فشر. [ آخر تفسير سورة القصص ، ولله الحمد والمنة ]

تفسير الجلالين

{ وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب } القرآن { إلا } لكن ألقي إليك { رحمة من ربِّك فلا تكوننَّ ظهيراً } معيناً { للكافرين } على دينهم الذي دعوك إليه.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كنْت تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْك الْكِتَاب إِلَّا رَحْمَة مِنْ رَبّك } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا كُنْت تَرْجُو يَا مُحَمَّد أَنْ يُنَزَّل عَلَيْك هَذَا الْقُرْآن , فَتَعْلَم الْأَنْبَاء وَالْأَخْبَار عَنْ الْمَاضِينَ قَبْلك , وَالْحَادِثَة بَعْدك , مِمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْد , مِمَّا لَمْ تَشْهَدهُ وَلَا تَشْهَدهُ , ثُمَّ تَتْلُو ذَلِكَ عَلَى قَوْمك مِنْ قُرَيْش , إِلَّا أَنَّ رَبّك رَحِمَك , فَأَنْزَلَهُ عَلَيْك , فَقَوْله : { إِلَّا رَحْمَة مِنْ رَبّك } اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كنْت تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْك الْكِتَاب إِلَّا رَحْمَة مِنْ رَبّك } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا كُنْت تَرْجُو يَا مُحَمَّد أَنْ يُنَزَّل عَلَيْك هَذَا الْقُرْآن , فَتَعْلَم الْأَنْبَاء وَالْأَخْبَار عَنْ الْمَاضِينَ قَبْلك , وَالْحَادِثَة بَعْدك , مِمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْد , مِمَّا لَمْ تَشْهَدهُ وَلَا تَشْهَدهُ , ثُمَّ تَتْلُو ذَلِكَ عَلَى قَوْمك مِنْ قُرَيْش , إِلَّا أَنَّ رَبّك رَحِمَك , فَأَنْزَلَهُ عَلَيْك , فَقَوْله : { إِلَّا رَحْمَة مِنْ رَبّك } اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع .' وَقَوْله : { فَلَا تَكُونَن ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ } يَقُول : فَاحْمَدْ رَبّك عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْك مِنْ رَحْمَته إِيَّاكَ , بِإِنْزَالِهِ عَلَيْك هَذَا الْكِتَاب , وَلَا تَكُونَن عَوْنًا لِمَنْ كَفَرَ بِرَبِّك عَلَى كُفْره بِهِ . وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمُؤَخَّر الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيم , وَإِنَّ مَعْنَى اللَّام : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْك الْقُرْآن , فَأَنْزَلَهُ عَلَيْك , وَمَا كُنْت تَرْجُو أَنْ يُنَزَّل عَلَيْك , فَتَكُون نَبِيًّا قَبْل ذَلِكَ , لَرَادّك إِلَى مَعَاد .وَقَوْله : { فَلَا تَكُونَن ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ } يَقُول : فَاحْمَدْ رَبّك عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْك مِنْ رَحْمَته إِيَّاكَ , بِإِنْزَالِهِ عَلَيْك هَذَا الْكِتَاب , وَلَا تَكُونَن عَوْنًا لِمَنْ كَفَرَ بِرَبِّك عَلَى كُفْره بِهِ . وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمُؤَخَّر الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيم , وَإِنَّ مَعْنَى اللَّام : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْك الْقُرْآن , فَأَنْزَلَهُ عَلَيْك , وَمَا كُنْت تَرْجُو أَنْ يُنَزَّل عَلَيْك , فَتَكُون نَبِيًّا قَبْل ذَلِكَ , لَرَادّك إِلَى مَعَاد .'

تفسير القرطبي

قوله { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} ختم السورة ببشارة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم برده إلى مكة قاهرا لأعدائه وقيل : هو بشارة له بالجنة والأول أكثر وهو قول جابر بن عبدالله وابن عباس ومجاهد وغيرهم قال القتبي : معاد الرجل بلده لأنه ينصرف ثم يعود وقال مقاتل : خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الغار ليلا مهاجرا إلى المدينة في غير طريق مخافة الطلب، فلما رجع إلى الطريق ونزل الجحفة عرف الطريق إلى مكة فاشتاق إليها فقال له جبريل إن الله يقول { إن الذي فرض عليك القرآن لرداك إلي معاد} أي إلى مكة ظاهرا عليها قال ابن عباس : نزلت هذه الآية بالجحفة ليست مكية ولا مدنية و روى سعيد بن جبير عن ابن عباس { إلي معاد} قال : إلي الموت وعن مجاهد أيضا وعكرمة والزهري والحسن : إن المعنى لرداك إلي يوم القيامة، وهو اختيار الزجاج يقال : بيني وبينك المعاد؛ أي يوم القيامة؛ لأن الناس يعودون فيه أحياء { وفرض} معناه أنزل وعن مجاهد أيضا وأبي مالك وأبي صالح { إلى معاد} إلي الجنة وهو قول أبي سعيد الخدري وابن عباس أيضا؛ لأنه دخلها ليلة الإسراء وقيل : لأن أباه آدم خرج منها. { قل ربي أعلم} أي قل لكفار مكة إذا قالوا إنك لفي ضلال مبين { ربي أعلم من جاء بالهدي ومن وهو في ضلال مبين} أنا أم أنتم. قوله { وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب} أي ما علمت أننا نرسلك إلي الخلق وننزل عليك القرآن. { إلا رحمة من ربك} قال الكسائي : هو استثناء منقطع بمعنى لكن. { فلا تكونن ظهيرا للكافرين} أي عونا لهم ومساعدا. وقد تقدم في هذه السورة. قوله تعالى: { ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك} يعني أقوالهم وكذبهم وأذاهم، ولا تلتفت نحوهم وامض لأمرك وشأنك وقرأ يعقوب { يصدنك} مجزوم النون وقرئ { يصدك} من أصده بمعنى صدره وهى لغة في كلب قال الشاعر : أناس أصدرا الناس بالسيف عنهم ** صدود السواقي عن أنوف الحوائم { وادع إلى ربك} أي إلى التوحيد وهذا يتضمن المهادنة والموادعة وهذا كله منسوخ بآية السيف وسبب هذه الآية ما كانت قريش تدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تعظيم أوثانهم، وعند ذلك ألقى الشيطان في أمنيته أم الغرانيق على ما تقدم والله أعلم. { ولا تدع مع الله إلها آخر} أي لا تعبد معه غيره فإنه لا إله إلا هو نفي لكل معبود وإثبات لعبادته. { كل شيء هالك إلا وجهه} قال مجاهد : معناه إلا هو وقال الصادق : دينه وقال أبو العالية وسفيان : أي إلا ما أريد به وجهه؛ أي ما يقصد إليه بالقربة قال : أستغفر الله ذنبا لست محصيه ** رب العباد إليه الوجه والعمل وقال محمد بن يزيد : حدثني الثوري قال سألت أبا عبيدة عن قوله { كل شيء هالك إلا وجهه} فقال : إلا جاهه، كما تقول لفلان وجه في الناس أي جاه. { له الحكم} في الأولى والآخرة { وإليه ترجعون} . قال الزجاج { وجهه} منصوب على الاستثناء، ولو كان في غير القرآن كان إلا وجهه بالرفع، بمعنى كل شيء غير وجهه هالك كما قال : وكل أخ مفارقة أخوه ** لعمر أبيك إلا الفرقدان والمعنى كل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه. { وإليه ترجعون} بمعنى ترجعون إليه. ##################### آخر سورة القصص وأول سورة العنكبوت" رمضان" قوله تعالى: { الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} تقدم القول فيها. وقال ابن عباس: المعنى أنا الله أعلم. وقيل : هو اسم للسورة. وقيل : اسم للقرآن. { أحسب} استفهام أريد به التقرير والتوبيخ ومعناه الظن { أن يتركوا} في موضع نصب بـ { حسب} وهي وصلتها مقام المفعولين على قول سيبويه و { أن} الثانية من { أن يقولوا} في موضع نصب على إحدى جهتين بمعنى لأن يقولوا أو بأن يقولوا أو على أن يقولوا والجهة الأخرى أن يكون على التكرير؛ والتقدير { الم أحسب الناس أن يتركوا} أحسبوا { أن يقولوا آمنا وهم يفتنون} قال ابن عباس وغيره : يريد بالناس قوما من المؤمنين كانوا بمكة وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام؛ كسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وعمار بن ياسر وياسر أبوه وسمية أمه وعدة من بني مخزوم وغيرهم فكانت صدورهم تضيق لذلك وربما استنكر أن يمكن الله الكفار من المؤمنين؛ قال مجاهد وغيره : فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبارا للمؤمنين وفتنة قال ابن عطية : وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من الأقوال فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم موجود حكمها بقية الدهر وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك وإذا أعتبر أيضا كل موضع ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن ولكن التي تشبه نازلة المسلمين مع قريش هي ما ذكرناه من أمر العدو في كل ثغر. قلت : ما أحسن ما قاله، ولقد صدق فيما قال رضي الله عنه وقال مقاتل : نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر؛ رماه عامر بن الحضرمي بسهم فقتله فقال النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ : (سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة) فجزع عليه أبواه وامرأته فنزلت { ألم أحسب الناس أن يتركوا} . وقال الشعبي : نزل مفتتح هذه السورة في أناس كانوا بمكة من المسلمين فكتب إليهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية أنه لا يقبل منكم إقرار الإسلام حتى تهاجروا فخرجوا فأتبعهم المشركون فآذوهم فنزلت فيهم هذه الآية { ألم أحسب الناس أن يتركوا} فكتبوا إليهم نزلت فيكم آية كذا فقالوا : نخرج وإن اتبعنا أحد قاتلناه؛ فاتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا فنزل فيهم { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} النحل 110 { وهم لا يفتنون} يمتحنون؛ أي أظن الذين جزعوا من أذى المشركين أن يُقنع منهم أن يقولوا إنا مؤمنون ولا يمتحنون في إيمانهم وأنفسهم وأموالهم بما يتبين به حقيقة إيمانهم. قوله تعالى: { ولقد فتنا الذين من قبلهم} أي ابتلينا الماضين كالخليل ألقي في النار وكقوم نشروا بالمناشير في دين الله فلم يرجعوا عنه و""روى البخاري عن خباب بن الأرت"" : قالوا شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا له : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا فقال : (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه فما يصرفه ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون) ""وخرج ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري"" قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فوضعت يدي عليه فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف فقلت : يا رسول الله ما أشدها عليك قال : (إنا كذلك يضعف لنا البلاء ويضعف لنا الأجر) قلت : يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال (الأنبياء) وقلت : ثم من قال (ثم الصالحون إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحوبها وأن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء). وروى سعد بن أبي وقاص قال : قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء ؟ قال (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلبا أشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة أبتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة). وروى عبدالرحمن بن زيد أن عيسى عليه السلام كان له وزير فركب يوما فأخذه السبع فأكله فقال عيسى : يا رب وزيري في دينك وعوني على بني إسرائيل وخليفتي فيهم سلطت عليه كلبا فأكله قال : (نعم كانت له عندي منزلة رفيعة لم أجد عمله يبلغها فابتليته بذلك لأبلغه تلك المنزلة) وقال وهب : قرأت في كتاب رجل من الحواريين : إذ سلك بك سبيل البلاء فقر عينا فإنه سلك بك سبيل الأنبياء والصالحين وإذا سلك بك سبيل الرخاء فابك على نفسك فقد خولف بك عن سبيلهم . قوله تعالى: { فليعلمن الله الذين صدقوا} أي فليرين الله الذين صدقوا في إيمانهم وقد مضى هذا المعنى في "البقرة" وغيرها قال الزجاج : ليعلم صدق الصادق بوقوع صدقه منه وقد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما ولكن القصد قصد وقوع العلم بما يجازى عليه وإنما يعلم صدق الصادق واقعا كائنا وقوعه وقد علم أنه سيقع وقال النحاس : فيه قولان - أحدهما - أن يكون { صدقوا} مشتقا من الصدق و { الكاذبين} مشتقا من الكذب الذي هو ضد الصدق ويكون المعنى؛ فليبينن الله والذين صدقوا فقالوا نحن مؤمنون واعتقدوا مثل ذلك والذين كذبوا حين اعتقدوا غير ذلك والقول الآخر أن يكون صدقوا مشتقا من الصدق وهي الصلب والكاذبين مشتقا من كذب إذا انهزم فيكون المعنى؛ فليعلمن الله الذين ثبتوا في الحرب والذين انهزموا؛ كما قال الشاعر : ليثٌ بِعَثَّرَ يصطاد الرجالَ إذا ** ما الليث كذب عن أقرانه صدقا فجعل { ليعلمن} في موضع فليبينن مجازا وقراءة الجماعة { فليعلمن} بفتح الياء واللام وقرأ علي بن أبي طالب بضم الياء وكسر اللام وهي تبين معنى ما قال النحاس ويحتمل ثلاثة معان : الأول : أن يعلم في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه وبأعمالهم في الدنيا؛ بمعنى يوقفهم على ما كان منهم الثاني : أن يكون المفعول الأول محذوفا تقديره؛ فليعلمن الناس والعالم هؤلاء الصادقين والكاذبين أي يفضحهم ويشتهرهم؛ هؤلاء في الخير وهؤلاء في الشر وذلك في الدنيا والآخرة : الثالث أن يكون ذلك من العلامة؛ أي يضع لكل طائفة علامة يشتهر بها فالآية على هذا تنظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم : (من أسر سريرة ألبسه الله رداءها ). قوله تعالى: { أم حسب الذين يعملون السيئات} أي الشرك. { أن يسبقونا} أي يفوتونا ويعجزونا قبل أن نؤاخذهم بما يفعلون. قال ابن عباس : يريد الوليد بن المغيرة وأبا جهل والأسود والعاص بن هشام وشيبة وعتبة والوليد بن عتبة وعقبة بن أبي معيط وحنظلة بن أبي سفيان والعاص بن وائل. { ساء ما يحكمون} أي بئس الحكم ما حكموا في صفات ربهم أنه مسبوق والله القادر على كل شيء و { ما} في موضع نصب بمعنى ساء شيئا أو حكما يحكمون ويجوز أن تكون { ما} في موضع رفع بمعنى ساء الشيء أو الحكم حكمهم وهذا قول الزجاج وقدرها ابن كيسان تقديرين آخرين خلاف ذينك : أحدهما : أن يكون موضع { ما يحكمون} بمنزلة شيء واحد كما تقول : أعجبني ما صنعت؛ أي صنيعك؛ فـ { ما} والفعل مصدر في موضع رفع التقدير؛ ساء حكمهم والتقدير الآخر أن تكون { ما} لا موضع لها من الإعراب وقد قامت مقام الاسم لساء وكذلك نعم وبئس قال أبو الحسن بن كيسان : وأنا أختار أن أجعل لـ { ما} موضعا في كل ما أقدر عليه؛ نحو قوله عز وجل { فبما رحمة من الله } آل عمران 159 وكذا { فبما نقضهم} المائدة 13 وكذا { أيما الأجلين قضيت} القصص 28 { ما} في موضع خفض في هذا كله وما بعده تابع لها وكذا؛ { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة} البقرة 26 { ما} في موضع نصب و { بعوضة} تابع لها. قوله { من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت} { يرجو} بمعنى يخاف من قول الهذلي في وصف عسال : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وأجمع أهل التفسير على أن المعنى : من كان يخاف الموت فليعمل عملا صالحا فإنه لا بد أن يأتيه؛ ذكره النحاس قال الزجاج : معنى { يرجو لقاء الله} ثواب الله و { من} في موضع رفع بالابتداء و { كان} في موضع الخبر وهي في موضع جزم بالشرط و { يرجو} في موضع خبر كان والمجازاة { فإن أجل الله لآت} { وهو السميع العليم} . قوله تعالى: { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه} أي ومن جاهد في الدين وصبر على قتال الكفار وأعمال الطاعات فإنما يسعى لنفسه؛ أي ثواب ذلك كله له؛ ولا يرجع إلى الله نفع من ذلك. { إن الله لغني عن العالمين} أي عن أعمالهم وقيل : المعنى؛ من جاهد عدوه لنفسه لا يريد وجه الله فليس لله حاجة بجهاده. قوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي صدقوا { لنكفرن عنهم سيئاتهم} أي لنغطينها عنهم بالمغفرة لهم { ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون} أي بأحسن أعمالهم وهو الطاعات ثم قيل : يحتمل أن تكفر عنهم كل معصية عملوها في الشرك ويثابوا على ما عملوا من حسنة في الإسلام ويحتمل أن تكفر عنهم سيئاتهم في الكفر والإسلام ويثابوا على حسناتهم في الكفر والإسلام. قوله تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} نزلت في سعد بن أبي وقاص فيما ""روى الترمذي"" قال : أنزلت فيّ أربع آيات فذكر قصة؛ فقالت أم سعد : أليس قد أمر الله بالبر والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر؛ قال : فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها فنزلت هذه الآية { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} الآية قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح وروي عن سعد أنه قال : كنت بارأ بأمي فأسلمت فقالت : لتدعن دينك أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي ويقال يا قاتل أمه وبقيت يوما ويوما فقلت : يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي فلما رأت ذلك أكلت ونزلت { وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} الآية وقال ابن عباس : نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه وفد فعلت أمه مثل ذلك وعنه أيضا : نزلت في جميع الأمة إذا لا يصبر على بلاء الله إلا صديق { وحسنا} نصب عند البصريين على التكرير أي ووصيناه حسنا وقيل : هو على القطع تقديره ووصيناه بالحسن كما تقول وصيته خيرا أي بالخير وقال أهل الكوفة : تقديره ووصينا الإنسان أن يفعل حسنا فيقدر له فعل وقال الشاعر : عجبت من دهماء إذ تشكونا ** ومن أبي دهماء إذا يوصينا خيرا بها كأنما خافونا أي يوصينا أن نفعل بها خيرا؛ كقوله { فطفق مسحا} ص 33 أي يمسح مسحا وقيل : تقديره ووصيناه أمرا ذا حسن فأقيمت الصفة مقام الموصوف وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وقيل : معناه ألزمناه حسنا وقراءة العامة { حسنا} بضم الحاء وإسكان السين وقرأ أبو رجاء وأبو العالية والضحاك : بفتح الحاء والسين وقرأ الجحدري { إحسانا} على المصدر؛ وكذلك في مصحف أُبيّ التقدير : ووصينا الإنسان أن يحسن إحسانا ولا ينتصب بوصينا؛ لأنه قد استوفى مفعوليه. { إلي مرجعكم} وعيد في طاعة الوالدين في معنى الكفر. { فأنبئكم بما كنتم تعملون} كرر تعالى التمثيل بحالة المؤمنين العاملين لتحرك النفوس إلى نيل مراتبهم وقوله { لندخلهم في الصالحين} مبالغة على معنى؛ فالذين هم في نهاية الصلاح وأبعد غاياته وإذا تحصل للمؤمن هذا الحكم تحصل ثمرته وجزاؤه وهو الجنة. قوله تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله} الآية نزلت في المنافقين كانوا يقولن آمنا بالله { فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس} أي أذاهم { كعذاب الله} في الآخرة فارتد عن إيمانه وقيل : جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله ولا يصبر على الأذية في الله { ولئن جاء نصر من ربك} أي للمؤمنين { ليقولن} هؤلاء المرتدون { إنا كنا معكم} وهم كاذبون فقال الله لهم { أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} يعني الله أعلم بما في صدورهم منهم بأنفسهم. وقال مجاهد : نزلت في ناس كانوا يؤمنون بألسنتهم فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا وقال الضحاك : نزلت في ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون فإذا أوذوا رجعوا إلي الشرك وقال عكرمة : كان قوم قد أسلموا فأكرههم المشركون على الخروج معهم إلي بدر فقتل بعضهم فأنزل الله { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} النساء 97 فكتب بها المسلمون من المدينة إلى المسلمين بمكة فخرجوا فلحقهم المشركون فافتتن بعضهم فنزلت هذه الآية فيهم وقيل : نزلت في عياش بن أبي ربيعة أسلم وهاجر ثم أوذي وضرب فأرتد وإنما عذبه أبو جهل والحرث وكانا أخويه لأمه قال ابن عباس : ثم عاش بعد ذلك بدهر وحسن إسلامه { وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين} قال قتادة : نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلي مكة قوله تعالى: { وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا} أي ديننا { ولنحمل خطاياكم} جزم على الأمر قال الفراء والزجاج : هو أمر في تأويل الشرط والجزاء؛ أي إن تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم كما قال : فقلت ادعي وأدْعُ فإن أندى ** لصوت أن يناديَ داعيان أي إن دعوت دعوت. قال المهدوي : وجاء وقوع { إنهم لكاذبون} بعده على الحمل على المعنى؛ لأن المعنى إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم فلما كان الأمر يرجع في المعنى إلى الخبر وقع عليه التكذيب كما يوقع عليه الخبر قال مجاهد : قال المشركون من قريش نحن وأنتم لا نبعث فإن كان عليكم وزر فعلينا؛ أي نحن نحمل عنكم ما يلزمكم والحمل ههنا بمعنى الحمالة لا الحمل على الظهر و""روى أن قائل ذلك الوليد بن المغيرة. { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} يعني ما يحمل عليهم من سيئات من ظلموه بعد فراغ حسناتهم روي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم في "آل عمران" قال أبو أمامة الباهلي : (يؤتى بالرجل يوم القيامة وهو كثير الحسنات فلا يزال يقتص منه حتى تفنى حسناته ثم يطالب فيقول الله عز وجل أقتصوا من عبدي فتقول الملائكة ما بقيت له حسنات فيقول خذوا من سيئات المظلوم فاجعلوا عليه) ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} وقال قتادة : من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء ونظيره قوله تعالى: { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} النحل 25 ونظير هذا قول عليه السلام : (من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزوها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) روي من حديث أبي هريرة وغيره وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من دعا إلى هدى فاتبع عليه وعمل به فله مثل أجور من اتبعه ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع عليها وعمل بها بعده فعليه مثل أوزار من عمل بها ممن أتبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا) ثم قرأ الحسن { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} . قلت : هذا مرسل وهو معنى حديث أبي هريرة خرجه مسلم ونص حديث أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع فإن له مثل أوزار من اتبعه ولا ينقص من أوزرهم شيئا وأيما داع دعا إلى هدى فاتبع فإن له مثل أجور من اتبعه ولا ينقص من أجورهم شيئا) ""خرجه ابن ماجه في السنن ""وفي الباب عن أبي جحيفة وجرير وقد قيل : أن المراد أعوان الظلمة وقيل أصحاب البدع إذا اتبعوا عليها وقيل : محدثو السنن الحادثة إذا عمل بها من بعدهم والمعنى متقارب والحديث يجمع ذلك كله. قوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} ذكر قصة نوح تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ أي ابتلي النبيون قبلك بالكفار فصبروا وخص نوحا بالذكر؛ لأنه أول رسول أرسل إلي الأرض وقد امتلأت كفرا على ما تقدم بيانه في "هود" وأنه لم يلق نبي من قومه ما لقي نوح على ما تقدم في "هود" عن الحسن وروي عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أول نبي أرسل نوح) قال قتادة : وبعث من الجزيرة واختلف في مبلغ عمره فقيل : مبلغ عمره ما ذكره الله تعالى في كتابه قال قتادة : لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة ودعاهم لثلاثمائة سنة ولبث بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة وقال ابن عباس : بعث نوح لأربعين سنة ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وعاش بعد الغرق ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا وعنه أيضا : أنه بعث وهو ابن مئتين وخمسين سنة ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين وعاش بعد الطوفان مائتي سنة وقال وهب : عمر نوح ألفا وأربعمائة سنة وقال كعب الأحبار : لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وعاش بعد الطوفان سبعين عاما فكان مبلغ عمره ألف سنة وعشرين عاما وقال عون بي شداد : بعث نوح وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين سنة فكان مبلغ عمره ألف سنة وستمائة سنة وخمسين سنة ونحوه عن الحسن قال الحسن : لما أتى ملك الموت نوحا ليقبض روحه قال : يا نوح كم عشت في الدنيا ؟ قال : ثلاثمائة قبل أن أبعث وألف سنة إلا خمسين عاما في قومي وثلاثمائة سنة وخمسين سنة بعد الطوفان قال ملك الموت : فكيف وجدت الدنيا ؟ قال نوح : مثل دار لها بابان دخلت من هذا وخرجت من هذا وروي من حديث أنس قال قال رسول اله صلى الله عليه وسلم : (لما بعث الله نوحا إلي قومه بعثه وهو ابن خمسين ومائتي سنة فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وبقي بعد الطوفان خمسين ومائتي سنة فلما أتاه ملك الموت قال يا نوح يا أكبر الأنبياء ويا طويل العمر ويا مجاب الدعوة كيف رأيت الدنيا قال : مثل رجل بني له بيت له بابان فدخل من واحد وخرج من الآخر) وقد قيل : دخل من أحدهما وجلس هنيهة ثم خرج من الباب الآخر وقال ابن الوردي : بنى نوح بيتا من قصب فقيل له : لو بنيت غير هذا فقال : هذا كثير لمن يموت وقال أبو المهاجر : لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما في بيت من شعر فقيل له : يا نبي الله ابن بيتا فقال : أموت اليوم أو أموت غدا وقال وهب بن منبه : مرت بنوح خمسمائة سنة لم يقرب النساء وجلا من الموت وقال مقاتل وجويبر : إن آدم عليه السلام حين كبر ورق عظمه قال يا رب إلي متى أكد وأسعى؟ قال يا آدم حتى يولد لك ولد مختون فولد له نوح بعد عشرة أبطن وهو يومئذ ابن ألف سنة إلا ستين عاما وقال بعضهم : إلا أربعين عاما والله أعلم فكان نوح بن لامك بن متوشح بن إدريس وهو أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم وكان اسم نوح السكن وإنما سمي السكن لأن الناس بعد آدم سكنوا إليه فهو أبوهم وولد له سام وحام ويافث فولد سام العرب وفارس والروم وفي كل هؤلاء خير وولد حام القبط والسودان والبربر وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج وليس في شيء من هؤلاء خير وقال ابن عباس : في ولد سام بياض وأدمة وفي ولد حام سواد وبياض قليل وفي ولد يافث - وهم الترك والصقالبة - الصفرة والحمرة وكان له ولد رابع وهو كنعان الذي غرق والعرب تسميه يام وسمي نوح نوحا لأنه ناح عن قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله تعالى فإذا كفروا بكى وناح عليهم وذكر القشيري أبو القاسم عبدالكريم في كتاب التخبير له : يروى أن : نوحا عليه السلام كان اسمه يشكر ولكن لكثرة بكائه على خطيئته أوحى الله إليه يا نوح كم تنوح فسمي نوحا؛ فقيل : يا رسول الله فأي شيء كانت خطيئته ؟ فقال : إنه مر بكلب فقال في نفسه ما أقبحه فأوحى الله إليه اخلق أنت أحسن من هذا. وقال يزيد الرقاشي : إنما سمي نوحا لطول ما ناح على نفسه فإن قيل : فلم قال { ألف سنة إلا خمسين عاما} ولم يقل تسعمائة وخمسين عاما ففيه جوابان : أحدهما : أن المقصود به تكثير العدد فكان ذكره الألف أكثر في اللفظ وأكثر في العدد. الثاني : ما روي أنه أعطي من العمر ألف سنة فوهب من عمره خمسين سنة لبعض ولده فلما حضرته الوفاة رجع في استكمال الألف فذكر الله تعالى ذلك تنبيها على أن النقيصة كانت من جهته. { فأخذهم الطوفان وهم ظالمون} قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة : المطر. الضحاك : الغرق وقيل : الموت روته عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنه قول الشاعر : أفناهم طوفان موت جارف قال النحاس : يقال لكل كثير مطيف بالجميع من مطر أو قتل أو موت طوفان { وهم ظالمون} جملة في موضع الحال. و { ألف سنة} منصوب على الظرف { إلا خمسين عاما} منصوب على الاستثناء من الموجب وهو عند سيبويه بمنزلة المفعول؛ لأنه مستغنى عنه كالمفعول فأما المبرد أبو العباس محمد بن يزيد فهو عنده مفعول محض كأنك قلت استثنيت زيدا. تنبيه : روى حسان بن غالب بن نجيح أبو القاسم المصري حدثنا مالك بن أنس عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كان جبريل يذاكرني فضل عمر فقلت يا جبريل ما بلغ فضل عمر قال لي يا محمد لو لبث معك ما لبث نوح في قومه ما بلغت لك فضل عمر) ذكره الخطيب أبو بكر أحمد بن ثابت البغدادي وقال تفرد بروايته حسان بن غالب عن مالك وليس بثابت من حديثه. قوله تعالى: { فأنجيناه وأصحاب السفينة} معطوف على الهاء { وجعلناها آية للعالمين} والهاء والألف في { جعلناها} للسفينة أو للعقوبة أو للنجاة؛ ثلاثة أقوال. قوله تعالى: { وإبراهيم} قال الكسائي { وإبراهيم} منصوب بـ { أنجينا} يعني أنه معطوف على الهاء وإجاز الكسائي أن يكون معطوفا على نوح والمعنى وأرسلنا إبراهيم وقول ثالث : أن يكون منصوبا بمعنى واذكر إبراهيم. { اعبدوا الله} أي أفردوه بالعبادة { واتقوه} أي اتقوا عقابة وعذابه { ذلكم خير لكم} أي من عبادة الأوثان { إن كنتم تعلمون} . قوله تعالى: { إنما تعبدون من دون الله أوثانا} أي أصناما قال أبو عبيدة : الصنم ما يتخذ من ذهب أو فضة أو نحاس والوثن ما يتخذ من جص أو حجارة الجوهري : الوثن الصنم والجميع وثن وأوثان مثل أسد وآساد { وتخلقون إفكا} قال الحسن : معنى { تخلقون} تنحتون فالمعنى إنما تعبدون أوثانا وأنتم تصنعونها وقال مجاهد : الإفك الكذب والمعنى تعبدون الأوثان وتخلقون الكذب وقرأ أبو عبدالرحمن { وتخلقون} وقرئ { تُخلّقون} بمعنى التكثير من خلق و { تخلقون} من تخلق بمعنى تكذب وتخرص وقرئ { إفكا} وفيه وجهان : أن يكون مصدرا نحو كذب ولعب والإفك مخففا منه كالكذب واللعب وأن يكون صفة على فعل أي خلقا أفكا أي ذا إفك وباطل و { أثانا} نصب بـ { تعبدون} و { ما} كافة ويجوز في غير القرآن رفع أوثان على أن تجعل و { ما} أسماء لآن { تعبدون} صلته وحذفت الهاء لطول الاسم وجعل أوثان خبر إن فأما { وتخلقون إفكا} فهو منصوب بالفعل لا غير. وكذا { لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق} أي اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلي الله فإياه فأسألوه وحده دون غيره. { وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم} فقيل : هو من قوله إبراهيم أي التكذيب عادة الكفار وليس على الرسل إلا التبليغ. قوله تعالى: { أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق} قراءة العامة بالياء على الخبر والتوبيخ لهم وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم قال أبو عبيد : لذكر الأمم كأنه قال أو لم ير الأمم كيف وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وثاب وحمزة والكسائي { تروا} بالتاء خطابا؛ لقوله { وإن تكذبوا} . وقد قيل { وإن تكذبوا} خطاب لقريش ليس من قول إبراهيم. { ثم يعيده} يعني الخلق والبعث وقيل : المعنى أو لم يروا كيف يبدئ الله الثمار فتحيا ثم تفني ثم بعيدها أبدا وكذلك يبدأ خلق والإنسان ثم يهلكه بعد أن خلق منه ولدا وخلق من الولد ولدا وكذلك سائر الحيوان أي فإذا رأيتم قدرته على الإبداء والإيجاد فهو القادر على الإعادة { إن ذلك على الله يسير} لأنه إذا أراد أمر قال له كن فيكون. قوله تعالى: { قل سيروا في الأرض} أي قل لهم يا محمد سيروا في الأرض { فانظروا كيف بدأ الخلق} على كثرتهم وتفاوت هيئاتهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم وطبائعهم وانظروا إلى مساكن القرون الماضية وديارهم وأثارهم كيف أهلكهم؛ لتعلموا بذلك كمال قدرة الله { ثم الله ينشئ النشأة الآخرة} وقرأ أبو عمرو وابن كثير النشاءة بفتح الشين وهما لغتان مثل الرأفة والرآفة وشبهه الجوهري : أنشأه الله خلقه والاسم النشأة والنشاءة بالمد عن أبي عمرو بن العلاء { إن الله على كل شيء قدير. يعذب من يشاء} أي بعدله { ويرحم من يشاء} أي بفضله { وإليه تقلبون} ترجعون وتردون. { وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء} قال الفراء : معناه ولا من في السماء بمعجزين الله وهو غامض في العربية؛ للضمير الذي لم يظهر في الثاني وهو كقول حسان : فمن يهجو رسول الله منكم ** ويمدحه وينصره سواء أراد ومن يمدحه وينصره سواء؛ فأضمر من؛ وقال عبدالرحمن بن زيد ونظيره قوله سبحانه { وما منا إلا له مقام معلوم} الصافات 164 أي من له والمعنى إن الله لا يعجزه أهل الأرض في الأرض ولا أهل السماء إن عصوه وقال قطرب : ولا في السماء لو كنتم فيها كما تقول : لا يفوتني فلان بالبصرة ولا ههنا بمعنى لا يفوتني بالبصرة لو صار إليها وقيل : لا يستطيعون هربا في الأرض ولا في السماء وقال المبرد : والمعنى ولا من في السماء على أن من ليست موصولة ولكن تكون نكرة و { في السماء} صفة لها فأقيمت الصفة مقام الموصوف ورد ذلك علي بن سليمان وقال : لا يجوز وقال : إن من إذا كانت نكرة فلا بد من وصفها فصفتها كالصلة ولا يجوز حذف الموصول وترك الصلة؛ قال : والمعنى إن الناس خوطبوا بما يعقلون؛ والمعنى لو كنتم في السماء ما أعجزتم الله؛ كما قال { ولو كنتم في بروج مشيدة} النساء 78 . { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} ويجوز { نصير} بالرفع على الموضع وتكون { من} زائدة. { والذين كفروا بآيات الله ولقائه} أي بالقرآن أو بما نصب من الأدلة والأعلام. { اولئك يئسوا من رحمتي} أي من الجنة ونسب اليأس إليهم والمعنى أويسوا وهذه الآيات اعتراض من الله تعالى تذكيرا وتحذيرا لأهل مكة. ثم عاد الخطاب إلى قصة إبراهيم فقال { فما كان جواب قومه} حين دعاهم إلى الله { إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه} اتفقوا على تحريقه { فأنجاه الله من النار} أي من إذايتها { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} أي إنجائه من النار العظيمة حتى لم تحرقه بعد ما ألقي فيها { لآيات} . وقراءة العامة { جواب} بنصب الباء على أنه خبر كان و { أن قالوا} في محل الرفع اسم كان وقرأ سالم الأفطس وعمرو بن دينار { جواب} بالرفع على أنه اسم { كان} و { أن} في موضع الخبر نصبا. قوله تعالى: { وقال} إبراهيم { إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا} وقرأ حفص وحمزة { مودةَ بينكم} وابن كثير وأبو عمرو والكسائي { مودةٌ بينِكم} والأعشى عن أبي بكر عن عاصم وابن وثاب والأعمش { مودةٌ بينَكم} الباقون { مودةُ بينَكم} فأما قراءة ابن كثير ففيها ثلاثة أوجه؛ ذكر الزجاج منها وجهين : أحدهما : أن المودة ارتفعت على خبر إن وتكون { ما} بمعنى الذي والتقدير إن الذي أتخذتموه من دون الله أوثانا مودة بينكم والوجه الآخر أن يكون على إضمار مبتدأ أي وهي مودة أو تلك مودة بينكم والمعنى ألهتكم أو جماعتكم مودة بينكم قال ابن الأنباري { أوثانا} وقف حسن لمن رفع المودة بإضمار ذلك مودة بينكم ومن رفع المودة على أنها خبر إن لم يقف والوجه الثالث الذي لم يذكره أن يكون { مودة} رفعا بالابتداء و { في الحياة الدنيا} خبره؛ فأما إضافة { مودة} إلى { بينكم} فإنه جعل { بينكم} اسما غير ظرف والنحويون يقولون جعله مفعولا على السعة وحكى سيبويه : يا سارق الليلة أهل الدار ولا يجوز أن يضاف إليه وهو ظرف؛ لعلةٍ ليس هذا موضع ذكرها ومن رفع { مودة} ونونها فعلى معنى ما ذكر و { بينكم} بالنصب ظرفا ومن نصب { مودة} ولم ينونها جعلها مفعولة بوقوع الاتخاذ عليها وجعل { إنما} حرفا واحدا ولم يجعلها بمعنى الذي ويجوز نصب المودة على أنه مفعول من أجله كما تقول : جئتك ابتغاء الخير وقصدت فلانا مودة له { بينكم} بالخفض ومن نون { مودة} ونصبها فعلى ما ذكر { بينكم} بالنصب من غير إضافة قال ابن الأنباري : ومن قرأ { مودةً بينكم} و { مودة بينكم} لم يقف على الأوثان ووقف على الحياة الدنيا ومعنى الآية جعلتم الأوثان تتحابون عليها وعلى عبادتها في الحياة الدنيا { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} تتبرأ الأوثان من عبادها والرؤساء من السفلة كما قال الله عز وجل { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} الزخرف 67 { ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} هو خطاب لعبدة الأوثان الرؤساء منهم والأتباع وقيل : تدخل فيه الأوثان كقوله { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} الأنبياء 98 قوله تعالى: { فآمن له لوط} لوط أول من صدق إبراهيم حين رأى النار عليه بردا وسلاما قال ابن إسحاق آمن لوط بإبراهيم وكان ابن أخته وآمنت به سارة وكانت بنت عمه { وقال إني مهاجر إلى ربي} قال النخعي وقتادة : الذي قال { إني مهاجر إلى ربي} هو إبراهيم عليه السلام قال قتاده هاجر من كوثا وهي قرية من سواد الكوفة إلى حران ثم إلى الشام ومعه ابن أخيه لوط بن هاران بن تارخ وامرأته سارة قال الكلبى : هاجر من أرض حران إلى فلسطين وهو أول من هاجر من أرض الكفر قال مقاتل : هاجر إبراهيم وهو ابن خمس وسبعين سنة وقيل : الذي قال { إني مهاجر إلى ربي} لوط عليه السلام ذكر البيهقي عن قتاده قال : أول من هاجر إلى الله عز وجل بأهله عثمان بن عفان رضي الله عنه قال قتادة : سمعت النضر بن أنس يقول سمعت أبا حمزة يعني أنس بن مالك يقول : خرج عثمان بن عفان ومعه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة فأبطأ على وسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم فقدمت امرأة من قريش فقالت : يا محمد رأيت ختنك ومعه امرأته قال : (على أي حال رأيتهما) قالت : رأيته وقد حمل امرأته على حمار من هذه الدّبّابة وهو يسوقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط) قال البيهقي : هذا في الهجرة الأولى وأما الهجرة الثانية إلى الحبشة فهي فيما زعم الواقدي سنة خمس من مبعث رسول الله صلى الله عليه سلم { إلي ربي} أي إلى رضا ربي وإلى حيث أمرني { إنه هو العزيز الحكيم} تقدم. قوله تعالى: { ووهبنا له إسحاق} أي منّ الله عليه بالأولاد فوهب له إسحاق ولدا ويعقوب ولد ولد وإنما وهب له إسحاق من بعد إسماعيل ويعقوب من إسحاق { وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} فلم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم إلا من صلبه ووحد الكتاب لأنه أراد المصدر كالنبوة والمراد التوراة والإنجيل والفرقان فهو عبارة عن الجمع فالتوارة انزلت على موسى من ولد إبراهيم والإنجيل على عيسى من ولده؛ والفرقان على محمد من ولده صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. { وآتيناه أجره في الدنيا} يعني اجتماع أهل الملل عليه؛ قاله عكرمة وروى سفيان عن حميد بن قيس قال : أمر سعيد بن جبير إنسانا أن يسأل عكرمة عن قوله جل ثناؤه { وآتيتاه أجره في الدنيا} فقال عكرمة : أهل الملل كلها تدعيه وتقول هو منا؛ فقال سعيد بن جبير : صدق وقال قتادة : هو مثل قوله { وآتيناه في الدنيا حسنة} النحل 122 أي عاقبة وعملا صالحا وثناء حسنا وذلك أن أهل كل دين يتولونه وقيل { آتيناه أجره في الدنيا} أن أكثر الأنبياء من ولده { وإنه في الآخرة لمن الصالحين} ليس { في الآخرة} داخلا في الصلة وإنما هو تبيين وقد مضى في "البقرة" بيانه وكل هذا حث على الاقتداء بإبراهيم في الصبر على الدين الحق.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يعني: إذا كنت تتعجب، أو تستبعد أنْ نردَّك إلى بلدك؛ لأن الكفار يقفون لك بالمرصاد، حتى أصبحت لا تُصدِّق أنْ تعود إليها، فانظر إلى أصل الرسالة معك: هل كنت تفكر أو يتسامى طموحك إلى أنْ تكون رسولاً؟ إنه أمر لم يكُنْ في بالك، ومع ذلك أعطاك الله إياه واختارك له، فالذي أعطاك الرسالة ولم تكُنْ في بالك كيف يحرمك من أمر أنت تحبه وتشتاق إليه؟

إذن: تقوم هذه الآية مقامَ الدليل والبرهان على صِدْق
{  لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ... }
[القصص: 85] وفي موضع آخر يؤكد الحق سبحانه هذا المعنى، فيقول سبحانه:
{  وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآء... }
[الشورى: 52] فالذي أعطاك الرسالة لا يعجز أن يحقق لك ما تريد.

وقوله تعالى: { إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ... } [القصص: 86] هذا استثناء يسمونه استثناء منقطعاً.

والمعنى: ما كنت ترجو أن يُلْقى إليك الكتاب إنما ألقيناه، وما ألقيناه إليك إلا رحمة لك من ربك.

وما دام هؤلاء الكفار عاندوك وأخرجوك، فإياك أنْ تلين لهم { فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ } [القصص: 86] أي: معيناً لهم مسانداً، وكانوا قد اقترحوا على رسول الله أن يعبد آلهتهم سنة، ويعبدون إلهه سنة، فحذره الله أنْ يُعينهم على ضلالهم، أو يجاريه في باطلهم، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يناصر ظالماً أو مجرماً، حتى إن كان من أتباعه.

وسبق أن ذكرنا في تأويل قوله تعالى:
{  إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً }
[النساء: 105] قصة اليهودي زيد بن السمين لما جاءه المسلم طُعْمة بن أبيريق، وأودع عنده دِرْعاً له، وكان هذا الدرع مسروقاً من آخر اسمه قتادة بن النعمانَ، فلما افتقده قتادة بحث عنه حتى وجده في بيت اليهودي، وكان السارق قد وضعه في كيس للدقيق، فدلَّ أثر الدقيق على مكان الدرع فاتهموا اليهودي بالسرقة، ولما عرفوا حقيقة الموقف أشفقوا أن ينتصر اليهودي على المسلم، خاصة وهم حديثو عهد بالإسلام، حريصون على ألاّ تُشوه صورته.

لذلك شرحوا لرسول الله هذه المسألة، لعله يجد لها مخرجاً، فأدار رسول الله المسألة في رأسه قبل أنْ يأخذ فيها حُكْماً؛ وعندها نزل الوحي على رسول الله:
{  إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ... }
[النساء: 105] أي: جميع الناس، المؤمن والكافر
{  بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً }
[النساء: 105] أي: تخاصم من أجلهم ولصالحهم
{  وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }
[النساء: 106] أي: مما خطر ببالك في هذه المسألة.

وفي بعض الآيات نجد في ظاهرها قسوة على رسول الله وشدة مثل:
{  وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ }
[الحاقة: 44-46].

وكل ما يكون في القرآن من هذا القبيل لا يُقصد به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما الحق سبحانه يريد أن يعطي للأمة نموذجاً يلفت أنظارهم، وكأنه تعالى يقول لنا: انتبهوا فإذا كان الخطاب لرسول الله بهذه الطريقة، فكيف يكون الخطاب لكم؟

كأن يكون عندك خادم يعبث بالأشياء حوله، فتُوجِّه الكلام أنت إلى ولدك: والله لو عبثتَ بشيء لأفعلنَّ بك كذا وكذا، فتوجِّه الزجر إلى الولد، وأنت تقصد الخادم، على حَدِّ المثل القائل (إياك أعني واسمعي يا جارة).

لذلك يقول بعض العارفين:
مَا كان في القُرآن مِنْ نِذَارةٍ   إلى النبيِّ صَاحبِ البشَارةِ
فكُنْ لَبيباً وافْهَم الإشَارةَ   إيّاك أعني واسْمعِي يَا جَارة
يعني: اسمعوا يا أمة محمد، كيف أخاطبه، وأُوجِّه إليه النذارة، مع أنه البشير.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ بَعْدَ... }.


www.alro7.net