سورة
اية:

وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا

تفسير بن كثير

يذكر تعالى نعمته وفضله العظيم على عبده ورسوله الكريم صلى اللّه عليه وسلم، فيما أوحاه إليه من القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ثم نبه تعالى على شرف هذا القرآن العظيم فأخبر أنه لو اجتمعت الإنس والجن كلهم واتفقوا على أن يأتوا بمثل ما أنزله على رسوله لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق الذي لا نظير له ولا مثال ولا عديل؟ وقوله: { ولقد صرفنا للناس} الآية، أي بينا لهم الحجج، والبراهين القاطعة، ووضحنا لهم الحق وشرحناه وبسطناه، ومع هذا { فأبى أكثر الناس إلا كفورا} أي جحوداً للحق، ورداً للصواب.

تفسير الجلالين

{ ولئن } لام قسم { شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك } أي القرآن بأن نمحوه من الصدور والمصاحف { ثم لا تجد لك به علينا وكيلاً } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك ثُمَّ لَا تَجِد لَك بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِاَلَّذِي أَتَيْنَاك مِنْ الْعِلْم الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك مِنْ هَذَا الْقُرْآن لَنَذْهَبَنَّ بِهِ , فَلَا تَعْلَمهُ , ثُمَّ لَا تَجِد لِنَفْسِك بِمَا نَفْعَل بِك مِنْ ذَلِكَ وَكِيلًا , يَعْنِي : قَيِّمًا يَقُوم لَك , فَيَمْنَعنَا مِنْ فِعْل ذَلِكَ بِك , وَلَا نَاصِرًا يَنْصُرك , فَيَحُول بَيْننَا وَبَيْن مَا نُرِيد بِك , قَالَا : وَكَانَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَتَأَوَّل مَعْنَى ذَهَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ رَفْعه مِنْ صُدُور قَارِئِيهِ . ذَكَرَ الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 17113 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن رَفِيع , عَنْ بُنْدَار , عَنْ مَعْقِل , قَالَ : قُلْت لِعَبْدِ اللَّه , وَذُكِرَ أَنَّهُ يُسْرَى عَلَى الْقُرْآن : كَيْف وَقَدْ أَثْبَتْنَاهُ فِي صُدُورنَا وَمَصَاحِفنَا ؟ قَالَ : يُسْرَى عَلَيْهِ لَيْلًا , فَلَا يَبْقَى مِنْهُ فِي مُصْحَف وَلَا فِي صَدْر رَجُل , ثُمَّ قَرَأَ عَبْد اللَّه : { وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك } * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِسْحَاق بْن يَحْيَى , عَنْ الْمُسَيَّب بْن رَافِع , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : تَطَرَّقَ النَّاس رِيح حَمْرَاء مِنْ نَحْو الشَّام , فَلَا يَبْقَى فِي مُصْحَف رَجُل وَلَا قَلْبه آيَة . قَالَ رَجُل : يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن , إِنِّي قَدْ جَمَعْت الْقُرْآن , قَالَ : لَا يَبْقَى فِي صَدْرك مِنْهُ شَيْء . ثُمَّ قَرَأَ اِبْن مَسْعُود : { وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك } . " الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك ثُمَّ لَا تَجِد لَك بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِاَلَّذِي أَتَيْنَاك مِنْ الْعِلْم الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك مِنْ هَذَا الْقُرْآن لَنَذْهَبَنَّ بِهِ , فَلَا تَعْلَمهُ , ثُمَّ لَا تَجِد لِنَفْسِك بِمَا نَفْعَل بِك مِنْ ذَلِكَ وَكِيلًا , يَعْنِي : قَيِّمًا يَقُوم لَك , فَيَمْنَعنَا مِنْ فِعْل ذَلِكَ بِك , وَلَا نَاصِرًا يَنْصُرك , فَيَحُول بَيْننَا وَبَيْن مَا نُرِيد بِك , قَالَا : وَكَانَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَتَأَوَّل مَعْنَى ذَهَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ رَفْعه مِنْ صُدُور قَارِئِيهِ . ذَكَرَ الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 17113 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن رَفِيع , عَنْ بُنْدَار , عَنْ مَعْقِل , قَالَ : قُلْت لِعَبْدِ اللَّه , وَذُكِرَ أَنَّهُ يُسْرَى عَلَى الْقُرْآن : كَيْف وَقَدْ أَثْبَتْنَاهُ فِي صُدُورنَا وَمَصَاحِفنَا ؟ قَالَ : يُسْرَى عَلَيْهِ لَيْلًا , فَلَا يَبْقَى مِنْهُ فِي مُصْحَف وَلَا فِي صَدْر رَجُل , ثُمَّ قَرَأَ عَبْد اللَّه : { وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك } * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِسْحَاق بْن يَحْيَى , عَنْ الْمُسَيَّب بْن رَافِع , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : تَطَرَّقَ النَّاس رِيح حَمْرَاء مِنْ نَحْو الشَّام , فَلَا يَبْقَى فِي مُصْحَف رَجُل وَلَا قَلْبه آيَة . قَالَ رَجُل : يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن , إِنِّي قَدْ جَمَعْت الْقُرْآن , قَالَ : لَا يَبْقَى فِي صَدْرك مِنْهُ شَيْء . ثُمَّ قَرَأَ اِبْن مَسْعُود : { وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك } . " '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} يعني القرآن. أي كما قدرنا على إنزاله نقدر على إذهابه حتى ينساه الخلق. ويتصل هذا بقوله { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} أي ولو شئت أن أذهب بذلك القليل لقدرت عليه. { ثم لا تجد لك به علينا وكيلا} أي ناصرا يرده عليك. { إلا رحمة من ربك} يعني لكن لا نشاء ذلك رحمة من ربك؛ فهو استثناء ليس من الأول. وقيل : إلا أن يرحمك ربك فلا يذهب به. { إن فضله كان عليك كبيرا} إذ جعلك سيد ولد آدم. وأعطاك المقام المحمود وهذا الكتاب العزيز. وقال عبدالله بن مسعود : أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وأن هذا القرآن كأنه قد نزع منكم، تصبحون يوما وما معكم منه شيء. فقال رجل : كيف يكون ذلك يا أبا عبدالرحمن وقد ثبتناه في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا، نعلمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة! قال : يسري به في ليلة فيذهب بما في المصاحف وما في القلوب، فتصبح الناس كالبهائم. ثم قرأ عبدالله { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} الآية. أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة بمعناه قال : أخبرنا أبو الأحوص عن عبدالعزيز ابن رفيع عن شداد بن معقل قال : قال عبدالله - يعني ابن مسعود - : إن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن ينزع منكم. قال : قلت كيف ينزع منا وقد أثبته الله في قلوبنا وثبتناه في مصاحفنا! قال : يسرى عليه في ليلة واحدة فينزع ما في القلوب ويذهب ما في المصاحف ويصبح الناس منه فقراء. ثم قرأ { لئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} وهذا إسناد صحيح. وعن ابن عمر : لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل، له دوي كدوي النحل، فيقول الله ما بالك. فيقول : يا رب منك خرجت وإليك أعود، أتلى فلا يعمل بي، أتلى ولا يعمل بي.. قلت : قد جاء معنى هذا مرفوعا من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص وحذيفة. قال حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة فيسرى على كتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى منه في الأرض آية وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله. وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة). قال له صلة : ما تغني عنهم لا إله إلا الله! وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؛ فأعرض عنه حذيفة؛ ثم رددها ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة. ثم أقبل عليه حذيفة فقال : يا صلة! تنجيهم من النار، ثلاثا. خرجه ابن ماجة في السنن. وقال عبدالله بن عمر : خرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو معصوب الرأس من وجع فضحك، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : (أيها الناس ما هذه الكتب التي تكتبون أكتاب غير كتاب الله يوشك أن يغضب الله لكتابه فلا يدع ورقا ولا قلبا إلا أخذ منه) قالوا : يا رسول الله، فكيف بالمؤمنين والمؤمنات يومئذ؟ قال : (من أراد الله به خيرا أبقى في قلبه لا إله إلا الله) ذكره الثعلبي والغزنوي وغيرهما في التفسير.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الحق سبحانه في هذه الآية يريد أنْ يُربِّي الكفار ويُؤنّبهم، ويريد أن يُبَرّئ ساحة رسوله صلى الله عليه وسلم ويتحمل عنه المسئولية، فهو مجرد مُبلّغ عن الله، وإياكم أن تقولوا عنه مُفْترٍ، أو أتى بشيء من عنده، بدليل أنني لو شِئْتُ لسلبتُ ما أوحيتُه إليه وقرأه عليكم وسمعتموه أنتم وكتبه الصحابة.

فإنْ سأل متسائل: وكيف يذهب الله بوحي مُنزِّل على رسوله، وحفظه وكتبه الصحابة، وسمعه الكفار؟

نقول: أولاً: سياق الآية يدلُّنا على أن هذه العملية لم تحدث؛ لأن الحق سبحانه يقول: { وَلَئِن شِئْنَا.. } [الإسراء: 86] بمعنى: لو شِئْنا فعلنا ذلك، فالفعل لم يحدث، والمراد بيان إمكانية ذلك ليُبَرِّئ موقف رسول الله، وأنه ليس له من الأمور شيء.

والغريب أن يفهم البعض من قوله تعالى:
{  لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ.. }
[آل عمران: 128] أنها ضد رسول الله، وقَدْح في شخصه، وليس الأمر كذلك؛ لأنه ربه تبارك وتعالى يريد أنْ يتحمّل عنه ما يمكن أن يُفسِد العلاقة بينه وبين قومه، وكأنه يقول لهم: لا تغضبوا من محمد فالأمر عندي أنا، وشبَّهنا هذا الموقف بالخادم الذي فعل شيئاً، فيأتي سيده ليدافع عنه، فيقول: أنا الذي أمرته.

ثانياً: لماذا نستبعد في قدرة الخالق سبحانه أن يسلب مِنَّا ما أوحاه لرسوله وحفظناه وكتبناه، ونحن نرى فاقد الذاكرة مثلاً لا يكاد يذكر شيئاً من حياته، فإذا ما أرادوا إعادة ذاكرته يقومون بإجراء عملية جراحية مثلاً، فما أشبه هذه بتلك.

ونلاحظ في الآية جملة شرطية، أداة الشرط فيها " إنْ " ، وهي تستخدم للأمر المشكوك في حدوثه، على خلاف " إذا " فتأتي للأمر المحقق.

ثم يُوضِّح لنا الحق سبحانه أنه إنْ ذهب بما أوحاه لرسوله، فلن يستطيع أحد إعادته { ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً } [الإسراء: 86]

ثم يقول الحق سبحانه: { إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً }.


www.alro7.net