سورة
اية:

فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن الأمم المكذبة بالرسل في قديم الدهر، وماذا حل بهم من العذاب الشديد مع شدة قواهم، وما أثروه في الأرض وجمعوه من الأموال، فما أغنى عنهم ذلك شيئاً ولا رد عنهم ذرة من بأس اللّه، وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات، والحجج القاطعات، والبراهين الدامغات، لم يلتفتوا إليهم ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل، قال مجاهد: قالوا: نحن أعلم منهم لن نبعث ولن نعذب، وقال السدي: فرحوا بما عندهم من العلم بحالتهم، فأتاهم من بأس اللّه تعالى ما لا قبل لهم به { وحاق بهم} أي أحاط بهم { ما كانوا به يستهزئون} أي يكذبون ويستبعدون وقوعه، { فلما رأوا بأسنا} أي عاينوا وقوع العذاب بهم، { قالوا آمنا باللّه وحده وكفرنا بما كنا به مشركين} أي وحدوا اللّه عزَّ وجلَّ وكفروا بالطاغوت ولكن حيث لا تقال العثرات، ولا تنفع المعذرة، وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق { آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} فلم يقبل اللّه منه لأنه قد استجاب لنبيّه موسى عليه السلام، وهكذا قال تعالى ههنا: { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة اللّه التي قد خلت في عباده} أي هذا حكم اللّه في جميع من تاب عند معاينة العذاب أنه لا يقبل، ولهذا جاء في الحديث: (إن اللّه تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، ولهذا قال تعالى: { وخسر هنالك الكافرون} .

تفسير الجلالين

{ فلما رأوْا بأسنا } أي شدة عذابنا { قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى . { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسنَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا رَأَتْ هَذِهِ الْأُمَم الْمُكَذِّبَة رُسُلهَا بَأْسنَا , يَعْنِي عِقَاب اللَّه الَّذِي وَعَدَتْهُمْ بِهِ رُسُلهمْ قَدْ حَلَّ بِهِمْ , كَمَا : 23465 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسنَا } قَالَ : النِّقْمَات الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى . { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسنَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا رَأَتْ هَذِهِ الْأُمَم الْمُكَذِّبَة رُسُلهَا بَأْسنَا , يَعْنِي عِقَاب اللَّه الَّذِي وَعَدَتْهُمْ بِهِ رُسُلهمْ قَدْ حَلَّ بِهِمْ , كَمَا : 23465 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسنَا } قَالَ : النِّقْمَات الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ . ' وَقَوْله { قَالُوا آمَنَّا بِاَللَّهِ وَحْده } يَقُول : قَالُوا : أَقْرَرْنَا بِتَوْحِيدِ اللَّه , وَصَدَّقْنَا أَنَّهُ لَا إِلَه غَيْره { وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ } يَقُول : وَجَحَدْنَا الْآلِهَة الَّتِي كُنَّا قَبْل وَقْتنَا هَذَا نُشْرِكهَا فِي عِبَادَتنَا اللَّه وَنَعْبُدهَا مَعَهُ , وَنَتَّخِذهَا آلِهَة , فَبَرِئْنَا مِنْهَا .وَقَوْله { قَالُوا آمَنَّا بِاَللَّهِ وَحْده } يَقُول : قَالُوا : أَقْرَرْنَا بِتَوْحِيدِ اللَّه , وَصَدَّقْنَا أَنَّهُ لَا إِلَه غَيْره { وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ } يَقُول : وَجَحَدْنَا الْآلِهَة الَّتِي كُنَّا قَبْل وَقْتنَا هَذَا نُشْرِكهَا فِي عِبَادَتنَا اللَّه وَنَعْبُدهَا مَعَهُ , وَنَتَّخِذهَا آلِهَة , فَبَرِئْنَا مِنْهَا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} حتى يشاهدوا آثار الأمم السالفة { كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض} كانوا أكثر منهم عددا وقوة { فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} من الأبنية والأموال وما أدالوا به من الأولاد والأتباع؛ يقال : دلوت بفلان، إليك أي استشفعت به إليك. وعلى هذا { ما} للجحد أي فلم يغن عنهم ذلك شيئا. وقيل: { ما} للاستفهام أي أي شيء أغنى عنهم كسبهم حين هلكوا ولم ينصرف { أكثر} ؛ لأنه على وزن أفعل. وزعم الكوفيون أن كل ما لا ينصرف فإنه يجوز أن ينصرف إلا أفعل من كذا فإنه لا يجوز صرفه بوجه في شعر ولا غيره إذا كانت معه من. قال أبو العباس : ولو كانت من المانعة من صرفه لوجب ألا يقال : مررت بخير منك وشر منك ومن عمرو. قوله تعالى: { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات} أي بالآيات الواضحات. { فرحوا بما عندهم من العلم} في معناه ثلاثة أقوال. قال مجاهد : إن الكفار الذين فرحوا بما عندهم من العلم قالوا : نحن أعلم منهم لن نعذب ولن نبعث. وقيل : فرح الكفار بما عندهم من علم الدنيا نحو { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا} [الروم : 7]. وقيل : الذين فرحوا الرسل لما كذبهم قومهم أعلمهم الله عز وجل أنه مهلك الكافرين ومنجيهم والمؤمنين فـ { فرحوا بما عندهم من العلم} بنجاة المؤمنين { وحاق بهم} أي بالكفار { ما كانوا به يستهزئون} أي عقاب استهزائهم بما جاء به الرسل صلوات الله عليهم. قوله تعالى: { فلما رأوا بأسنا} أي عاينوا العذاب. { قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين} أي آمنا بالله وكفرنا بالأوثان التي أشركناهم في العبادة { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} فلم ينفعهم إيمانهم بالله عند معاينة العذاب وحين رأوا البأس. { سنة الله التي قد خلت في عباده} { سنة الله} مصدر؛ لأن العرب تقول : سن يسن سنا وسنة؛ أي سن الله عز وجل في الكفار أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب. وقد مضى هذا مبينا في { النساء} و { يونس} وأن التوبة لا تقبل بعد رؤية العذاب وحصول العلم الضروري. وقيل : أي احذروا يا أهل مكة سنة الله في إهلاك الكفرة فـ { سنة الله} منصوب على التحذير والإغراء. { وخسر هنالك الكافرون} قال الزجاج : وقد كانوا خاسرين من قبل ذلك إلا أنه بين لنا الخسران لما رأوا العذاب. وقيل : فيه تقديم وتأخير؛ أي { لم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} { وخسر هنالك الكافرون} كسنتنا في جميع الكافرين فـ { سنة} نصب بنزع الخافض أي كسنة الله في الأمم كلها. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 67 - 85

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذه الآية تُمثِّل نفس الموقف الذي مرَّ به فرعون لما أدركه الغرق
{  قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ }
[يونس: 90] فردَّ الله عليه
{  آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ }
[يونس: 91].

يعني: لا ينفعك الآن إيمانك. إذن: هناك فترة لا يمكن الرجوع فيها من الكفر إلى الإيمان، وهي ساعة يحيق به الموتُ، إنما يقبل منه الإيمان وهو في سَعَة من أمره حين يؤمن وفي مكْنته ألاَّ يؤمن.

كذلك هؤلاء { فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا.. } [غافر: 84] أي: عذابنا حَلَّ بهم في الدنيا { قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ } [غافر: 84] فهل هذا وقت يُقبَل منهم فيه إيمان؟

يقرر الحق سبحانه: { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا.. } [غافر: 85] يعني: ما كان يصح في عُرْف العقل، ولا في عرف الحق أن ينفعهم هذا الإيمان، وكيف والآن لم تعُدْ لهم حيلة في أنْ يُصادموا منهج الله ولا قوةَ، الآن ليؤمنوا؟

ما كان ينبغي أبداً أن ينفعهم هذا الإيمان، وهذا الإيمان بظنهم هم، وإلا فهو إيمان باطل مردود، ولا معنى له لأنه في غير وقته.

وهذه { سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ.. } [غافر: 85] يعني: مضتْ { فِي عِبَادِهِ.. } [غافر: 85] وقد رأينا هذه السُّنة على مرِّ التاريخ، فكما أخذ أقواماً بذنوبهم، ولم يقبل منهم إيمانهم ساعةَ غرغرتهم، أو ساعة نزول العذاب بهم، كذلك أنتم ولن تتغير هذه السُّنة لأنها ثابتة
{  وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً }
[الأحزاب: 62]، وستظل سُنةُ الله جارية على الخَلْق أجمعين.

{ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَافِرُونَ } [غافر: 85] وهذا هو الأمر الطبيعي والنهاية التي يستحقونها.


www.alro7.net