سورة
اية:

قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يقرر تعالى وحدانيته واستقلاله بالخلق والتصرف والملك { قل لمن الأرض ومن فيها؟} أي من مالكها الذي خلقها ومن فيها من الحيوانات والنباتات، والثمرات وسائر صنوف المخلوقات؟ { إن كنتم تعلمون؟ سيقولون للّه} أي فيعترفون لك بأن ذلك للّه وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك { قل أفلا تذكرون} أنه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرزاق لا لغيره، { قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم؟} أي من هو خالق العالم العلوي بما فيه من الكواكب النيرات، والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منها والجهات؟ ومن هو رب العرش العظيم يعني الذي هو سقف المخلوقات؟ كما جاء في الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (شأن اللّه أعظم من ذلك إن عرشه على سماواته هكذا) وأشار بيده مثل القبة ""أخرجه أبو داود في سننه"". وفي الحديث الآخر: (ما السماوات السبع والأرضون السبع وما بينهنَّ وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة)، عن ابن عباس: إنما سمي عرشاً لارتفاعه، وقال مجاهد: ما السماوات والأرض في العرش إلا كحلقة في أرض فلاة، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: العرش لا يقدر قدره أحد إلا اللّه عزَّ وجلَّ. ولهذا قال ههنا: { ورب العرش العظيم} أي الكبير، وقال آخر السورة { رب العرش الكريم} أي الحسن البهي فقد جمع العرش بين العظمة في الاتساع، والعلو والحسن الباهر، قال ابن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش من نور وجهه، وقوله: { سيقولون للّه قل أفلا تتقون} أي إذا كنتم تعترفون بأنه رب السماوات ورب العرش العظيم، أفلا تخافون عقابه وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره وإشراككم به؟ قوله: { قل من بيده ملكوت كل شيء} أي بيده الملك { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} أي متصرف فيها، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (لا والذي نفسي بيده)، وكان إذا اجتهد باليمين قال: (لا ومقلب القلوب)، فهو سبحانه الخالق المالك المتصرف، { وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون} كانت العرب إذا كان السيد فيهم أجار أحداً لا يخفر في جواره، وليس لمن دونه أن يجير عليه لئلا يفتات عليه، ولهذا قال اللّه: { وهو يجير ولا يجار عليه} أي وهو السيد العظيم الذي لا أعظم منه، الذي له الخلق والأمر ولا معقب لحكمه، { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} ، { سيقولون للّه} أي سيعترفون أن السيد العظيم الذي يجير ولا يجار عليه هو اللّه تعالى وحده لا شريك له { قل فأنى تسحرون} أي فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك؟ ثم قال تعالى: { بل أتيناهم بالحق} وهو الإعلام بأنه لا إله إلا اللّه وأقمنا الأدلة الصحيحة الواضحة القاطعة على ذلك، { وإنهم لكاذبون} أي في عبادتهم مع اللّه غيره ولا دليل لهم على ذلك، كما قال في آخر السورة { ومن يدع مع اللّه إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه} فالمشركون إنما يفعلون ذلك اتباعاً لآبائهم وأسلافهم الحيارى الجهال كما قال اللّه عنهم { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} .

تفسير الجلالين

{ قل } لهم { لمن الأرض ومن فيها } من الخلق { إن كنتم تعلمون } خالقها ومالكها .

تفسير القرطبي

قوله { وهو الذي يحي ويميت وله اختلاف الليل والنهار} أي جعلهما مختلفين؛ كقولك : لك الأجر والصلة؛ أي إنك تؤجر وتوصل؛ قاله الفراء. وقيل : اختلافهما نقصان أحدهما وزيادة الآخر. وقيل : اختلافهما في النور والظلمة. وقيل : تكررهما يوما بعد ليلة وليلة بعد يوم. ويحتمل خامسا : اختلاف ما مضى فيهما من سعادة وشقاء وضلال وهدى. { أفلا تعقلون} كنه قدرته وربوبيته ووحدانيته، وأنه لا يجوز أن يكون له شريك من خلقه، وأنه قادر على البعث. ثم عيرهم بقولهم وأخبر عنهم أنهم { قالوا مثل ما قال الأولون} هذا لا يكون ولا يتصور. { لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل} أي من قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم، فلم نر له حقيقة. { إن هذا} أي ما هذا { إلا أساطير الأولين} أي أباطيلهم وترهاتهم؛ وقد تقدم هذا كله. قال الله { قل} يا محمد جوابا لهم عما قالوه { لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون} يخبر بربوبيته ووحدانيته وملكه الذي لا يزول، وقدرته التي لا تحول؛ فـ { سيقولون لله} ولا بد لهم من ذلك. { قل أفلا تتذكرون} أي أفلا تتعظون وتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداء فهو على إحياء الموتى بعد موتهم قادر. قوله يريد أفلا تخافون حيث تجعلون لي ما تكرهون؛ زعمتم أن الملائكة بناتي، وكرهتم لأنفسكم البنات. { قل من بيده ملكوت كل شيء} يريد السموات وما فوقها وما بينهن، والأرضين وما تحتهن وما بينهن، وما لا يعلمه أحد إلا هو. وقال مجاهد { ملكوت كل شيء} خزائن كل شيء. الضحاك : ملك كل شيء. والملكوت من صفات المبالغة كالجبروت والرهبوت؛ وقد مضى في - الأنعام -. { وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون} أي يمنع ولا يمنع منه. وقيل { يجير} يؤمن من شاء. { ولا يجار عليه} أي لا يؤمن من أخافه. ثم قيل : هذا في الدنيا؛ أي من أراد الله إهلاكه وخوفه لم يمنعه منه مانع، ومن أراد نصره وأمنه لم يدفعه من نصره وأمنه دافع. وقيل : هذا في الآخرة، أي لا يمنعه من مستحق الثواب مانع ولا يدفعه عن مستوجبه العذاب دافع. { فأنى تسحرون} أي فكيف تخدعون وتصرفون عن طاعته وتوحيده. أو كيف يخيل إليكم أن تشركوا به ما لا يضر ولا ينفع! والسحر هو التخييل. وكل هذا احتجاج على العرب المقرين بالصانع وقرأ أبو عمرو { سيقولون لله} في الموضعين الأخيرين؛ وهي قراءة أهل العراق. الباقون { لله} ، ولا خلاف في الأول أنه { لله} ؛ لأنه جواب لـ { قل لمن الأرض ومن فيها} فلما تقدمت اللام في { لمن} رجعت في الجواب. ولا خلاف أنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ألف. وأما من قرأ { سيقولون الله} فلأن السؤال بغير لام فجاء الجواب على لفظه، وجاء في الأول { لله} لما كان السؤال باللام. وأما من قرأ { لله} باللام في الأخيرين وليس في السؤال لام فلأن معنى { قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم} : قل لمن السموات السبع ورب العرش العظيم. فكان الجواب { لله} ؛ حين قدرت اللام في السؤال. وعلة الثالثة كعلة الثانية. وقال الشاعر : إذا قيل من رب المزالف والقرى ** ورب الجياد الجرد قلت لخالد أي لمن المزالف. ودلت هذه الآيات على جواز جدال الكفار وإقامة الحجة عليهم. وقد تقدم في - البقرة -. ونبهت على أن من ابتدأ بالخلق والاختراع والإيجاد والإبداع هو المستحق للألوهية والعبادة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المؤمنون الايات 80 - 88

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ويأتي في السؤال بإن الشرطية الدالة على الشك في كونهم يعلمون.


www.alro7.net