سورة
اية:

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن الأمم المكذبة بالرسل في قديم الدهر، وماذا حل بهم من العذاب الشديد مع شدة قواهم، وما أثروه في الأرض وجمعوه من الأموال، فما أغنى عنهم ذلك شيئاً ولا رد عنهم ذرة من بأس اللّه، وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات، والحجج القاطعات، والبراهين الدامغات، لم يلتفتوا إليهم ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل، قال مجاهد: قالوا: نحن أعلم منهم لن نبعث ولن نعذب، وقال السدي: فرحوا بما عندهم من العلم بحالتهم، فأتاهم من بأس اللّه تعالى ما لا قبل لهم به { وحاق بهم} أي أحاط بهم { ما كانوا به يستهزئون} أي يكذبون ويستبعدون وقوعه، { فلما رأوا بأسنا} أي عاينوا وقوع العذاب بهم، { قالوا آمنا باللّه وحده وكفرنا بما كنا به مشركين} أي وحدوا اللّه عزَّ وجلَّ وكفروا بالطاغوت ولكن حيث لا تقال العثرات، ولا تنفع المعذرة، وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق { آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} فلم يقبل اللّه منه لأنه قد استجاب لنبيّه موسى عليه السلام، وهكذا قال تعالى ههنا: { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة اللّه التي قد خلت في عباده} أي هذا حكم اللّه في جميع من تاب عند معاينة العذاب أنه لا يقبل، ولهذا جاء في الحديث: (إن اللّه تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، ولهذا قال تعالى: { وخسر هنالك الكافرون} .

تفسير الجلالين

{ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوَّةً وأثارا في الأرض } من مصانع وقصور { فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ كَانُوا أَكْثَر مِنْهُمْ وَأَشَدّ قُوَّة وَآثَارًا فِي الْأَرْض فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَلَمْ يَسِرْ يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُجَادِلُونَ فِي آيَات اللَّه مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك فِي الْبِلَاد , فَإِنَّهُمْ أَهْل سَفَر إِلَى الشَّأْم وَالْيَمَن , رِحْلَتهمْ فِي الشِّتَاء وَالصَّيْف , فَيَنْظُرُوا فِيمَا وَطِئُوا مِنْ الْبِلَاد إِلَى وَقَائِعنَا بِمَنْ أَوْقَعْنَا بِهِ مِنْ الْأُمَم قَبْلهمْ , وَيَرَوْا مَا أَحْلَلْنَا بِهِمْ مِنْ بَأْسنَا بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلنَا , وَجُحُودهمْ آيَاتنَا , كَيْفَ كَانَ عُقْبَى تَكْذِيبهمْ { كَانُوا أَكْثَر مِنْهُمْ } يَقُول : كَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْل هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِيكَ مِنْ قُرَيْش أَكْثَر عَدَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَشَدّ بَطْشًا , وَأَقْوَى قُوَّة , وَأَبْقَى فِي الْأَرْض آثَارًا , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَال بُيُوتًا وَيَتَّخِذُونَ مَصَانِع . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 23461 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَآثَارًا فِي الْأَرْض } الْمَشْي بِأَرْجُلِهِمْ . { فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } يَقُول : فَلَمَّا جَاءَهُمْ بَأْسنَا وَسَطْوَتنَا , . لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنْ الْبُيُوت فِي الْجِبَال , وَلَمْ يَدْفَع عَنْهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا . وَلَكِنَّهُمْ بَادُوا جَمِيعًا فَهَلَكُوا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْله : { فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ } فَأَيّ شَيْء أَغْنَى عَنْهُمْ ; وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل يَجِب أَنْ يَكُون " مَا " الْأُولَى فِي مَوْضِع نَصْب , وَالثَّانِيَة فِي مَوْضِع رَفْع . يَقُول : فَلِهَؤُلَاءِ الْمُجَادِلِيك مِنْ قَوْمك يَا مُحَمَّد فِي أُولَئِكَ مُعْتَبَر إِنْ اعْتَبَرُوا , وَمُتَّعَظ إِنْ اِتَّعَظُوا , وَإِنَّ بَأْسنَا إِذَا حَلَّ بِالْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ لَمْ يَدْفَعهُ دَافِع , وَلَمْ يَمْنَعهُ مَانِع , وَهُوَ بِهِمْ إِنْ لَمْ يُنِيبُوا إِلَى تَصْدِيقك وَاقِع . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ كَانُوا أَكْثَر مِنْهُمْ وَأَشَدّ قُوَّة وَآثَارًا فِي الْأَرْض فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَلَمْ يَسِرْ يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُجَادِلُونَ فِي آيَات اللَّه مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك فِي الْبِلَاد , فَإِنَّهُمْ أَهْل سَفَر إِلَى الشَّأْم وَالْيَمَن , رِحْلَتهمْ فِي الشِّتَاء وَالصَّيْف , فَيَنْظُرُوا فِيمَا وَطِئُوا مِنْ الْبِلَاد إِلَى وَقَائِعنَا بِمَنْ أَوْقَعْنَا بِهِ مِنْ الْأُمَم قَبْلهمْ , وَيَرَوْا مَا أَحْلَلْنَا بِهِمْ مِنْ بَأْسنَا بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلنَا , وَجُحُودهمْ آيَاتنَا , كَيْفَ كَانَ عُقْبَى تَكْذِيبهمْ { كَانُوا أَكْثَر مِنْهُمْ } يَقُول : كَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْل هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِيكَ مِنْ قُرَيْش أَكْثَر عَدَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَشَدّ بَطْشًا , وَأَقْوَى قُوَّة , وَأَبْقَى فِي الْأَرْض آثَارًا , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَال بُيُوتًا وَيَتَّخِذُونَ مَصَانِع . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 23461 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَآثَارًا فِي الْأَرْض } الْمَشْي بِأَرْجُلِهِمْ . { فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } يَقُول : فَلَمَّا جَاءَهُمْ بَأْسنَا وَسَطْوَتنَا , . لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنْ الْبُيُوت فِي الْجِبَال , وَلَمْ يَدْفَع عَنْهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا . وَلَكِنَّهُمْ بَادُوا جَمِيعًا فَهَلَكُوا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْله : { فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ } فَأَيّ شَيْء أَغْنَى عَنْهُمْ ; وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل يَجِب أَنْ يَكُون " مَا " الْأُولَى فِي مَوْضِع نَصْب , وَالثَّانِيَة فِي مَوْضِع رَفْع . يَقُول : فَلِهَؤُلَاءِ الْمُجَادِلِيك مِنْ قَوْمك يَا مُحَمَّد فِي أُولَئِكَ مُعْتَبَر إِنْ اعْتَبَرُوا , وَمُتَّعَظ إِنْ اِتَّعَظُوا , وَإِنَّ بَأْسنَا إِذَا حَلَّ بِالْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ لَمْ يَدْفَعهُ دَافِع , وَلَمْ يَمْنَعهُ مَانِع , وَهُوَ بِهِمْ إِنْ لَمْ يُنِيبُوا إِلَى تَصْدِيقك وَاقِع . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} حتى يشاهدوا آثار الأمم السالفة { كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض} كانوا أكثر منهم عددا وقوة { فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} من الأبنية والأموال وما أدالوا به من الأولاد والأتباع؛ يقال : دلوت بفلان، إليك أي استشفعت به إليك. وعلى هذا { ما} للجحد أي فلم يغن عنهم ذلك شيئا. وقيل: { ما} للاستفهام أي أي شيء أغنى عنهم كسبهم حين هلكوا ولم ينصرف { أكثر} ؛ لأنه على وزن أفعل. وزعم الكوفيون أن كل ما لا ينصرف فإنه يجوز أن ينصرف إلا أفعل من كذا فإنه لا يجوز صرفه بوجه في شعر ولا غيره إذا كانت معه من. قال أبو العباس : ولو كانت من المانعة من صرفه لوجب ألا يقال : مررت بخير منك وشر منك ومن عمرو. قوله تعالى: { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات} أي بالآيات الواضحات. { فرحوا بما عندهم من العلم} في معناه ثلاثة أقوال. قال مجاهد : إن الكفار الذين فرحوا بما عندهم من العلم قالوا : نحن أعلم منهم لن نعذب ولن نبعث. وقيل : فرح الكفار بما عندهم من علم الدنيا نحو { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا} [الروم : 7]. وقيل : الذين فرحوا الرسل لما كذبهم قومهم أعلمهم الله عز وجل أنه مهلك الكافرين ومنجيهم والمؤمنين فـ { فرحوا بما عندهم من العلم} بنجاة المؤمنين { وحاق بهم} أي بالكفار { ما كانوا به يستهزئون} أي عقاب استهزائهم بما جاء به الرسل صلوات الله عليهم. قوله تعالى: { فلما رأوا بأسنا} أي عاينوا العذاب. { قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين} أي آمنا بالله وكفرنا بالأوثان التي أشركناهم في العبادة { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} فلم ينفعهم إيمانهم بالله عند معاينة العذاب وحين رأوا البأس. { سنة الله التي قد خلت في عباده} { سنة الله} مصدر؛ لأن العرب تقول : سن يسن سنا وسنة؛ أي سن الله عز وجل في الكفار أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب. وقد مضى هذا مبينا في { النساء} و { يونس} وأن التوبة لا تقبل بعد رؤية العذاب وحصول العلم الضروري. وقيل : أي احذروا يا أهل مكة سنة الله في إهلاك الكفرة فـ { سنة الله} منصوب على التحذير والإغراء. { وخسر هنالك الكافرون} قال الزجاج : وقد كانوا خاسرين من قبل ذلك إلا أنه بين لنا الخسران لما رأوا العذاب. وقيل : فيه تقديم وتأخير؛ أي { لم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} { وخسر هنالك الكافرون} كسنتنا في جميع الكافرين فـ { سنة} نصب بنزع الخافض أي كسنة الله في الأمم كلها. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 67 - 85

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا سير كما قلنا للاعتبار، والاعتبار هنا بمَنْ سبقهم من الأمم، يُبين لهم الحق سبحانه أنْ مَنْ سبقكم من الأمم المكذَّبة كانوا أكثر منكم عدداً، وأشدّ منكم قوة وآثاراً في الأرض، والآثار هي ما يتركه القوم بعدهم كالأهرام بالنسبة للفراعنة، مثلاً يبقيها الله شاهدةً عليهم.

وهناك آثار أخرى لم نَرَها لأنها مطمورة، لكن أخبرنا الله عنها كما في قوله سبحانه:
{  أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ }
[الفجر: 6-8] هذه آثار باقية
{  وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }
[الصافات: 138].

فأين أنتم أيها العرب من هذه الحضارات الذاهبة؟ لقد كان عليكم أن تفهموا الدرس من السابقين الذين كذَّبوا الرسل وعاندوهم، أخذهم الله وهم أقوى منكم وأشدّ ونصر رسله ومنهجه، وأنتم دون هؤلاء ولن تُعجزوا الله، بل إن مسألتكم أسهل.

وقوله: { فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [غافر: 82] يعني: هذه الحضارات وهذه العمارة التي تُعدُّ إعجازاً لم نصل إلى سِرِّه حتى الآن، لم تنفع أصحابها.

ولنتكلم عن آثارهم في مصر مثلاً، عندنا آثار الفراعنة في المعابد وفي الأهرام، رأينا الألوان على الجدران كما هي وكأنها منقوشة في العصر الحديث، رأينا بعض الحبوب كما هي وقالوا إنها صالحة للإنبات بعد هذه الآلاف من السنين، وتعلمون ما في بناء الأهرام من الأسرار التي لم نتوصل إليها حتى الآن.

كل هذا التقدم لم يستطع أصحابه حمايته، ولم يستطيعوا الإبقاء على هذه الحضارة، ولا حتى استطاعوا أنْ يتركوا لنا ما يُفسِّرها، ولولا شامبليون فكَّ لنا رموز حجر رشيد لما استطعنا التوصل إلى هذا التاريخ ولا معرفته.


www.alro7.net