سورة
اية:

وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ

تفسير بن كثير

قال ابن عباس: النفش الرعي، وقال قتادة: النفش لا يكون إلا بالليل، والهمل بالنهار، وعن ابن مسعود في قوله: { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم} قال: كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته، قال: فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: غير هذا يا نبي اللّه، قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم، فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصب منها حتى إذا كان الكرم كما كان، دفعت الكرم إلى صاحبه، ودفعت الغنم إلى صاحبها، فذلك قوله: { ففهمناها سليمان} ""أخرجه ابن جرير، وكذا روي عن ابن عباس""وروى ابن أبي حاتم، عن مسروق قال: الحرث الذي نفشت فيه الغنم إنما كان كرماً فلم تدع فيه ورقة ولا عنقوداً من عنب إلا أكلته، فأتوا داود فأعطاهم رقابها، فقال سليمان: لا؛ بل تؤخذ الغنم فيعطاها أهل الكرم، فيكون لهم لبنها ونفعها، ويعطى أهل الغنم الكرم فيعمروه ويصلحوه حتى يعود كالذي كان ليلة نفشت فيه الغنم، ثم يعطى أهل الغنم غنمهم وأهل الكرم كرمهم. وقوله تعالى: { ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} قال ابن أبي حاتم: إن إياس بن معاوية لما استقضي أتاه الحسن فبكى، فقال: ما يبكيك؟ قال: يا أبا سعيد بلغني أن القضاة: رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة، فقال الحسن البصري: إن فيما قص اللّه من نبأ داود وسليمان عليهما السلام والأنبياء حكماً يرد قول هؤلاء الناس عن قولهم، قال اللّه تعالى: { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين} فأثنى اللّه على سليمان ولم يذم داود، ثم قال الحسن: إن اللّه اتخذ على الحكام ثلاثاً: لا يشتروا به ثمناً قليلاً، ولا يتبعوا فيه الهوى ولا يخشوا فيه أحداً ثم تلا: { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل اللّه} ، وقال: { فلا تخشوا الناس واخشوني} ، وقال: { ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} . وفي صحيح البخاري عن عمرو بن العاص أنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، وفي السنن: القضاة ثلاثة قاض في الجنة وقاضيان في النار: رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار، وقريب من هذه القصة المذكورة في القرآن ما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (بينما امرأتان معهما ابنان لهما إذ جاء الذئب فأخذ أحد الابنين، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا، فدعاهما سليمان، فقال: هاتوا السكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: يرحمك اللّه هو ابنها لا تشقه، فقضى به للصغرى) ""الحديث أخرجه الإمام أحمد وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما وبوَّب له النسائي في كتاب القضاء"". وقوله تعالى: { وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير} الآية، وذلك لطيب صوته بتلاوة الزبور، وكان إذا ترنم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه، وترد عليه الجبال تأويباً، ولهذا لما مرّ النبي صلى اللّه عليه وسلم على أبي موسى الأشعري وهو يتلو القرآن من الليل، وكان له صوت طيب جداً، فوقف واستمع لقراءته، وقال: (لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود)، وقال: يا رسول اللّه لو علمت أنك تستمع لحَبَّرْتُه ـ حسنته وزينته ـ لك تحبيراً، وقوله: { وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم} يعني صنعة الدروع، قال قتادة: إنما كانت الدروع قبله صفائح وهو أول من سردها حلقاً، كما قال تعالى: { وألنَّا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد} أي لا توسع الحلقة فتفلق المسمار ولا تغلظ المسمار فتقد الحلقة، ولهذا قال: { لتحصنكم من بأسكم} يعني في القتال، { فهل أنتم شاكرون} أي نعم اللّه عليكم لما ألهم به عبده داود فعلمه ذلك من أجلكم، وقوله: { ولسليمان الريح عاصفة} أي وسخرنا لسليمان الريح العاصفة { تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها} يعني أرض الشام { وكنا بكل شيء عالمين} ، وذلك أنه كان له بساط من خشب يوضع عليه كل ما يحتاج إليه من أمور المملكة والخيل والجمال والخيام والجند، ثم يأمر الريح أن تحمله فتدخل تحته ثم تحمله وترفعه وتسير به، وتظله الطير تقيه الحر إلى حيث يشاء من الأرض، فينزل وتوضع آلاته وحشمه، قال اللّه تعالى: { فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب} ، عن سعيد بن جبير قال: كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي فيجلس مما يليه مؤمنو الإنس، ثم يجلس من ورائهم مؤمنو الجن، ثم يأمر الطير فتظلهم، ثم يأمر الريح فتحملهم صلى اللّه عليه وسلم أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير . وقوله: { ومن الشياطين من يغوصون له} أي في الماء يستخرجون له اللالئ والجواهر وغير ذلك، { ويعملون عملا دون ذلك} أي غير ذلك كما قال تعالى: { والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد} ، وقوله: { وكنا لهم حافظين} أي يحرسه اللّه أن يناله أحد من الشياطين بسوء، بل كل في قبضته وتحت قهره لا يتجاسر أحد منهم على الدنو إليه والقرب منه، بل هو يحكم فيهم إن شاء أطلق وإن شاء حبس منهم من يشاء، ولهذا قال: { وآخرين مقرنين في الأصفاد} .

تفسير الجلالين

{ و } سخرنا { من الشياطين من يغوصون له } يدخلون في البحر فيُخرجون منه الجواهر لسليمان { ويعلمون عملاً دون ذلك } أي سوى الغوص من البناء وغيره { وكنا لهم حافظين } من أن يُفسدوا ما عملوا، لأنهم كانوا إذا فرغوا من عمل قبل الليل أفسدوه إن لم يشتغلوا بغيره .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ الشَّيَاطِين مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُون ذَلِكَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَسَخَّرْنَا أَيْضًا لِسُلَيْمَان مِنْ الشَّيَاطِين مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ فِي الْبَحْر , وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُون ذَلِكَ مِنْ الْبُنْيَان وَالتَّمَاثِيل وَالْمَحَارِيب . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ الشَّيَاطِين مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُون ذَلِكَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَسَخَّرْنَا أَيْضًا لِسُلَيْمَان مِنْ الشَّيَاطِين مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ فِي الْبَحْر , وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُون ذَلِكَ مِنْ الْبُنْيَان وَالتَّمَاثِيل وَالْمَحَارِيب .' يَقُول : وَكُنَّا لِأَعْمَالِهِمْ وَلِأَعْدَادِهِمْ حَافِظِينَ , لَا يَئُودنَا حِفْظ ذَلِكَ كُلّه .يَقُول : وَكُنَّا لِأَعْمَالِهِمْ وَلِأَعْدَادِهِمْ حَافِظِينَ , لَا يَئُودنَا حِفْظ ذَلِكَ كُلّه .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولسليمان الريح عاصفة} أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة، أي شديدة الهبوب. يقال منه : عصفت الريح أي اشتدت فهي ريح عاصف وعصوف. وفي لغة بني أسد : أعصفت الريح فهي معصفة ومعصفة. والعصف التبن فسمي به شدة الريح؛ لأنها تعصفه بشدة تطيرها. وقرأ عبدالرحمن الأعرج وأبو بكر { ولسليمان الريح} برفع الحاء على القطع مما قبله؛ والمعنى ولسليمان تسخير الريح؛ ابتداء وخبر. { تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها} يعني الشام يروي أنها كانت تجري به وبأصحابه إلى حيث أراد، ثم ترده إلى الشام. وقال وهب : كان سليمان بن داود إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير، وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره. وكان امرأ غزاء لا يعقد عن الغزو؛ فإذا أراد أن يغزو أمر بخشب فمدت ورفع عليها الناس والدواب وآلة الحرب، ثم أمر العاصف فأقلت ذلك، ثم أمر الرخاء فمرت به شهرا في رواحه وشهرا في غدوه، وهو معنى قوله تعالى { تجري بأمره رخاء حيث أصاب} [ص : 36]. والرخاء اللينة. { وكنا بكل شيء عالمين} أي بكل شيء عملنا عالمين بتدبيره. قوله تعالى { ومن الشياطين من يغوصون له} أي وسخرنا له من يغوصون؛ يريد تحت الماء. أي يستخرجون له الجواهر من البحر. والغوص النزول تحت الماء، وقد غاص في الماء، والهاجم على الشيء غائص. والغواص الذي يغوص في البحر على اللؤلؤ، وفعله الغياصة. { ويعملون عملا دون ذلك} أي سوي ذلك من الغوص؛ قاله الفراء. وقيل : يراد بذلك المحاريب والتماثيل وغير ذلك يسخرهم فيه. { وكنا لهم حافظين} أي لأعمالهم. وقال الفراء : حافظين لهم من أن يفسدوا أعمالهم، أو يهيجوا أحدا من بني آدم في زمان سليمان. وقيل { حافظين} من أن يهربوا أو يمتنعوا. أو حفظناهم من أن يخرجوا عن أمره. وقد قيل : إن الحمام والنورة والطواحين والقوارير والصابون من استخراج الشياطين.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأنبياء الايات 79 - 87

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

فبعد أنْ سخَّر الله له الريح سخَّر له الشياطين { يَغُوصُونَ لَهُ... } [الأنبياء: 82] والغَوْصُ: النزول إلى أعماق البحر؛ ليأتوه بكنوزه ونفائسه وعجائبه التي ادخرها الله فيه { وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ... } [الأنبياء: 82] أي: مما يُكلِّفهم به سليمان من أعمال شاقة لا يقدر عليها الإنسان، وقد شرحت هذه الآية في موضع آخر:
{  يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ... }
[سبأ: 13] فأدخل مرادات العمل في مشيئته.

والمحاريب جمع محراب، وهو مكان العبادة كالقِبْلة مثلاً، والجِفَان: جمع جَفْنة، وهي القَصْعة الكبيرة الواسعة التي تكفي لعدد كبير، والقدور الراسيات أي: الثابتة التي لا تنقل من مكان لآخر وهي مبنية.

وقد رأينا شيئاً من هذا في الرياض أيام الملك عبد العزيز رحمه الله، وكان هذا القدْر من الاتساع والارتفاع بحيث إذا وقف الإنسان ماداً ذراعيه إلى أعلى لا يبلغ طولها، وفي الجاهلية أشتهرت مثل هذه القدور عند ابن جدعان، وعند مطعم بن عدي.

أما التماثيل فهي معروفة، والموقف منها واضح منذ زمن إبراهيم عليه السلام حينما كسَّرها ونهي عن عبادتها، وهذا يردُّ قول مَنْ قال بأن التماثيل كانت حلالاً، ثم فُتِن الناس فيها، فعبدوها من دون الله فَحرِّمت، إذن: كيف نخرج من هذا الموقف؟ وكيف يمتنّ الله على نبيه سليمان أن سخر له من يعملون التماثيل وهي مُحرَّمة؟

نقول: كانوا يصنعون له التماثيل لا لغرض التعظيم والعبادة، إنما على هيئة الإهانة والتحقير، كأن يجعلوها على هيئة رجل جبار، أو أسد أضخم يحمل جزءاً من القصر أو شرفه من شرفاته، أو يُصوِّرونها تحمل مائدة الطعام.. الخ. أي أنها ليست على سبيل التقديس.

ثم يقول تعالى: { وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ } [الأنبياء: 82] حافظين للناس المعاصرين لهذه الأعمال يروْنَ البشر، والبشر لا يرَوْنَهم، كما قال تعالى:
{  إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ... }
[الأعراف: 27].

أما سليمان عليه السلام فكان يرى الجنَّ ويراقبهم وهم يعملون له، وفي قصته:
{  فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ... }
[سبأ: 14].

وفي هذا دليل على أن الجن لا يعلمون الغيب؛ لذلك قال تعالى:
{  فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ }
[سبأ: 14].

ويُقال: إن سليمان - عليه السلام - بعد أنْ امتنَّ الله عليه، وأعطاه مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، أخذ هؤلاء الجن وحبسهم في القماقم حتى لا يعملوا لأحد غيره.

هذه مجرد لقطة من قصة سليمان، ينتقل السياق منها إلى أيوب عليه السلام: { وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ... }.


www.alro7.net