سورة
اية:

إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ

تفسير بن كثير

هذه القصة ذكرها اللّه تبارك وتعالى في سورة البقرة، وفي أول سورة الأعراف، وفي سورة الحجر، وسبحان، والكهف، وههنا، وهي أن اللّه سبحانه وتعالى، أعلم الملائكة قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام، بأنه سيخلق بشراً من صلصال من حمأ مسنون، وقد تقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه وتسويته، فليسجدوا له إكراماً وإعظاماً واحتراماً وامتثالاً لأمر اللّه عزَّ وجلَّ، فامتثل الملائكة كلهم سوى إبليس ولم يكن منهم جنساً، كان من الجن هذا الرأي وهو أن إبليس من الجن وليس من الملائكة هو الذي تطمئن إليه النفس وترتاح، وتدل عليه النصوص الشرعية كقوله تعالى: { إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه} ، (وانظر الأدلة في كتابنا النبوة والأنبياء ، صفحة 128 تحت عنوان: هل كان إبليس من الملائكة؟) فخانه طبعه وجبلته، فاستنكف عن السجود لآدم، وخاصم ربه عزَّ وجلَّ فيه، وادعى أنه خير من آدم، فإنه مخلوق من نار، وآدم خلق من طين، والنار خير من الطين في زعمه، وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر اللّه تعالى، وكفر بذلك فأبعده اللّه عزَّ وجلَّ، وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته ومحل أنسه، وحضرة قدسه، وسماه إبليس إعلاماً له بأنه قد أبلس من الرحمة، وأنزله من السماء مذموماً مدحوراً إلى الأرض، فسأل اللّه النظرة إلى يوم البعث فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه، فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى، وقال: { فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} كما قال عزَّ وجلَّ: { لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً} وهؤلاء هم المستثنون في الآية الأُخرى، وهي قوله تعالى: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلاً} ، وقوله تعالى: { قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} ، قال السدي: هو قسم أقسم اللّه به، كقوله تعالى: { ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} ، وكقوله عزَّ وجلَّ: { قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاءاً موفوراً} .

تفسير الجلالين

{ إلى يوم الوقت المعلوم } وقت النفخة الأولى .

تفسير الطبري

يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ اللَّه لِإِبْلِيس : فَإِنَّك مِمَّنْ أَنْظَرْته إِلَى يَوْم الْوَقْت الْمَعْلُوم , وَذَلِكَ الْوَقْت الَّذِي جَعَلَهُ اللَّه أَجَلًا لِهَلَاكِهِ . وَقَدْ بَيَّنْت وَقْت ذَلِكَ فِيمَا مَضَى عَلَى اِخْتِلَاف أَهْل الْعِلْم فِيهِ ;يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ اللَّه لِإِبْلِيس : فَإِنَّك مِمَّنْ أَنْظَرْته إِلَى يَوْم الْوَقْت الْمَعْلُوم , وَذَلِكَ الْوَقْت الَّذِي جَعَلَهُ اللَّه أَجَلًا لِهَلَاكِهِ . وَقَدْ بَيَّنْت وَقْت ذَلِكَ فِيمَا مَضَى عَلَى اِخْتِلَاف أَهْل الْعِلْم فِيهِ ;'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { قال يا إبليس ما منعك} أي صرفك وصدك { أن تسجد} أي عن أن تسجد { لما خلقت بيدي} أضاف خلقه إلى نفسه تكريما له، وإن كان خالق كل شيء وهذا كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد. فخاطب الناس بما يعرفونه في تعاملهم، فإن الرئيس من المخلوقين لا يباشر شيئا بيده إلا على سبيل الإعظام والتكرم، فذكر اليد هنا بمعنى هذا. قال مجاهد : اليد ها هنا بمعنى التأكد والصلة؛ مجازه لما خلقت أنا كقوله: { ويبقى وجه ربك} [الرحمن : 27] أي يبقى ربك. وقيل : التشبيه في اليد في خلق الله تعالى دليل على أنه ليس بمعنى النعمة والقوة والقدرة؛ وإنما هما صفتان من صفات ذاته تعالى. وقيل : أراد باليد القدرة؛ يقال : مالي بهذا الأمر يد. وما لي بالحمل الثقيل يدان. ويدل عليه أن الخلق لا يقع إلا بالقدرة بالإجماع. وقال الشاعر : تحملت من عفراء ما ليس لي به ** ولا للجبال الراسيات يدان وقيل: { لما خلقت بيدي} لما خلقت بغير واسطة. { أستكبرت} أي عن السجود { أم كنت من العالين} أي المتكبرين على ربك. وقرأ محمد بن صالح عن شبل عن ابن كثير وأهل مكة { بيدي استكبرت} موصولة الألف على الخبر وتكون أم منقطعة بمعنى بل مثل: { أم يقولون افتراه} [السجدة : 3] وشبهه. ومن استفهم فـ { أم} معادلة لهمزة الاستفهام وهو تقرير وتوبيخ. أي استكبرت بنفسك حين أبيت السجود لآدم، أم كنت من القوم الذين يتكبرون فتكبرت لهذا. قوله تعالى: { قال أنا خير منه} قال الفراء : من العرب من يقول أنا أخير منه وأشر منه؛ وهذا هو الأصل إلا أنه حذف لكثرة الاستعمال. { خلقتني من نار وخلقته من طين} فضل النار على الطين وهذا جهل منه؛ لأن الجواهر متجانسة فقاس فأخطأ القياس. وقد مضى في { الأعراف} بيانه. { قال فاخرج منها} يعني من الجنة { فإنك رجيم} أي مرجوم بالكواكب والشهب { وإن عليك لعنتي} أي طردي وإبعادي من رحمتي { إلى يوم الدين} تعريف بإصراره على الكفر لأن اللعن منقطع حينئذ، ثم بدخوله النار يظهر تحقيق اللعن { قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} أراد الملعون ألا يموت فلم يجب إلى ذلك، وأخر إلى وقت معلوم، وهو يوم يموت الخلق فيه، فأخر تهاونا به. { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين} لما طرده بسبب آدم حلف بعزة الله أنه يضل بني آدم بتزيين الشهوات وإدخال الشبهة عليهم، فمعنى { لأغوينهم} لأستدعينهم إلى المعاصي وقد علم أنه لا يصل إلا إلى الوسوسة، ولا يفسد إلا من كان لا يصلح لو لم يوسوسه؛ ولهذا قال: { إلا عبادك منهم المخلصين} أي الذي أخلصتهم لعبادتك، وعصمتهم مني. وقد مضى في { الحجر} بيانه.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يقول إبليس لرب العزة: { فَأَنظِرْنِيۤ.. } [ص: 79] أي: أخِّر أجلي، إذن: فهو يعلم أن لكلٍّ أجلاً محدداً لا يتجاوزه، وقوْل إبليس لربه: { فَأَنظِرْنِيۤ.. } [ص: 79] يفضح قوله لآدم لما أراد أنْ يُغويه بالأكل من الشجرة
{  هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ }
[طه: 120] فلو كانت شجرة الخلد حقاً، فلماذا تطلب من ربك أنْ يُؤخِّر أجلك؟ ودلَّ ذلك أيضاً على غفلة آدم، فلو تنبَّه إلى هذه المسألة ما أكل من الشجرة.

ونفهم أيضاً من ذلك أن إبليس نفسه (المعلم الكبير) هو الذي تولَّى غواية آدم، ولم يترك هذه المهمة لواحد من ذريته، لماذا؟ قالوا: لأن آدم أصبح في صَفِّ الملائكة، فلا يناسبه شيطان صغير من الذرية، إنما الكبير إبليس.

ثم يجيب الحق - سبحانه وتعالى - إبليسَ فيما طلب، فيقول له: { فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ } [ص: 80] المؤخِّرين { إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } [ص: 81] أي: إلى يوم القيامة.


www.alro7.net