سورة
اية:

وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا

تفسير بن كثير

عن ابن عباس قال: كان النبي صلى اللّه عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة، فأنزل اللّه: { وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} ، وقال الحسن البصري: إن كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليقتلوه أو يطروده أو يوثقوه، فأراد اللّه قتال أهل مكة، أمره أن يخرج إلى المدينة، فهو الذي قال اللّه عزَّ وجلَّ: { وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} الآية. وقال قتادة: { أدخلني مدخل صدق} يعني المدينة { وأخرجني مخرج صدق} يعني مكة، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد، وهذا القول هو أشهر الأقوال، وهو اختيار ابن جرير، وقوله: { واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} قال الحسن البصري: وعده ربه لينزعن ملك فارس وعز فارس، وليجعلنه له، وملك الروم وعز الروم وليجعلنه له. وقال قتادة: إن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطاناً نصيراً لكتاب اللّه، ولحدود اللّه، ولفرائض اللّه، ولإقامة دين اللّه؛ فإن السلطان رحمة من اللّه، جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض فأكل شديدهم ضعيفهم، قال مجاهد: { سلطانا نصيرا} حجة بينة، واختار ابن جرير الأول، لأنه لا بدّ مع الحق من قهر، لمن عاداه وناوأه، ولهذا يقول تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات - إلى قوله - وأنزلنا الحديد} الآية. وفي الحديث: (إن اللّه ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) أي ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمتنع كثير من الناس بالقرآن، وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع، وقوله: { وقل جاء الحق وزهق الباطل} تهديد ووعيد لكفّار قريش، فإنه قد جاءهم من اللّه الحق الذي لا مرية فيه، ولا قبل لهم به، وهو ما بعثه اللّه به من القرآن والإيمان، والعلم النافع وزهق باطلهم: أي اضمحل وهلك، فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} . عن عبد اللّه بن مسعود قال: دخل النبي صلى اللّه عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) ""أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي"". وقال الحافظ أبو يعلى، عن جابر رضي اللّه عنه قال: دخلنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً تُعبد من دون اللّه، فأمر بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأكبت على وجوهها، وقال: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)

تفسير الجلالين

( وقل ) عند دخولك مكة ( جاء الحق ) الإسلام ( وزهق الباطل ) بطل الكفر ( إن الباطل كان زهوقا ) مضمحلاً زائلاً "" وقد دخلها صلى الله عليه وسلم وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده ويقول ذلك حتى سقطت "" رواه الشيخان .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقُلْ جَاءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِل إِنَّ الْبَاطِل كَانَ زَهُوقًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَادُوا أَنْ يَسْتَفِزُّونَك مِنْ الْأَرْض لِيُخْرِجُوك مِنْهَا : { جَاءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِل } وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْحَقّ الَّذِي أَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْلِم الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ , وَالْبَاطِل الَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يُعْلِمهُمْ أَنَّهُ قَدْ زَهَقَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : الْحَقّ : هُوَ الْقُرْآن فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَالْبَاطِل : هُوَ الشَّيْطَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17090 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَقُلْ جَاءَ الْحَقّ } قَالَ : الْحَقّ : الْقُرْآن { وَزَهَقَ الْبَاطِل إِنَّ الْبَاطِل كَانَ زَهُوقًا } * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَقُلْ جَاءَ الْحَقّ } قَالَ : الْقُرْآن : { وَزَهَقَ الْبَاطِل } قَالَ : هَلَكَ الْبَاطِل وَهُوَ الشَّيْطَان . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِالْحَقِّ جِهَاد الْمُشْرِكِينَ وَبِالْبَاطِلِ الشِّرْك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17091 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { وَقُلْ جَاءَ الْحَقّ } قَالَ : دَنَا الْقِتَال { وَزَهَقَ الْبَاطِل } قَالَ : الشِّرْك وَمَا هُمْ فِيهِ . 17092 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ أَبِي مَعْمَر , عَنْ اِبْن مَسْعُود , قَالَ : دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة , وَحَوْل الْبَيْت ثَلَاث مِائَة وَسِتُّونَ صَنَمًا , فَجَعَلَ يَطْعَنهَا وَيَقُول : { جَاءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِل إِنَّ الْبَاطِل كَانَ زَهُوقًا } وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : أَمَرَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْبِر الْمُشْرِكِينَ أَنَّ الْحَقّ قَدْ جَاءَ , وَهُوَ كُلّ مَا كَانَ لِلَّهِ فِيهِ رِضَا وَطَاعَة , وَأَنَّ الْبَاطِل قَدْ زَهَقَ : يَقُول : وَذَهَبَ كُلّ مَا كَانَ لَا رِضَا لِلَّهِ فِيهِ وَلَا طَاعَة مِمَّا هُوَ لَهُ مَعْصِيَة وَلِلشَّيْطَانِ طَاعَة , وَذَلِكَ أَنَّ الْحَقّ هُوَ كُلّ مَا خَالَفَ طَاعَة إِبْلِيس , وَأَنَّ الْبَاطِل : هُوَ كُلّ مَا وَافَقَ طَاعَته , وَلَمْ يَخْصُصْ اللَّه عَزَّ ذِكْره بِالْخَبَرِ عَنْ بَعْض طَاعَاته , وَلَا ذَهَاب بَعْض مَعَاصِيه , بَلْ عَمَّ الْخَيْر عَنْ مَجِيء جَمِيع الْحَقّ , وَذَهَاب جَمِيع الْبَاطِل , وَبِذَلِكَ جَاءَ الْقُرْآن وَالتَّنْزِيل , وَعَلَى ذَلِكَ قَاتَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْل الشِّرْك بِاَللَّهِ , أَعْنِي عَلَى إِقَامَة جَمِيع الْحَقّ , وَإِبْطَال جَمِيع الْبَاطِل . وَأَمَّا قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { وَزَهَقَ الْبَاطِل } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : ذَهَبَ الْبَاطِل , مِنْ قَوْلهمْ : زَهَقَتْ نَفْسه : إِذَا خَرَجَتْ وَأَزْهَقْتهَا أَنَا ; وَمِنْ قَوْلهمْ : أَزْهَقَ السَّهْم : إِذَا جَاوَزَ الْغَرَض فَاسْتَمَرَّ عَلَى جِهَته , يُقَال مِنْهُ : زَهَقَ الْبَاطِل , يَزْهَق زَهُوقًا , وَأَزْهَقَهُ اللَّه : أَيْ أَذْهَبَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17093 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { إِنَّ الْبَاطِل كَانَ زَهُوقًا } يَقُول : ذَاهِبًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقُلْ جَاءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِل إِنَّ الْبَاطِل كَانَ زَهُوقًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَادُوا أَنْ يَسْتَفِزُّونَك مِنْ الْأَرْض لِيُخْرِجُوك مِنْهَا : { جَاءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِل } وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْحَقّ الَّذِي أَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْلِم الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ , وَالْبَاطِل الَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يُعْلِمهُمْ أَنَّهُ قَدْ زَهَقَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : الْحَقّ : هُوَ الْقُرْآن فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَالْبَاطِل : هُوَ الشَّيْطَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17090 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَقُلْ جَاءَ الْحَقّ } قَالَ : الْحَقّ : الْقُرْآن { وَزَهَقَ الْبَاطِل إِنَّ الْبَاطِل كَانَ زَهُوقًا } * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَقُلْ جَاءَ الْحَقّ } قَالَ : الْقُرْآن : { وَزَهَقَ الْبَاطِل } قَالَ : هَلَكَ الْبَاطِل وَهُوَ الشَّيْطَان . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِالْحَقِّ جِهَاد الْمُشْرِكِينَ وَبِالْبَاطِلِ الشِّرْك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17091 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { وَقُلْ جَاءَ الْحَقّ } قَالَ : دَنَا الْقِتَال { وَزَهَقَ الْبَاطِل } قَالَ : الشِّرْك وَمَا هُمْ فِيهِ . 17092 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ أَبِي مَعْمَر , عَنْ اِبْن مَسْعُود , قَالَ : دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة , وَحَوْل الْبَيْت ثَلَاث مِائَة وَسِتُّونَ صَنَمًا , فَجَعَلَ يَطْعَنهَا وَيَقُول : { جَاءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِل إِنَّ الْبَاطِل كَانَ زَهُوقًا } وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : أَمَرَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْبِر الْمُشْرِكِينَ أَنَّ الْحَقّ قَدْ جَاءَ , وَهُوَ كُلّ مَا كَانَ لِلَّهِ فِيهِ رِضَا وَطَاعَة , وَأَنَّ الْبَاطِل قَدْ زَهَقَ : يَقُول : وَذَهَبَ كُلّ مَا كَانَ لَا رِضَا لِلَّهِ فِيهِ وَلَا طَاعَة مِمَّا هُوَ لَهُ مَعْصِيَة وَلِلشَّيْطَانِ طَاعَة , وَذَلِكَ أَنَّ الْحَقّ هُوَ كُلّ مَا خَالَفَ طَاعَة إِبْلِيس , وَأَنَّ الْبَاطِل : هُوَ كُلّ مَا وَافَقَ طَاعَته , وَلَمْ يَخْصُصْ اللَّه عَزَّ ذِكْره بِالْخَبَرِ عَنْ بَعْض طَاعَاته , وَلَا ذَهَاب بَعْض مَعَاصِيه , بَلْ عَمَّ الْخَيْر عَنْ مَجِيء جَمِيع الْحَقّ , وَذَهَاب جَمِيع الْبَاطِل , وَبِذَلِكَ جَاءَ الْقُرْآن وَالتَّنْزِيل , وَعَلَى ذَلِكَ قَاتَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْل الشِّرْك بِاَللَّهِ , أَعْنِي عَلَى إِقَامَة جَمِيع الْحَقّ , وَإِبْطَال جَمِيع الْبَاطِل . وَأَمَّا قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { وَزَهَقَ الْبَاطِل } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : ذَهَبَ الْبَاطِل , مِنْ قَوْلهمْ : زَهَقَتْ نَفْسه : إِذَا خَرَجَتْ وَأَزْهَقْتهَا أَنَا ; وَمِنْ قَوْلهمْ : أَزْهَقَ السَّهْم : إِذَا جَاوَزَ الْغَرَض فَاسْتَمَرَّ عَلَى جِهَته , يُقَال مِنْهُ : زَهَقَ الْبَاطِل , يَزْهَق زَهُوقًا , وَأَزْهَقَهُ اللَّه : أَيْ أَذْهَبَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17093 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { إِنَّ الْبَاطِل كَانَ زَهُوقًا } يَقُول : ذَاهِبًا . '

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: روى البخاري والترمذي عن ابن مسعود قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يطعنها بمخصرة في يده - وربما قال بعود - ويقول : (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) لفظ الترمذي. وقال : هذا حديث حسن صحيح. وكذا في حديث مسلم (نصبا). وفي رواية (صنما). قال علماؤنا : إنما كانت بهذا العدد لأنهم كانوا يعظمون في يوم صنما ويخصون أعظمها بيومين. وقوله : (فجعل يطعنها بعود في يده) يقال إنها كانت مثبتة بالرصاص وأنه كلما طعن منها صنما في وجهه خر لقفاه، أو في قفاه خر لوجهه. وكان يقول : (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) حكاه أبو عمر والقاضي عياض. وقال القشيري : فما بقي منها صنم إلا خر لوجهه، ثم أمر بها فكسرت. الثانية: في هذه الآية دليل على كسر نصب المشركين وجميع الأوثان إذا غلب عليهم، ويخل بالمعنى كسر آلة الباطل كله، وما لا يصلح إلا لمعصية الله كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله تعالى. قال ابن المنذر : وفي معنى الأصنام الصور المتخذة من المدر والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا اللهو المنهي عنه. ولا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص، إذا غيرت عما هي عليه وصارت نقرا أو قطعا فيجوز بيعها والشراء بها. قال المهلب : وما كسر من آلات الباطل وكان في حبسها بعد كسرها منفعة فصاحبها أولى بها مكسورة؛ إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشديد والعقوبة في المال. وقد تقدم حرق ابن عمر رضي الله عنه. وقد هم النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق دور من تخلف عن صلاة الجماعة. وهذا أصل في العقوبة في المال مع قوله عليه السلام في الناقة التي لعنتها صاحبتها : (دعوها فإنها ملعونة) فأزال ملكها عنها تأديبا لصاحبتها، وعقوبة لها فيما دعت عليه بما دعت به. وقد أراق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبنا شيب بماء على صاحبه. الثالثة: ما ذكرنا من تفسير الآية ينظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم : (والله لينزلن عيسى بن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها) الحديث. خرجه الصحيحان. ومن هذا الباب هتك النبي صلى الله عليه وسلم الستر الذي فيه الصور، وذلك أيضا دليل على إفساد الصور وآلات الملاهي كما ذكرنا. وهذا كله يحظر المنع من اتخاذها ويوجب التغيير على صاحبها. إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم : أحيوا ما خلقتم؛ وحسبك! وسيأتي هذا المعنى في النمل إن شاء الله تعالى. قوله تعالى { وقل جاء الحق} أي الإسلام. وقيل : القرآن؛ قال مجاهد. وقيل : الجهاد. { وزهق الباطل} قيل الشرك. وقيل الشيطان؛ قاله مجاهد. والصواب تعميم اللفظ بالغاية الممكنة، فيكون التفسير جاء الشرع بجميع ما انطوى فيه. { وزهق الباطل} : بطل الباطل. ومن هذا زهوق النفس وهو بطلانها. يقال زهقت نفسه تزهق زهوقا، وأزهقتها. { إن الباطل كان زهوقا} أي لا بقاء له والحق الذي يثبت.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هكذا أطلقها الحق سبحانه شعاراً مُدوّياً { جَاءَ الحَقُّ.. } وما دام قال للرسول: { قُلْ } فلا بُدَّ أن الحق قادم لا شَكَّ فيه؛ لذلك أمره بهذه الأمر الصريح ولم يُوسْوسُه له، وبعد ذلك يقولها رسول الله في عام الفتح، وعندما دخل مكة فاتحاً وحوْلَ البيت ثلاثمائة وستون صنماً فيُكبكِبُهم جميعاً، وينادي: " جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وزهق الباطل، وما يبدئ الباطل وما يعيد ".

أي: جاء الحق واندحر الباطل، ولم يَعُدْ لديْه القوة التي يُبدِئ بها و يُعيد، فقد خَمدتْ قواه ولم يَبْقَ له صَوْلَة ولا كلمة.

وقوله تعالى: { جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ.. } [الإسراء: 81] يشعرنا بأن الحق أتي بنفسه؛ لأنه نسب المجيء إلى الحق كأنه أمر ذاتيّ فيه، فلم يأْتِ به أحد، وكذلك في: { وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ.. } [الإسراء: 81] فالباطل بطبيعته زاهق مُندحر ضعيف لا بقاءَ له. " ومن العجيب أن الحق الذي جاء على يد رسول الله في فتح مكة انتفع به حتى مَنْ لم يؤمن، ففي يوم الفتح تتجلى صورة من صور العظمة في دين الإسلام، حين يجمع رسول الله أهل مكة الذين عاندوا وتكبَّروا وأخرجوا رسول الله من أحب البلاد إليه، وها هو اليوم يدخلها منتصراً ويُوقِفهم أمامه ويقول: " ما تظنون أني فاعل بكم؟ " قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: " اذهبوا فأنتم الطلقاء " ".

إذن: جاء الحق ليس لاستعباد الناس، ولكن لراحتهم ورَفْع رؤوسهم. ومن الحق الذي أظل مكة بالفتح ما يُرْوَى أن واحداً دخل على النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة وأراد إيذاءه، وحينما وضع يده على رسول الله صلى الله عليه وسلم تبدَّل حاله وقال: فوالله لقد أقبلت عليه، وما في الأرض أبغض إليَّ منه، فحين وضعت يدي عنده فوالله ما في الأرض أحب إليَّ منه، وهكذا جاء الحق وزهق الباطل.

وقوله تعالى: { إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً } [الإسراء: 81]

زَهُوق صيغة مبالغة، فالباطل نفسه سريعاً ما يذهب ويندثر، ومن العَجَب أن ترى الباطل نفسه من جنود الله؛ لأن الباطل لو لم يُؤلم الناس ويُزعجهم ما تشوَّقوا للحق وما مالوا إليه، فإذا ما لدغهم الباطل واكتَووْا بناره عرفوا الحق.

وقد ضرب لنا الحق سبحانه وتعالى مثلاً للحق وللباطل، فقال:
{  أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ }
[الرعد: 17]

الحق سبحانه يُمثِّل للحق وللباطل بشيء حِسّيٍّ نراه حينما ينهمر المطر على قمم الجبال، فيسيل الماء على الأودية بين الجبال حاملاً معه صغار الحصى والرمال والقشِّ، وهذا هو الزَّبَد الذي يطفو على صفحة الماء ولا ينتفع الناس به، وهذا الماء مثالٌ للحق الذي ينفع الناس، والزَّبَد مثال للباطل الذي لا خَيْر فيه.

أو: يعطينا المثال في صورة أخرى: صورة الحداد أو الصائغ الذي يُوقِد النار على الذهب ليخرج منه ما علق به من شوائب.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ... }.


www.alro7.net