سورة
اية:

وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مرشداً للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين: { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} أي إذا واجهتموهم فاحصدوهم حصداً بالسيوف، { حتى إذا أثخنتموهم} أي أهلكتموهم قتلاً، { فشدوا الوثاق} الأسارى الذين تأسرونهم، ثم أنتم بعد انقضاء المعركة مخيرون في أمرهم، إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أساراهم مجاناً، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم، والظاهر أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن اللّه سبحانه وتعالى عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ ليأخذوا منهم الفداء فقال: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} ، ثم قد ادعى بعض العلماء أن الآية منسوخة بقوله تعالى: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} الآية، روي عن ابن عباس والضحّاك والسدي. وقال الأكثرون: ليست بمنسوخة، والإمام مخير بين المن على الأسير ومفاداته، وله أن يقتله إن شاء لحديث قتل النبي صلى اللّه عليه وسلم النضر بن الحارث و عقبة بن أبي معيط من أسارى بدر، وقال الشافعي رحمه اللّه: الإمام مخيَّر بين قتله أو المن عليه أو مفادته أو استرقاقه، وقوله عزَّ وجلَّ: { حتى تضع الحرب أوزارها} قال مجاهد: حتى ينزل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وكأنه أخذه من قوله صلى اللّه عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال). وهذا يقوي القول بعدم النسخ، كأنه شرع هذا الحكم في الحرب إلى أن يبقى لا حرب، وقال قتادة { حتى تضع الحرب أوزارها} حتى لا يبقى شرك، وهذا كقوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين للّه} ثم قال بعضهم: حتى تضع الحرب أوزارها أي أوزار المحاربين وهم المشركون بأن يتوبوا إلى اللّه عزَّ وجلَّ، وقيل: أوزار أهلها بأن يبذلوا الوسع في طاعة اللّه تعالى، وقوله عزَّ وجلَّ: { ذلك ولو يشاء اللّه لانتصر منهم} أي هذا ولو شاء اللّه لانتقم من الكافرين بعقوبة ونكال من عنده { ولكن ليبلوا بعضكم ببعض} أي ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء، ليختبركم ويبلو أخباركم، كما ذكر حكمته في شرعية الجهاد في قوله تعالى { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم اللّه الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} . وقال تعالى: { قاتلوهم يعذبهم اللّه بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} ، ثم لما كان من شأن القتال أن يقتل كثير من المؤمنين قال: { والذين قتلوا في سبيل اللّه فلن يضل أعمالهم} أي لن يذهبها بل يكثرها وينميها ويضاعفها، ومنهم من يجري عليه عمله طول برزخه، كما ورد بذلك الحديث عن المقدام بن معد يكرب الكِنْدي رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن للشهيد عند اللّه ست خصال: أن يغفر له في أول دفقة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار مرصع بالدر والياقوت، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه) ""أخرجه أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه"". وفي صحيح مسلم عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين) ""أخرجه مسلم في صحيحه"". وفي الصحيح: (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته) ""أخرجه أبو داود عن أبي الدرداء مرفوعاً""، والأحاديث في فضل الشهيد كثيرة جداً. وقوله تبارك وتعالى: { سيهديهم} أي إلى الجنة { ويصلح بالهم} أي أمرهم وحالهم، { ويدخلهم الجنة عرفها لهم} أي عرفهم بها وهداهم إليها، قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم اللّه لهم منها، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، وقال محمد بن كعب: يعرفون بيوتهم إذا دخلوا الجنة كما تعرفون بيوتكم إذا انصرفتم من الجمعة، وقال مقاتل: بلغنا أن الملك الذي كان وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة، ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه اللّه تعالى في الجنة، فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة دخل إلى منزله وأزواجه وانصرف الملك عنه، وقد ورد في الحديث الصحيح بذلك عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار يتقاضون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا ذهبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا) ""أخرجه البخاري في صحيحه""، ثم قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا اللّه ينصركم ويثبت أقدامكم} ، كقوله عزَّ وجلَّ: { ولينصرن اللّه من ينصره} فإن الجزاء من جنس العمل، ولهذا قال تعالى: { ويثبت أقدامكم} ، كما جاء في الحديث: (من بلّغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثّبت اللّه تعالى قدميه على الصراط يوم القيامة)، ثم قال تبارك وتعالى: { والذين كفروا فتعساً لهم} عكس تثبيت الأقدام للمؤمنين. وقد ثبت في الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) أي فلا شفاه اللّه عزَّ وجلَّ، وقوله سبحانه وتعالى: { وأضل أعمالهم} أي أحبطها وأبطلها، ولهذا قال: { ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل اللّه} أي لا يريدونه ولا يحبونه { فأحبط أعمالهم} .

تفسير الجلالين

{ والذين كفروا } من أهل مكة مبتدأ خبره تعسوا يدل عليه { فتعسا لهم } أي هلاكا وخيبة من الله { وأضل أعمالهم } عطف على تعسوا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا } بِاَللَّهِ , فَجَحَدُوا تَوْحِيده { فَتَعْسًا لَهُمْ } يَقُول : فَخِزْيًا لَهُمْ وَشَقَاء وَبَلَاء . كَمَا : 24271 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ } قَالَ : شَقَاء لَهُمْ . وَقَوْله : { وَأَضَلَّ أَعْمَالهمْ } يَقُول وَجَعَلَ أَعْمَالهمْ مَعْمُولَة عَلَى غَيْر هُدًى وَلَا اِسْتِقَامَة , لِأَنَّهَا عُمِلَتْ فِي طَاعَة الشَّيْطَان , لَا فِي طَاعَة الرَّحْمَن . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24272 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَأَضَلَّ أَعْمَالهمْ } قَالَ : الضَّلَالَة الَّتِي أَضَلَّهُمْ اللَّه لَمْ يَهْدِهِمْ كَمَا هَدَى الْآخَرِينَ , فَإِنَّ الضَّلَالَة الَّتِي أَخْبَرَك اللَّه : يُضِلّ مَنْ يَشَاء , وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء ; قَالَ : وَهَؤُلَاءِ مِمَّنْ جُعِلَ عَمَله ضَلَالًا , وَرَدَّ قَوْله : { وَأَضَلَّ أَعْمَالهمْ } عَلَى قَوْله : { فَتَعْسًا لَهُمْ } وَهُوَ فِعْل مَاضٍ , وَالتَّعْس اِسْم , لِأَنَّ التَّعْس وَإِنْ كَانَ اِسْمًا فَفِي مَعْنَى الْفِعْل لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الدُّعَاء , فَهُوَ بِمَعْنَى : أَتْعَسَهُمْ اللَّه , فَلِذَلِكَ صَلُحَ رَدّ أَضَلَّ عَلَيْهِ , لِأَنَّ الدُّعَاء يَجْرِي مَجْرَى الْأَمْر وَالنَّهْي , وَكَذَلِكَ قَوْله : { حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاق } 47 4 مَرْدُودَة عَلَى أَمْر مُضْمَر نَاصِب لِضَرْب . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا } بِاَللَّهِ , فَجَحَدُوا تَوْحِيده { فَتَعْسًا لَهُمْ } يَقُول : فَخِزْيًا لَهُمْ وَشَقَاء وَبَلَاء . كَمَا : 24271 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ } قَالَ : شَقَاء لَهُمْ . وَقَوْله : { وَأَضَلَّ أَعْمَالهمْ } يَقُول وَجَعَلَ أَعْمَالهمْ مَعْمُولَة عَلَى غَيْر هُدًى وَلَا اِسْتِقَامَة , لِأَنَّهَا عُمِلَتْ فِي طَاعَة الشَّيْطَان , لَا فِي طَاعَة الرَّحْمَن . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24272 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَأَضَلَّ أَعْمَالهمْ } قَالَ : الضَّلَالَة الَّتِي أَضَلَّهُمْ اللَّه لَمْ يَهْدِهِمْ كَمَا هَدَى الْآخَرِينَ , فَإِنَّ الضَّلَالَة الَّتِي أَخْبَرَك اللَّه : يُضِلّ مَنْ يَشَاء , وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء ; قَالَ : وَهَؤُلَاءِ مِمَّنْ جُعِلَ عَمَله ضَلَالًا , وَرَدَّ قَوْله : { وَأَضَلَّ أَعْمَالهمْ } عَلَى قَوْله : { فَتَعْسًا لَهُمْ } وَهُوَ فِعْل مَاضٍ , وَالتَّعْس اِسْم , لِأَنَّ التَّعْس وَإِنْ كَانَ اِسْمًا فَفِي مَعْنَى الْفِعْل لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الدُّعَاء , فَهُوَ بِمَعْنَى : أَتْعَسَهُمْ اللَّه , فَلِذَلِكَ صَلُحَ رَدّ أَضَلَّ عَلَيْهِ , لِأَنَّ الدُّعَاء يَجْرِي مَجْرَى الْأَمْر وَالنَّهْي , وَكَذَلِكَ قَوْله : { حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاق } 47 4 مَرْدُودَة عَلَى أَمْر مُضْمَر نَاصِب لِضَرْب . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { والذين كفروا فتعسا لهم} يحتمل، الرفع على الابتداء، والنصب بما يفسره { فتعسا لهم} كأنه قال : أتعس الذين كفروا. و { تعسا لهم } نصب على المصدر بسبيل الدعاء، قاله الفراء، مثل سقيا له ورعيا. وهو نقيض لعا له. قال الأعشى : فالتعس أولى لها من أن أقول لعا وفيه عشرة أقوال : الأول : بعدا لهم، قاله ابن عباس وابن جريج. الثاني : حزنا لهم، قاله السدي. الثالث : شقاء لهم، قال ابن زيد. الرابع : شتما لهم من الله، قاله الحسن. الخامس : هلاكا لهم، قال ثعلب. السادس : خيبة لهم، قاله الضحاك وابن زيد. السابع : قبحا لهم، حكاه النقاش. الثامن : رغما لهم، قاله الضحاك أيضا. التاسع : شرا لهم، قاله ثعلب أيضا. العاشر : شقوة لهم، قال أبو العالية. وقيل : إن التعس الانحطاط والعثار. قال ابن السكيت : التعس أن يخر على وجهه. والنكس أن يخر على رأسه. قال : والتعس أيضا الهلاك. قال الجوهري : وأصله الكب، وهو ضد الانتعاش. وقد تعس بفتح العين يتعس تعسا، وأتعسه الله. قال مجمع بن هلال : تقول وقد أفردتها من خليلها ** تعست كما أتعستني يا مجمع يقال : تعسا لفلان، أي ألزمه الله هلاكا. قال القشيري : وجوز قوم تعس بكسر العين قلت : ومنه حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض) خرجه البخاري في بعض طرق هذا الحديث (تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش) خرجه ابن ماجة. قوله تعالى { وأضل أعمالهم} أي أبطلها لأنها كانت في طاعة الشيطان. ودخلت الفاء في قوله { فتعسا} لأجل الإبهام الذي في { الذين} ، وجاء { وأضل أعمالهم} على الخبر حملا على لفظ الذين، لأنه خبر في اللفظ، فدخول الفاء حملا على المعنى، { وأضل} حملا على اللفظ.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة محمد الايات 3 - 15

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا هو المقابل، فبعد أنْ ذكر المؤمنين ووعدهم بالنصرة ذكر الكافرين وما يحل بهم من التعس، والتعس هو الانكباب على الوجه الذي هو أشرف ما في الإنسان، لذلك في التعبير عن الذلة والانكسار يقولون: مرَّغ أنفه في التراب.

إذن: { فَتَعْساً لَّهُمْ... } [محمد: 8] يعني: ذلة أو هلاكاً لهم، وإهانة الوجه هي أشد ما يمكن أن يُهانَ به المرء، لذلك قال سبحانه:
{  فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ... }
[الإسراء: 7].

وقوله: { وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } [محمد: 8] أحبطها وأبطلها بحيث لا فائدة منها، لأنهم ما عملوها لله.

والمراد أن أعمالهم الطيبة تذهب هَباء لا يستفيدون منها بشيء:
{  وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }
[النور: 39].


www.alro7.net