سورة
اية:

عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب، أي تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين ويعلون علواً كبيراً، أي يتجبرون ويطغون ويفجرون على الناس، كقوله تعالى: { وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} أي تقدمنا إليه وأخبرناه بذلك وأعلمناه به. وقوله: { فإذا جاء وعد أولاهما} أي أولى الإفسادتين { بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد} أي سلَّطنا عليكم جنداً من خلقنا أولي بأس شديد، أي قوة وعدة وسلطنة شديدة، { فجاسوا خلال الديار} أي تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي بينها ووسطها ذاهبين وجائين لا يخافون أحداً، { وكان وعدا مفعولا} . وقد اختلف المفسرون في هؤلاء المسلطين عليهم من هم؟ فعن ابن عباس وقتادة: أنه جالوت وجنوده سلط عليهم أولاً ثم أديلوا عليه بعد ذلك؛ وقتل داود جالوت، ولهذا قال: { ثم رددنا لكم الكرة عليهم} الآية. وعن سعيد بن جبير وعن غيره أنه بختنصر ملك بابل. وقد أخبر اللّه عنهم أنهم لما طغوا وبغوا سلط اللّه عليهم عدّوهم فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقاً { وما ربك بظلام للعبيد} ، فإنهم كانوا قد تمردوا، وقتلوا خلقاً من الأنبياء والعلماء. وقد روى ابن جرير، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ظهر بختنصر على الشام فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دماً يغلي على كبا، فسألهم ما هذا الدم؟ فقالوا: أدركنا آباءنا على هذا، قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفاً من المسلمين وغيرهم، فسكن. وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب وهذا هو المشهور. وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم، حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ معه منهم خلقاً كثيراً أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها، ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه لجاز كتابته وروايته واللّه أعلم. ثم قال تعالى: { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} أي فعليها، كما قال تعالى: { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها} ، وقوله: { فإذا جاء وعد الآخرة} قال مجاهد: بعث عليهم بختنصر في الآخرة، كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم. وقوله: { عبادا لنا} قال ابن عباس وقتادة: بعث اللّه عليهم جالوت، أخرجه ابن أبي حاتم، وفي العجائب للكرماني: قيل هم سنحاريب وجنوده. وقيل: العمالقة، وقيل: قوم مؤمنون أي الكرة الآخرة، أي إذا أفسدتم الكرة الثانية وجاء أعداؤكم { ليسوءوا وجوهكم} : أي يهينوكم ويقهروكم، { وليدخلوا المسجد} أي بيت المقدس { كما دخلوه أول مرة} : أي في التي جاسوا فيها خلال الديار، { وليتبروا} : أي يدمروا ويخربوا { ما علوا} أي ما ظهروا عليه { تتبيرا . عسى ربكم أن يرحمكم} : أي فيصرفهم عنكم، { وإن عدتم عدنا} أي متى عدتم إلى الإفساد عدنا إلى الإدالة عليكم في الدنيا مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال، ولهذا قال: { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} أي مستقراً ومحصراً وسجناً لا محيد عنه. قال ابن عباس { حصيرا} أي سجناً. وقال الحسن: فراشاً ومهاداً، وقال قتادة: قد عاد بنو إسرائيل فسلط اللّه عليهم هذا الحي محمد صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون.

تفسير الجلالين

وقلنا في الكتاب { عسى ربكم أن يرحمكم } بعد المرة الثانية إن تبتم { وإن عدتم } إلى الفساد { عدنا } إلى العقوبة وقد عادوا بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم فسلط عليهم بقتل قريظة ونفي النضير وضرب الجزية عليهم { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } محبسا وسجنا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَعَلَّ رَبّكُمْ يَا بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَرْحَمكُمْ بَعْد اِنْتِقَامه مِنْكُمْ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ يَبْعَثهُمْ اللَّه عَلَيْكُمْ لِيَسُوءَ مَبْعَثه عَلَيْكُمْ وُجُوهكُمْ , وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّل مَرَّة , فَيَسْتَنْقِذكُمْ مِنْ أَيْدِيهمْ , وَيَنْتَشِلكُمْ مِنْ الذُّلّ الَّذِي يَحِلّهُ بِكُمْ , وَيَرْفَعكُمْ مِنْ الْخُمُولَة الَّتِي تَصِيرُونَ إِلَيْهَا , فَيَعِزّكُمْ بَعْد ذَلِكَ . " وَعَسَى " مِنْ اللَّه : وَاجِب . وَفَعَلَ اللَّه ذَلِكَ بِهِمْ , فَكَثَّرَ عَدَدهمْ بَعْد ذَلِكَ , وَرَفَعَ خَسَاسَتهمْ , وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْمُلُوك وَالْأَنْبِيَاء , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ : وَإِنْ عُدْتُمْ يَا مَعْشَر بَنِي إِسْرَائِيل لِمَعْصِيَتِي وَخِلَاف أَمْرِي , وَقَتْل رُسُلِي , عُدْنَا عَلَيْكُمْ بِالْقَتْلِ وَالسِّبَاء , وَإِحْلَال الذُّلّ وَالصِّغَار بِكُمْ , فَعَادُوا , فَعَادَ اللَّه عَلَيْهِمْ بِعِقَابِهِ وَإِحْلَال سَخَطه بِهِمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16682 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن عَطِيَّة , عَنْ عُمَر بْن ثَابِت , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } قَالَ : عَادُوا فَعَادَ , ثُمَّ عَادُوا فَعَادَ , ثُمَّ عَادُوا فَعَادَ . قَالَ : فَسَلَّطَ اللَّه عَلَيْهِمْ ثَلَاثَة مُلُوك مِنْ مُلُوك فَارِس : سندبادان وشهربادان وَآخَر . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعْد الْأُولَى وَالْآخِرَة : { عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } قَالَ : فَعَادُوا فَسَلَّطَ اللَّه عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنِينَ . 16683 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ { عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ } فَعَادَ اللَّه عَلَيْهِمْ بِعَائِدَتِهِ وَرَحْمَته { وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } قَالَ : عَادَ الْقَوْم بِشَرِّ مَا يَحْضُرهُمْ , فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَث مِنْ نِقْمَته وَعُقُوبَته . ثُمَّ كَانَ خِتَام ذَلِكَ أَنْ بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْعَرَب , فَهُمْ فِي عَذَاب مِنْهُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ; قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَة أُخْرَى { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبّك لِيَبْعَثَن عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة } . ... 7 167 الْآيَة , فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْعَرَب . 16684 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ { عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } فَعَادُوا , فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَهُمْ يُعْطُونَ الْجِزْيَة عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ . 16685 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ } قَالَ بَعْد هَذَا { وَإِنْ عُدْتُمْ } لِمَا صَنَعْتُمْ لِمِثْلِ هَذَا مِنْ قَتْل يَحْيَى وَغَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء { عُدْنَا } إِلَيْكُمْ بِمِثْلِ هَذَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَعَلَّ رَبّكُمْ يَا بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَرْحَمكُمْ بَعْد اِنْتِقَامه مِنْكُمْ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ يَبْعَثهُمْ اللَّه عَلَيْكُمْ لِيَسُوءَ مَبْعَثه عَلَيْكُمْ وُجُوهكُمْ , وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّل مَرَّة , فَيَسْتَنْقِذكُمْ مِنْ أَيْدِيهمْ , وَيَنْتَشِلكُمْ مِنْ الذُّلّ الَّذِي يَحِلّهُ بِكُمْ , وَيَرْفَعكُمْ مِنْ الْخُمُولَة الَّتِي تَصِيرُونَ إِلَيْهَا , فَيَعِزّكُمْ بَعْد ذَلِكَ . " وَعَسَى " مِنْ اللَّه : وَاجِب . وَفَعَلَ اللَّه ذَلِكَ بِهِمْ , فَكَثَّرَ عَدَدهمْ بَعْد ذَلِكَ , وَرَفَعَ خَسَاسَتهمْ , وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْمُلُوك وَالْأَنْبِيَاء , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ : وَإِنْ عُدْتُمْ يَا مَعْشَر بَنِي إِسْرَائِيل لِمَعْصِيَتِي وَخِلَاف أَمْرِي , وَقَتْل رُسُلِي , عُدْنَا عَلَيْكُمْ بِالْقَتْلِ وَالسِّبَاء , وَإِحْلَال الذُّلّ وَالصِّغَار بِكُمْ , فَعَادُوا , فَعَادَ اللَّه عَلَيْهِمْ بِعِقَابِهِ وَإِحْلَال سَخَطه بِهِمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16682 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن عَطِيَّة , عَنْ عُمَر بْن ثَابِت , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } قَالَ : عَادُوا فَعَادَ , ثُمَّ عَادُوا فَعَادَ , ثُمَّ عَادُوا فَعَادَ . قَالَ : فَسَلَّطَ اللَّه عَلَيْهِمْ ثَلَاثَة مُلُوك مِنْ مُلُوك فَارِس : سندبادان وشهربادان وَآخَر . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعْد الْأُولَى وَالْآخِرَة : { عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } قَالَ : فَعَادُوا فَسَلَّطَ اللَّه عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنِينَ . 16683 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ { عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ } فَعَادَ اللَّه عَلَيْهِمْ بِعَائِدَتِهِ وَرَحْمَته { وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } قَالَ : عَادَ الْقَوْم بِشَرِّ مَا يَحْضُرهُمْ , فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَث مِنْ نِقْمَته وَعُقُوبَته . ثُمَّ كَانَ خِتَام ذَلِكَ أَنْ بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْعَرَب , فَهُمْ فِي عَذَاب مِنْهُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ; قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَة أُخْرَى { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبّك لِيَبْعَثَن عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة } . ... 7 167 الْآيَة , فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْعَرَب . 16684 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ { عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } فَعَادُوا , فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَهُمْ يُعْطُونَ الْجِزْيَة عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ . 16685 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ } قَالَ بَعْد هَذَا { وَإِنْ عُدْتُمْ } لِمَا صَنَعْتُمْ لِمِثْلِ هَذَا مِنْ قَتْل يَحْيَى وَغَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء { عُدْنَا } إِلَيْكُمْ بِمِثْلِ هَذَا . ' وَقَوْله : { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ سِجْنًا يُسْجَنُونَ فِيهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16686 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَسْعَدَة , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِي عِمْرَان { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } قَالَ : سِجْنًا . 16687 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } يَقُول : جَعَلَ اللَّه مَأْوَاهُمْ فِيهَا . 16688 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } قَالَ : مُحْبَسًا حَصُورًا . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } يَقُول : سِجْنًا . 16689 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { حَصِيرًا } قَالَ : يُحْصَرُونَ فِيهَا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } قَالَ : يُحْصَرُونَ فِيهَا . 16690 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } سِجْنًا يُسْجَنُونَ فِيهَا حُصِرُوا فِيهَا . * - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنْي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } يَقُول : سِجْنًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ فِرَاشًا وَمِهَادًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16691 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : قَالَ الْحَسَن : الْحَصِير : فِرَاش وَمِهَاد . وَذَهَبَ الْحَسَن بِقَوْلِهِ هَذَا إِلَى أَنَّ الْحَصِير فِي هَذَا الْمَوْضِع عُنِيَ بِهِ الْحَصِير الَّذِي يُبْسَط وَيُفْتَرَش , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب تُسَمِّي الْبِسَاط الصَّغِير حَصِيرًا , فَوَجَّهَ الْحَسَن مَعْنَى الْكَلَام إِلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ بِهِ بِسَاطًا وَمِهَادًا , كَمَا قَالَ : { لَهُمْ مِنْ جَهَنَّم مِهَاد وَمِنْ فَوْقهمْ غَوَاشٍ } 7 41 وَهُوَ وَجْه حَسَن وَتَأْوِيل صَحِيح . وَأَمَّا الْآخَرُونَ , فَوَجَّهُوهُ إِلَى أَنَّهُ فَعِيل . مِنْ الْحَصْر الَّذِي هُوَ الْحَبْس . وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي سُورَة الْبَقَرَة , وَقَدْ تُسَمِّي الْعَرَب الْمُلْك حَصِيرًا بِمَعْنَى أَنَّهُ مَحْصُور : أَيْ مَحْجُوب عَنْ النَّاس , كَمَا قَالَ لَبِيد : وَمَقَامَة غُلْب الرِّقَاب كَأَنَّهُمْ جِنّ لَدَى بَاب الْحَصِير قِيَام يَعْنِي بِالْحَصِيرِ : الْمُلْك , وَيُقَال لِلْبَخِيلِ : حَصُور وَحَصِر : لِمَنْعِهِ مَا لَدَيْهِ مِنْ الْمَال عَنْ أَهْل الْحَاجَة , وَحَبْسه إِيَّاهُ عَنْ النَّفَقَة , كَمَا قَالَ الْأَخْطَل : وَشَارِب مُرْبِح بِالْكَأْسِ نَادَمَنِي لَا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَوَّارِ وَيُرْوَى : بِسَآَّرِ . وَمِنْهُ الْحَصْر فِي الْمَنْطِق لِامْتِنَاعِ ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَاحْتِبَاسه إِذَا أَرَادَهُ . وَمِنْهُ أَيْضًا الْحَصُور عَنْ النِّسَاء لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَامْتِنَاعه مِنْ الْجِمَاع , وَكَذَلِكَ الْحَصْر فِي الْغَائِط : اِحْتِبَاسه عَنْ الْخُرُوج , وَأَصْل ذَلِكَ كُلّه وَاحِد وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظه . فَأَمَّا الْحَصِيرَانِ : فَالْجَنْبَانِ , كَمَا قَالَ الطِّرِمَّاح : قَلِيلًا تَتَلَّى حَاجَة ثُمَّ عُولِيَتْ عَلَى كُلّ مَفْرُوش الْحَصِيرَيْنِ بَادِن يَعْنِي بِالْحَصِيرَيْنِ : الْجَنْبَيْنِ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : مَعْنَى ذَلِكَ : { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } فِرَاشًا وَمِهَادًا لَا يُزَايِلهُ ; مِنْ الْحَصِير الَّذِي بِمَعْنَى الْبِسَاط , لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ جَامِعًا مَعْنَى الْحَبْس وَالِامْتِهَاد , مَعَ أَنَّ الْحَصِير بِمَعْنَى الْبِسَاط فِي كَلَام الْعَرَب أَشْهَر مِنْهُ بِمَعْنَى الْحَبْس , وَأَنَّهَا إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَصِف شَيْئًا بِمَعْنَى حَبْس شَيْء , فَإِنَّمَا تَقُول : هُوَ لَهُ حَاصِر أَوْ مُحْصِر ; فَأَمَّا الْحَصِير فَغَيْر مَوْجُود فِي كَلَامهمْ , إِلَّا إِذَا وَصَفْته بِأَنَّهُ مَفْعُول بِهِ , فَيَكُون فِي لَفْظ فَعِيل , وَمَعْنَاهُ مَفْعُول بِهِ ; أَلَا تَرَى بَيْت لَبِيد : لَدَى بَاب الْحَصِير ؟ فَقَالَ : لَدَى بَاب الْحَصِير , لِأَنَّهُ أَرَادَ : لَدَى بَاب الْمَحْصُور , فَصَرَفَ مَفْعُولًا إِلَى فَعِيل . فَأَمَّا فَعِيلَ فِي الْحَصْر بِمَعْنَى وَصَفَهُ بِأَنَّهُ الْحَاصِر . فَذَلِكَ مَا لَا نَجِدهُ فِي كَلَام الْعَرَب , فَلِذَلِكَ قُلْت : قَوْل الْحَسَن أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة أَنَّ ذَلِكَ جَائِز , وَلَا أَعْلَم لِمَا قَالَ وَجْهًا يَصِحّ إِلَّا بَعِيدًا وَهُوَ أَنْ يُقَال : جَاءَ حَصِير بِمَعْنَى حَاصِر , كَمَا قِيلَ : عَلِيم بِمَعْنَى عَالِم , وَشَهِيد بِمَعْنَى شَاهِد , وَلَمْ يُسْمَع ذَلِكَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْحَاصِر كَمَا سَمِعْنَا فِي عَالِم وَشَاهِد .وَقَوْله : { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ سِجْنًا يُسْجَنُونَ فِيهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16686 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَسْعَدَة , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِي عِمْرَان { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } قَالَ : سِجْنًا . 16687 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } يَقُول : جَعَلَ اللَّه مَأْوَاهُمْ فِيهَا . 16688 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } قَالَ : مُحْبَسًا حَصُورًا . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } يَقُول : سِجْنًا . 16689 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { حَصِيرًا } قَالَ : يُحْصَرُونَ فِيهَا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } قَالَ : يُحْصَرُونَ فِيهَا . 16690 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } سِجْنًا يُسْجَنُونَ فِيهَا حُصِرُوا فِيهَا . * - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنْي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } يَقُول : سِجْنًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ فِرَاشًا وَمِهَادًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16691 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : قَالَ الْحَسَن : الْحَصِير : فِرَاش وَمِهَاد . وَذَهَبَ الْحَسَن بِقَوْلِهِ هَذَا إِلَى أَنَّ الْحَصِير فِي هَذَا الْمَوْضِع عُنِيَ بِهِ الْحَصِير الَّذِي يُبْسَط وَيُفْتَرَش , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب تُسَمِّي الْبِسَاط الصَّغِير حَصِيرًا , فَوَجَّهَ الْحَسَن مَعْنَى الْكَلَام إِلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ بِهِ بِسَاطًا وَمِهَادًا , كَمَا قَالَ : { لَهُمْ مِنْ جَهَنَّم مِهَاد وَمِنْ فَوْقهمْ غَوَاشٍ } 7 41 وَهُوَ وَجْه حَسَن وَتَأْوِيل صَحِيح . وَأَمَّا الْآخَرُونَ , فَوَجَّهُوهُ إِلَى أَنَّهُ فَعِيل . مِنْ الْحَصْر الَّذِي هُوَ الْحَبْس . وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي سُورَة الْبَقَرَة , وَقَدْ تُسَمِّي الْعَرَب الْمُلْك حَصِيرًا بِمَعْنَى أَنَّهُ مَحْصُور : أَيْ مَحْجُوب عَنْ النَّاس , كَمَا قَالَ لَبِيد : وَمَقَامَة غُلْب الرِّقَاب كَأَنَّهُمْ جِنّ لَدَى بَاب الْحَصِير قِيَام يَعْنِي بِالْحَصِيرِ : الْمُلْك , وَيُقَال لِلْبَخِيلِ : حَصُور وَحَصِر : لِمَنْعِهِ مَا لَدَيْهِ مِنْ الْمَال عَنْ أَهْل الْحَاجَة , وَحَبْسه إِيَّاهُ عَنْ النَّفَقَة , كَمَا قَالَ الْأَخْطَل : وَشَارِب مُرْبِح بِالْكَأْسِ نَادَمَنِي لَا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَوَّارِ وَيُرْوَى : بِسَآَّرِ . وَمِنْهُ الْحَصْر فِي الْمَنْطِق لِامْتِنَاعِ ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَاحْتِبَاسه إِذَا أَرَادَهُ . وَمِنْهُ أَيْضًا الْحَصُور عَنْ النِّسَاء لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَامْتِنَاعه مِنْ الْجِمَاع , وَكَذَلِكَ الْحَصْر فِي الْغَائِط : اِحْتِبَاسه عَنْ الْخُرُوج , وَأَصْل ذَلِكَ كُلّه وَاحِد وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظه . فَأَمَّا الْحَصِيرَانِ : فَالْجَنْبَانِ , كَمَا قَالَ الطِّرِمَّاح : قَلِيلًا تَتَلَّى حَاجَة ثُمَّ عُولِيَتْ عَلَى كُلّ مَفْرُوش الْحَصِيرَيْنِ بَادِن يَعْنِي بِالْحَصِيرَيْنِ : الْجَنْبَيْنِ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : مَعْنَى ذَلِكَ : { وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } فِرَاشًا وَمِهَادًا لَا يُزَايِلهُ ; مِنْ الْحَصِير الَّذِي بِمَعْنَى الْبِسَاط , لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ جَامِعًا مَعْنَى الْحَبْس وَالِامْتِهَاد , مَعَ أَنَّ الْحَصِير بِمَعْنَى الْبِسَاط فِي كَلَام الْعَرَب أَشْهَر مِنْهُ بِمَعْنَى الْحَبْس , وَأَنَّهَا إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَصِف شَيْئًا بِمَعْنَى حَبْس شَيْء , فَإِنَّمَا تَقُول : هُوَ لَهُ حَاصِر أَوْ مُحْصِر ; فَأَمَّا الْحَصِير فَغَيْر مَوْجُود فِي كَلَامهمْ , إِلَّا إِذَا وَصَفْته بِأَنَّهُ مَفْعُول بِهِ , فَيَكُون فِي لَفْظ فَعِيل , وَمَعْنَاهُ مَفْعُول بِهِ ; أَلَا تَرَى بَيْت لَبِيد : لَدَى بَاب الْحَصِير ؟ فَقَالَ : لَدَى بَاب الْحَصِير , لِأَنَّهُ أَرَادَ : لَدَى بَاب الْمَحْصُور , فَصَرَفَ مَفْعُولًا إِلَى فَعِيل . فَأَمَّا فَعِيلَ فِي الْحَصْر بِمَعْنَى وَصَفَهُ بِأَنَّهُ الْحَاصِر . فَذَلِكَ مَا لَا نَجِدهُ فِي كَلَام الْعَرَب , فَلِذَلِكَ قُلْت : قَوْل الْحَسَن أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة أَنَّ ذَلِكَ جَائِز , وَلَا أَعْلَم لِمَا قَالَ وَجْهًا يَصِحّ إِلَّا بَعِيدًا وَهُوَ أَنْ يُقَال : جَاءَ حَصِير بِمَعْنَى حَاصِر , كَمَا قِيلَ : عَلِيم بِمَعْنَى عَالِم , وَشَهِيد بِمَعْنَى شَاهِد , وَلَمْ يُسْمَع ذَلِكَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْحَاصِر كَمَا سَمِعْنَا فِي عَالِم وَشَاهِد .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { عسى ربكم أن يرحمكم} وهذا مما أخبروا به في كتابهم. و { عسى} وعد من الله أن يكشف عنهم. و { عسى} من الله واجبة. { أن يرحمكم} بعد انتقامه منكم، وكذلك كان؛ فكثر عددهم وجعل منهم الملوك. { وإن عدتم عدنا} قال قتادة : فعادوا فبعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم؛ فهم يعطون الجزية بالصغار؛ وروي عن ابن عباس. وهذا خلاف ما تقدم في الحديث وغيره 0 وقال القشيري : وقد حل العقاب ببني إسرائيل مرتين على أيدي الكفار، ومرة على أيدي المسلمين. وهذا حين عادوا فعاد الله عليهم. وعلى هذا يصح قول قتادة. { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} أي محبسا وسجنا، من الحصر وهو الحبس. قال الجوهري : يقال حصره يحصره حصرا ضيق عليه وأحاط به. والحصير : الضيق البخيل. والحصير : البارية. والحصير : الجنب، قال الأصمعي : هو ما بين العرق الذي يظهر في جنب البعير والفرس معترضا فما فوقه إلى منقطع الجنب. والحصير : الملك؛ لأنه محجوب. قال لبيد : وقماقم غلب الرقاب كأنهم ** جن لدى باب الحصير قيام ويروى : ومقامة غلب الرقاب... على أن يكون (غلب) به لا من (مقامة) كأنه قال : ورب غلب الرقاب. وروي عن أبي عبيدة : ... لدى طرف الحصير قيام أي عند طرف البساط للنعمان بن المنذر. والحصير : المحبس؛ قال الله تعالى { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} . قال القشيري : ويقال للذي يفرش حصير؛ لحصر بعضه على بعض بالنسج. وقال الحسن : أي فراشا ومهادا؛ ذهب إلى الحصير الذي يفرش، لأن العرب تسمي البساط الصغير حصيرا. قال الثعلبي : وهو وجه حسن.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الاسراء الايات 7 - 9

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

و(عَسَى) حَرْف يدلّ على الرجاء، وكأن في الآية إشارةً إلى أنهم سيظلون في مذلّة ومَسْكنة، ولن ترتفع لهم رأس إلا في ظِلِّ حبل من الله وعَهْد منه، وحبل من الناس الذين يُعاهدونهم على النُّصْرة والتأييد والحماية.

وقوله: { رَبُّكُمْ.. } [الإسراء: 8]

انظر فيه إلى العظمة الإلهية، ورحمة الرب سبحانه الذي ما يزال يخاطب الكافرين الملحدين المعاندين لرسوله، وهو آخر رسول يأتي من السماء، ومع ذلك كله يخاطبهم بقوله: { رَبُّكُمْ.. } [الإسراء: 8]

لأن الربّ هو المتولّي للتربية والمتكفّل بضمان مُقومات الحياة، لا يضنّ بها حتى وإنْ كان العبد كافراً، فالكلُّ أمام عطاء الربوبية سواء: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي.

الجميع يتمتع بِنعَم الله: الشمس والهواء والطعام والشراب، فهو سبحانه لا يزال ربهم مع كل ما حدث منهم.

وقوله تعالى: { أَن يَرْحَمَكُمْ.. } [الإسراء: 8]

والرحمة تكون للإنسان إذا كان في موقف يستحق فيه الرحمة، واليهود لن تكون لهم دولة، ولن يكون لهم كيان، بل يعيشون في حِضْن الرحمة الإيمانية الإسلامية التي تُعطي لهم فرصة التعايش مع الإسلام معايشة، كالتي كانت لهم في مدينة رسول الله، يوم أن أكرمهم وتعاهد معهم.

وقد وصلتْ هذه المعايشة لدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أنْ يقترضَ لا يقترض من مسلم، بل كان يقترض من اليهود، وفي هذا حكمة يجب أنْ نعيهَا، وهي أن المسلم قد يستحي أن يطالب رسول الله إذا نسى مثلاً، أما اليهودي فسوف يُلِحّ في طلب حقِّه وإذا نسى رسول الله سَيُذكّره.

لذلك كان اليهود كثيراً ما يجادلون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُغالطونه مِرَاراً، وقد حدث أن وفَّى رسول الله لأحدهم دَيْنه، لكنه أنكره وأتى يطالب به من جديد، وأخذ يراجع رسول الله ويغالطه وينكر ويقول: ابْغِني شاهداً.

ولم يكن لرسول الله شاهد وقت السداد، وهكذا تأزّم الموقف في حضور أحد الصحابة، واسمه خزيمة، فهَبَّ خزيمة قائلاً: أنا يا رسول الله كنت شاهداً، وقد أخذ هذا اليهودي دَيْنه، فسكت اليهودي ولم يرد ولم يجادل، فَدل ذلك على كذبه. ويكاد المريب أن يقول: خذوني.

لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما اختلى بخزيمة بعد أن انصرف الدائن قال: يا خزيمة ما حملك على هذا القول، ولم يكن أحد معنا، وأنا أقضي لليهودي دَيْنه؟ فضحك خزيمة وقال: يا رسول الله أَأُصدِّقُك في خبر السماء، وأُكذِّبك في عِدّة دراهم؟

فَسُرَّ رسول الله من اجتهاد الرجل، وقال: " مَنْ شهد له خزيمة فحَسْبه ".

ثم يُهدِّد الحق سبحانه بني إسرائيل، فيقول: { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا.. } [الإسراء: 8]

إنْ عُدتُّم للفساد، عُدْنا، وهذا جزاء الدنيا، وهو لا ينجيكم من جزاء الآخرة، فهذه مسألة وتلك أخرى حتى لا يفهموا أن العقاب على الذنوب في الدنيا يُبرّئهم من عذاب الآخرة.فالعقوبة على الذنب التي تُبرّئ المذنب من عذاب الآخرة ما كان في حِضْن الإسلام، وإلاَّ لاَسْتوى مَنْ أقيم عليه الحدّ مع مَنْ لم يُقمْ عليه الحد.

فلو سرق إنسان وقُطِعَتْ يده، وسرق آخر ولم تُقطع يده، فلو استَووْا في عقوبة الآخرة، فقد زاد أحدهما عن الآخر في العقوبة، وكيف يستوي الذي قُطِعَتْ يده. وعاش بِذلّتها طوال عمره مع مَنْ أفلت من العقوبة؟

هذا إنْ كان المذنب مؤمناً.

أما إذا كان المذنب غير مؤمن فالأصل الذي بنينا عليه هذا الحكم ضائع لا وجودَ له، وعقوبة الدنيا هنا لا تُعفي صاحبها من عقوبة الآخرة؛ لذلك يقول تعالى بعدها: { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } [الإسراء: 8]

{ جَعَلْنَا } فِعْل يفيد التحويل، كأن تقول: جعلت العجين خبزاً، وجعلت القطن ثوباً، أي: صيَّرْتُه وحوَّلْتُه. فماذا كانت جهنم أولاً فيُحوّلها الحق سبحانه حصيراً؟

قوله تعالى: { جَعَلْنَا } في هذه الآية لا تفيد التحويل، إنما هي بمعنى خَلَقْنا، أي: خلقناها هكذا، كما نقول: سبحان الذي جعل اللبن أبيض، فاللبن لم يكن له لون آخر فحوَّله الله تعالى إلى البياض، بل خلقه هكذا بداية.

ومعنى: { حَصِيراً.. } [الإسراء: 8]

الحصير فراش معروف يُصنع من القَشِّ أو من نبات يُسمى السَّمُر، والآن يصنعونه من خيوط البلاستيك، وسُمِّي حصيراً، لأن كلمة حصير مأخوذة من الحَصْر، وهو التضييق في المكان للمكين، وفي صناعة الحصير يضمُّون الأعواد بعضها إلى بعض إلى أنْ تتماسكَ، ولا توجد مسافة بين العود والآخر.

لكن لماذا نفرش الحصير؟ نفرش الحصير؛ لأنه يحبس عَنّا القذَر والأوساخ، فلا تصيب ثيابنا. إذن: الحصر معناه المنع والحبس والتضييق.

والمتتبع لمادة (حصر) في القرآن الكريم يجدها بهذه المعاني، يقول تعالى:
{  فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ.. }
[التوبة: 5]

أي: ضَيِّقوا عليهم.

وقال تعالى في فريضة الحج:
{  فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ.. }
[البقرة: 196] أي: حُبِسْتم ومَنعْتم من أداء الفريضة.

إذن: فقوله تعالى: { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } [الإسراء: 8]

أي: تحبسهم فيها وتحصرهم، وتمنعهم الخروج منها، فهي لهم سجن لا يستطيعون الفرار منه؛ لأنها تحيط بهم من كل ناحية، كما قال تعالى:
{  إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا.. }
[الكهف: 29]

فلا يستطيعون الخروج، فإنْ حاولوا الخروج رُدُّوا إليها، كما قال تعالى:
{  كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا.. }
[السجدة: 20]

وفي قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } [الإسراء: 8]

إشارة إلى أنهم كانوا إذا أجرموا في الدنيا يحتمُون في أنصارهم وأتباعهم من الأقوياء، ويدخلون في حضانة أهل الباطل، أما في الآخرة فلن يجدوا ناصراً أو مدافعاً.

يقول تعالى:
{  مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ }
[الصافات: 25-26]

وبعد أن تكلّم الحق سبحانه عن الإسراء بالرسول الخاتم الرحمة، وجَعْله آيةً يمكن إقامة الدليل عليها، حيث خرق له الناموس في أمور يعلمها قومه، فإذا جاءت آية المعراج وخرَق له الناموس فيها لا يعلمه القوم كان أَدْعى إلى تصديقه.

ثم أوضح الحق سبحانه أن عبودية محمد صلى الله عليه وسلم لربه هي التي أعطتْه هذه المنزلة، وكذلك كان نوح ـ عليه السلام ـ عبداً شكوراً، فهناك فَرْق بين عبودية الخَلْق للخالق، وعبودية الخَلْق للخَلْق؛ لأن العبودية للخَلْق مذمومة، حيث يأخذ السيد خيْر عبده، أما العبودية لله فالعبد يأخذ خَيْر سيده.

ثم تحدَّث الحق سبحانه عن بني إسرائيل، وما وقعوا فيه من إفساد في الأرض، فأعطانا بذلك نماذج للأعمال لمن أحسن ولمن أساء، وكُلٌّ له عمله دون ظُلْم أو جَوْر.

لذلك ينقلنا السياق القرآني إلى بيان المنهج الإلهي المنزّل من السماء ليوضح عبودية الإنسان لربه، وكيف يكون عبداً مُخْلِصاً لله تعالى، فيقول الحق سبحانه: { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ.. }.


www.alro7.net