سورة
اية:

قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عنهما؛ إنهما { انطلقا} بعد المرتين الأوليين { حتى إذا أتيا أهل قرية} ، روي عن ابن سيرين أنها الإيكة، وفي الحديث: (حتى إذا أتيا أهل قرية لئاماً) أي بخلاء { فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} إسناد الإرادة ههنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة؛ فإن الإرادة في المحدثات بمعنى الميل؛ والانقضاض هو السقوط، وقوله: { فأقامه} أي فرده إلى حالة الاستقامة، وقد تقدم في الحديث أنه رده بيديه ودعمه حتى رد ميله، وهذا خارق، فعند ذلك قال موسى له { لو شئت لاتخذت عليه أجرا} أي لأجل أنهم لم يضيفونا كان ينبغي أن لا تعمل لهم مجاناً { قال هذا فراق بيني وبينك} ، أي لأنك شرطت عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شيء بعدها فلا تصاحبني، فهو فراق بيني وبينك، { سأنبئك بتأويل} أي بتفسير { ما لم تستطع عليه صبرا} .

تفسير الجلالين

{ قال } له الخضر { هذا فراق } أي وقت فراق { بيني وبينك } فيه إضافة بين إلى غير متعدد سوغها تكريره بالعطف بالواو { سأُنبئك } قبل فراقي لك { بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ هَذَا فِرَاق بَيْنِي وَبَيْنك } سَأُنَبِّئُك بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ صَاحِب مُوسَى لِمُوسَى : هَذَا الَّذِي قُلْته وَهُوَ قَوْله { لَوْ شِئْت لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا } { فِرَاق بَيْنِي وَبَيْنك } يَقُول : فِرْقَة مَا بَيْنِي وَبَيْنك : أَيْ مَفْرِق بَيْنِي وَبَيْنك. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ هَذَا فِرَاق بَيْنِي وَبَيْنك } سَأُنَبِّئُك بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ صَاحِب مُوسَى لِمُوسَى : هَذَا الَّذِي قُلْته وَهُوَ قَوْله { لَوْ شِئْت لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا } { فِرَاق بَيْنِي وَبَيْنك } يَقُول : فِرْقَة مَا بَيْنِي وَبَيْنك : أَيْ مَفْرِق بَيْنِي وَبَيْنك.' { سَأُنَبِّئُك } يَقُول : سَأُخْبِرُك { بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِيع عَلَيْهِ صَبْرًا } يَقُول : بِمَا يَئُول إِلَيْهِ عَاقِبَة أَفْعَالِي الَّتِي فَعَلْتهَا , فَلَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيَّ تَرْك الْمَسْأَلَة عَنْهَا , وَعَنْ النَّكِير عَلَيَّ فِيهَا صَبْرًا , وَاَللَّه أَعْلَم. { سَأُنَبِّئُك } يَقُول : سَأُخْبِرُك { بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِيع عَلَيْهِ صَبْرًا } يَقُول : بِمَا يَئُول إِلَيْهِ عَاقِبَة أَفْعَالِي الَّتِي فَعَلْتهَا , فَلَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيَّ تَرْك الْمَسْأَلَة عَنْهَا , وَعَنْ النَّكِير عَلَيَّ فِيهَا صَبْرًا , وَاَللَّه أَعْلَم.'

تفسير القرطبي

الثالثة عشرة: قوله تعالى { سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} تأويل الشيء مآله أي قال له : إني أخبرك لم فعلت ما فعلت. وقيل في تفسير هذه الآيات التي وقعت لموسى مع الخضر : إنها حجة على موسى وعجبا له وذلك أنه لما أنكر أمر خرق السفينة نودي : يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت مطروحا في اليم فلما أنكر أمر الغلام قيل له : أين إنكارك هذا من وكزك القبطي وقضائك عليه فلما أنكر إقامة الجدار نودي : أين هذا من رفعك حجر البئر لبنات شعيب دون أجر.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الكهف الايات 77 - 83

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ قَالَ } أي: العبد الصالح { هَـٰذَا } أي: ما حدث منك من قولك:
{  قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً }
[الكهف: 77] وقد سبق أن اشترط موسى ـ عليه السلام ـ على نفسه إن اعترض على معلمه هذه المرة يكون الفِراقُ بينهما، وكأن العبد الصالح لم يَأْتِ بشيء من عنده، لقد قال موسى:
{  إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي }
[الكهف: 76] وها هو يسأله، إذن: فليس إلا الفراق: { قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ.. } [الكهف: 78]

قوله: { هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ.. } [الكهف: 78] تُعد دُستوراً من الحق ـ سبحانه وتعالى ـ ودليلاً على أن هذين المذهبين لا يلتقيان، فيظل كل منهما له طريقه: المرتاض له طريقه، وغير المرتاض له طريقه، ولا ينبغي أن يعترض أحدهما على الآخر، بل يلزم أدبه في حدود ما علَّمه الله.

ثم يقول تعالى على لسان الخضر: { سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } [الكهف: 78] أي: لن أتركك وفي نفسك هذه التساؤلات، حتى لا يكون في نفسك مني شيء، سوف أخبرك بحقيقة هذه الأفعال التي اعترضْتَ عليها لتعلم أن الله لم يخدعْكَ، بل أرسلك إلى مَنْ يُعلّمك شيئاً لم تكُنْ تعلمه.

ثم أخذ العبد الصالح يكشف لموسى الحكمة من هذه الأفعال واحداً تِلْو الآخر، كما لو عتبَ عليك صاحبك في أمر ما، وأنت حريص على مودَّته فتقول له: أمهلني حتى أوضح لك ما حدث، لقد فعلتُ كذا من أجل كذا، لتريح قلبه وتُزيل ما التبس عليه من هذا الأمر.

وقالوا: إن هذا من أدب الصُّحْبة، فلا يجوز بعد المصاحبة أنْ نفترقَ على الخلاف، ينبغي أن نفترق على وِفَاق ورضا؛ لأن الافتراق على الخلاف يُنمِّي الفجوة ويدعو للقطيعة، إذن: فقبل أنْ نفترق: المسألة كيت وكيت، فتتضح الأمور وتصفو النفوس.

ثم يقول الحق سبحانه: { أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ... }.

لمسات بيانية - للدكتور / فاضل صالح السامرائي

سؤال : ما الفرق من الناحية البيانية بين فعل استطاعوا واسطاعوا وفعل تسطع وتستطع في سورة الكهف؟

قال تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً { 97} ). زيادة التاء في فعل استطاع تجعل الفعل مناسباً للحث وزيادة المبنى في اللغة تفيد زيادة المعنى. والصعود على السدّ أهون من إحداث نقب فيه لأن السدّ قد صنعه ذو القرنين من زبر الحديد والنحاس المذاب لذا استخدم اسطاعوا مع الصعود على السد واستطاعوا مع النقب. فحذف مع الحدث الخفيف أي الصعود على السد ولم يحذف مع الحدث الشاق الطويل بل أعطاه أطول صيغة له، وكذلك فإن الصعود على السدّ يتطلّب زمناً أقصر من إحداث النقب فيه فحذف من الفعل وقصّر منه ليجانس النطق الزمني الذي يتطلبه كل حدث.
أما عدم الحذف في قوله تعالى (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً { 78} ) وحذف التاء في الآية (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً { 82} ) لأن المقام في الآية الأولى مقام شرح وإيضاح وتبيين فلم يحذف من الفعل أما في الآية الثانية فهي في مقام مفارقة ولم يتكلم بعدها الخضر بكلمة وفارق موسى عليه السلام فاقتضى الحذف من الفعل.


www.alro7.net