سورة
اية:

وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ۚ قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن قدوم الملائكة بعدما أعلموا إبراهيم بهلاكهم وفارقوه، فانطلقوا من عنده فأتوا لوطاً عليه السلام، وهم في أجمل صورة تكون على هيئة شبان حسان الوجوه، ابتلاءً من اللّه - وله الحكمة والحجة البالغة - فساءه شأنهم وضاقت نفسه بسببهم، وخشي أن يضيفهم أحد من قومه فينالهم بسوء، { وقال هذا يوم عصيب} ، قال ابن عباس: شديد بلاؤه، وذلك أنه علم أنه سيدافع عنهم ويشق عليه ذلك. وذكر قتادة أنهم أتوه وهو في أرض له فتضيفوه فاستحيا منهم، فانطلق أمامهم وقال لهم في أثناء الطريق كالمعرض لهم بأن ينصرفوا عنه: ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء، ثم مشى قليلاً، ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره أربع مرات، قال قتادة: وقد كانوا أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك، قال السدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فبلغوا نهر سدوم نصف النهار، ولقوا بنت لوط تستقي، فقالوا: يا جارية هل من منزل؟ فقالت: مكانكم حتى آتيكم وفَرِقت عليهم من قومها فأتت أباها، فقالت: يا أبتاه أدرك فتياناً على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم أحسن منهم لا يأخذهم قومك، وكان قومه نهوه أن يضيف رجلاً، فقالوا: خل عنا فلنضيف الرجال، فجاء بهم فلم يعلم بهم أحد إلا أهل بيته، فخرجت امرأته فأخبرت قومها فجاءوا يهرعون إليه، وقوله: { يهرعون إليه} أي يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك، وقوله: { ومن قبل كانوا يعملون السيئات} أي لم يزل هذا من سجيتهم حتى أخذوا وهم على ذلك الحال، وقوله: { قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} يرشدهم إلى نساءهم، فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة، كما قال في الآية الأخرى: { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون} ، { قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين} ، وقال في هذه الآية الكريمة: { هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} قال مجاهد: لم يكن بناته ولكن كن من أمته وكل نبي أبو أمته، وكذا روي عن قتادة وغير واحد. وقوله: { فاتقوا اللّه ولا تخزون في ضيفي} أي اقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم، { أليس منكم رجل رشيد} أي فيه خير، يقبل ما آمره به ويترك ما أنهاه عنه، { قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق} أي إنك لتعلم أن نساءنا لا أرب لنا فيهن ولا نشتهيهن، { وإنك لتعلم ما نريد} أي ليس لنا غرض إلا في الذكور وأنت تعلم ذلك، فأي حاجة في تكرار القول علينا في ذلك؟ قال السدي: { وإنك لتعلم ما نريد} إنما نريد الرجال.

تفسير الجلالين

{ وجاءه قومه } لما علموا بهم { يُهرعون } يسرعون { إليه ومن قبل } قبل مجيئهم { كانوا يعملون السيئات } وهي إتيان الرجال في الأدبار { قال } لوط { يا قوم هؤلاء بناتي } فتزوجوهن { هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون } تفضحون { في ضيفي } أضيافي { أليس منكم رجل رشيد } يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَجَاءَهُ قَوْمه يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَجَاءَ لُوطًا قَوْمه يَسْتَحِثُّونَ إِلَيْهِ يُرْعِدُونَ مَعَ سُرْعَة الْمَشْي مِمَّا بِهِمْ مِنْ طَلَب الْفَاحِشَة , يُقَال : أَهْرَعَ الرَّجُل مِنْ بَرْد أَوْ غَضَب أَوْ حُمَّى : إِذَا أَرْعَدَ , وَهُوَ مُهْرِع إِذَا كَانَ مُعَجِّلًا حَرِيصًا , كَمَا قَالَ الرَّاجِز : بِمُعْجَلَاتٍ نَحْوه مَهَارِع وَمِنْهُ قَوْل مُهَلْهَل : فَجَاءُوا يُهْرَعُونَ وَهُمْ أُسَارَى تَقُودهُمْ عَلَى رَغْم الْأُنُوف وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14174 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } قَالَ : يُهْرَعُونَ , وَهُوَ الْإِسْرَاع فِي الْمَشْي * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , نَحْوه . 14175 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو خَالِد وَالْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَجَاءَهُ قَوْمه يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } قَالَ : يَسْعَوْنَ إِلَيْهِ 14176 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : فَأَتَوْهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ , يَقُول : سِرَاعًا إِلَيْهِ * حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } قَالَ : يُسْرِعُونَ إِلَيْهِ 14177 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَجَاءَهُ قَوْمه يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } يَقُول : يُسْرِعُونَ الْمَشْي إِلَيْهِ - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَجَاءَهُ قَوْمه يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } قَالَ : يُهَرْوِلُونَ فِي الْمَشْي . قَالَ سُفْيَان : { يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } يُسْرِعُونَ إِلَيْهِ 14178 - حَدَّثَنَا سَوَّار بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : قَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة فِي قَوْله : { يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } قَالَ : كَأَنَّهُمْ يُدْفَعُونَ 14179 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَعْقُوب , قَالَ : ثَنَا حَفْص بْن حُمَيْد , عَنْ شِمْر بْن عَطِيَّة , قَالَ : أَقْبَلُوا يُسْرِعُونَ مَشْيًا بَيْن الْهَرْوَلَة وَالْجَمْز 14180 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَجَاءَهُ قَوْمه يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } يَقُول : مُسْرِعِينَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَجَاءَهُ قَوْمه يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَجَاءَ لُوطًا قَوْمه يَسْتَحِثُّونَ إِلَيْهِ يُرْعِدُونَ مَعَ سُرْعَة الْمَشْي مِمَّا بِهِمْ مِنْ طَلَب الْفَاحِشَة , يُقَال : أَهْرَعَ الرَّجُل مِنْ بَرْد أَوْ غَضَب أَوْ حُمَّى : إِذَا أَرْعَدَ , وَهُوَ مُهْرِع إِذَا كَانَ مُعَجِّلًا حَرِيصًا , كَمَا قَالَ الرَّاجِز : بِمُعْجَلَاتٍ نَحْوه مَهَارِع وَمِنْهُ قَوْل مُهَلْهَل : فَجَاءُوا يُهْرَعُونَ وَهُمْ أُسَارَى تَقُودهُمْ عَلَى رَغْم الْأُنُوف وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14174 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } قَالَ : يُهْرَعُونَ , وَهُوَ الْإِسْرَاع فِي الْمَشْي * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , نَحْوه . 14175 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو خَالِد وَالْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَجَاءَهُ قَوْمه يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } قَالَ : يَسْعَوْنَ إِلَيْهِ 14176 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : فَأَتَوْهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ , يَقُول : سِرَاعًا إِلَيْهِ * حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } قَالَ : يُسْرِعُونَ إِلَيْهِ 14177 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَجَاءَهُ قَوْمه يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } يَقُول : يُسْرِعُونَ الْمَشْي إِلَيْهِ - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَجَاءَهُ قَوْمه يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } قَالَ : يُهَرْوِلُونَ فِي الْمَشْي . قَالَ سُفْيَان : { يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } يُسْرِعُونَ إِلَيْهِ 14178 - حَدَّثَنَا سَوَّار بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : قَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة فِي قَوْله : { يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } قَالَ : كَأَنَّهُمْ يُدْفَعُونَ 14179 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَعْقُوب , قَالَ : ثَنَا حَفْص بْن حُمَيْد , عَنْ شِمْر بْن عَطِيَّة , قَالَ : أَقْبَلُوا يُسْرِعُونَ مَشْيًا بَيْن الْهَرْوَلَة وَالْجَمْز 14180 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَجَاءَهُ قَوْمه يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } يَقُول : مُسْرِعِينَ ' وَقَوْله : { وَمِنْ قَبْل كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات } يَقُول : مِنْ قَبْل مَجِيئِهِمْ إِلَى لُوط كَانُوا يَأْتُونَ الرِّجَال فِي أَدْبَارهمْ . كَمَا : 14181 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { وَمِنْ قَبْل كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات } قَالَ : يَأْتُونَ الرِّجَال وَقَوْله : { وَمِنْ قَبْل كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات } يَقُول : مِنْ قَبْل مَجِيئِهِمْ إِلَى لُوط كَانُوا يَأْتُونَ الرِّجَال فِي أَدْبَارهمْ . كَمَا : 14181 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { وَمِنْ قَبْل كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات } قَالَ : يَأْتُونَ الرِّجَال ' وَقَوْله : { قَالَ يَا قَوْم هَؤُلَاءِ بَنَاتِي } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ لُوط لِقَوْمِهِ لَمَّا جَاءُوا يُرَاوِدُونَهُ عَنْ ضَيْفه : هَؤُلَاءِ يَا قَوْم بَنَاتِي - يَعْنِي نِسَاء أُمَّته - فَانْكِحُوهُنَّ فَ { هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } كَمَا : 14182 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } قَالَ : أَمَرَهُمْ لُوط بِتَزْوِيجِ النِّسَاء , وَقَالَ : هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ 14183 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : وَبَلَغَنِي هَذَا أَيْضًا عَنْ مُجَاهِد . - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } قَالَ : لَمْ يَكُنْ بَنَاته , وَلَكِنْ كُنَّ مِنْ أُمَّته , وَكُلّ نَبِيّ أَبُو أُمَّته 14184 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } قَالَ : أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَزَوَّجُوا النِّسَاء , لَمْ يَعْرِض عَلَيْهِمْ سِفَاحًا 14185 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثَنَا أَبُو بِشْر , سَمِعْت اِبْن أَبِي نَجِيح يَقُول فِي قَوْله : { هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } قَالَ : مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ نِكَاحًا وَلَا سِفَاحًا 14186 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } قَالَ : أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَزَوَّجُوا النِّسَاء , وَأَرَادَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقِي أَضْيَافه بِبَنَاتِهِ 14187 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مُسْعَد , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر عَنْ الرَّبِيع , فِي قَوْله : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } يَعْنِي التَّزْوِيج * حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , فِي قَوْله : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } يَعْنِي التَّزْوِيج 14188 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو النُّعْمَان عَارِم , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن شَبِيب الزَّهْرَانِيّ عَنْ أَبِي بِشْر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فِي قَوْل لُوط : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } يَعْنِي : نِسَاؤُهُمْ هُنَّ بَنَاته هُوَ نَبِيّهمْ . وَقَالَ فِي بَعْض الْقِرَاءَة : " النَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ وَأَزْوَاجهمْ وَأُمَّهَاتهمْ وَهُوَ أَب لَهُمْ " 14189 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَجَاءَهُ قَوْمه يُهْرَعُونَ } قَالُوا : أَوَ لَمْ نَنْهَك أَنْ تُضَيِّف الْعَالَمِينَ , قَالَ : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ { أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُل رَشِيد } 14190 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : لَمَّا جَاءَتْ الرُّسُل لُوطًا أَقْبَلَ قَوْمه إِلَيْهِمْ حِين أُخْبِرُوا بِهِمْ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ . فَيَزْعُمُونَ وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ اِمْرَأَة لُوط هِيَ الَّتِي أَخْبَرَتْهُمْ بِمَكَانِهِمْ , وَقَالَتْ : إِنَّ عِنْد لُوط لَضِيفَانًا مَا رَأَيْت أَحْسَن وَلَا أَجْمَل قَطُّ مِنْهُمْ ! وَكَانُوا يَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَة مِنْ دُون النِّسَاء , فَاحِشَة لَمْ يَسْبِقهُمْ بِهَا أَحَد مِنْ الْعَالَمِينَ . فَلَمَّا جَاءُوهُ قَالُوا : { أَوَ لَمْ نَنْهَك عَنْ الْعَالَمِينَ } أَيْ أَلَمْ نَقُلْ لَك : لَا يَقْرَبَنَّك أَحَد , فَإِنَّا لَنْ نَجِد عِنْدك أَحَدًا إِلَّا فَعَلْنَا بِهِ الْفَاحِشَة . { قَالَ يَا قَوْم هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } فَأَنَا أَفْدِي ضَيْفِي مِنْكُمْ بِهِنَّ . وَلَمْ يَدْعُهُمْ إِلَّا إِلَى الْحَلَال مِنْ النِّكَاح 14191 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي } قَالَ : النِّسَاء وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة الْقُرَّاء بِرَفْع أَطْهَر , عَلَى أَنْ جَعَلُوا " هُنَّ " اِسْمًا , " وَأَطْهَر " خَبَره , كَأَنَّهُ قِيلَ : بَنَاتِي أَطْهَر لَكُمْ مِمَّا تُرِيدُونَ مِنْ الْفَاحِشَة مِنْ الرِّجَال . وَذُكِرَ عَنْ عِيسَى بْن عُمَر الْبَصْرِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ : " هُنَّ أَطْهَر " لَكُمْ بِنَصْبِ " أَطْهَر " . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول . هَذَا لَا يَكُون , إِنَّمَا يُنْصَب خَبَر الْفِعْل الَّذِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْ الْخَبَر إِذَا كَانَ بَيْن الِاسْم وَالْخَبَر هَذِهِ الْأَسْمَاء الْمُضْمَرَة . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة يَقُول : مَنْ نَصَبَهُ جَعَلَهُ نَكِرَة خَارِجَة مِنْ الْمَعْرِفَة , وَيَكُون قَوْله : " هُنَّ " عِمَادًا لِلْفِعْلِ فَلَا يَعْمَلهُ . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ : مَسْمُوع مِنْ الْعَرَب : هَذَا زَيْد إِيَّاهُ بِعَيْنِهِ , قَالَ : فَقَدْ جَعَلَهُ خَبَرًا لِهَذَا مِثْل قَوْلك : كَانَ عَبْد اللَّه إِيَّاهُ بِعَيْنِهِ . قَالَ : وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقَع الْفِعْل هَهُنَا لِأَنَّ التَّقْرِيب رَدّ كَلَام فَلَمْ يَجْتَمِعَا لِأَنَّهُ يَتَنَاقَض , لِأَنَّ ذَلِكَ إِخْبَار عَنْ مَعْهُود , وَهَذَا إِخْبَار عَنْ اِبْتِدَاء مَا هُوَ فِيهِ : هَا أَنَا ذَا حَاضِر , أَوْ زَيْد هُوَ الْعَالِم , فَتَنَاقَضَ أَنْ يَدْخُل الْمَعْهُود عَلَى الْحَاضِر , فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ . وَالْقِرَاءَة الَّتِي لَا أَسْتَجِيز خِلَافهَا فِي ذَلِكَ : الرَّفْع { هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ قُرَّاء الْأَمْصَار عَلَيْهِ مَعَ صِحَّته فِي الْعَرَبِيَّة , وَبَعْد النَّصْب فِيهِ مِنْ الصِّحَّة . وَقَوْله : { قَالَ يَا قَوْم هَؤُلَاءِ بَنَاتِي } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ لُوط لِقَوْمِهِ لَمَّا جَاءُوا يُرَاوِدُونَهُ عَنْ ضَيْفه : هَؤُلَاءِ يَا قَوْم بَنَاتِي - يَعْنِي نِسَاء أُمَّته - فَانْكِحُوهُنَّ فَ { هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } كَمَا : 14182 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } قَالَ : أَمَرَهُمْ لُوط بِتَزْوِيجِ النِّسَاء , وَقَالَ : هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ 14183 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : وَبَلَغَنِي هَذَا أَيْضًا عَنْ مُجَاهِد . - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } قَالَ : لَمْ يَكُنْ بَنَاته , وَلَكِنْ كُنَّ مِنْ أُمَّته , وَكُلّ نَبِيّ أَبُو أُمَّته 14184 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } قَالَ : أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَزَوَّجُوا النِّسَاء , لَمْ يَعْرِض عَلَيْهِمْ سِفَاحًا 14185 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثَنَا أَبُو بِشْر , سَمِعْت اِبْن أَبِي نَجِيح يَقُول فِي قَوْله : { هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } قَالَ : مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ نِكَاحًا وَلَا سِفَاحًا 14186 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } قَالَ : أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَزَوَّجُوا النِّسَاء , وَأَرَادَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقِي أَضْيَافه بِبَنَاتِهِ 14187 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مُسْعَد , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر عَنْ الرَّبِيع , فِي قَوْله : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } يَعْنِي التَّزْوِيج * حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , فِي قَوْله : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } يَعْنِي التَّزْوِيج 14188 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو النُّعْمَان عَارِم , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن شَبِيب الزَّهْرَانِيّ عَنْ أَبِي بِشْر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فِي قَوْل لُوط : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } يَعْنِي : نِسَاؤُهُمْ هُنَّ بَنَاته هُوَ نَبِيّهمْ . وَقَالَ فِي بَعْض الْقِرَاءَة : " النَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ وَأَزْوَاجهمْ وَأُمَّهَاتهمْ وَهُوَ أَب لَهُمْ " 14189 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَجَاءَهُ قَوْمه يُهْرَعُونَ } قَالُوا : أَوَ لَمْ نَنْهَك أَنْ تُضَيِّف الْعَالَمِينَ , قَالَ : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ { أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُل رَشِيد } 14190 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : لَمَّا جَاءَتْ الرُّسُل لُوطًا أَقْبَلَ قَوْمه إِلَيْهِمْ حِين أُخْبِرُوا بِهِمْ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ . فَيَزْعُمُونَ وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ اِمْرَأَة لُوط هِيَ الَّتِي أَخْبَرَتْهُمْ بِمَكَانِهِمْ , وَقَالَتْ : إِنَّ عِنْد لُوط لَضِيفَانًا مَا رَأَيْت أَحْسَن وَلَا أَجْمَل قَطُّ مِنْهُمْ ! وَكَانُوا يَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَة مِنْ دُون النِّسَاء , فَاحِشَة لَمْ يَسْبِقهُمْ بِهَا أَحَد مِنْ الْعَالَمِينَ . فَلَمَّا جَاءُوهُ قَالُوا : { أَوَ لَمْ نَنْهَك عَنْ الْعَالَمِينَ } أَيْ أَلَمْ نَقُلْ لَك : لَا يَقْرَبَنَّك أَحَد , فَإِنَّا لَنْ نَجِد عِنْدك أَحَدًا إِلَّا فَعَلْنَا بِهِ الْفَاحِشَة . { قَالَ يَا قَوْم هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } فَأَنَا أَفْدِي ضَيْفِي مِنْكُمْ بِهِنَّ . وَلَمْ يَدْعُهُمْ إِلَّا إِلَى الْحَلَال مِنْ النِّكَاح 14191 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي } قَالَ : النِّسَاء وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة الْقُرَّاء بِرَفْع أَطْهَر , عَلَى أَنْ جَعَلُوا " هُنَّ " اِسْمًا , " وَأَطْهَر " خَبَره , كَأَنَّهُ قِيلَ : بَنَاتِي أَطْهَر لَكُمْ مِمَّا تُرِيدُونَ مِنْ الْفَاحِشَة مِنْ الرِّجَال . وَذُكِرَ عَنْ عِيسَى بْن عُمَر الْبَصْرِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ : " هُنَّ أَطْهَر " لَكُمْ بِنَصْبِ " أَطْهَر " . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول . هَذَا لَا يَكُون , إِنَّمَا يُنْصَب خَبَر الْفِعْل الَّذِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْ الْخَبَر إِذَا كَانَ بَيْن الِاسْم وَالْخَبَر هَذِهِ الْأَسْمَاء الْمُضْمَرَة . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة يَقُول : مَنْ نَصَبَهُ جَعَلَهُ نَكِرَة خَارِجَة مِنْ الْمَعْرِفَة , وَيَكُون قَوْله : " هُنَّ " عِمَادًا لِلْفِعْلِ فَلَا يَعْمَلهُ . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ : مَسْمُوع مِنْ الْعَرَب : هَذَا زَيْد إِيَّاهُ بِعَيْنِهِ , قَالَ : فَقَدْ جَعَلَهُ خَبَرًا لِهَذَا مِثْل قَوْلك : كَانَ عَبْد اللَّه إِيَّاهُ بِعَيْنِهِ . قَالَ : وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقَع الْفِعْل هَهُنَا لِأَنَّ التَّقْرِيب رَدّ كَلَام فَلَمْ يَجْتَمِعَا لِأَنَّهُ يَتَنَاقَض , لِأَنَّ ذَلِكَ إِخْبَار عَنْ مَعْهُود , وَهَذَا إِخْبَار عَنْ اِبْتِدَاء مَا هُوَ فِيهِ : هَا أَنَا ذَا حَاضِر , أَوْ زَيْد هُوَ الْعَالِم , فَتَنَاقَضَ أَنْ يَدْخُل الْمَعْهُود عَلَى الْحَاضِر , فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ . وَالْقِرَاءَة الَّتِي لَا أَسْتَجِيز خِلَافهَا فِي ذَلِكَ : الرَّفْع { هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ } لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ قُرَّاء الْأَمْصَار عَلَيْهِ مَعَ صِحَّته فِي الْعَرَبِيَّة , وَبَعْد النَّصْب فِيهِ مِنْ الصِّحَّة .' وَقَوْله : { فَاتَّقُوا اللَّه وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي } يَقُول : فَاخْشَوْا اللَّه أَيّهَا النَّاس , وَاحْذَرُوا عِقَابه فِي إِتْيَانكُمْ الْفَاحِشَة الَّتِي تَأْتُونَهَا وَتَطْلُبُونَهَا . { وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي } يَقُول : وَلَا تُذِلُّونِي بِأَنْ تَرْكَبُوا مِنِّي فِي ضَيْفِي مَا يَكْرَهُونَ أَنْ تَرْكَبُوهُ مِنْهُمْ . وَالضَّيْف فِي لَفْظ وَاحِد فِي هَذَا الْمَوْضِع بِمَعْنَى جَمْع , وَالْعَرَب تُسَمِّي الْوَاحِد وَالْجَمْع ضَيْفًا بِلَفْظٍ وَاحِد كَمَا قَالُوا : رَجُل عَدْل , وَقَوْم عَدْل . وَقَوْله : { فَاتَّقُوا اللَّه وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي } يَقُول : فَاخْشَوْا اللَّه أَيّهَا النَّاس , وَاحْذَرُوا عِقَابه فِي إِتْيَانكُمْ الْفَاحِشَة الَّتِي تَأْتُونَهَا وَتَطْلُبُونَهَا . { وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي } يَقُول : وَلَا تُذِلُّونِي بِأَنْ تَرْكَبُوا مِنِّي فِي ضَيْفِي مَا يَكْرَهُونَ أَنْ تَرْكَبُوهُ مِنْهُمْ . وَالضَّيْف فِي لَفْظ وَاحِد فِي هَذَا الْمَوْضِع بِمَعْنَى جَمْع , وَالْعَرَب تُسَمِّي الْوَاحِد وَالْجَمْع ضَيْفًا بِلَفْظٍ وَاحِد كَمَا قَالُوا : رَجُل عَدْل , وَقَوْم عَدْل .' وَقَوْله : { أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُل رَشِيد } يَقُول : أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُل ذُو رُشْد يَنْهَى مَنْ أَرَادَ رُكُوب الْفَاحِشَة مِنْ ضَيْفِي , فَيَحُول بَيْنهمْ وَبَيْن ذَلِكَ ؟ كَمَا : 14192 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { فَاتَّقُوا اللَّه وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُل رَشِيد } أَيْ رَجُل يَعْرِف الْحَقّ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَر وَقَوْله : { أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُل رَشِيد } يَقُول : أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُل ذُو رُشْد يَنْهَى مَنْ أَرَادَ رُكُوب الْفَاحِشَة مِنْ ضَيْفِي , فَيَحُول بَيْنهمْ وَبَيْن ذَلِكَ ؟ كَمَا : 14192 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { فَاتَّقُوا اللَّه وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُل رَشِيد } أَيْ رَجُل يَعْرِف الْحَقّ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَر '

تفسير القرطبي

قوله تعالى‏ { ‏ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم‏} ‏ لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم، وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ بصرت بنتا لوط - وهما تستقيان - بالملائكة ورأتا هيئة حسنة، فقالتا‏:‏ ما شأنكم‏؟‏ ومن أين أقبلتم‏؟‏ قالوا‏:‏ من موضع كذا نريد هذه القرية قالتا‏:‏ فإن أهلها أصحاب الفواحش؛ فقالوا‏:‏ أبها من يضيفنا‏؟‏ قالتا‏:‏ نعم‏!‏ هذا الشيخ وأشارتا إلى لوط؛ فلما رأى لوط هيئتهم خاف قومه، عليهم‏.‏ ‏ { ‏سيء بهم‏} ‏ أي ساءه مجيئهم؛ يقال‏:‏ ساء بسوء فهو لازم، وساءه يسوءه فهو متعد أيضا، وإن شئت ضممت السين؛ لأن أصلها الضم، والأصل سوئ بهم من السوء؛ قلبت حركة الواو على السين فانقلبت ياء، وإن خففت الهمزة ألقيت حركتها على الياء فقلت‏ "‏سي بهم‏"‏ مخففا، ولغة شاذة بالتشديد‏.‏ { ‏وضاق بهم ذرعا‏} ‏ أي ضاق صدره بمجيئهم وكرهه‏.‏ وقيل‏:‏ ضاق وسعه وطاقته‏.‏ وأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه؛ فإذا حمل على أكثر من طوقه ضاق عن ذلك، وضعف ومد عنقه؛ فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع‏.‏ وقيل‏:‏ هو من ذرعه القيء أي غابه؛ أي ضاق عن حبسه المكروه في نفسه، وإنما ضاق ذرعه بهم لما رأى من جمالهم، وما يعلم من فسق قومه‏.‏ ‏ { ‏وقال هذا يوم عصيب‏} ‏ أي شديد في الشر‏.‏ وقال الشاعر‏:‏ وإنك إلا ترض بكر بن وائل ** يكن لك يوم بالعراق عصيب وقال آخر‏:‏ يوم عصيب يعصب الأبطالا ** عصب القوي السلم الطوالا ويقال‏:‏ عصيب وعصبصب على التكثير؛ أي مكروه مجتمع الشر وقد‏.‏ عصب؛ أي عصب بالشر عصابة، ومنه قيل‏:‏ عصبة وعصابة أي مجتمعو الكلمة؛ أي مجتمعون في أنفسهم‏.‏ وعصبة الرجل المجتمعون معه في النسب؛ وتعصبت لفلان صرت كعصبته، ورجل معصوب، أي مجتمع الخلق‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏وجاءه قومه يهرعون إليه‏} ‏ في موضع الحال‏.‏ { ‏يهرعون‏} ‏ أي يسرعون‏.‏ قال الكسائي والفراء وغيرهما من أهل اللغة‏:‏ لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة؛ يقال‏:‏ أهرع الرجل إهراعا أي أسرع في رعدة من برد أو غضب أو حمى، وهو مهرع؛ قال مهلهل‏:‏ فجاؤوا يهرعون وهم أسارى ** نقودهم على رغم الأنوف وقال آخر‏:‏ بمعجلات نحوه مهارع ** وهذا مثل‏:‏ أُولع فلان بالأمر، وأرعد زيد‏.‏ وزهي فلان‏.‏ وتجيء ولا تستعمل إلا على هذا الوجه‏.‏ وقيل‏:‏ أهرع أي أهرعه حرصه؛ وعلى هذا ‏ { ‏يهرعون‏} ‏ أي يستحثون عليه‏.‏ ومن قال بالأول قال‏:‏ لم يسمع إلا أهرع الرجل أي أسرع؛ على لفظ ما لم يسم فاعله‏.‏ قال ابن القوطية‏:‏ هرع الإنسان هرعا، وأهرع‏:‏ سيق واستعجل‏.‏ وقال الهروي يقال‏:‏ هرع الرجل وأهرع أي استحث‏.‏ قال ابن عباس وقتادة والسدي‏:‏ ‏(‏يهرعون‏:‏ يهرولون‏)‏‏.‏ الضحاك‏:‏ يسعون‏.‏ ابن عيينة‏:‏ كأنهم يدفعون‏.‏ وقال شمر بن عطية‏:‏ هو مشي بين الهرولة والجَمَزَى‏.‏ وقال الحسن‏:‏ مشي بين مشيين؛ والمعنى متقارب‏.‏ وكان سبب إسراعهم ما روي أن امرأة لوط الكافرة، لما رأت الأضياف وجمالهم وهيئتهم، خرجت حتى أتت مجالس قومها، فقالت لهم‏:‏ إن لوطا قد أضاف الليلة فتية ما رئي مثلهم جمال؛ وكذا وكذا؛ فحينئذ جاؤوا يهرعون إليه‏.‏ ويذكر أن الرسل لما وصلوا إلى بلد لوط وجدوا لوطا في حرث له‏.‏ وقيل‏:‏ وجدوا ابنته تستقي ماء من نهر سدوم؛ فسألوها الدلالة على من يضيفهم، ورأت هيئتهم فخافت عليهم من قوم لوط، وقالت لهم‏:‏ مكانكم‏!‏ وذهبت إلى أبيها فأخبرته؛ فخرج إليهم؛ فقالوا‏:‏ نريد أن تضيفنا الليلة؛ فقال لهم‏:‏ أوما سمعتم بعمل هؤلاء القوم‏؟‏ فقالوا‏:‏ وما عملهم‏؟‏ فقال أشهد بالله إنهم لشر قوم في الأرض - وقد كان الله عز وجل، قال لملائكته لا تعذبوهم حتى يشهد لوط عليهم أربع شهادات - فلما قال لوط هذه المقالة، قال جبريل لأصحابه‏:‏ هذه واحدة، وتردد القول بينهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات، ثم دخل بهم المدينة‏.‏ قوله تعالى ‏ { ‏ومن قبل‏} ‏ أي ومن قبل مجيء الرسل‏.‏ وقيل‏:‏ من قبل لوط‏.‏ ‏ { ‏كانوا يعملون السيئات‏} ‏ أي كانت عادتهم إتيان الرجال‏.‏ فلما جاؤوا إلى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعا، وقال‏ { ‏هؤلاء بناتي‏} ‏ ابتداء وخبر‏.‏ وقد اختلف في قوله‏ { ‏هؤلاء بناتي‏} ‏ فقيل‏:‏ كان له ثلاث بنات من صلبه‏.‏ وقيل‏:‏ بنتان؛ زيتا وزعوراء؛ فقيل‏:‏ كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه‏.‏ وقيل‏:‏ ندبهم في هذه الحالة إلى النكاح، وكانت سنتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة؛ وقد كان هذا في أول الإسلام جائزا ثم نسخ؛ فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنتا له من عتبة بن أبي لهب، والأخرى من أبي العاص بن الربيع قبل الوحي، وكانا كافرين‏.‏ وقالت فرقة - منهم مجاهد وسعيد بن جبير - أشار بقوله‏ { ‏بناتي‏} ‏ إلى النساء جملة؛ إذ نبي القوم أب لهم؛ ويقوي هذا أن في قراءة ابن مسعود‏.‏ ‏ { ‏النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم‏} [‏الأحزاب‏:‏ 6‏]‏‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ إنما كان الكلام مدافعة ولم يرد إمضاءه؛ روي هذا القول عن أبي عبيدة؛ كما يقال لمن ينهى عن أكل مال الغير‏:‏ الخنزير أحل لك من هذا‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ لم يعرض عليهم بناته ولا بنات أمته، وإنما قال لهم هذا لينصرفوا‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏هن أطهر لكم‏} ‏ ابتداء وخبر؛ أي أزوجكموهن؛ فهو أطهر لكم مما تريدون، أي أحل‏.‏ والتطهر التنزه عما لا يحل‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ ‏(‏كان رؤساؤهم خطبوا بناته فلم يجبهم، وأراد ذلك اليوم أن يفدي أضيافه ببناته‏)‏‏.‏ وليس ألف ‏ { ‏أطهر‏} ‏ للتفضيل حتى يتوهم أن في نكاح الرجال طهارة، بل هو كقولك‏:‏ الله أكبر وأعلى وأجل، وإن لم يكن تفضيل؛ وهذا جائز شائع في كلام العرب، ولم يكابر الله تعالى أحد حتى يكون الله تعالى أكبر منه‏.‏ وقد قال أبو سفيان بن حرب يوم أحد‏:‏ اعل هبل اعل هبل؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر‏:‏ ‏(‏قل الله أعلى وأجل‏)‏‏.‏ وهبل لم يكن قط عاليا ولا جليلا‏.‏ وقرأ العامة برفع الراء‏.‏ وقرأ الحسن وعيسى بن عمرو ‏ { ‏هن أطهر‏} ‏ بالنصب على الحال‏.‏ و‏ { ‏هن‏} ‏ عماد‏.‏ ولا يجيز الخليل وسيبويه والأخفش أن يكون ‏ { ‏هن‏} ‏ ههنا عمادا، وإنما يكون عمادا فيما لا يتم الكلام إلا بما بعدها، نحو كان زيد هو أخاك، لتدل بها على أن الأخ ليس بنعت‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ويدل بها على أن كان تحتاج إلى خبر‏.‏ وقال غيره‏:‏ يدل بها على أن الخبر معرفة أو ما قارنها‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي‏} ‏ أي لا تهينوني ولا تذلوني‏.‏ ومنه قول حسان‏:‏ فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك ** ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق مددت يمينا للنبي تعمدا ** ودميت فاه قطعت بالبوارق ويجوز أن يكون من الخزاية، وهو الحياء، والخجل؛ قال ذو الرمة‏:‏ خزاية أدركته بعد جولته ** من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب وقال آخر‏:‏ من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت ** بها مرطها أو زايل الحلي جيدها وضيف يقع للاثنين والجميع على لفظ الواحد، لأنه في الأصل مصدر؛ قال الشاعر‏:‏ لا تعدمي الدهر شفار الجازر ** للضيف والضيف أحق زائر ويجوز فيه التثنية والجمع؛ والأول أكثر كقولك‏:‏ رجال صوم وفطر وزور‏.‏ وخزي الرجل خزاية؛ أي استحيا مثل ذل وهان‏.‏ وخزي خزيا إذا افتضح؛ يخزى فيهما جميعا‏.‏ ثم وبخهم بقوله‏ { ‏أليس منكم رجل رشيد‏} ‏ أي شديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر‏.‏ وقيل‏ { ‏رشيد‏} ‏ أي ذو رشد‏.‏ أو بمعنى راشد أو مرشد، أي صالح أو مصلح ابن عباس‏:‏ مؤمن‏.‏ أبو مالك‏:‏ ناه عن المنكر‏.‏ وقيل‏:‏ الرشيد بمعنى الرشد؛ والرشد والرشاد الهدى والاستقامة‏.‏ ويجوز أي يكون بمعنى المرشد؛ كالحكيم بمعنى المحكم‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق‏} ‏ روي أن قوم لوط خطبوا بناته فردهم، وكانت سنتهم أن من رد في خطبة امرأة لم تحل له أبدا؛ فذلك قوله تعالى‏ { ‏قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق‏} ‏ وبعد ألا تكون هذه الخاصية‏.‏ فوجه الكلام أنه ليس، لنا إلى بناتك تعلق، ولا هن قصدنا، ولا لنا عادة نطلب ذلك‏.‏ { ‏وإنك لتعلم ما نريد‏} ‏ إشارة إلى الأضياف‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏قال لو أن لي بكم قوة‏} ‏ لما رأى استمرارهم في غيهم، وضعف عنهم، ولم يقدر على دفعهم، تمنى لو وجد عونا على ردهم؛ فقال على جهة التفجع والاستكانة‏.‏ ‏ { ‏لو أن لي بكم قوة‏} ‏ أي أنصارا وأعوانا‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ أراد الولد‏.‏ و‏ { ‏أن‏} ‏ في موضع رفع بفعل مضمر، تقديره‏:‏ لو اتفق أو وقع‏.‏ وهذا يطرد في ‏ { ‏أن‏} ‏ التابعة لـ ‏ { ‏لو‏} ‏‏.‏ وجواب ‏} { لو‏} ‏ محذوف؛ أي لرددت أهل الفساد، وحلت بينهم وبين ما يريدون‏.‏ ‏ { ‏أو آوي إلى ركن شديد‏} ‏ أي ألجأ وأنضوي‏.‏ وقرئ ‏"‏أو آوي‏"‏ بالنصب عطفا على ‏ { ‏قوة‏} ‏ كأنه قال‏ "‏لو أن لي بكم قوة‏"‏ أو إيواء إلى ركن شديد؛ أي وأن آوي، فهو منصوب بإضمار ‏"‏أن‏"‏‏.‏ ومراد لوط بالركن العشيرة، والمنعة بالكثرة‏.‏ وبلغ بهم قبيح فعلهم إلى قوله هذا مع علمه بما عند الله تعالى؛ فيروى أن الملائكة وجدت عليه حين قال هذه الكلمات، وقالوا‏:‏ إن ركنك لشديد‏.‏ وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد‏)‏ الحديث؛ وقد تقدم في ‏"‏البقرة‏"‏‏.‏ وخرجه الترمذي وزاد ‏(‏ما بعث الله بعده نبيا إلا في ثروة من قومه‏)‏‏.‏ قال محمد بن عمرو‏:‏ والثروة الكثرة والمنعة؛ حديث حسن‏.‏ ويروى أن لوطا عليه السلام لما غلبه قومه، وهموا بكسر الباب وهو يمسكه، قالت له الرسل‏:‏ تنح عن الباب؛ فتنحى وانفتح الباب؛ فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم، وعموا وانصرفوا على أعقابهم يقولون‏:‏ النجاء؛ قال الله تعالى‏ { ‏ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم‏} ‏ [القمر‏:‏ 37‏]‏‏.‏ وقال ابن عباس وأهل التفسير‏:‏ أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسور الجدار؛ فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب والنصب بسببهم، قالوا‏:‏ يا لوط إن ركنك لشديد، وأنهم آتيهم عذاب غير مردود، وإنا رسل ربك؛ فافتح الباب ودعنا وإياهم؛ ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه على ما تقدم‏.‏ وقيل‏:‏ أخذ جبريل قبضة من تراب فأذراها في وجوههم، فأوصل الله إلى عين من بعد ومن قرب من ذلك التراب فطمس أعينهم، فلم يعرفوا طريقا، ولا اهتدوا إلى بيوتهم، وجعلوا يقولون‏:‏ النجاء النجاء‏!‏ فإن في بيت لوط قوما هم أسحر من على وجه الأرض، وقد سحرونا فأعموا أبصارنا‏.‏ وجعلوا يقولون‏:‏ يا لوط كما أنت حتى نصبح فسترى؛ يتوعدونه‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏قالوا يا لوط إنا رسل ربك‏} ‏ لما رأت الملائكة حزنه واضطرابه ومدافعته عرفوه بأنفسهم، فلما علم أنهم رسل مكن قومه من الدخول، فأمر جبريل عليه السلام يده على أعينهم فعموا، وعلى أيديهم فجفت‏.‏ ‏ { ‏لن يصلوا إليك‏} ‏ أي بمكروه ‏ { ‏فأسر بأهلك‏} ‏ قرئ ‏"‏فاسر‏"‏ بوصل الألف وقطعها؛ لغتان فصيحتان‏.‏ قال الله تعالى‏ { ‏والليل إذا يسر‏} [‏الفجر‏:‏ 4‏]‏ وقال‏ { ‏سبحان الذي أسرى‏} [‏الإسراء‏:‏ 1‏]‏ وقال النابغة‏:‏ فجمع بين اللغتين‏:‏ أسرت عليه من الجوزاء سارية ** تزجي الشمال عليه جامد البرد وقال آخر‏:‏ حي النضيرة ربة الخدر ** أسرت إليك ولم تكن تسري وقد قيل‏ { ‏فأسر‏} ‏ بالقطع إذا سار من أول الليل، وسرى إذا سار من آخره؛ ولا يقال في النهار إلا سار‏.‏ وقال لبيد‏:‏ إذا المرء أسرى ليلة ظن أنه ** قضى عملا والمرء ما عاش عامل وقال عبدالله بن رواحة‏:‏ عند الصباح يحمد القوم السرى ** وتنجلي عنهم غيابات الكرى ‏ { ‏بقطع من الليل‏} ‏ قال ابن عباس‏:‏ بطائفة من الليل‏.‏ الضحاك‏:‏ ببقية من الليل‏.‏ قتادة‏:‏ بعد مضي صدر من الليل‏.‏ الأخفش‏:‏ بعد جنح من الليل‏.‏ ابن الأعرابي‏:‏ بساعة من الليل‏.‏ وقيل‏:‏ بظلمة من الليل‏.‏ وقيل‏:‏ بعد هدء من الليل‏.‏ وقيل‏:‏ هزيع من الليل‏.‏ وكلها متقاربة؛ وقيل‏:‏ إنه نصف الليل؛ مأخوذ من قطعه نصفين؛ ومنه قول الشاعر‏:‏ ونائحة تنوح بقطع ليل ** على رجل بقارعة الصعيد فإن قيل‏:‏ السرى لا يكون إلا بالليل، فما معنى ‏ { ‏بقطع من الليل‏} ‏‏؟‏ فالجواب‏:‏ أنه لو لم يقل‏ { ‏بقطع من الليل‏} ‏ جاز أن يكون أوله‏.‏ ‏ { ‏ولا يلتفت منكم أحد‏} ‏ أي لا ينظر وراءه منكم أحد؛ قال مجاهد‏.‏ ابن عباس‏:‏ لا يتخلف منكم أحد‏.‏ علي بن عيسى لا يشتغل منكم أحد بما يخلفه من مال أو متاع‏.‏ { ‏إلا امرأتك‏} ‏ بالنصب؛ وهي القراءة الواضحة البينة المعنى؛ أي فأسر بأهلك إلا امرأتك‏.‏ وكذا في قراءة ابن مسعود ‏"‏فأسر بأهلك إلا امرأتك‏"‏ فهو استثناء من الأهل‏.‏ وعلى هذا لم يخرج بها معه‏.‏ وقد قال الله عز وجل‏ { ‏كانت من الغابرين‏} [‏الأعراف‏:‏ 83‏]‏ أي من الباقين‏.‏ وقرأ أبو عمرو وابن كثير‏"‏إلا امرأتك‏"‏ بالرفع على البدل من { ‏أحد‏} ‏‏.‏ وأنكر هذه القراءة جماعة منهم أبو عبيد؛ وقال‏:‏ لا يصح ذلك إلا برفع ‏ { ‏يلتفت‏} ‏ ويكون نعتا؛ لأن المعنى يصير - إذا أبدلت وجزمت - أن المرأة أبيح لها الالتفات، وليس المعنى كذلك‏.‏ قال النحاس‏:‏ وهذا الحمل من أبي عبيد وغيره على مثل أبي عمرو مع جلالته ومحله من العربية لا يجب أن يكون؛ والرفع على البدل له معنى صحيح، والتأويل له على ما حكى محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد أن يقول الرجل لحاجبه‏:‏ لا يخرج فلان؛ فلفظ النهي لفلان ومعناه للمخاطب؛ أي لا تدعه يخرج؛ ومثله قولك‏:‏ لا يقم أحد إلا زيد؛ يكون معناه‏:‏ انههم عن القيام إلا زيدا؛ وكذلك النهي للوط ولفظه لغيره؛ كأنه قال‏:‏ انههم لا يلتفت منهم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن النهي عن الالتفات لأنه كلام تام؛ أي لا يلتفت، منكم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن لوطا خرج بها، ونهى من معه ممن أسرى بهم ألا يلتفت، فلم يلتفت منهم أحد سوى زوجته؛ فإنها لما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت‏:‏ واقوماه‏!‏ فأدركها حجر فقتلها‏.‏ ‏ { ‏إنه مصيبها‏} ‏ أي من العذاب، والكناية في ‏ { ‏إنه‏} ‏ ترجع إلى الأمر والشأن؛ أي فإن الأمر والشأن والقصة‏.‏ { ‏مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح‏} ‏ لما قالت الملائكة‏ { ‏إنا مهلكو أهل هذه القرية‏} [‏العنكبوت‏:‏ 31‏]‏ قال لوط‏:‏ الآن الآن‏.‏ استعجلهم بالعذاب لغيظه على قومه؛ فقالوا‏ { ‏أليس الصبح بقريب‏} ‏ وقرأ عيسى بن عمر { ‏أليس الصبح‏} ‏ بضم الباء وهي لغة‏.‏ ويحتمل أن يكون جعل الصبح ميقاتا لهلاكهم؛ لأن النفوس فيه أودع، والناس فيه أجمع‏.‏ وقال بعض أهل التفسير‏:‏ إن لوطا خرج بابنتيه ليس معه غيرهما عند طلوع الفجر؛ وأن الملائكة قالت له‏:‏ إن الله قد وكل بهذه القرية ملائكة معهم صوت رعد، وخطف برق، وصواعق عظيمة، وقد ذكرنا لهم أن لوطا سيخرج فلا تؤذوه؛ وأمارته أنه لا يلتفت، ولا تلتفت ابنتاه فلا يهولنك ما ترى‏.‏ فخرج لوط وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏فلما جاء أمرنا‏} ‏ أي عذابنا‏.‏ { ‏جعلنا عاليها سافلها‏} ‏ وذلك أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط، وهي خمس‏:‏ سدوم - وهي القرية العظمى - وعامورا، ودادوما، وضعوه، وقتم، فرفعها من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء بما في فيها؛ حتى سمع أهل السماء نهيق حمرهم وصياح ديكتهم، لم تنكفئ لهم جرة، ولم ينكسر لهم إناء، ثم نكسوا على رؤوسهم، وأتبعهم الله بالحجارة‏.‏ مقاتل‏.‏ أهلكت أربعة، ونجت ضعوه‏.‏ وقيل‏:‏ غير هذا، والله أعلم‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏وأمطرنا عليها حجارة من سجيل‏} ‏ دليل على أن من فعل فعلهم حكمه الرجم، وقد تقدم في "‏الأعراف‏"‏‏.‏ وفي التفسير‏:‏ أمطرنا في العذاب، ومطرنا في الرحمة‏.‏ وأما كلام العرب فيقال‏:‏ مطرت السماء وأمطرت‏:‏ حكاه الهروي‏.‏ واختلف في ‏ { ‏السجيل‏} ‏ فقال النحاس‏:‏ السجيل الشديد الكثير؛ وسجيل وسجين اللام والنون أختان‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ السجيل الشديد؛ وأنشد‏:‏ ضربا تواصى به الأبطال سجينا ** قال النحاس‏:‏ ورد عليه هذا القول عبدالله بن مسلم وقال‏:‏ هذا سجين وذلك سجيل فكيف يستشهد به‏؟‏‏!‏ قال النحاس‏:‏ وهذا الرد لا يلزم؛ لأن أبا عبيدة ذهب إلى أن اللام تبدل من النون لقرب إحداهما من الأخرى؛ وقول أبي عبيدة يرد من جهة أخرى؛ وهي أنه لو كان على قوله لكان حجارة سجيلا؛ لأنه لا يقال‏:‏ حجارة من شديد؛ لأن شديدا نعت‏.‏ وحكى أبو عبيدة عن الفراء أنه قد يقال لحجارة الأرحاء سجيل‏.‏ وحكى عنه محمد بن الجهم أن سجيلا طين يطبخ حتى يصير بمنزلة الأرحاء‏.‏ وقالت طائفة منهم ابن عباس وسعيد بن جبير وابن إسحاق‏:‏ إن سجيلا لفظة غير عربية عربت، أصلها سنج وجيل‏.‏ ويقال‏:‏ سنك وكيل؛ بالكاف موضع الجيم، وهما بالفارسية حجر وطين عربتهما العرب فجعلتهما اسما واحدا‏.‏ وقيل‏:‏ هو من لغة العرب‏.‏ وقال قتادة وعكرمة‏:‏ السجيل الطين بدليل قوله ‏ { ‏لنرسل عليهم حجارة من طين‏} [‏الذاريات‏:‏ 33‏]‏‏.‏ وقال الحسن‏:‏ كان أصل الحجارة طينا فشددت‏.‏ والسجيل عند العرب كل شديد صلب‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ يعني الآجر‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ طين طبخ حتى كان كالآجر؛ وعنه أن سجيلا اسم السماء الدنيا؛ ذكره المهدوي؛ وحكاه الثعلبي عن أبي العالية؛ وقال ابن عطية‏:‏ وهذا ضعيف يرده وصفه بـ ‏ { ‏منضود‏} ‏‏.‏ وعن عكرمة‏:‏ أنه بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض منه نزلت الحجارة‏.‏ وقيل‏:‏ هي جبال في السماء، وهي التي أشار الله تعالى إليها بقوله‏ { ‏وينزل من السماء من جبال فيها من برد‏} [‏النور‏:‏ 43‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ هو مما سجل لهم أي كتب لهم أن يصيبهم؛ فهو في معنى سجين؛ قال الله تعالى‏ { ‏وما أدراك ما سجين‏.‏ كتاب مرقوم‏} [‏المطففين‏:‏ 8‏]‏ قاله الزجاج واختاره‏.‏ وقيل‏:‏ هو فعيل من أسجلته أي أرسلته؛ فكأنها مرسلة عليهم‏.‏ وقيل‏:‏ هو من أسجلته إذا أعطيته؛ فكأنه عذاب أعطوه؛ قال‏:‏ من يساجلني يساجل ماجدا ** يملأ الدلو إلى عقد الكرب وقال أهل المعاني‏:‏ السجيل والسجين الشديد من الحجر والضرب؛ قال ابن مقبل‏:‏ ورجلة يضربون البيض ضاحية ** ضربا تواصى به الأبطال سجينا ‏ { ‏منضود‏} ‏ قال ابن عباس‏:‏ متتابع‏.‏ وقال قتادة‏:‏ نضد بعضها فوق بعض‏.‏ وقال الربيع‏:‏ نضد بعضه على بعض حتى صار جسدا واحدا‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ مصفوف‏.‏ وقال بعضهم مرصوص؛ والمعنى متقارب‏.‏ يقال‏:‏ نضدت المتاع واللبن إذا جعلت بعضه على بعض، فهو منضود ونضيد ونضد؛ قال‏:‏ ورفعته إلى السجفين فالنضد ** وقال أبو بكر الهذلي‏:‏ معد؛ أي هو مما أعده الله لأعدائه الظلمة‏.‏ ‏ { ‏مسومة‏} ‏ أي معلمة، من السيما وهي العلامة؛ أي كان عليها أمثال الخواتيم‏.‏ وقيل‏:‏ مكتوب على كل حجر اسم من رمي به، وكانت لا تشاكل حجارة الأرض‏.‏ وقال الفراء‏:‏ زعموا أنها كانت بحمرة وسواد في بياض، فذلك تسويمها‏.‏ وقال كعب‏:‏ كانت معلمة ببياض وحمرة، وقال الشاعر‏:‏ غلام رماه الله بالحسن يافعا ** له سيمياء لا تشق على البصر و‏ { ‏مسومة‏} ‏ من نعت حجارة‏.‏ و { ‏منضود‏} ‏ من نعت ‏ { ‏سجيل‏} ‏‏.‏ وفي قوله‏ { ‏عند ربك‏} ‏ دليل على أنها ليست من حجارة الأرض؛ قاله الحسن‏.‏ ‏ { ‏وما هي من الظالمين ببعيد‏} ‏ يعني قوم لوط؛ أي لم تكن تخطئهم‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ يرهب قريشا؛ المعنى‏:‏ ما الحجارة من ظالمي قومك يا محمد ببعيد‏.‏ وقال قتادة وعكرمة‏:‏ يعني ظالمي هذه الأمة؛ والله ما أجار الله منها ظالما بعد‏.‏ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏سيكون في آخر أمتي قوم يكتفي رجالهم بالرجال ونساؤهم بالنساء فإذا كان ذلك فارتقبوا عذاب قوم لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجيل‏)‏ ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ { ‏وما هي من الظالمين ببعيد‏} ‏‏.‏ وفي رواية عنه عليه السلام ‏(‏لا تذهب الليالي والأيام حتى تستحل هذه الأمة أدبار الرجال كما استحلوا أدبار النساء فتصيب طوائف من هذه الأمة حجارة من ربك‏)‏‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى ما هذه القرى من الظالمين ببعيد؛ وهي بين الشام والمدينة‏.‏ وجاء ‏ { ‏ببعيد‏} ‏ مذكرا على معنى بمكان بعيد‏.‏ وفي الحجارة التي أمطرت قولان‏:‏ أحدهما‏.‏ أنها أمطرت على المدن حين رفعها جبريل‏.‏ الثاني‏:‏ أنها أمطرت على من لم يكن في المدن من أهلها وكان خارجا عنها‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 72 - 83

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وقول الحق سبحانه: { وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } [هود: 78].

أي: يسرعون إليه في تدافق، والإنسان إذا لم يكن قد مرن على الشر وله به دُربة، يكون متردداً خائفاً، أما من له دربة فهو يقبل على الشر بجرأة ونشاط.

وكلمة " يهرعون " هي من الألفاظ العجيبة في اللغة العربية، وألفاظ اللغة تجد فيها فعلاً له فاعل، كقولنا: " يضربُ زيدٌ عَمْراً " أي: أن الضارب هو " زيد " والمضروب هو " عمرو " ، ونقول: " يُضْرَبُ عمرو " أي: أننا بنينا الفعل للمجهول، وسُمِّي عمرو " نائب فاعل ".

أما في الفعل " يُهْرَعُ " فلا نجد أحداً يقول: " يُهرع " إلا ويكون بعدها فاعل وليس نائب فاعل، مثلها مثل الفعل " جُنَّ " فهل هناك من يأتي لنفسه بالجنون، أم أن الجنون هو الذي جاءه؟ لا أحد يعرف سبب الجنون؛ ولذلك بُنيت الكلمة للمجهول، ولكن ما يأتي بعدها يكون فاعلاً. وهذا من إعجاز البيان القرآني.

وكذلك نقول: " زُكِمَ فلان " فمن الذي أصابه بالزكام؟ لا نعرف سبباً ظاهراً للزكام.

إذن: فإذا جُهِلَ الفاعل فنحن نبني الفعل للمجهول، ولكن ما يأتي بعده يكون فاعلاً.

وقول تعالى:

{ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } [هود: 78].

يبيِّن أنهم أقبلوا باندفاع، كأنهم يعشقون ما يذهبون إليه؛ لأن كلاً منهم له دربة على ذلك الفعل المشين، أو أن كلاً منهم ذاهب إلى ما يحب دون تَهيُّب، باندفاع من نفسه ودَفْع من غيره، مثلما تقول: " سنوزع تمويناً بالمجان "؛ هنا تجد الناس يتدافعون، كل منهم من تلقاء نفسه، وغيره يدفعه ليرتد إلى الوراء.

وقوم لوط كانوا على دُرْبة بتلك الفاحشة.

يقول الحق سبحانه عنهم:

{ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ } [هود: 78].

أي: أن هذه المسألة عندهم كانت محببة، ولهم دربة عليها وخفيفة على قلوبهم، ولا حياء يمنعهم عنها.

فالحياء يعني أن بعض الناس يعمل السيئة ويخشى الآخرون أن يفعلوها، لكن إذا ما كانوا يحبون تلك السيئة، فلن يخجل أحد من الآخر.

وماذا يكون موقف لوط ـ عليه السلام ـ في هذا اليوم العصيب؟ لقد أقبلوا عليه بسرعة، وفي كوكبة واندفاع، وهو يعلم نياتهم ويعلم سوابقهم، وفكَّر لوط ـ عليه السلام ـ في أن يصرفهم انصرافاً من جنس اندفاعهم.

يقول الحق سبحانه:

{ قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } [هود: 78].

وقد قال ذلك لأن المرأة مخلوقة لذلك، ومن الممكن أن يتزوجوا من بناته.

وكان العُرْف في أيام لوط عليه السلام لا يمنع أن يزوِّج المؤمن ابنته لغير المؤمن؟ وقد زَوَّجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إحدى بناته لعُتبة بن أبي لهب، وأخرى لأبي العاص بن الربيع؟ قبل تحريم الحق سبحانه تزويج المؤمنة لغير المؤمن.فهل كان المقصود: بناته من صُلبه أم بنات أمته، أم بنات المؤمنين به؟ وقد قيل: إنه لم يؤمن بالله إلا لوط وابنتاه، فكيف يكون الزواج لابنتين من كل هذا العدد من الرجال المتدافعين؟

وقيل: إنه بحث عن السادة الأقوياء الذين بيدهم القرار، وأراد أن يراضيهم بهذا الزواج؛ لعلهم يرجعون عن الفواحش والسيئات، وفي هذا طهر لهم، وبذلك يحفظون كرامته أمام ضيوفه.

يقول لوط عليه السلام:

{ فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي } هود: 78].

وكلمة " ضيف " ـ كما نعلم ـ جاءت هنا مفردة، ولكنها تطلق أيضاً على الجمع، والمثنى، وتصلح للدلالة على المذكر وعلى المؤنث أيضاً، فإن جاء ضيف واحد تقول: " هذا ضيفي " ، وإن جاء اثنان تقول: " هذان ضيفي " ، وإن كانت امرأة تقول: " هذه ضيفي " ، وإن كانتا امرأتين تقول: " هاتان ضيفي " ، وإن جاءت جماعة تقول: " هؤلاء ضيفي ".

والحق سبحانه يقول:


{  هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ }
[الذاريات: 24].

وهناك ألفاظ أخرى كذلك في اللغة مثل: كلمة " طفل " فهي مفرد؛ ولكنها قد تطلق على الجماعة، إلا أن كلمة " طفل " وُجِد لها جمع هو " أطفال ".

والحق سبحانه يقول:


{  وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِيۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ }
[النور: 31].

إذن: فكلمة " طفل " تطلق أيضاً، ويراد بها الجماعة.

وهنا يطلب لوط عليه السلام من قومه ألا يخزوه في ضيفه، والخزي فضيحة أمام النفس وأمام الناس.

والإنسان قد تهون عليه نفسه ويُقبل على العمل السيىء ما لم يره أحد، أما أن يراه الناس، ففي هذا فضح له؛ فالفضيحة تكون بين جمهرة الناس، والهوان أن يكون العمل السيىء بينه وبين نفسه.

ويتساءل لوط عليه السلام:

{ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } [هود: 78].

أي: ألا يوجد بينكم رجل له عقل ومروءة وكرامة، يمنع هذه المسألة.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ }


www.alro7.net