سورة
اية:

فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى آمراً رسوله صلى اللّه عليه وسلم بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه، { فإما نرينك بعض الذي نعدهم} أي في الدنيا وكذلك وقع، فإن اللّه تعالى أقر عينه يوم بدر ثم فتح اللّه عليه مكة وسائر جزيرة العرب في حياته صلى اللّه عليه وسلم، وقوله عزَّ وجلَّ: { أو نتوفينك فإلينا يرجعون} أي فنذيقهم العذاب الشديد في الآخرة، ثم قال تعالى مسلياً له: { ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك} أي منهم من أوحينا إليك خبرهم وقصصهم مع قومهم كيف كذبوهم، ثم كانت للرسل العاقبة والنصرة، { ومنهم من لم نقصص عليك} وهم أكثر ممن ذكر بأضعاف أضعاف، كما تقدم التنبيه على ذلك في سورة النساء وللّه الحمد والمنة، وقوله تعالى: { وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن اللّه} أي ولم يكن لواحد من الرسل أن يأتي قومه بخارق للعادات إلا أن يأذن اللّه في ذلك فيدل ذلك على صدقه فيما جاءهم به، { فإذا جاء أمر اللّه} وهو عذابه ونكاله المحيط بالمكذبين، { قضي بالحق} فينجي المؤمنين ويهلك الكافرين، ولهذا قال عزَّ وجلَّ: { وخسر هنالك المبطلون} .

تفسير الجلالين

{ فاصبر إن وعد الله } بعذابهم { حق فإما نرينَّك } فيه إن الشرطية مدغمة وما زائدة تؤكد معنى الشرط أول الفعل والنون تؤكد آخره { بعض الذي نعدهم } به من العذاب في حياتك وجواب الشرط محذوف، أي فذاك { أو نتوفينك } أي قبل تعذيبهم { فإلينا يرجعون } فنعذبهم أشد العذاب فالجواب المذكور للمعطوف فقط .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْد اللَّه حَقّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْض الَّذِي نَعِدهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَاصْبِرْ يَا مُحَمَّد عَلَى مَا يُجَادِلك بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي آيَات اللَّه الَّتِي أَنْزَلْنَاهَا عَلَيْك , وَعَلَى تَكْذِيبهمْ إِيَّاكَ , فَإِنَّ اللَّه مُنْجِز لَك فِيهِمْ مَا وَعَدَك مِنْ الظَّفَر عَلَيْهِمْ , وَالْعُلُوّ عَلَيْهِمْ , وَإِحْلَال الْعِقَاب بِهِمْ , كَسُنَّتِنَا فِي مُوسَى بْن عِمْرَان وَمَنْ كَذَّبَهُ { فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْض الَّذِي نَعِدهُمْ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ يَا مُحَمَّد فِي حَيَاتك بَعْض الَّذِي نَعِد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْعَذَاب وَالنِّقْمَة أَنْ يَحُلّ بِهِمْ { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قَبْل أَنْ يَحُلّ ذَلِكَ بِهِمْ { فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } يَقُول : فَإِلَيْنَا مَصِيرك وَمَصِيرهمْ , فَنَحْكُم عِنْد ذَلِكَ بَيْنك وَبَيْنهمْ بِالْحَقِّ بِتَخْلِيدِنَاهُمْ فِي النَّار , وَإِكْرَامِنَاكَ بِجِوَارِنَا فِي جَنَّات النَّعِيم . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْد اللَّه حَقّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْض الَّذِي نَعِدهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَاصْبِرْ يَا مُحَمَّد عَلَى مَا يُجَادِلك بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي آيَات اللَّه الَّتِي أَنْزَلْنَاهَا عَلَيْك , وَعَلَى تَكْذِيبهمْ إِيَّاكَ , فَإِنَّ اللَّه مُنْجِز لَك فِيهِمْ مَا وَعَدَك مِنْ الظَّفَر عَلَيْهِمْ , وَالْعُلُوّ عَلَيْهِمْ , وَإِحْلَال الْعِقَاب بِهِمْ , كَسُنَّتِنَا فِي مُوسَى بْن عِمْرَان وَمَنْ كَذَّبَهُ { فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْض الَّذِي نَعِدهُمْ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ يَا مُحَمَّد فِي حَيَاتك بَعْض الَّذِي نَعِد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْعَذَاب وَالنِّقْمَة أَنْ يَحُلّ بِهِمْ { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قَبْل أَنْ يَحُلّ ذَلِكَ بِهِمْ { فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } يَقُول : فَإِلَيْنَا مَصِيرك وَمَصِيرهمْ , فَنَحْكُم عِنْد ذَلِكَ بَيْنك وَبَيْنهمْ بِالْحَقِّ بِتَخْلِيدِنَاهُمْ فِي النَّار , وَإِكْرَامِنَاكَ بِجِوَارِنَا فِي جَنَّات النَّعِيم .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون} قال ابن زيد : هم المشركون بدليل قوله: { الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا} . وقال أكثر المفسرين : نزلت في القدرية. قال ابن سيرين : إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية فلا أدري فيمن نزلت. قال أبو قبيل : لا أحسب المكذبين بالقدر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا. وقال عقبة بن عامر : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (نزلت هذه الآية في القدرية) ذكره المهدوي. قوله تعالى: { إذ الأغلال في أعناقهم} أي عن قريب يعلمون بطلان ما هم فيه إذا دخلوا النار وغلت أيديهم إلى أعناقهم. قال التيمي : لوأن غلا من أغلال جهنم وضع على جبل لوهصه حتى يبلغ الماء الأسود. { والسلاسل يسحبون} بالرفع قراءة العامة عطفا على الأغلال. قال أبو حاتم: { يسحبون} مستأنف على هذه القراءة. وقال غيره : هو في موضع نصب على الحال، والتقدير: { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} مسحوبين. وقرأ ابن عباس وأبو الجوزاء وعكرمة وابن مسعود: { والسلاسل} بالنصب { يَسحبون} بفتح الياء والتقدير في هذه القراءة ويسحبون السلاسل. قال ابن عباس : إذا كانوا يجرونها فهو أشد عليهم وحكي عن بعضهم { والسلاسل} بالجر ووجهه أنه محمول على المعنى؛ لأن المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل؛ قال الفراء. وقال الزجاج : ومن قرأ { والسلاسل يسحبون} بالخفض فالمعنى عنده وفي { السلاسل يسحبون} . قال ابن الأنباري : والخفض على هذا المعنى غير جائز؛ لأنك إذا قلت زيد في الدار لم يحسن أن تضمر { في} فتقول زيد الدار، ولكن الخفض جائز. على معنى إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل، فتخفض السلاسل على النسق على تأويل الأغلال؛ لأن الأغلال في تأويل الخفض؛ كما تقول : خاصم عبدالله زيدا العاقلين فتنصب العاقلين. ويجوز رفعهما؛ لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه صاحبه؛ أنشد الفراء : قد سالم الحيات منه القدما ** الأفعوان والشجاع الشجعما فنصب الأفعوان على الإتباع للحيات إذا سالمت القدم فقد سالمتها القدم. فمن نصب السلاسل أو خفضها لم يقف عليها. { في الحميم} المتناهي في الحر. وقيل : الصديد المغلي. { ثم في النار يسجرون} أي يطرحون فيها فيكونون وقودا لها؛ قال مجاهد. يقال : سجرت التنور أي أوقدته، وسجرته ملأته؛ ومنه { والبحر المسجور} [الطور : 6] أي المملوء. فالمعنى على هذا تملأ بهم النار وقال الشاعر يصف وعلا : إذا شاء طالع مسجورة ** ترى حولها النبع والسمسما أي عينا مملوءة. { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون، من دون الله} وهذا تقريع وتوبيخ. { قالوا ضلوا عنا} أي هلكوا وذهبوا عنا وتركونا في العذاب؛ من ضل الماء في اللبن أي خفي. وقيل : أي صاروا بحيث لا نجدهم. { بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا} أي شيئا لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع. وليس هذا إنكارا لعبادة الأصنام، بل هو اعتراف بأن عبادتهم الأصنام كانت باطلة؛ قال الله تعالى: { كذلك يضل الله الكافرين} أي كما فعل بهؤلاء من الإضلال يفعل بكل كافر. قوله تعالى: { ذلكم} أي ذلكم العذاب { بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق} بالمعاصي يقال لهم ذلك توبيخا. أي إنما نالكم هذا بما كنتم تظهرون في الدنيا من السرور بالمعصية وكثرة المال والأتباع والصحة. وقيل إن فرحهم بها عندهم أنهم قالوا للرسل : نحن نعلم أنا لا نبعث ولا نعذب. وكذا قال مجاهد في قوله جل وعز: { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} [غافر : 83]. { وبما كنتم تمرحون} قال مجاهد وغيره : أي تبطرون وتأشرون. وقد مضى في { سبحان} بيانه. وقال الضحاك : الفرح السرور، والمرح العدوان. وروى خالد عن ثور عن معاذ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله يبغض البذخين الفرحين ويحب كل قلب حزين ويبغض أهل بيت لحمين ويبغض كل حبر سمين) فأما أهل بيت لحمين : فالذين يأكلون لحوم الناس بالغيبة. وأما الحبر السمين : فالمتحبر بعلمه ولا يخبر بعلمه الناس؛ يعني المستكثر من علمه ولا ينتفع به الناس. ذكره الماوردي. وقد قيل في اللحمين : أنهم الذين يكثرون أكل اللحم؛ ومنه قول عمر : اتقوا هذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر؛ ذكره المهدوي. والأول قول سفيان الثوري. { ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها} أي يقال لهم ذلك اليوم، وقد قال الله تعالى: { لها سبعة أبواب} [الحجر : 44]. { فبئس مثوى المتكبرين} تقدم جميعه. قوله تعالى: { فاصبر إن وعد الله حق} هذا تسلية للنبي عليه السلام، أي إنا لننتقم لك منهم إما في حياتك أو في الآخرة. { فإما نرينك} في موضع جزم بالشرط وما زائدة للتوكيد وكذا النون وزال الجزم وبني الفعل على الفتح. { أو نتوفينك} عطف عليه { فإلينا يرجعون} الجواب. قوله تعالى: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك} عزاه أيضا بما لقيت الرسل من قبل. { منهم من قصصنا عليك} أي أنبأناك بأخبارهم وما لقوا من قومهم. { ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية} أي من قبل نفسه { إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله} أي إذا جاء الوقت المسمى لعذابهم أهلكهم الله، وإنما التأخير لإسلام من علم الله إسلامه منهم، ولمن في أصلابهم من المؤمنين. وقيل : أشار بهذا إلى القتل ببدر. { قضي بينهم؟؟ بالحق وخسر هنالك المبطلون} أي الذين يتبعون الباطل والشرك.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 67 - 85

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

نعم { إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ.. } [غافر: 77] أي: وعده بنصرة رسله وهو حق، لأنه تعالى قادر على إنفاذ وعده، وبيَّنا الفرق بين وعدك ووعد الله، وعدك أنت غير الحق لأنك لا تملك أسباب الوفاء به وتضمنها، أما الحق سبحانه فله صفات الكمال، ولا يمنعه شيء من تحقيق وعده.

وقوله: { فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ.. } [غافر: 77] أي: من العذاب في الدنيا. { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ.. } [غافر: 77] تموت قبل أن ترى فيهم آية { فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } [غافر: 77] أي: في الآخرة حيث لا يفلتون من العذاب؛ لذلك قال تعالى:
{  وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }
[السجدة: 21].

العذاب الأدنى ما يقع لهم في الدنيا، والعذاب الأكبر يوم القيامة، يعني: لا مفرَّ لهم.

ثم يُوضح سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم حقيقة الرسالة، يقول له: اعلم يا محمد أنك لستَ بدعاً من الرسل، ولستَ أول مَنْ أُوذِي في سبيل دعوته، فكل مَنْ سبقك من إخوانك في موكب الرسالات أُوذِي بقدر رسالته، لذلك فأنت أشدّهم إيذاءً، لأنك نبيُّ آخر الزمان، ورسالتك عامة للناس كافة في كل زمان ومكان، فلا بُدَّ أنْ يكون ابتلاؤك أشدَّ ممَّنْ سبقوك.

يقول سبحانه: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ.. } [غافر: 78].


www.alro7.net