سورة
اية:

وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ

تفسير بن كثير

عن ابن عباس قال في قوله تعالى: { إن قارون كان من قوم موسى} قال: كان ابن عمه وهو قول إبراهيم النخعي وقتادة ومالك بن دينار وابن جريج وغيرهم ، وقال ابن جريج: هو قارون بن يصهب بن قاهث، وموسى بن عمران بن قاهث، وزعم محمد بن إسحاق أن قارون كان عم موسى بن عمران عليه السلام، وأكثر أهل العلم على أنه كان ابن عمه واللّه أعلم، وقال قتادة: كنا نحدث أنه كان ابن عم موسى، وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة، ولكن عدو اللّه نافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله، وقوله: { وآتيناه من الكنوز} أي الأموال { ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة} أي ليثقل حملها الفِئام من الناس لكثرتها، قال الأعمش: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كل مفتاح على خزانة على حدته، فإذا ركب حملت على ستين بغلا أغر محجلا، وقيل غير ذلك واللّه أعلم، وقوله: { إذ قال له قومه لا تفرح إن اللّه لا يحب الفرحين} أي وعظه فيما هو فيه صالحو قومه، فقالوا على سبيل النصح والإرشاد: لا تفرح بما أنت فيه، يعنون لا تبطر بما أنت فيه من المال { إن اللّه لا يحب الفرحين} . قال ابن عباس: يعني المرحين، وقال مجاهد: يعني الأشرين البطرين، الذين لا يشكرون اللّه على ما أعطاهم، وقوله: { وابتغ فيما آتاك اللّه الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} أي استعمل ما وهبك اللّه من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والاخرة، { ولا تنس نصيبك من الدنيا} أي مما أباح اللّه فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزوجك عليك حقا، فآت كل ذي حق حقه، { وأحسن كما أحسن اللّه إليك} أي أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك، { ولا تبغ الفساد في الأرض} أي لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به في الأرض وتسيء إلى خلق اللّه { إن اللّه لا يحب المفسدين} .

تفسير الجلالين

{ وابتغ } اطلب { فيما آتاك الله } من المال { الدار الآخرة } بأن تنفقه في طاعة الله { ولا تنس } تترك { نصيبك من الدنيا } أي أن تعمل فيها للآخرة { وأحسن } للناس بالصدقة { كما أحسن الله إليك ولا تبغ } تطلب { الفساد في الأرض } بعمل المعاصي { إن الله لا يحب المفسدين } بمعنى أنه يعاقبهم.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاك اللَّه الدَّار الْآخِرَة } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره , مُخْبِرًا عَنْ قِيل قَوْم قَارُون لَهُ : لَا تَبْغِ يَا قَارُون عَلَى قَوْمك , بِكَثْرَةِ مَالِك , وَالْتَمِسْ فِيمَا آتَاك اللَّه مِنْ الْأَمْوَال خَيْرَات الْآخِرَة , بِالْعَمَلِ فِيهَا بِطَاعَةِ اللَّه فِي الدُّنْيَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاك اللَّه الدَّار الْآخِرَة } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره , مُخْبِرًا عَنْ قِيل قَوْم قَارُون لَهُ : لَا تَبْغِ يَا قَارُون عَلَى قَوْمك , بِكَثْرَةِ مَالِك , وَالْتَمِسْ فِيمَا آتَاك اللَّه مِنْ الْأَمْوَال خَيْرَات الْآخِرَة , بِالْعَمَلِ فِيهَا بِطَاعَةِ اللَّه فِي الدُّنْيَا .' وَقَوْله : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } يَقُول : وَلَا تَتْرُك نَصِيبك وَحَظّك مِنْ الدُّنْيَا , أَنْ تَأْخُذ فِيهَا بِنَصِيبِك مِنْ الْآخِرَة , فَتَعْمَل فِيهِ بِمَا يُنْجِيك غَدًا مِنْ عِقَاب اللَّه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21025 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا , وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّه إِلَيْك } يَقُول : لَا تَتْرُك أَنْ تَعْمَل لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن آدَم , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : أَنْ تَعْمَل فِيهَا لِآخِرَتِك . 21016 -حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا قُرَّة بْن خَالِد , عَنْ عَوْن بْن عَبْد اللَّه { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : إِنَّ قَوْمًا يَضَعُونَهَا عَلَى غَيْر مَوْضِعهَا. وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا : تَعْمَل فِيهَا بِطَاعَةِ اللَّه . 21017 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك , عَنْ مَعْمَر , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : الْعَمَل بِطَاعَتِهِ . * -حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : تَعْمَل فِي دُنْيَاك لِآخِرَتِك . * - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : الْعَمَل فِيهَا بِطَاعَةِ اللَّه . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عِيسَى الْجُرَشِيّ , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : أَنْ تَعْمَل فِي دُنْيَاك لِآخِرَتِك . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْعَمَل بِطَاعَةِ اللَّه : نَصِيبه مِنْ الدُّنْيَا , الَّذِي يُثَاب عَلَيْهِ فِي الْآخِرَة . 21018 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : لَا تَنْسَ أَنْ تُقَدِّم مِنْ دُنْيَاك لِآخِرَتِك , فَإِنَّمَا تَجِد فِي آخِرَتك مَا قَدَّمْت فِي الدُّنْيَا , فِيمَا رَزَقَك اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تَتْرُك أَنْ تَطْلُب فِيهَا حَظّك مِنْ الرِّزْق. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21029 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } : قَالَ الْحَسَن : مَا أَحَلَّ اللَّه لَك مِنْهَا , فَإِنَّ لَك فِيهِ غِنًى وَكِفَايَة . * -حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْد الْمَعْمَرِيّ , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : طَلَب الْحَلَال . 21030 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا حَفْص , عَنْ أَشْعَث , عَنْ الْحَسَن : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } : قَالَ : قَدَّمَ الْفَضْل , وَأَمْسَكَ مَا يُبَلِّغك . 21031 - الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : الْحَلَال فِيهَا . وَقَوْله : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } يَقُول : وَلَا تَتْرُك نَصِيبك وَحَظّك مِنْ الدُّنْيَا , أَنْ تَأْخُذ فِيهَا بِنَصِيبِك مِنْ الْآخِرَة , فَتَعْمَل فِيهِ بِمَا يُنْجِيك غَدًا مِنْ عِقَاب اللَّه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21025 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا , وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّه إِلَيْك } يَقُول : لَا تَتْرُك أَنْ تَعْمَل لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن آدَم , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : أَنْ تَعْمَل فِيهَا لِآخِرَتِك . 21016 -حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا قُرَّة بْن خَالِد , عَنْ عَوْن بْن عَبْد اللَّه { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : إِنَّ قَوْمًا يَضَعُونَهَا عَلَى غَيْر مَوْضِعهَا. وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا : تَعْمَل فِيهَا بِطَاعَةِ اللَّه . 21017 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك , عَنْ مَعْمَر , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : الْعَمَل بِطَاعَتِهِ . * -حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : تَعْمَل فِي دُنْيَاك لِآخِرَتِك . * - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : الْعَمَل فِيهَا بِطَاعَةِ اللَّه . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عِيسَى الْجُرَشِيّ , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : أَنْ تَعْمَل فِي دُنْيَاك لِآخِرَتِك . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْعَمَل بِطَاعَةِ اللَّه : نَصِيبه مِنْ الدُّنْيَا , الَّذِي يُثَاب عَلَيْهِ فِي الْآخِرَة . 21018 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : لَا تَنْسَ أَنْ تُقَدِّم مِنْ دُنْيَاك لِآخِرَتِك , فَإِنَّمَا تَجِد فِي آخِرَتك مَا قَدَّمْت فِي الدُّنْيَا , فِيمَا رَزَقَك اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تَتْرُك أَنْ تَطْلُب فِيهَا حَظّك مِنْ الرِّزْق. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21029 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } : قَالَ الْحَسَن : مَا أَحَلَّ اللَّه لَك مِنْهَا , فَإِنَّ لَك فِيهِ غِنًى وَكِفَايَة . * -حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْد الْمَعْمَرِيّ , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : طَلَب الْحَلَال . 21030 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا حَفْص , عَنْ أَشْعَث , عَنْ الْحَسَن : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } : قَالَ : قَدَّمَ الْفَضْل , وَأَمْسَكَ مَا يُبَلِّغك . 21031 - الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : الْحَلَال فِيهَا . ' وَقَوْله : { وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّه إِلَيْك } يَقُول : وَأَحْسِنْ فِي الدُّنْيَا إِنْفَاق مَالِك الَّذِي آتَاكَهُ اللَّه , فِي وُجُوهه وَسُبُله , كَمَا أَحْسَنَ اللَّه إِلَيْك , فَوَسَّعَ عَلَيْك مِنْهُ , وَبَسَطَ لَك فِيهَا. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21032 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّه إِلَيْك } قَالَ : أَحْسِنْ فِيمَا رَزَقَك اللَّه . وَقَوْله : { وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّه إِلَيْك } يَقُول : وَأَحْسِنْ فِي الدُّنْيَا إِنْفَاق مَالِك الَّذِي آتَاكَهُ اللَّه , فِي وُجُوهه وَسُبُله , كَمَا أَحْسَنَ اللَّه إِلَيْك , فَوَسَّعَ عَلَيْك مِنْهُ , وَبَسَطَ لَك فِيهَا. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21032 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّه إِلَيْك } قَالَ : أَحْسِنْ فِيمَا رَزَقَك اللَّه . ' يَقُول : وَلَا تَلْتَمِس مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْك مِنْ الْبَغْي عَلَى قَوْمك .يَقُول : وَلَا تَلْتَمِس مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْك مِنْ الْبَغْي عَلَى قَوْمك .' يَقُول : إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ بُغَاة الْبَغْي وَالْمَعَاصِي .يَقُول : إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ بُغَاة الْبَغْي وَالْمَعَاصِي .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { إن قارون كان من قوم موسى} لما قال { وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها} القصص 60 بين أن قارون أوتيها واغتر بها ولم تعصمه من عذاب الله كما لم تعصم فرعون، ولستم أيها المشركون بأكثر عددا ومالا من قارون وفرعون، فلم ينفع فرعون جنوده وأمواله ولم ينفع قارون قرابته من موسى ولا كنوزه قال النخعي وقتادة وغيرهما : كان ابن عم موسى لحا؛ وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب؛ وموسى بن عمران بن قاهث وقال ابن إسحاق : كان عم موسى لأب وأم وقيل : كان ابن خالته ولم ينصرف للعجمة والتعريف وما كان على وزن فاعول أعجميا لا يحسن فيه الألف واللام لم ينصرف في المعرفة وانصرف في النكرة، فإن حسنت فيه الألف واللام انصرف إن كان اسما لمذكر نحو طاوس وراقود قال الزجاج : ولو كان قارون من قرنت الشيء لانصرف. قوله تعالى: { فبغى عليهم} بغيه أنه زاد في طول ثوبه شبرا؛ قاله شهر بن حوشب وفي الحديث (لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا) وقيل : بغيه كفره بالله عز وجل؛ قاله الضحاك وقيل : بغيه استخفافه بهم بكثرة مال وولده؛ قاله قتادة وقيل : بغيه نسبته ما آتاه الله من الكنوز إلى نفسه بعلمه وحيلته؛ قاله ابن بحر وقيل : بغيه قوله إذا كانت النبوة لموسى والمذبح والقربان في هارون فمالي ! فروى أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة لموسى والحبورة لهارون؛ يقرب القربان ويكون رأسا فيهم، وكان القربان لموسى فجعله موسى إلى أخيه، وجد قاوون في نفسه وحسدهما فقال لموسى : الأمر لكما وليس لي شيء إلى متى أصبر قال موسى؛ هذا صنع الله قال : والله لا أصدقنك حتى تأتي بآية؛ فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل واحد منهم بعصاه، فحزمها وألقاها في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها، وكانوا يحرسون عصيهم بالليل فأصبحوا وإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر - وكانت من شجر اللوز - فقال قارون : ما هو بأعجب مما تصنع من السحر . { فبغى عليهم} من البغي وهو الظلم وقال يحيى بن سلام وابن المسيب : كان قارون غنيا عاملا لفرعون على بني إسرائيل فتعدى عليهم وظلمهم وكان منهم وقول سابع : روي عن ابن عباس قال : لما أمر الله تعالى برجم الزاني عمد قارون إلى امرأة بغي وأعطاها مالا، وحملها على أن ادعت على موسى أنه زنى بها وأنه أحبلها؛ فعظم على موسى ذلك وأحلفها بالله الذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت فتداركها الله فقالت : أشهد أنك بريء، وأن قارون أعطاني مالا، وحملني على أن قلت ما قلت، وأنت الصادق وقارون الكاذب فجعل الله أمر قارون إلى موسى وأمر الأرض أن تطيعه فجاءه وهو يقول للأرض : يا أرض خذيه؛ يا أرض خذيه وهي تأخذه شيئا فشيئا وهو يستغيث يا موسى إلى أن ساخ في الأرض هو وداره وجلساؤه الذين كانوا على مذهبه وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى : استغاث بك عبادي فلم ترحمهم، أما أنهم لو دعوني لوجدوني قريبا مجيبا ابن جريج : بلغنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة، فلا يبلغون إلى أسفل الأرض إلى يوم القيامة، وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج : حدثني إبراهيم بن راشد قال حدثني داود بن مهران عن الوليد بن مسلم عن مروان بن جناح عن يونس بن ميسرة بن حلبس قال : لقي قارون يونس في ظلمات البحر، فنادى قارون يونس، فقال : يا يونس تب إلى الله فإنك تجده عند أول قدم ترجع بها إليه فقال يونس : ما منعك من التوبة فقال : إن توبتي جعلت إلى ابن عمي فأبى أن يقبل مني وفي الخبر : إذا وصل قارون إلى قرار الأرض السابعة نفخ إسرافيل في الصور والله أعلم قال السدي : وكان اسم البغي سبرتا، وبذل لها قارون ألفي درهم قتادة : وكان قطع البحر مع موسى وكان يسمى المنور من حسن صورته في التوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري. قوله تعالى: { وآتيناه من الكنوز} قال عطاء : أصاب كثيرا من كنوز يوسف عليه السلام وقال الوليد بن مروان : إنه كان يعمل الكيمياء { ما إن مفاتحه} { إن} واسمها وخبرها في صلة { ما} و { ما} مفعولة { آتيناه} قال النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول ما أقبح ما يقول الكوفيون في الصلات؛ إنه لا يجوز أن تكون صلة الذي وأخواته { إن} وما عملت فيه، وفي القرآن { ما إن مفاتحه} وهو جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به ومن قال مفتاح قال مفاتيح ومن قال هي الخزائن فواحدها مفتح بالفتح { لتنوء بالعصبة} أحسن ما قيل فيه أن المعنى لتنيء العصبة أي تميلهم بثقلها، فلما انفتحت التاء دخلت الباء كما قالوا هو يذهب بالبؤس ومذهب البؤس فصار { لتنوء بالعصبة} فجعل العصبة تنوء أي تنهض متثاقلة؛ كقولك قم بنا أي أجعلنا نقوم يقال : ناء ينوء نوءا إذا نهض بثقل قال الشاعر : تنوء بأخراها فلايا قيامها ** وتمشي الهوينى عن قريب فتبهر وقال آخر : أخذت فلم أملك ونوت فلم أقم ** كأني من طول الزمان مقيد وأناءني إذا أثقلني؛ عن أبي زيد وقال أبو عبيدة : قوله { لتنوء بالعصبة} مقلوب، والمعنى لتنوء بها العصبة أي تنهض بها أبو زيد : نؤت بالحمل إذا نهضت قال الشاعر : إنا وجدنا خلفا بئس الخلف ** عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف والأول معنى قول ابن عباس وأبي صالح والسدي وهو قول الفراء واختاره النحاس كما يقال : ذهبت به وأذهبته وجئت به وأجأته ونؤت به وأنأته؛ فأما قولهم : له عندي ما ساءه وناءه فهو إتباع كان يجب أن يقال وأناءه ومثله هنأني الطعام ومرأني، وأخذه ما قدم وما حدث وقيل : هو مأخوذ من النأي وهو البعد ومنه قول الشاعر : ينأون عنا وما تنأى مودتهم ** فالقلب فيهم رهين حيثما كانوا وقرأ بديل بن ميسرة { لينوء} بالياء؛ أي لينوء الواحد منها أو المذكور فحمل على المعنى وقال أبو عبيدة : قلت لرؤبة بن العجاج في قوله : فيها خطوط من سواد وبلق ** كأنه في الجلد توليع البهق إن كنت أردت الخطوط فقل كأنها، وإن كنت أردت السواد والبلق فقل كأنهما فقال : أردت كل ذلك واختلف في العصبة وهي الجماعة التي يتعصب بعضهم لبعض على أحد عشر قولا : الأول : ثلاثة رجال؛ قاله ابن عباس وعنه أيضا من الثلاثة إلى العشرة وقال مجاهد : العصبة هنا ما بين العشرين إلى خمسة عشر وعنه أيضا : ما بين العشرة إلى الخمسة عشر وعنه أيضا : من عشرة إلى خمسة ذكر الأول الثعلبي، والثاني القشيري والماوردي، والثالث المهدوي وقال أبو صالح والحكم بن عتيبة وقتادة والضحاك : أربعون رجلا. السدي ما بين العشرة إلى الأربعين وقاله قتادة أيضا وقال عكرمة : منهم من يقول أربعون، ومنهم من يقول سبعون وهو قول أبي صالح إن العصبة سبعون رجلا؛ ذكره الماوردي والأول ذكره عنه الثعلبي وقيل : ستون رجلا وقال سعيد بن جبير : ست أو سبع وقال عبدالرحمن بن زيد : ما بين الثلاثة والتسعة وهو النفر وقال الكلبي : عشرة لقول إخوة يوسف { ونحن عصبة} يوسف 8 وقاله مقاتل وقال خيثمة : وجدت في الإنجيل أن مفاتيح خزائن قارون وقر ستين بغلا غراء محجلة، وأنها لتنوء بها ثقلها، وما يزيد مفتح منها على إصبع، لكل مفتح منها كنز مال، لو قسم ذلك الكنز على أهل البصرة لكفاهم قال مجاهد : كانت المفاتيح من جلود الإبل وقيل : من جلود البقر لتخف عليه، وكانت تحمل معه إذا ركب على سبعين بغلا فيما ذكره القشيري وقيل : على أربعين بغلا وهو قول الضحاك وعنه أيضا : إن مفاتحه أوعيته وكذا قال أبو صالح : إن المراد بالمفاتح الخزائن؛ فالله أعلم . قوله تعالى: { إذ قال له قومه} أي المؤمنون من بني إسرائيل، قاله السدي وقال يحيى بن سلام : القوم هنا موسى وقال الفراء وهو جمع أريد به واحد كقوله { الذين قال لهم الناس} آل عمران 173 وإنما هو نعيم ابن مسعود على ما تقدم. { لا تفرح} أي لا تأشر ولا تبطر قال الشاعر : ولست بمفراح إذا الدهر سرني ** ولا ضارع في صرفه المتقلب وقال الزجاج : المعنى لا تفرح بالمال فإن الفرح بالمال لا يؤدي حقه وقال مبشر بن عبدالله : لا تفرح لا تفسد قال الشاعر : إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة ** وتحمل أخرى أفرحتك الودائع أي أفسدتك وقال أبو عمرو : أفرحه الدين أثقله وأنشده : إذا أنت..... البيت وأفرحه سره فهو مشترك قال الزجاج : والفرحين والفارحين سواء وفرق بينهما الفراء فقال : معنى الفرحين الذين هم في حال فرح، والفارحين الذين يفرحون في المستقبل وزعم أن مثله طمع وطامع وميت ومائت ويدل على خلاف ما قال قول الله عز وجل { إنك ميت وإنهم ميتون} الزمر 30 ولم يقل مائت وقال مجاهد أيضا : معنى { لا تفرح} لا تبغ. { إن الله لا يحب الفرحين} أي البطرين؛ قاله مجاهد والسدي { إن الله لا يحب الفرحين} أي الباغين وقال ابن بحر : لا تبخل إن الله لا يحب الباخلين. قوله تعالى: { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة} أي أطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة وهي الجنة؛ فإن من حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة لا في التجبر والبغي { ولا تنس نصيبك من الدنيا} اختلف فيه؛ فقال ابن عباس والجمهور : لا تضيع عمرك في ألا تعمل عملا صالحا في دنياك؛ إذ الآخرة إنما يعمل لها، فنصيب الإنسان عمره وعمله الصالح فيها فالكلام على هذا التأويل شدة في الموعظة وقال الحسن وقتادة : معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة من الشدة؛ قاله ابن عطية. قلت : وهذان التأويلان قد جمعهما ابن عمر في قوله : احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. وعن الحسن : قدم الفضل، وأمسك ما يبلغ وقال مالك : هو الأكل والشرب بلا سرف وقيل : أراد بنصيبه الكفن فهذا وعظ متصل؛ كأنهم قالوا : لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك هذا الذي هو الكفن ونحو هذا قول الشاعر : نصيبك مما تجمع الدهر كله ** رداءان تلوى فيهما وحنوط وقال آخر : وهي القناعة لا تبغي بها بدلا ** فيها النعيم وفيها راحة البدن انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ** هل راح منها بغير القطن والكفن قال ابن العربي : وأبدع ما فيه عندي قول قتادة : ولا تنس نصيبك الحلال، فهو نصيبك من الدنيا ويا ما أحسن هذا. { وأحسن كما أحسن الله إليك} أي أطع الله وأعبده كما أنعم عليك ومنه الحديث : ما الإحسان ؟ قال : (أن تعبد الله كأنك تراه) وقيل : هو أمر بصلة المساكين قال ابن العربي : فيه أقوال كثيرة جماعها استعمال نعم الله في طاعة الله وقال مالك : الأكل والشرب من غير سرف قال ابن العربي : أرى مالكا أراد الرد على الغالين في العبادة والتقشف؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الحلواء، ويشرب العسل، ويستعمل الشواء، ويشرب الماء البارد وقد مضى هذا المعنى في غير موضع. { ولا تبغ الفساد في الأرض} أي لا تعمل بالمعاصي { إن الله لا يحب المفسدين} .

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

معنى { وَٱبْتَغِ... } [القصص: 77] أي: اطلب { فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ... } [القصص: 77] بما أنعم عليك من الرزق { ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ... } [القصص: 77] لأنك إن ابتغيت برزق الله لك الحياة الدنيا، فسوف يَفْنى معك في الدنيا، لكن إنْ نقلتَهُ للآخرة لأبقيتَ عليه نعيماً دائماً لا يزول.

وحين تحب نعيم الدنيا وتحتضنه وتتشبث به، فاعلم أن دنياك لن تمهلك، فإما أنْ تفوت هذا النعيمَ بالموت، أو يفوتك هو حين تفتقر. إذن: إن كنت عاشقاً ومُحباً للمال ولبقائه في حَوْزتك، فانقله إلى الدار الباقية، ليظل في حضنك دائماً نعيماً باقياً لا يفارقك، فسارع إذن واجعله يسبقك إلى الآخرة.

" وفي الحديث الشريف لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين عائشة عن الشاة التي أُهديَتْ له قالت بعد أن تصدقت بها: ذهبتْ إلا كتفها، فقال صلى الله عليه وسلم: " بل بقيتْ إلا كتفها ".

ويقول صلى الله عليه وسلم: " ليس لك من مالك إلا ما أكلتَ فافنيتَ، أو لبستَ فأبليتَ، أو تصدقْتَ فأبقيْتَ ".

لذلك كان أولو العزم حين يدخل على أحدهم سائل يسأله، يقول له: مرحباً بمَنْ جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة.

والإمام علي - رضي الله عنه - جاءه رجل يسأله: أأنا من أهل الدنيا، أم من أهل الآخرة؟ فقال: جواب هذا السؤال ليس عندي، بل عندك أنت، وأنت الحكم في هذه المسألة. فإنْ دخل عليك مَنْ تعودت أنه يعطيك، ودخل عليك مَنْ تعودت أنْ يأخذ منك، فإنْ كنتَ تبشُّ لمن يعطي، فأنت من أهل الدنيا، وإنْ كنتَ تبشُّ لمَنْ يسألك ويأخذ منك، فأنت من أهل الآخرة، لأن الإنسان يحب من يعمر له ما يحب، فإنْ كنتَ محباً للدنيا فيسعدك مَنْ يعطيك، وإنْ كنتَ محباً للآخرة فيسعدك مَنْ يأخذ منك.

وإذا كان ربنا - عز وجل - يوصينا بأن نبتغي الآخرة، فهذا لا يعني أن نترك الدنيا: { وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا... } [القصص: 77] لكن هذه الآية يأخذها البعض دليلاً على الانغماس في الدنيا ومتعها.

وحين نتأمل { وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا... } [القصص: 77] نفهم أن العاقل كان يجب عليه أنْ ينظر إلى الدنيا على أنها لا تستحق الاهتمام، لكن ربه لفته إليها ليأخذ بشيء منها تقتضيه حركة حياته. فالمعنى: كان ينبغي علىَّ أنْ أنساها فذكِّرني الله بها.

ولأهل المعرفة في هذه المسألة مَلْمح دقيق: يقولون: نصيبك من الشيء ما ينالك منه، لا عن مفارقة إنما عن ملازمة ودوام، وعلى هذا فنصيبك من الدنيا هو الحسنة التي تبقى لك، وتظل معك، وتصحبك بعد الدنيا إلى الآخرة، فكأن نصيبك من الدنيا يصُبُّ في نصيبك من الآخرة، فتخدم دنياك آخرتك.أو: يكون المعنى موجهاً للبخيل الممسك على نفسه، فيُذكِّره ربه { وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا... } [القصص: 77] يعني: خُذْ منها القَدْر الذي يعينك على أمر الآخرة، لذلك قالوا عن الدنيا: هي أهم من أن تُنْسى - لأنها الوسيلة إلى الآخرة - وأتفه من أن تكون غاية؛ لأن بعدها غاية أخرى وأبقى وأدوم.

ثم يقول سبحانه: { وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ.. } [القصص: 77] الحق سبحانه يريد أنْ يتخلَّق خَلْقه بخُلُقه، كما جاء في الأثر " تخلقوا بأخلاق الله ".

فكما أحسن الله إليك أحسِنْ إلى الناس، وكما تحب أنْ يغفر الله لك، اغفر لغيرك إساءته { أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ... } [النور: 22].

وما دام ربك يعطيك، فعليك أنْ تعطي دون مخالفة الفقر؛ لأن الله تعالى هو الذي استدعاك للوجود؛ لذلك تكفَّل بنفقتك وتربيتك ورعايتك. لذلك حين ترى العاجز عن الكسب - وقد جعله ربه على هذه الحال لحكمة - حين يمد يده إليك، فاعلم أنه يمدُّها لله، وأنك مناول عن الله تعالى.

ونلحظ هذا المعنى في قوله تعالى:
{  مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً.. }
[الحديد: 11].

فسمَّى الصدقة قرضاً لله، لماذا؟ لأن هذا العبد عبدي، مسئول مني أن أرزقه، وقد ابتليتُه لحكمة عندي - حتى لا يظنّ أحد أن المسألة ذاتية فيه، فيعتبر به غيره - فمَنْ إذن يقرضني لأسُدَّ حاجة أخيكم؟

وقال تعالى:
{  يُقْرِضُ ٱللَّهَ... }
[الحديد: 11] مع أنه سبحانه الواهب؛ لأنه أراد أن يحترم ملكيتك، وأن يحترم انتفاعك، وسَعْيك.. كما لو أراد والد أنْ يُجري لأحد أبنائه عملية جراحية مثلاً وهو فقير وإخوته أغنياء، فيقول لأولاده: اقرضوني من أموالكم لأجري الجراحة لأخيكم، وسوف أردُّ عليكم هذا القرض.

" وفي الحديث الشريف أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ابنته فاطمة - رضوان الله عليها - فوجدها تجلو درهماً فسألها: ماذا تصنعين به "؟ قالت: أجلوه، قال: " لِمَ "؟ قالت: لأني نويت أن أتصدق به، وأعلم أنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد الفقير ".

إذن: فالمال مال الله، وأنت مناول عن الله تعالى.

وقد وقف بعض المستشرقين عند هذه المسألة؛ لأنهم يقرأون الآيات والأحاديث مجرد قراءة سطحية غير واعية، فيتوهمون أنها متضاربة. فقالوا هنا: الله تعالى يقول:
{  مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ... }
[الحديد: 11].

وقال في موضع آخر:
{  مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا... }
[الأنعام: 160] وفي الحديث الشريف: " مكتوب على باب الجنة: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر ".

فظاهر الحديث يختلف مع الآية الكريمة - هذا في نظرهم - لأنهم لا يملكون المَلَكة العربية في استقبال البيان القرآني. وبتأمل الآيات والأحاديث نجد اتفاقهما على أن الحسنة أو الصدقة بعشر أمثالها، فالخلاف - ظاهراً - في قوله تعالى:
{  فَيُضَاعِفَهُ لَهُ... }
[الحديد: 11] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " والقرض بثمانية عشر ".

وليس بينهما اختلاف، فساعة تصدَّق الإنسان بدرهم مثلاً أعطاه الله عشرة منها بدرهم الذي تصدَّق به، فكأنه أعطاه تسعة، فحين تُضَاعف التسعة، تصبح ثمانية عشرة.

ثم يقول سبحانه: { وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ } [القصص: 77] والفساد يأتي من الخروج عن منهج الله، فإنْ غيَّرت فيه فقد أفسدتَ، فالفساد كما يكون في المادة يكون في المنهج، وفي المعنويات، يقول سبحانه:
{  وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا... }
[الأعراف: 56].

فالحق سبحانه خلق كل شيء على هيئة الصلاح لإسعاد خلقه، فلا تعمد إليه أنت فتفسده، ومن هذا الصلاح المنهج، بل المنهج وهو قوام الحياة المعنوية - أَوْلَى من قِوام الحياة المادية.

إذن: فلتكُنْ مؤدباً مع الكون من حولك، فإذا لم تستطع أنْ تزيده حُسْناً فلا أقلَّ من أنْ تدعه كما هو دون أنْ تفسده، وضربنا لذلك مثلاً ببئر الماء قد تعمد إليه فتطمسه، وقد تبني حوله سوراً يحميه.

هذه مسائل خمْس توجَّه بها قوم قارون لنصحه بها، منها الأمر، ومنها النهي، ولا بُدَّ أنهم وجدوا منه ما يناقضها، لا بُدَّ أنهم وجدوه بَطِراً أَشِراً مغروراً بماله، فقالوا له:
{  لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ }
[القصص: 76].

ووجدوه قد نسي نصيبه من الدنيا فَلم يتزود منها للآخرة، فقالوا له { وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا... } [القصص: 77]، ووجدوه يضنُّ على نفسه فلا ينفق في الخير، فقالوا له: { وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ... } [القصص: 77] يعني: عَدِّ نعمتك إلى الغير، كما تعدَّت نعمة الله إليك.. وهكذا ما أمروه أمراً، ولا نهوْهُ نهياً إلا وهو مخالف له، وإلا لَمَا أمروه ولَمَا نهوْهُ.

ثم يقول قارون رداً على هذه المسائل الخمس التي توجَّه بها قومه إليه: { قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ... }.


www.alro7.net