سورة
اية:

سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا

تفسير بن كثير

قيل: نزلت في اليهود حين أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقاً أنك نبي فالحق بالشام، فإن الشام أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل اللّه عليه: { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها} فأمره اللّه بالرجوع إلى المدينة، وقال: فيها محياك ومماتك ومنها تبعث ""أخرجه البيهقي عن عبد اللّه بن غنم، قال ابن كثير: وفي إسناده نظر، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم غزا تبوك عن أمر اللّه لا عن أمر اليهود"". وقيل: نزلت في كفار مكة لما هموا بإخراج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من بين أظهرهم فتوعدهم اللّه بهذه الآية، وأنهم لو أخرجوه لما لبثوا بعده بمكة إلا يسيراً، وكذلك وقع فإنه لم يكن بعد هجرته من بين أظهرهم بعدما اشتد أذاهم له إلا سنة ونصف، حتى جمعهم اللّه وإياه ببدر على ميعاد، فأمكنه منهم وسلطه عليهم وأظفره بهم، فقتل أشرافهم وسبى ذراريهم، ولهذا قال تعالى: { سنة من قد أرسلنا} الآية أي هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم بخروج الرسول من بين أظهرهم يأتيهم العذاب، ولولا أنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم رسول الرحمة لجاءهم من النقم في الدنيا ما لا قبل لأحد به، قال تعالى: { وما كان اللّه ليعذبهم وأنت فيهم} الآية.

تفسير الجلالين

{ سنّة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا } أي كسنتنا فيهم من إهلاك من أخرجهم { ولا تجد لسنتنا تحويلاً } تبديلاً .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { سُنَّة مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلك مِنْ رُسُلنَا وَلَا تَجِد لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَوْ أَخْرَجُوك لَمْ يَلْبَثُوا خِلَافك إِلَّا قَلِيلًا , وَلَأَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدنَا , سُنَّتنَا فِيمَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلك مِنْ رُسُلنَا , فَإِنَّا كَذَلِكَ كُنَّا نَفْعَل بِالْأُمَمِ إِذَا أَخْرَجَتْ رُسُلهَا مِنْ بَيْن أَظْهُرهمْ ; وَنُصِبَتْ السُّنَّة عَلَى الْخُرُوج مِنْ مَعْنَى قَوْله { لَا يَلْبَثُونَ خِلَافك إِلَّا قَلِيلًا } لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : لَعَذَّبْنَاهُمْ بَعْد قَلِيل كَسُنَّتِنَا فِي أُمَم مَنْ أَرْسَلْنَا قَبْلك مِنْ رُسُلنَا , وَلَا تَجِد لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا عَمَّا جَرَتْ بِهِ . كَمَا : 17017 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { سُنَّة مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلك مِنْ رُسُلنَا وَلَا تَجِد لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا } : أَيْ سُنَّة الْأُمَم وَالرُّسُل كَانَتْ قَبْلك كَذَلِكَ إِذَا كَذَّبُوا رُسُلهمْ وَأَخْرَجُوهُمْ , لَمْ يُنَاظِرُوا أَنَّ اللَّه أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ عَذَابه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { سُنَّة مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلك مِنْ رُسُلنَا وَلَا تَجِد لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَوْ أَخْرَجُوك لَمْ يَلْبَثُوا خِلَافك إِلَّا قَلِيلًا , وَلَأَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدنَا , سُنَّتنَا فِيمَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلك مِنْ رُسُلنَا , فَإِنَّا كَذَلِكَ كُنَّا نَفْعَل بِالْأُمَمِ إِذَا أَخْرَجَتْ رُسُلهَا مِنْ بَيْن أَظْهُرهمْ ; وَنُصِبَتْ السُّنَّة عَلَى الْخُرُوج مِنْ مَعْنَى قَوْله { لَا يَلْبَثُونَ خِلَافك إِلَّا قَلِيلًا } لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : لَعَذَّبْنَاهُمْ بَعْد قَلِيل كَسُنَّتِنَا فِي أُمَم مَنْ أَرْسَلْنَا قَبْلك مِنْ رُسُلنَا , وَلَا تَجِد لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا عَمَّا جَرَتْ بِهِ . كَمَا : 17017 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { سُنَّة مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلك مِنْ رُسُلنَا وَلَا تَجِد لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا } : أَيْ سُنَّة الْأُمَم وَالرُّسُل كَانَتْ قَبْلك كَذَلِكَ إِذَا كَذَّبُوا رُسُلهمْ وَأَخْرَجُوهُمْ , لَمْ يُنَاظِرُوا أَنَّ اللَّه أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ عَذَابه . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا} أي يعذبون كسنة من قد أرسلنا؛ فهو بإضمار يعذبون؛ فلما سقط الخافض عمل الفعل؛ قاله الفراء. وقيل : انتصب على معنى سننا سنة من قد أرسلنا. وقيل : هو أرسلنا؛ فلا يوقف على هذا التقدير على قوله { إلا قليلا} ويوقف على الأول والثاني. { قبلك من رسلنا} وقف حسن. { ولا تجد لسنتنا تحويلا} أي لا خلف في وعدها.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يُوضِّح الحق تبارك وتعالى أن ما حدث هو سُنة من سُنن الله في الرسل، كما قال تعالى:
{  وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ }
[الصافات: 171-173]

فكأن عليهم أنْ يأخذوا عِبْرة من الرسل السابقين، وبما حلَّ بأعدائهم من عذاب الله، لقد أرسل الله الرسل فكُذِّبوا وعُودوا واضطهِدُوا، ومع ذلك نصرهم الله، وجعل لهم الغَلبة.

والسُّنة: هي العادة والطريقة التي لا تتخلَّف ولا تتبدَّل؛ لذلك يقول بعدها: { وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً } [الإسراء: 77]؛ لأن السُّنة لا تتحوّل ولا تتبدّل إلا بالأقوى الذي يأتي ليُغير السنة بأخرى من عنده، فإذا كانت السُّنة من الله القوي بل الأقوى، فهو سبحانه وحده الذي يملك هذا التحويل، ولا يستطيع أحد أبداً تحويل سنة الله، فإذا قال سبحانه، فقوله الحق الذي لا يُبدِّله أحد، ولا يُعارضه أحد.

وبعد أن تكلَّم الحق سبحانه عن الإلهيات إيماناً بها، وعن النبوات تصديقاً لها، وعن القيامة ووجوب الإيمان بها وبما يحدث فيها من تناول الكتب، أراد سبحانه أنْ يأتي لنا بثمرة هذا المنهج وحصيلته النهائية، وهي أنْ يستقيمَ لنا منهج الحياة وتنضبط حركتنا فيها.

هذا المنهج الإلهي جاء في صورة أحكام، ولهذه الأحكام أركان أساسية جمعها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " بُنِيَ الإسلامُ على خَمْس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً ".

إذن: هذه الأركان التي بُنِي عليها الإسلام، لكن ما حظ المسلم من هذه الأركان؟ لو تأملت لوجدتنَا نشترك كلنا في شهادة أنْ لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وفي الصلاة لأنها لا تسقط عن أحد لأيّ سبب، وهي المكرَّرة في اليوم خمس مرات.

أما باقي الأركان وهي: الزكاة، والصوم، والحج فقد لا تنطبق شروطها على الجميع، فالفقير لا تُفرض عليه زكاة أو حج، والمريض لا يُفرض عليه الصوم. إذن: عندنا أركان للإسلام وأركان للمسلم التي هي: الشهادتان والصلاة، وقد يدخل فيها الزكاة أو الصوم أو الحج، فإذا أتى المسلم بجميع الأركان فقد اتفقتْ أركان الإسلام مع أركان المسلم.

وتلاحظ في هذه الأركان أن الشهادتين يكفي أن تقولهما وتشهد بهما ولو مرة واحدة، والزكاة والصوم والحج قد لا تنطبق عليك شروطها، فلم يَبْقَ إلا الصلاة؛ لذلك جعلها عماد الدين.

ثم قال تعالى: { أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ... }.


www.alro7.net