سورة
اية:

ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين بآيات اللّه، ويجادلون في الحق بالباطل، كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال؟ { الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا} أي من الهدى والبيان { فسوف يعلمون} هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، من الرب جل جلاله لهؤلاء، كما قال تعالى: { ويل يومئذ للمكذبين} ، وقوله عزَّ وجلَّ: { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} أي متصلة بالأغلال بأيدي الزبانية يسحبونهم على وجوهم تارة إلى الحميم، وتارة إلى الجحيم، ولهذا قال تعالى: { يسحبون في الحميم، ثم في النار يسجرون} ، كما قال تبارك وتعالى: { يطوفون بينها وبين حميم آن} ، وقال تعالى: { ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم} ، وقال عزَّ وجلَّ: { خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم، ثم صبّوا فوق رأسه من عذاب الحميم، ذق إنك أنت العزيز الكريم} أي يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ، والتهكم والاستهزاء بهم، وقوله تعالى: { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون اللّه} ؟ أي قيل لهم أين الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون اللّه هل ينصرونكم اليوم؟ { قالوا ضلوا عنا} أي ذهبوا فلم ينفعونا، { بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً} أي جحدوا عبادتهم، كقوله جلَّت عظمته: { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا واللّه ربنا ما كنا مشركين} ، ولهذا قال عزَّ وجلَّ: { كذلك يضل اللّه الكافرين} ، وقوله: { ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون} أي تقول لهم الملائكة: هذا الذي أنتم فيه جزاء على فرحكم في الدنيا بغير الحق، ومرحكم وأشركم وبطركم، { ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين} ، أي فبئس المنزل والمقيل الذي فيه الهوان والعذاب الشديد، لمن استكبر عن آيات اللّه، واتباع دلائله وحججه، واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى } مأوى { المتكبرين } .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { اُدْخُلُوا أَبْوَاب جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لَهُمْ : اُدْخُلُوا أَبْوَاب جَهَنَّم السَّبْعَة مِنْ كُلّ بَاب مِنْهَا جُزْء مَقْسُوم مِنْكُمْ { فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ } يَقُول : فَبِئْسَ مَنْزِل الْمُتَكَبِّرِينَ فِي الدُّنْيَا عَلَى اللَّه أَنْ يُوَحِّدُوهُ , وَيُؤْمِنُوا بِرُسُلِهِ الْيَوْم جَهَنَّم .وَقَوْله : { اُدْخُلُوا أَبْوَاب جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لَهُمْ : اُدْخُلُوا أَبْوَاب جَهَنَّم السَّبْعَة مِنْ كُلّ بَاب مِنْهَا جُزْء مَقْسُوم مِنْكُمْ { فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ } يَقُول : فَبِئْسَ مَنْزِل الْمُتَكَبِّرِينَ فِي الدُّنْيَا عَلَى اللَّه أَنْ يُوَحِّدُوهُ , وَيُؤْمِنُوا بِرُسُلِهِ الْيَوْم جَهَنَّم .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون} قال ابن زيد : هم المشركون بدليل قوله: { الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا} . وقال أكثر المفسرين : نزلت في القدرية. قال ابن سيرين : إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية فلا أدري فيمن نزلت. قال أبو قبيل : لا أحسب المكذبين بالقدر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا. وقال عقبة بن عامر : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (نزلت هذه الآية في القدرية) ذكره المهدوي. قوله تعالى: { إذ الأغلال في أعناقهم} أي عن قريب يعلمون بطلان ما هم فيه إذا دخلوا النار وغلت أيديهم إلى أعناقهم. قال التيمي : لوأن غلا من أغلال جهنم وضع على جبل لوهصه حتى يبلغ الماء الأسود. { والسلاسل يسحبون} بالرفع قراءة العامة عطفا على الأغلال. قال أبو حاتم: { يسحبون} مستأنف على هذه القراءة. وقال غيره : هو في موضع نصب على الحال، والتقدير: { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} مسحوبين. وقرأ ابن عباس وأبو الجوزاء وعكرمة وابن مسعود: { والسلاسل} بالنصب { يَسحبون} بفتح الياء والتقدير في هذه القراءة ويسحبون السلاسل. قال ابن عباس : إذا كانوا يجرونها فهو أشد عليهم وحكي عن بعضهم { والسلاسل} بالجر ووجهه أنه محمول على المعنى؛ لأن المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل؛ قال الفراء. وقال الزجاج : ومن قرأ { والسلاسل يسحبون} بالخفض فالمعنى عنده وفي { السلاسل يسحبون} . قال ابن الأنباري : والخفض على هذا المعنى غير جائز؛ لأنك إذا قلت زيد في الدار لم يحسن أن تضمر { في} فتقول زيد الدار، ولكن الخفض جائز. على معنى إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل، فتخفض السلاسل على النسق على تأويل الأغلال؛ لأن الأغلال في تأويل الخفض؛ كما تقول : خاصم عبدالله زيدا العاقلين فتنصب العاقلين. ويجوز رفعهما؛ لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه صاحبه؛ أنشد الفراء : قد سالم الحيات منه القدما ** الأفعوان والشجاع الشجعما فنصب الأفعوان على الإتباع للحيات إذا سالمت القدم فقد سالمتها القدم. فمن نصب السلاسل أو خفضها لم يقف عليها. { في الحميم} المتناهي في الحر. وقيل : الصديد المغلي. { ثم في النار يسجرون} أي يطرحون فيها فيكونون وقودا لها؛ قال مجاهد. يقال : سجرت التنور أي أوقدته، وسجرته ملأته؛ ومنه { والبحر المسجور} [الطور : 6] أي المملوء. فالمعنى على هذا تملأ بهم النار وقال الشاعر يصف وعلا : إذا شاء طالع مسجورة ** ترى حولها النبع والسمسما أي عينا مملوءة. { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون، من دون الله} وهذا تقريع وتوبيخ. { قالوا ضلوا عنا} أي هلكوا وذهبوا عنا وتركونا في العذاب؛ من ضل الماء في اللبن أي خفي. وقيل : أي صاروا بحيث لا نجدهم. { بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا} أي شيئا لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع. وليس هذا إنكارا لعبادة الأصنام، بل هو اعتراف بأن عبادتهم الأصنام كانت باطلة؛ قال الله تعالى: { كذلك يضل الله الكافرين} أي كما فعل بهؤلاء من الإضلال يفعل بكل كافر. قوله تعالى: { ذلكم} أي ذلكم العذاب { بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق} بالمعاصي يقال لهم ذلك توبيخا. أي إنما نالكم هذا بما كنتم تظهرون في الدنيا من السرور بالمعصية وكثرة المال والأتباع والصحة. وقيل إن فرحهم بها عندهم أنهم قالوا للرسل : نحن نعلم أنا لا نبعث ولا نعذب. وكذا قال مجاهد في قوله جل وعز: { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} [غافر : 83]. { وبما كنتم تمرحون} قال مجاهد وغيره : أي تبطرون وتأشرون. وقد مضى في { سبحان} بيانه. وقال الضحاك : الفرح السرور، والمرح العدوان. وروى خالد عن ثور عن معاذ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله يبغض البذخين الفرحين ويحب كل قلب حزين ويبغض أهل بيت لحمين ويبغض كل حبر سمين) فأما أهل بيت لحمين : فالذين يأكلون لحوم الناس بالغيبة. وأما الحبر السمين : فالمتحبر بعلمه ولا يخبر بعلمه الناس؛ يعني المستكثر من علمه ولا ينتفع به الناس. ذكره الماوردي. وقد قيل في اللحمين : أنهم الذين يكثرون أكل اللحم؛ ومنه قول عمر : اتقوا هذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر؛ ذكره المهدوي. والأول قول سفيان الثوري. { ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها} أي يقال لهم ذلك اليوم، وقد قال الله تعالى: { لها سبعة أبواب} [الحجر : 44]. { فبئس مثوى المتكبرين} تقدم جميعه. قوله تعالى: { فاصبر إن وعد الله حق} هذا تسلية للنبي عليه السلام، أي إنا لننتقم لك منهم إما في حياتك أو في الآخرة. { فإما نرينك} في موضع جزم بالشرط وما زائدة للتوكيد وكذا النون وزال الجزم وبني الفعل على الفتح. { أو نتوفينك} عطف عليه { فإلينا يرجعون} الجواب. قوله تعالى: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك} عزاه أيضا بما لقيت الرسل من قبل. { منهم من قصصنا عليك} أي أنبأناك بأخبارهم وما لقوا من قومهم. { ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية} أي من قبل نفسه { إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله} أي إذا جاء الوقت المسمى لعذابهم أهلكهم الله، وإنما التأخير لإسلام من علم الله إسلامه منهم، ولمن في أصلابهم من المؤمنين. وقيل : أشار بهذا إلى القتل ببدر. { قضي بينهم؟؟ بالحق وخسر هنالك المبطلون} أي الذين يتبعون الباطل والشرك.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 67 - 85

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ مَثْوَى } مرجع ومستقر { ٱلْمُتَكَبِّرِينَ } الذين تكبَّروا على الله الذي وهبهم الحياة، ومع ذلك لم يؤمنوا به، وهؤلاء تكبروا على الله فلم يؤمنوا به، وتكبَّروا على رسله فلم يصدقوهم، وتكبَّروا على منهجه فلم يعملوا به، اختاروا هواهم وأسلموا إليه قيادهم بدل أنْ يُسلموه لله.

بعد ذلك يلتفت إلى رسوله صلى الله عليه وسلم يقول له: ستواجه كثيراً من المتاعب تحتاج منك إلى صبر، لأن مهمتك شاقة، وسوف تُؤْذَى بكل لون من الإيذاء:


www.alro7.net