سورة
اية:

وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن استجابته لعبده ورسوله نوح عليه السلام حين دعا على قومه لما كذبوه، { فدعا ربه أني مغلوب فانتصر} ، وقال نوح: { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} ، ولهذا قال ههنا: { إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله} أي الذين آمنوا به، كما قال: { وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} ، وقوله: { من الكرب العظيم} أي من الشدة والتكذيب والأذى فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى اللّه عزَّ وجلَّ فلم يؤمن به منهم إلا القليل، وكانوا يتصدون لأذاه ويتواصون قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل على خلافه، وقوله: { ونصرناه من القوم} أي ونجيناه وخلصناه منتصراً من القوم { الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين} ، أي أهلكهم اللّه بعامة، ولم يبق على وجه الأرض منهم أحد كما دعا عليهم نبيهم.

تفسير الجلالين

( و ) اذكر ( نوحاً ) وما بعده بدل منه ( إذ نادى ) دعا على قومه بقوله "" رب لا تذر "" إلخ ( من قبل ) أي قبل إبراهيم ولوط ( فاستجبنا له فنجيناه وأهله ) الذين في سفينته ( من الكرب العظيم ) أي الغرق وتكذيب قومه له .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْل فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْله مِنْ الْكَرْب الْعَظِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد نُوحًا إِذْ نَادَى رَبّه مِنْ قَبْلك , وَمِنْ قَبْل إِبْرَاهِيم وَلُوط , وَسَأَلَنَا أَنْ نُهْلِك قَوْمه الَّذِينَ كَذَّبُوا اللَّه فِيمَا تَوَعَّدَهُمْ بِهِ مِنْ وَعِيده , وَكَذَّبُوا نُوحًا فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ الْحَقّ مِنْ عِنْد رَبّه { وَقَالَ نُوح رَبّ لَا تَذَر عَلَى الْأَرْض مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } 71 26 +ط فَاسْتَجَبْنَا لَهُ دُعَاءَهُ , { وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْله } يَعْنِي بِأَهْلِهِ : أَهْل الْإِيمَان مِنْ وَلَده وَحَلَائِلهمْ ; { مِنْ الْكَرْب الْعَظِيم } يَعْنِي بِالْكَرْبِ الْعَظِيم : الْعَذَاب الَّذِي أَحَلَّ بِالْمُكَذِّبِينَ مِنْ الطُّوفَان وَالْغَرَق . وَالْكَرْب : شِدَّة الْغَمّ , يُقَال مِنْهُ : قَدْ كَرَبَنِي هَذَا الْأَمْر فَهُوَ يَكْرُبنِي كَرْبًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْل فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْله مِنْ الْكَرْب الْعَظِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد نُوحًا إِذْ نَادَى رَبّه مِنْ قَبْلك , وَمِنْ قَبْل إِبْرَاهِيم وَلُوط , وَسَأَلَنَا أَنْ نُهْلِك قَوْمه الَّذِينَ كَذَّبُوا اللَّه فِيمَا تَوَعَّدَهُمْ بِهِ مِنْ وَعِيده , وَكَذَّبُوا نُوحًا فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ الْحَقّ مِنْ عِنْد رَبّه { وَقَالَ نُوح رَبّ لَا تَذَر عَلَى الْأَرْض مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } 71 26 +ط فَاسْتَجَبْنَا لَهُ دُعَاءَهُ , { وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْله } يَعْنِي بِأَهْلِهِ : أَهْل الْإِيمَان مِنْ وَلَده وَحَلَائِلهمْ ; { مِنْ الْكَرْب الْعَظِيم } يَعْنِي بِالْكَرْبِ الْعَظِيم : الْعَذَاب الَّذِي أَحَلَّ بِالْمُكَذِّبِينَ مِنْ الطُّوفَان وَالْغَرَق . وَالْكَرْب : شِدَّة الْغَمّ , يُقَال مِنْهُ : قَدْ كَرَبَنِي هَذَا الْأَمْر فَهُوَ يَكْرُبنِي كَرْبًا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ونوحا إذ نادى من قبل} أي واذكر نوحا إذ نادى؛ أي دعا. { من قبل} أي من قبل إبراهيم ولوط على قومه، وهو قوله { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح : 26] وقال لما كذبوه { أني مغلوب فانتصر} [القمر : 10]. { فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم} أي من الغرق. والكرب الغم الشديد { وأهله} أي المؤمنين منهم. { ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا} قال أبو عبدة { من} بمعنى على. وقيل : المعنى فانتقمنا له { من القوم الذين كذبوا بآياتنا} . { فأغرقناهم أجمعين} أي الصغير منهم والكبير.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأنبياء الايات 71 - 79

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { وَنُوحاً... } [الأنبياء: 76] مثلما ثلنا في
{  وَلُوطاً... }
[الأنبياء: 74] أي: آتيناه هو أيضاً رُشْده { إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ... } [الأنبياء: 76] والنداء في حقيقته: طلبُ إقبال، فإنْ كان من أعلى لأدنى فهو نداء، وإنْ كان من مُسَأوٍ لك فهو التماس، فإنْ كان من أدنى لأعلى فهو دعاء، فحين تقول يا رب: الياء هنا ليست للنداء بل للدعاء.

وحين تمتحن تلميذاً تقول له: أعرب: رَبِّ اغفر لي، فلو كان نبيهاً يقول: ربّ مدعو. والتقدير يا رب، ومن قال: منادى نسامحه لأنه صحيح أيضاً، فالياء في أصلها للنداء، لكنه غير دقيق في الأداء. كذلك في: اغفر لي، إنْ قال فِعْل أمر نعطيه نصف الدرجة، أما إن قال دعاء فَلَهُ الدرجة الكاملة.

فماذا قال نوح عليه السلام في ندائه؟ المراد قوله:
{  رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً }
[نوح: 26] فاستجاب الله لنبيه نوح عليه السلام: { فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } [الأنبياء: 76] والمراد بالكرب ما لبثه نوح في دعوة قومه من عمر امتد ألف سنة إلا خمسين عاماً، وما تحمَّله في سبيل دعوته من عَنَتٍ ومشقّة قال الله فيها:
{  وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً }
[نوح: 7-9].

ثم لما أمره الله بصناعة الفُلك أخذوا يسخرون منه:
{  وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ.. }
[هود: 38]

إذن: استجاب الله دُعَاءه ونداءه { فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ... } [الأنبياء: 76] وفي موضع آخر:
{  وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ }
[الصافات: 75] فوصف الحق سبحانه إجابته لنوح بـ (نِعْم) الدالة على المدح.

فهل يعني ذلك أن هناك مَنْ يكون بِئْس المجيب؟ قالوا: نعم إذا سألته شيئاً فأجابك إليه وهو شَرٌّ لك، أمَّا الحق سبحانه فهو نِعْم المجيب؛ لأنه لا يُجيبك إلا بما هو صالح ونافع لك، فإنْ كان في دعائك شَرٌّ ردَّه لعلمه سبحانه أنه لن ينفعك.

وكأن الحق الأعلى سبحانه يقول لك: أنا لستُ موظفاً عندك، أجيبك إلى كُلِّ ما تطلب، إنما أنا قيُّوم عليك، وقد تدعو بما تظنّه خيراً لك، وأعلم بأزلية عِلْمي أن ذلك شر لا خيرَ فيه، فيكون الخير لك أَلاَّ أجيبك؛ لأنني نِعْمَ المجيب.

وهَبْ أن الله تعالى يجيب كُلاً منّا إلى ما يريد، فكيف حال الأم التي تغضب مثلاً من وحيدها، وفي لحظة الغضب والثورة تدعو عليه فتقول مثلاً: (إلهي أشرب نارك)؟ فالحق - تبارك وتعالى - حين يردُّ مِثْل هذا الدعاء هو نِعْم المجيب؛ لأنه نِعْم المانع.

لذلك يقول تعالى:
{  وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً }
[الإسراء: 11] أي: يدعو ويُلِحُّ في الدعاء بما يظنُّه خَيْراً، وهو ليس كذلك. { وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ... }.


www.alro7.net