سورة
اية:

وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المشركين في سؤالهم عن يوم القيامة واستبعادهم وقوع ذلك، { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} ؟ قال اللّه تعالى مجيباً لهم: { قل} يا محمد { عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون} قال ابن عباس: أن يكون قرب أو أن يقرب لكم بعض الذي تستعجلون، كقوله تعالى: { ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبا} ، وقال تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} ، وإنما دخلت اللام في قوله: { ردف لكم} لأنه ضمن معنى عجّل لكم، كما قال مجاهد في رواية عنه { عسى أن يكون ردف لكم} عُجّل لكم. ثم قال اللّه تعالى: { وإن ربك لذو فضل على الناس} أي في إسباغه نعمه عليهم مع ظلمهم لأنفسهم وهم مع ذلك لا يشكرونه على ذلك إلا القليل منهم، { وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} أي يعلم الضمائر والسرائر كما يعلم الظواهر، { سواء منكم من أسر القول ومن جهر به} ، { يعلم السر وأخفى} ، ثم أخبر تعالى بأنه عالم غيب السماوات والأرض وأنه عالم الغيب والشهادة، وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه، فقال تعالى: { وما من غائبة} قال ابن عباس: يعني وما من شيء { في السماء والأرض إلا في كتاب مبين} ، وهذه كقوله: { ألم تعلم أن اللّه يعلم ما في السماوات والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على اللّه يسير} .

تفسير الجلالين

{ وما من غائبة في السماء والأرض } الهاء للمبالغة: أي شيء في غاية الخفاء على الناس { إلا في كتاب مبين } بَيِّن هو اللوح المحفوظ ومكنون علمه تعالى ومنه تعذيب الكفار.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا مِنْ غَائِبَة فِي السَّمَاء وَالْأَرْض إِلَّا فِي كِتَاب مُبِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا مِنْ } مَكْتُوم سِرّ وَخَفِيّ أَمْر يَغِيب عَنْ أَبْصَار النَّاظِرِينَ { فِي السَّمَاء وَالْأَرْض إِلَّا فِي كِتَاب } وَهُوَ أُمّ الْكِتَاب الَّذِي أَثْبَتَ رَبّنَا فِيهِ كُلّ مَا هُوَ كَائِن مِنْ لَدُنْ اِبْتَدَأَ خَلْق خَلَقَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مُبِين } أَنَّهُ يُبَيِّن لِمَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ , وَقَرَأَ مَا فِيهِ مِمَّا أَثْبَتَ فِيهِ رَبّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20611 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَا مِنْ غَائِبَة فِي السَّمَاء وَالْأَرْض إِلَّا فِي كِتَاب مُبِين } يَقُول : مَا مِنْ شَيْء فِي السَّمَاء وَالْأَرْض سِرّ وَلَا عَلَانِيَة إِلَّا يَعْلَمهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا مِنْ غَائِبَة فِي السَّمَاء وَالْأَرْض إِلَّا فِي كِتَاب مُبِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا مِنْ } مَكْتُوم سِرّ وَخَفِيّ أَمْر يَغِيب عَنْ أَبْصَار النَّاظِرِينَ { فِي السَّمَاء وَالْأَرْض إِلَّا فِي كِتَاب } وَهُوَ أُمّ الْكِتَاب الَّذِي أَثْبَتَ رَبّنَا فِيهِ كُلّ مَا هُوَ كَائِن مِنْ لَدُنْ اِبْتَدَأَ خَلْق خَلَقَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مُبِين } أَنَّهُ يُبَيِّن لِمَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ , وَقَرَأَ مَا فِيهِ مِمَّا أَثْبَتَ فِيهِ رَبّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20611 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَا مِنْ غَائِبَة فِي السَّمَاء وَالْأَرْض إِلَّا فِي كِتَاب مُبِين } يَقُول : مَا مِنْ شَيْء فِي السَّمَاء وَالْأَرْض سِرّ وَلَا عَلَانِيَة إِلَّا يَعْلَمهُ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { قل عسى أن يكون ردف لكم} أي اقترب لكم ودنا منكم { بعض الذي تستعجلون} أي من العذاب؛ قال ابن عباس. وهو من ردفه إذا تبعه وجاء في أثره؛ وتكون اللام أدخلت لأن المعنى اقترب لكم ودنا لكم. أو تكون متعلقة بالمصدر. وقيل : معناه معكم. وقال ابن شجرة : تبعكم؛ ومنه ردف المرأة؛ لأنه تبع لها من خلفها؛ ومنه قول أبي ذؤيب : عاد السواد بياضا في مفارقه ** لا مرحبا ببياض الشيب إذ ردفا قال الجوهري : وأردفه أمر لغة في ردفه، مثل تبعه وأتبعه بمعنى؛ قال خزيمة بن مالك بن نهد : إذا الجوزاء أردفت الثريا ** ظننت بآل فاطمة الظنونا يعني فاطمة بنت يذكر بن عنزة أحد القارظين. وقال الفراء { ردف لكم} دنا لكم ولهذا قال { لكم} . وقيل : ردفه وردف له بمعنى فتزاد اللام للتوكيد؛ عن الفراء أيضا. كما تقول : نقدته ونقدت له، وكلته ووزنته، وكلت له ووزنت له؛ ونحو ذلك. { بعض الذي تستعجلون} من العذاب فكان ذلك يوم بدر. وقيل : عذاب القبر. { وإن ربك لذو فضل على الناس} في تأخير العقوبة وإدرار الرزق { ولكن أكثرهم لا يشكرون} فضله ونعمه. قوله تعالى: { وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم} أي تخفي صدورهم { وما يعلنون} يظهرون من الأمور. وقرأ ابن محيصن وحميد { ما تكن} من كننت الشيء إذا سترته هنا. وفي "القصص" تقديره : ما تكن صدورهم عليه؛ وكأن الضمير الذي في الصدور كالجسم السائر. ومن قرأ { تكن} فهو المعروف؛ يقال : أكننت الشيء إذا أخفيته في نفسك. قوله تعالى: { وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين} قال الحسن : الغائبة هنا القيامة. وقيل : ما غاب عنهم من عذاب السماء والأرض؛ حكاه النقاش. وقال ابن شجرة : الغائبة هنا جميع ما أخفى الله تعالى عن خلقه وغيبه عنهم، وهذا عام. وإنما دخلت الهاء في { غائبة} إشارة إلى الجمع؛ أي. ما من خصلة غائبة عن الخلق إلا والله عالم بها قد أثبتها في أم الكتاب عنده، فكيف يخفى عليه ما يسر هؤلاء وما يعلنونه. وقيل : أي كل شيء هو مثبت في أم الكتاب يخرجه للأجل المؤجل له؛ فالذي يستعجلونه من العذاب له أجل مضروب لا يتأخر عنه ولا يتقدم عليه. والكتاب اللوح المحفوظ أثبت الله فيه ما أراد ليعلم بذلك من يشاء من ملائكته.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النمل الايات 64 - 75


سورة النمل الايات 75 - 83

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

معنى { غَآئِبَةٍ } [النمل: 75] يعني: الشيء الغائب، ولحقتْ به التاء الدالة على المبالغة، كما نقول في المبالغة: راوٍ ورواية، ونسَّاب ونسَّابه، وعالم وعلامة، كذلك غائب وغائبة، مبالغة في خفائها.

و(مِنْ) هنا يرى البعض أنها زائدة، لكن كلمة زائدة لا تليق بأسلوب القرآن الكريم وفصاحته، ونُنزِّه كلام الله عن الحشو واللغو الذي لا معنى له، والبعض تأدب مع القرآن فقال (من) هنا صلة، لكن صلة لأي شيء؟

إذن: لا بد أن لها معنى لكي نوضحه نقول: إذا أردتَ أنْ تنفي وجود مال معك تقول: ما عندي مال، وهذا يعني أنه لا مالَ معك يُعتَدّ به، ولا يمنع أن يكون معك مثلاً عدة قروش لا يقال لها مال، فإن أردتَ نفي المال على سبيل تأصيل العموم في النفس تقول: ما عندي من مال، يعني بداية ممَّا يُقال له مال مهما صَغُر، فمِنْ هنا إذن ليست زائدةً ولا صلةً، إنما هي للغاية وتأصيل العموم في النفي.

فالمعنى { وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } [النمل: 75] أن الله تعالى يحيط علمه أزلاً بكل شيء، مهما كان صغيراً لا يُعتدُّ به، واقرأ قوله تعالى:


{  وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }
[الأنعام: 59].

كما أن قدرته تعالى لا تقف عند حد العلم إنما ويسجله { إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } [النمل: 75] أي في أُمِّ الكتاب الذي سجَّل الله فيه كل أحداث الكون، فإذا ما جاءتْ الأحداث نراها مُوافِقة لما سجّله الله عنها أَزَلاً، فمثلاً لما ذكر الحق ـ تبارك وتعالى ـ وسائل النقلِ والمواصلات في زمن نزول القرآن قال:
{  وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }
[النحل: 8].

فلولا تذييل الآية بقوله تعالى:
{  وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }
[النحل: 8] لكان فيها مأخذ على القرآن، وإلاَّ فأين السيارة والطائرة والصاروخ في وسائل المواصلات؟

إذن: نستطيع الآن أنْ نُدخِل كل الوسائل الحديثة تحت
{  وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }
[النحل: 8].

وسبق أن قلنا: إن من عظمة الحق ـ سبحانه وتعالى ـ ألاَّ يُعلم بشيء لا اختيار للعبد فيه، إنما بما له فيه اختيار ويفضحه باختياره، كما حدث في مسألة تحويل القبلة:
{  سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا }
[البقرة: 142].

فيعلنها الله تعالى صراحة، ويُسمِّيهم سفهاء؛ لأنهم يعادون الله ويعادون رسول الله، وبعد هذه الخصومة وهذا التجريح قالوا فعلاً ما حكاه القرآن عنهم.

ولم نَرَ منهم عاقلاً يتأمل هذه الآية، ويقول: ما دام أن القرآن حكى عنا هذا فلن نقوله، وفي هذه الحالة يجوز لهم أنْ يتهموا القرآن وينالوا من صِدْقه ومن مكانة رسول الله، لكن لم يحدث وقالوا فعلاً بعد نزول الآية:
{  مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا }
[البقرة: 142] يعني: تركوا التوجه إلى بيت المقدس وتوجهوا إلى مكة، قالوه مع ما لهم من عقل واختيار.

وهذه المسألة حدثتْ أيضاً في شأن أبي لهب لما قال الله عنه:
{  تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ }
[المسد: 1ـ3].

لأنه قالها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمعهم ليبلغهم دعوة الله، فقال له: تباً لك ألهذا جمعتنا. وأبو لهب عم رسول الله، كحمزة والعباس ولم يكن رسول الله يدري مستقبل عمه، فلعله يؤمن كما آمن حمزة وصار أسد رسول الله، وكما آمن العباس بن عبد المطلب.

فلما نزلت
{  تَبَّتْ يَدَآ }
[المسد: 1] كان بإمكانه أنْ يُكذِّبها وأن يؤمن فينطق بالشهادتين ولو نفاقاً، فله على ذلك قدرة، وله فيه اختيار، لكنه لم يفعل.

إذن: من عظمة كلام الله ومن وجوه الإعجاز فيه أنْ يحكم حكماً على مختار كافر به، وهو قرآن يُتْلَى علانيةً على رؤوس الأشهاد، ومع ذلك لا يستطيع التصدِّي له، ويبقى القرآن حُجَّة الله على كل كافر ومعاند.

ولما نتأمل قوله تعالى:
{  إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }
[الحجر: 9] نرى أن الحق سبحانه أنزل القرآن وتولَّى حفظه بنفسه ـ سبحانه وتعالى ـ ولم يُوكله إلى أحد، مع أن في القرآن أشياء وأحداثاً لم توجد بعد، فكأن الله تعالى يحفظها على نفسه ويُسجِّلها ويعلنها، لماذا؟ لأنها ستحدث لا محالة.

فالحق سبحانه لا يخشى واقع الأشياء ألاَّ تطاوعه؛ لأنه مالكها، ألاَ ترى أن الإنسان يحفظ (الكمبيالة) التي له، ولا يهتم بالتي عليه؟ أما ربُّنا عز وجل فيحفظ لنا الأشياء وهي عليه سبحانه وتعالى.

واقرأ إن شئت:
{  سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ }
[القمر: 45] فالله يُسجِّلها على نفسه ويحفظها؛ لأنه القادر على الإنفاذ، وفعلاً هُزِم الجمع وولَّوْا الأدبار وصدق الله.


www.alro7.net