سورة
اية:

اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلاً فيما يشاء من شرعه وقدره ومن الناس لإبلاغ رسالته، { إن اللّه سميع بصير} أي سميع لأقوال عباده بصير بهم، عليم بمن يستحق ذلك منهم كما قال: { اللّه أعلم حيث يجعل رسالته} ، وقوله: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى اللّه ترجع الأمور} أي يعلم ما يفعل برسله فيما أرسلهم به، فلا يخفى عليه شيء من أمورهم، فهو سبحانه رقيب عليهم شهيد على ما يقال لهم، حافظ لهم، ناصر لجنابهم.

تفسير الجلالين

{ الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس } رسلا ، نزل لما قال المشركون (أأنزل عليه الذكر من بيننا) { إن الله سميع } لمقالتهم { بصير } بمن يتخذه رسولاً كجبريل وميكائيل وإبراهيم ومحمد وغيرهم صلى الله عليهم وسلم .

تفسير القرطبي

قوله تعالى { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} ختم السورة بأن الله اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم لتبليغ الرسالة؛ أي ليس بعثه محمدا أمرا بدعيا. وقيل : إن الوليد بن المغيرة قال : أوَ أنزل عليه الذكر من بيننا؛ فنزلت الآية. وأخبر أن الاختيار إليه سبحانه وتعالى. { إن الله سميع} لأقوال عباده { بصير} بمن يختاره من خلقه لرسالته. { يعلم ما بين أيديهم} يريد ما قدموا. { وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور} يريد ما خلفوا؛ مثل قوله في يس { إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا} [يس : 12] يريد ما بين أيديهم { وآثارهم} يريد ما خلفوا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 74 - 77

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إذن: المرحلة الثانية في الإيمان بعد الإيمان بالقمة الإلهية الإيمان بالرسل { ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ.. } [الحج: 75].

والاصطفاء: اختيار نخبة من كثير، واختيار القليل من الكثير دليل على أنها الخلاصة والصفوة، كما يختلف الاصطفاء باختلاف المصطفي، فإنْ كان المصطفِي هو الله تعالى فلا بُدَّ أنْ يختار خلاصة الخلاصة.

والاصطفاء سائر في الكون كله، يصطفي من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسلاً، ويصطفي من الزمان، ويصطفي من المكان، كما اصطفى رمضان من الزمان، والكعبة من المكان. ولم يجعل الحق سبحانه الاصطفاء لتدليل المصطفى على غيره، إنما ليُشيع اصطفاءَه على خَلْق الله، فما اصطفى رمضان على سائر الزمن - لا ليدلل رمضان - إنما لتأخذ منه شحنة تُقوِّي روحك، وتُصفِّيها بقية الأيام، لتستفيد من صالح عملك فيها.

وقد يتكرر الاصطفاء مع اختلاف متعلق الاصطفاء؛ لذلك وقف المستشرقون عند قول الله تعالى:
{  يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَالَمِينَ }
[آل عمران: 42].

يقولون: ما فائدة تكرار الاصطفاء هنا؟ ولو تأملنا الآية لوجدنا فَرْقاً بين الاصطفاء الأول والآخر: الاصطفاء الأول اصطفاء؛ لأنْ تكوني عابدة تقية متبتلة منقطعة في محرابك لله، أما الاصطفاء الآخر فاصطفاء على نساء العالمين جميعاً، بأن تكوني أماً لمولود بلا أب، فمُتعلِّق الاصطفاء - إذن - مختلف.

وتنقسم الملائكة في مسألة الاصطفاء إلى ملائكة مُصْطفاة، وملائكة مُصْطَفًى منها. وفي آية أخرى يقول تعالى:
{  جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً.. }
[فاطر: 1] يعني: كلهم لهم رسالة مع عوالم أخرى غيرنا.

أما في الآية التي معنا، فالكلام عن الملائكة الذين لهم صلة بالإنسان أمثال جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، والحفظة الكاتبين والمكلفين بحفظ الإنسان، فالله تعالى يصطفي هؤلاء، أما الباقون منهم فالله مصطفيهم لعبادته فهم مُهيِّمون لا يدرون عن هذا الخلق شيئاً، وهم الملائكة العالون الذين قال الله عنهم في الحديث عن إبليس:
{  أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ }
[ص: 75] يعني: الذين لم يشملهم الأمر بالسجود؛ لأن لهم مهمة أخرى.

ثم يقول تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [الحج: 75] السمع يتعلق بالأصوات، والبصر يتعلق بالأفعال، وهما كما قلنا عُمْدة الحواسِّ كلها، والحق سبحانه في قوله: { سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [الحج: 75] يُبيّن لنا أن رسله سيُوَاجَهُون بأقوال تؤذيهم واستهزاء، وسيُقَابلون بأفعال تعرقل مسيرة دعوتهم، فليكُنْ هذا معلوماً حتى لا يفُتّ في عَضُدهم، وأنا معهم سميع لما يُقال، بَصير بما يفعل، فهُمْ تحت سمعي وبصري وكلاءتي.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net